حوادث يوم السبت 19 ذي الحجة 35 هـ :
    بويع الإمام علي عليه السلام بالخلافة يوم الجمعة .. وتجلّت سياسة في اليوم التالي .. فاذا علي هو صوت العدالة الإنسانية ، وهو الإسلام الذي لا يعرف افضلية لعربي على عجمي ولا أبيض على اسود إلا بالتقوى .
    اصدر الخليفة الجديد أمره إلى الصحابي عمّار بتوزيع « العطاء » على الناس :
    ـ قم يا عمّار إلى بيت المال ، فاعط الناس ثلاثة دنانير لكل انسان (1) وادفع لي ثلاثة دنانير .
    وانطلق عمار وأبو الهيثم وجماعة من المسلمين إلى بيت المال .. ومضى علي إلى مسجد قباء أول مسجد في تاريخ الإسلام .. مضى ليصلّي ..


= المنية ، فاغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم ، وآلم للقلب من وخز الشفار » . والمقطع الأخير يكشف عن عمق الآلام التي تجرّعها الإمام في تلك الحقة من الزمن .
    (1) لقد عاش علي انساناً ومات انسان ولهذا خلّدته الإنسانية .


( 189 )

    وهناك في البيت الذي يضم خزائن الدولة حدث ما لا يستوعبه العقل البشري .. لقد وجد عمّار أن بيت المال يحوي ثلاثمئة ألف دينار وكان أهل العطاء مئة ألف انسان ؛ ولم يبق دينار واحد !!
    والتفت عمّار إلى من حوله وفي عينيه بريق وخشوع قائلاً :
    جاء الحق من ربكم .. والله ما اعلم بالمال ولا بالناس وان هذه لآية .. وجبت عليكم بها طاعة الرجل .
 

    من هنا مرّ الشيطان :
    واذا كانت سياسة العطاء قد كشفت عن الوجه الإنساني ، والإسلامي لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فأنها قد فجّرت في الوقت نفسه الأحقاد والاطماع .. وفوجئ بها بعض المقرّبين اليه .. جاء سهل بن حنيف وهو من اصحابه فقال مذهولاً :
    يا أمير المؤمنين ... هذا غلامي بالأمس .. وقد اعتقته اليوم .
    فقال الإمام :
    نعطيه كما نعطيك !
    وثارت هذه السياسية حفيظة عدد من الزعامات في طليعتهم : طلحة بن عبد الله .. الزبير بن العوام .. عبد الله بن عمر ..


( 190 )

مروان بن الحكم (1) .. سعيد بن العاص .. وبدأت أول التكتلات المناهضة لعلي وسياسة ؛ وقد امتنع هؤلاء عن حضور توزيع العطاء .. وبذلك سجلوا أول استياء ضد العدالة . وتبلورت المعارضة لتجتمع تحت لواء المصالح والاطماع والاحقاد الدفينة (2) .. وفي المسجد جاء الوليد بن عقبة وهو يمثل التكتل الأموي لمساومة علي فقال :
    ـ يا أبا الحسن : انك قد وتزتنا جميعاً ، أمّا أنا فقد قتلت ابي يوم بدر ، وخذلت أخي يوم الدار بالأمس .
    وأمّا سعيد ( بن عاص ) فقتلت أباه يوم بدر ، وكان ثور قريش .
    وأما مروان فسخّت أباه عند عثمان إذ ضمّه إليه ..
    ونحن اخوانك ونظراؤك .. ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما اصبناه من المال في عهد عثمان .. وأن تقتل قتلة عثمان ، وانا ان خفناك تركناك والتحقنا بالشام .
    قال الإمام واضعاً النقاط على الحروف :


    (1) ان في بقاء مروان بن الحكم حرّاً طليقاً في المدينة يكشف عن روح العهد الجديد في تحمله « الآخر » حتى لو كان نقيضاً .
    (2) ان المرء ليكاد يضعق وهو يشاهد الزبير بن العوام بماضيه المشرق مع مروان بن الحكم في جبهة واحدة .


( 191 )

    ـ اما ما ذكرتم من وتري اياكم فالحق وتركم .
    واما وضعي عنكم ما اصبتم فليس لي ان اضع حق الله عنكم ولا عن غيركم .
    واما قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ، ولكن لكم علي ان خفتموني أن أؤمنكم ، وأن خفتكم أن اسيّركم .
    وعندما انتهت مراسم توزيع العطاء ، انطلق علي عليه السلام إلى العمل في بئر الملك (1) .
    وقد رفض كل من طلحة والزبير ، وعبد الله بن عمر استلام حقوقهم من العطاء ، وجاءوا يطلبون الاجتماع بعلي .
    قال طلحة حانقاً :
    ـ هذا منكم أو من صاحبكم ؟ (2)
    اجاب عمّار :


    (1) كان الامام علي عليه السلام يعمل في حفر الآبار والعيون قبل الخلافة واستمر بعدها ، ولم تغير الخلافة من حيابه شيئا ، وقد أوقفها جميعاً على الحجاج المؤمنين ، وهذه قائمة باوقافه :
    عن البيحر * عين جبير * عين خيف ليلي * عين خيف بسطاس * بئر الملك * عيون المدينة * عين ابي نيزر * وادي قرعة قريباً من فدك * عين نولا * البغيبغة * أرينة .
    (2) يكشف اسلوب الخاطب عن عدم اعترفهم بعلي كأمير للمؤمنين كما هو الحال في خطاب الوليد بن عقبة .


( 192 )

    ـ هذا أمره لا نعمل إلا بامره .
    ـ استأذنوا لنا عليه .
    ـ ما عليه آذن هو في بئر الملك يعمل .
    ومن المدهش أننا نرى هؤلاء الثلاثة يستمرون في غيّهم فيمتطون خيولهم متوجهين إلى « بئر الملك » .
    كان الجوّ حاراً وكان علي يعمل في الأرض مع أجير له وقد تصببا عرقاً ؟ قال طلحة متضايقاً :
    ـ ان الشمس حارّة فارتفع معنا إلى الظل ..
    واستجاب الإمام إلى رغبتهم فجلس اليهم تحت ظلال شجرة ابتدأ طلحة الحديث فقال :
    ـ لنا قرابة من نبي الله وسابقة جهاد .. وانك اعطيتنا بالسوية .. ولم يكن عمر ولا عثمان يفعلان ذلك .. كانوا يفضلوننا على غيرنا .
    اجاب الإمام مذكراً اياهم بطريقة ابي بكر :
    ـ فهذا قسم ابي بكر .. وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه .
    اجاب الزبير :
    ـ فسابقتنا .
    قال أمير المؤمنين موجهاً خطابه لطلحة وزبير .


( 193 )

    ـ انتما اسبق مني ؟
    ـ لا ... فقرابتنا منه .
    ـ أقرب من قرابتي ؟
    ـ لا .. فجهادنا .
    ـ اعظم من جهادي ؟
    ـ لا .
    ـ والله ما أنا في هذا المال واجيري الا منزلة سواء .
    ومع كل هذه الحجج المقنعة الا أن طلحة والزبير كما يبدو قد ركبا رأسيهما ورفضا الا نصياع للأمر الواقع لقد بنيا مجديهما على تلك الامتيازات الوهمية وراحا ينظران إلى كل شيء من خلال تلك الأوهام .
    وشهد اليوم التالي انفجاراً في المسجد عندما حاول عمّار الدخول معها في حوار (1) .. ورفض طلحة باسلوب عنيف الحديث صارخاً :
    ـ اعرف أن في كل واحد منكم خطبة ..
    وأساء عبد الله بن الزبير الأدب في خطابه لشيخ الصحابة


    (1) خشي عمار من أن يلعب الأمويون بزعامة مروان بمشاعرهما وجرّهما الى تفجير الوضع مع الامام وهو ما حصل بعد ذلك .


( 194 )

عمار فاخرج من المسجد .. وهنا غادر الزبير المسجد منزعجاً وتأزمت الأوضاع ، وقد ذرّ الشيطان قرنيه .. واحيط الامام علماً بحركة الانشقاق .. والتي تتخذ من القدم في اعتناق الإسلام ذريعة للحصول على امتيازات دنيوية زائلة ..
    وشعرالإمام بالغضب .. وغادر منزله إلى المسجد فالقى خطاباً مريراً انتقد فيه هذه الظاهرة المؤسفة قائلاً :
    ـ يا معشر المهاجرين والأنصار ! اتمنون على الله ورسوله باسلامكم ؟ بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للايمان ان كنتم صادقين .. وارتفعت نبرة الإمام وهو يهتف بغضب :
    انا أبو الحسن .. ألا أن هذه الدنيا التي تتمنونها وترغبون فيها .. واصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ، فلا تغرّنكم .. وامّا هذا الفيء فليس لاحد اثرة .. فقد فرغ الله من قسمته .. وهو مال الله وانتم عباد الله المسلمون .. وهذا كتاب الله ، به أقررنا وله اسلمنا وعهد نبينا بين اظهرنا ..
    ونزل الإمام وصلّى ركعتين .. وبعث عمّاراً لاستدعاء الزبير وطلحة لاجراء حوار معهما ؟
    قال علي :
    ـ نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني اليها واني كاره ؟


( 195 )

    ـ نعم .
    ـ غير مجبورين ؟
    ـ نعم .
    فما دعاكما إلى ما أرى ؟
    ـ اعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الأمور دوننا .. ولنا من الفضل على غيرنا ما قد عملت .
    وشعر الإمام بالغضب .. لقد تمكّن الشيطان من نفخ روحه فيهما وقديماً رفض ابليس السجود لآدم قائلاً : انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين !
    قال علي وهو نحاول قهر الشيطان فيهما :
    ـ لقد نقمتما يسيراً وارجأتما كثيراً .. فاستغفرا الله يغفر لكما .. الا تخراني .. ادفعتكما عن حق واجب لكما فظلمتكما إياه ؟
    ـ معاذ الله .
    فهل استأثرت من هذا المال بشي ؟
    ـ معاذ الله .
    ـ أوقع حكم أو حدّ من المسلمين فجهلته أو ضعفت فيه ؟
    ـ معاذ الله .
    وانطلقت صرخة مظلوم ظلّت مكبوتة ربع قرن :


( 196 )

    ـ فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟
    ـ خلافك عمر في القسمة .. انك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسوّيت بيننا وبين غيرنا .
    وذكرّهم الإمام بان السابقة والجهاد في الإسلام لا يمكن أن تكون قاعدة تنهض عليها الامتيازات الدنيوية انها إذا خلصت لله فستكون المجد والمستقبل الحقيقي للمسلم في الآخرة :
    ـ أمّا قولكما جعلت فيئنا وأسيافنا ورماحنا سواء بيننا وبين غيرنا ، فقديماً سبق الإسلام قوم ، ونصروه بسيوفهم ورماحهم ، فلا فضّلهم رسول الله بالقسم ولا آثر بالسبق ، والله موفٍ السابق المجاهد يوم القيامة ..
    ووصل الحوار إلى طريق مسدود ، لقد وضعت الاصابع في الآذان ولم يعد للمواعظ معنى في زمن يبرق المعدن الأصفر فيخلب العقول والأبصار .
 

الطريق إلى البصرة :
    تسارعت الأحداث .. وشهد ليل المدينة رجلاً ملثمين يجتمعون في الظلام يتآمرون للاطاحة بالعهد الجديد .. لوأد الشمس التي اشرقت بعد ليالي الشتاء الطويل . لقد تحول عثمان بين ليلة وضحاها إلى مظلوم بعد أن كان ظالماً ها هو طلحة الذي انفر اموالاً طائلة وقدم مساعدات كبيرة من اجل الاطاحة بعثمان يتهيأ


( 197 )

    للفرار إلى مكّة من اجل المطالبة بدم عثمان ، لقد اصبح عثمان مظلوماً .. لأنهم فقدوا بغيابه الدنيا الجميلة .. دنيا القصور والإمتيازات والليالي الجميلة !
    ووصلت الحوادث منعطفاً خطيراً عندما دخلت عائشة زوج النبي أم المؤمنين قلب الأحداث لترفع فيما بعد راية التمرّد على الشرعية ؛ حتى عائشة التي كانت بالأمس تهاجم عثمان بقسوة باتت تهتف بظلامته اليوم ! ...
    وهنا يتوقف التاريخ مذهولاً ... فاذا بالذين قتلوا عثمان في الخامس عشر من ذي الحجة الحرام يرفعون لواء المطالبة بدمه من علي (1) .
    وهكذا وجد مروان بن الحكم ان الظروف تسير في صالحه ففرّ إلى مكّة ومعه بنو أمية فاجتمعت الاحقاد والاطماع والمصالح تحت راية عائشة لا حبّاً بعثمان ولكن كرهاً لعلي ... وانفق الامويون أموالاً طائلة لتجهيز جيش المتمرّدين الذي تحرك صوب البصرة بقيادة عائشة (2) زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


    (1) يقول عليه السلام : « انهم ليطلبون حقاً هم تركوه ودماً هم سفكوه .. فلئن كنت شريكهم فيه فأن لهم لنصيبهم منه ، ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعه إلا عندهم ... وان اعظم حجّتهم لعلى انفسهم .. يرتضعون امّاً قد فطمت ... ويحيون بدعة قد اميتت .. يا خيبة الداعي من دعا ! والام أجيب !!! »
    (2) اقترح عبد الله بن عباس على الإمام أن يخرج معه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لتقوية =


( 198 )

    واصيب البصريون بالدهشة وهم يرون عائشة وطلحة والزبير قد جاءوا إلى البصرة للطلب بدم عثمان الذي قتل في المدينة !
    وفي البصرة حدثت اشتباكات عنيفة مع انصار الإمام وقع فيها عشرات القتلى والجرحى .
    وتحرك الإمام بقوّاته باتجاه العراق ، وعسكر في منطقة « ذي قار » ينظر وصول الامدادات من الكوفة ، غير أن الوالي (1) وكان عثماني الهوى قد وقف إلى جانب عائشة ، وراح يحدث الناس نكث البيعة وعدم مساندة الإمام ؛ وقد وصل الحسن بن علي وعمّار لحث الكوفيين على الالتحاق بجيش الإمام ، وظل الموقف على ما هو عليه ولم تجد خطابات نجل الإمام ولا صاحبه في تغيير الموقف ، وهنا وصل مالك الأشتر على جناح السرعة ، فاقتحم قصر الامارة بالقوّة ، وطرد الوالي الذي غادر القصر مذموماً مدحوراً .