العجل الجديد :
    وفي يوم الخميس العاشر من جمادي الأولى سنة 36 هـ


    = موقفه ولكن الإمام رفض ذلك قائلاً :
    ـ لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان إخراج عائشة . وكانت أم سلمة من أكثر أزواج انبي صلى الله عليه وآله وسلّم اخلاصاً للإمام عليه السلام ؛ وقد دخلت في جدل مع عائشة حول العواقب الوخيمة التي سترتب على تمرّها وحمايتها للناكثين واعلانها الحرب .
    (1) أبو موسى الأشعري .


( 199 )

شهدت منطقة « الخريبة » (1) من ارض البصرة حشود عسكرية هائلة وكان جيش الإمام علي يضم ثمانين « بدرياً » ومئتين وخمسين صحبياً شاكورا في بيعة الرضوان (2) . وتقدمت عائشة على جمل وعن يمينها وشمالها الزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ! وقد حاول الإمام علي عليه السلام التوصّل إلى حلّ سلمي وذكّر الزبير بن عوام بحديث لرسول الله (3) . وكاد الزبير ان يتراجع في اللحظات الأخيرة قبل اشتعال المعركة لولا تدخل ابنه عبد الله الذي اتهم أباه بالجبن ...
    وعرض الإمام مرّه اخرى التحاكم إلى كتاب الله وحقن الدماء ، ولكن المتحمسين للحرب في جيش عائشة أمطروا الشاب الذي حمل القرآن في منطقة القتال بوابل من السهام فسقط شهيداً كما سقط بعض الجرحى في جيش الإمام .
    هنالك دعا علي ابنه محمداً وسلّمه راية الجيش العظمى


    (1) بالقرب من انقاض مدينة فارسية قديمة وتعرف اليوم بمحلة الزبير حيث يوجد قبر طلحة .
    (2) البيعة التي سبقت صلح الحديبية سنة 6 هـ وتعرف ببيعة الشجرة .
    (3) سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الزبير ذات يوم في احدى المناسبات : اتحب علياً ؟ فقال الزبير : وما يمنعني من حبّه وهو ابن خالي !! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : اما انك ستخرج عليه يوماً وانت ظالم .
    وكان الإمام علي يقول : ما زال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتى شب ابنه المشؤوم .


( 200 )

وكانت راية رسول الله ، وقال :
    ـ يا بني هذه راية ما ردّت قط ولا ترد .. يا أبا القاسم !
    قد حملت الراية وانا اصغر منك ...
    وكثف جيش الناكثين هجومه بالسهم .. فاصدر الامام أمره بالهجوم العام .. واشتبك الفريقان في معارك ضارية ، وتحوّل الجمل في نوبة من نوبات الجنون الوثني إلى عجل جديد .. إذ دارت حوله اعنف الاشتباكات وقد كان الهودج مصفحاً بالحديد وهتف الإمام وهو يرى عنف المعارك حوله :
    ـ اعقروا الجمل وإلا فنيت العرب .
    وبسقط الجمل (1) خفّت حدّة المعارك وبدأت جبهات الناكثين تتزلزل بشدّة تحت وقع ضربات المحاربين .
    وأمر علي ربيبه محمد بن أبي بكر أن يبادر إلى الهودج ويحمي أخته ! وحسم جيش على المعركة في ساعات معدودة (2) .
    وفوجئت عائشة بيد تمتد داخل الهودج فصاحت :


    (1) وفي هذا خاطب الإمام أهل البصرة منتقداً اياهم : « كنتم جند المرأة واتباع البهيمة رغا فاجبتهم وعقر فهربتم ، اخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق » .
    (2) بدأت المعركة في منتصف النهار وانتهت قبيل الغروب .


( 201 )

    ـ من أنت ؟!
    ـ أبغض اهلك اليك .
    ـ ابن الخثعمية ؟!
    ـ نعم ولم تكن دون امهاتك .
    ـ لعمري بل هي شريفة .. دع عنك هذا .. الحمد لله الذي سلّمك .
    ـ قد كان ذلك ما تكرهين .
    ـ يا أخي لو كرهته ما قلت الذي قلته .
    كنت تحبين الظفر واني قتلت ؟
    ـ كنت أحب ذلك فاكفف .
    وجاء الإمام فقرع الهودج بالرمح وقال بلهجة فيها غضب وحزن :
    ـ يا حميراء ! بهذا اوصاك رسول الله ؟!
    اجابت عائشة :
    ـ يا ابن ابي طالب : ملكت فاصفح .
    فقال الإمام وهو يطلق آهة حرّى :
    ـ والله ما ادري متى اشفي غيظي ؟
    احين أقدر على الانتقام فيقال لي لو غفرت ؟!
    أم حين اعجز فيقال لي لو صبرت ؟


( 202 )

    غير أن الامام لا يجد سوى الصبر سلاحاً .. والصبر سلاح الأنبياء :
    ـ بلى اصبر فإنّ لكل شيء زكاة وزكاة القدرة العفو ! والتفت الإمام الى محمد بن أبي بكر (1) وقال :
    ـ شأنك باختك لا يدنو منها احد سواك .
    لقد اسفرت معارك الجمل الضارية عن سقوط ما يقارب من خمسة وعشرين ألف مقاتل ستة آلاف من جيش علي عليه السلام .
    وقد لقي طلحة مصرعه خلال احتدام المعارك (2) ، وتضاربت الانباء حول انسحاب الزبير من أرض المعركة هل كان قبل احتدام المعارك أو بعدها ، وفي كل الأحوال فقد اغتيل في « وادي السباع » (3) ، وكانت دوافع القاتل الاطماع فقد حمل رأسه وسيفه وجاء يبشر علياً عليه السلام .. وتناول الإمام سيف الزبير وتمتم أسفاً :


    (1) محمد بن أبي بكر أمه اسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر الطيار الشهيد بمؤمتة تزوجها أبو بكر فانجبت له محمداً فتزوجها علي بعد وفاة أبي بكر وكان محمد يومها صغيراً فتربى في احضان علي عليه السلام وكان يقول فيه :
    ـ محمد ابني ولكنه من صلب أبي بكر ؛ استشهد في مصر على أيدي عملاء معاوية واحرق جثمانه .
    (2) اغتاله مروان الذي يرى أن قاتل عثمان الحقيقي طلحة ، وقد اطلق باتجاهه سهامه قائلاً :
    ـ اينما اصابت فتح .
    (3) صفوان بالقرب من الحدود الكويتية .


( 203 )

    ـ سيف اعرفه .. طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله ..
    واردف الإمام مخاطباً « ابن جرموز » :
    ـ والله ما كان ابن صفية جباناً ولا لئيماً ، ولكنه الحين ومصارع السوء .
    قال ابن جرموز وهو يتطلع إلى المكافأة :
    ـ الجائزة يا أمير المؤمنين ؟
    وانبعثت في اعماق الإمام نبوءة قديمة :
    اما اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : بشّر قاتل ابن صفية بالنار .
    واصدر الإمام علي صلى الله عليه وآله وسلّم عفواً عاماً (1) إثر توقف العمليات الحربية ، ومنع أخذ غنائم الجيش المهزوم سوى ما استخدم للحرب من اسلحة ووسائط نقل .
    وطالب بعضهم الإمام بالسبي فرفض ذلك فقالوا مستنكرين :
    ـ كيف تحلّ لنا دماءهم وتحرّم علينا سبيهم ؟!
    فاجاب الإمام :
    ـ كيف تحل لكم ذرّية ضعيفة في دار الهجرة الإسلام ؟!


    (1) لاذ مروان بن الحكم بالحسن والحسين وصفح عنه الإمام ؛ كما صفح عن عبد الله بن الزبير بالرغم من شتائم الأخير للإمام قبيل المعركة .


( 204 )

    وعندما رأى اصرارهم قال :
    ـ فاقرعوا على عائشة إذن .
    فهتفوا عندها مستغفرين :
    ـ نستغفر الله يا أمير المؤمنين !
    لقد كشف معركة الجمل والحوادث التي تلتها عن مستويات متدنية من الوعي الديني .. وعمّقت التيارات المتناقضة التي استشرت في فكر الأمّة وضميرها ، ومهدت الطريق أمام كارثة صفين .
 

حوار مع الاصفر :
    ودخل الإمام بيت المال ، ورأى دنان الذهب والفضة قال :
    ـ يا صفراء غرّي غيري ، والقى نظرة فاحصة وقال فرّقوه خمسمئة خمسمئة ، واخذ الإمام نصيبه اسوة بجنوده فجاء رجل وقال :
    ـ كنت شاهداً بقلبي وان غاب عنك جسمي .
    فاعطاه علي نصيبه وانصرف صفر اليدين حامداً الله إذ لم يحصل على شيء من الفيء ..
    ولمّا عوتب على التسوية في العطاء قال :
    ـ اتأمروني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟! والله لا اطور به ما سمر سمير ، وما امّ نجم في السماء نجماً ؛ لو كان المال


( 205 )

لي لسوّيت بينهم فكيف وانما المال مال الله (1) .
    والقى الإمام نظرة حزن على جثث القتلى ، ومّر بطلحة (2) وهو جثة هامدة وقد غمر الظلام الاشياء فقال بأسى :
    ـ لقد اصبح « أبو محمد » بهذا المكان غريباً ! أما والله لقد كنت اكره ان تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب
 

مشهد في البصرة :
    وخلال مكوثه في البصرة توجه الإمام إلى منزل احد اصحابه وهو العلاء بن زياد الحارثي ليعوده في علّة المّت به .. وتأمّل الإمام سعة الدار فقال لصاحبه وهو يحاوره :
    ـ ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ، وانت اليها في الآخرة كنت أحوج ؟


    (1) قال عبد الله بن عباس ( رض ) : دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام بـ ( ذي قار ) ـ المنطقة التي توقف فيها الإمام منتظراً الامدادات الحربية القادمة من الكوفة ـ وهو يخصف نعله فقال لي : ما قيمة هذا النعل ، فقلت : لاقيمة لها فقال عليه السلام : والله لهي احبّ الي من امرتكم ، الا أن اقيم حقاً ، أو أدفع باطلاً ، ثم خرج الإمام فخطب في الحشود العسكرية .
    (2) تحوّل طلحة في أواخر عمره إلى شخصية عنيفة ترفض الحوار ؛ يدل على ذلك طريقته في حلّ الازمة مع عثمان ، وحواره مع عمار عقيب تولّي الإمام مهام الخلافة وتوجيه الإمام لعبد الله بن عباس عندما بعثه إلى زعماء الناكثين وفتح باب الحوار معهم يقول الإمام : « لا تلقينّ طلحة ، فانك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه ؛ يركب الصعب ويقول هو الذلول .. ولكن الق الزبير فانه الين عريكة فقل له ... » .


( 206 )

    ويجيب الإمام ليفتح الطريق أمام الأغنياء الصالحين فيقول :
    ـ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تقري بها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها .. فاذا انت قد بلغت بها الآخرة .
    قال العلاء بصوت واهن وقد وجد له فرصة ليشكو اليه أخاه :
    ـ يا أمير المؤمنين اشكو اليك أخي عاصم .
    قال الإمام :
    ـ ماله ؟
    ـ لبس العباءة تخلّى عن الدنيا .
    وانبرى الإمام ليواجه ظاهرة التصوف :
    ـ عليَّ به .
    لقد حدّد علي موقفه من الغنى فياترى ماذا سيكون موقفه مع الذين يتركون الدنيا ويديرون وجوههم لها ؟
    جاء عاصم أخو العلاء .. كان يرتدي عباءة صوف رثّة .
    قال الإمام بلهجة فيها عتب خفيف :
    ـ يا عُديَّ (1) نفسه ! لقد استهام بك الخبيث ..


    (1) تصغير عدوّ .


( 207 )

    اما رحمت أهلك وولدك !
    أترى الله احلّ لك الطيبات وهو يكرة أن تأخذها ؟
    أنت أهون على الله من ذلك .
    نظر عاصم إلى ثياب أمير المؤمنين ربّما كانت أكثر رثاثة من ثيابه فقال :
    ـ يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك .
    قال الإمام وهو يفلسف له الحاكم القدوة :
    ـ ويحك أني لست كأنت .. ان الله تعالى فرض على ائمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كلا يتبيغ (1) الفقير بفقره .