العاصمة الجديدة :
    كان الإمام يدرك انّ الخطر القادم يكمن في الشام حيث يمارس معوية بن أبي سفيان سياسته المشبوهة في غسل الادمغة ، وتزوير الحقائق ، وتوجيه الرأي العام الجهة التي تخدم مصالحه وتحقق طموحاته الشخصية . ومن هنا اختار الإمام الكوفة عاصمة جديدة للدولة الإسلامية لموقعها الاستراتيجي ووفرة مواردها الاقتصادية .


    (1) يجتاحه احساس بالالم والمرارة .


( 208 )

    غادر أمير المومنين عليه السلام مدينة البصرة بعد أن عيّن عليها والياً جديداً هو عبد الله بن عباس ، وفي البصرة قال كلمته الخالدة :
    ـ ارضكم قريبة من الماء بعيدة عن السماء ؛ والتي اثارت التساؤلات لدى سامعيها عقوداً طويلة من الزمن (1) .
    واتجه الإمام إلى الكوفة فهمس وقد لاحت من بعيد باسقات النخيل :
    ـ ويحك يا كوفان ؛ ما اطيب هواءك واغذى تربتك الخارج منك بذنب ، والداخل منك بذنب ، والدخل اليك برحمة ؛ لا تذهب الأيام والليالي حتى يجيء اليك كل مؤمن ، ويبغض المقام بك كل فاجر ، وتعمرين حتى ان الرجل من أهلك ليبكّر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة ..
    وقد وصل الإمام الكوفة يوم الاثنين الثاني والعشرين من


    (1) كتب عبد الحميد ابي الحديد يقول : « اما قوله عليه السلام ( بعيدة عن السماء ) فان ارباب علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون أن ابعد موضع في الأرض عن السماء «الأبلّة » وذلك موافق لقوله عليه السلام .
    ومعنى البعد عن السماء ها هنا هو : بعد تلك الأرض عن دائرة معدّل النهار .. وقد دلّت الارصاد والآلآت النجومية على أن ابعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النهار هو الأبلّة هي قصبة في البصرة .. » .
    واضاف يقول : « وهذا من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام لأنه اخبر عن أمر لا تعرفه العرب ولا تهتدي اليه ، وهو مخصوص بالمدققين من الحكماء ، وهذا من اسراره وعجائبه »| شرح نهج البلاغة 1 : 268 .


( 209 )

رجب سنة 36 هـ (1) .
    وعرض على الإمام أن ينزل في قصر الامارة فرفض قائلاً :
    ـ هذا قصر الخبال لا حاجة لي في نزوله .
    واتجه إلى المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين ... وفي يوم الجمعة القى الإمام خطاباً وعظياً حذّر فيه المؤمنين من الدنيا جاء فيه :
    أوصيكم عباد الله بتقوى الله ..
    احذروا من الله ما حذّركم من نفسه .. واشفقوا من عذاب الله ، فانه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من امركم سدىً .. قد سمّى آثاركم وعلم اسراركم ، واحصى اعمالكم ، وكتب آجالكم .. فلا تغرّنكم الدنيا فانها غرارة لاهلها ، والمغرور من اغترّ بها ، وإلى فناء ما هي ، وان الدار الآخرة هي دار القرار (2) .
 

ارهاصات الحرب :
    شهدت دمشق بعد مصرع عثمان بدء الاستعدادات على قدم وساق للقيام بأوسع تمرّد ضد الشرعية ، وتصاعدت وتيرة النشاط بعد حرب الجمل وما تمخض عنها من جراح في اعماق الامّة .


    (1) 14 كانون الثاني 657 م .
    (2) من يتأمل في نهج البلاغة وهو يضم آثار الإمام يلمس بوضوح نهج الإمام في محاولة اعادة الروح إلى الضمير المسلم من خلال تجسيد سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قولاً وعملاً .


( 210 )

    وعرف معاوية من أين ستؤكل الكتف ، فرفع قميص عثمان ليكون افضل ذريعة لاعلان الحرب على الإمام .
    وبدأ معاوية نشاطاً محموماً في تعبئة كل ما يمكن ضد علي عليه السلام وكثف من مراسلاته للشخصيات والزعامات في مختلف مناطق الدولة الإسلامية .
    وفي تلك الفترة تبلورت في ذهن معاوية التحالف مع عمرو ابن العاص ضد أمير المؤمنين عليه السلام (1) .
    وكان الإمام علي عليه السلام قد ارسل مبعوثه جرير بن عبد الله البجلي لأخذ البيعة واجتمع جرير بعاوية وسلّمه رسالة الإمام وقد جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

    من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان .
    أما بعد ..
    فقد لزمك ومن قبلك من المسلمين بيعتي ؛ وانا بالمدينة وانتم بالشام .
    لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان .. فليس


    (1) اجتمع معاوية بأركان اسرته لتدارس الوضع فاقترح عتبة أخوه عليه استدعاء ابن العاص قائلاً : استعن على امرك بعمرو بن العاص . وكان الأخير مقيماً في مقاطعاته في فلسطين .


( 211 )

للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وانما الأمر في ذلك للمهاجرين والأنصار ، فادا اجتمعوا على رجل مسلم ، فسمّوه اماماً كان ذلك لله رضى فان خرج من أمرهم أحد بطعن فيه أو رغبة عنه رد إلى ما خرج منه ؛ فان أبى على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، ولاه الله ما تولّى ، ويُصله جهنم وساءت مصيرا .
    فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم اليّ ، احملك واياهم علىُ ما في كتاب الله وسُنّة نبيّه ..
    فامّا تلك التي تريدها (1) ، فانما هو خدعة الصبي عن الرضاع (2) .
    كان معاوية يهدف إلى كسب المزيد من الوقت ريثما يصل عمرو بن العاص (3) .
    على أن ذلك لم يمنع معاوية من الاحتفاء بجرير واكرامه ومحاولة كسبه إلى جانبه .


    (1) كان الإمام يدرك منذ الأيام الأولى للأزمة أن معاوية انما يطمح للخلافة .
    (2) الأخبار الطوال : ص 157 .
    (3) سرعان ما لبّى بن عاص دعوة معاوية بل اصبحت الشام ملاذاً لكل الطامعين في دنيا معاوية والهاربين من وجه العدالة من ارباب السوابق والمجرمين .


( 212 )

    ويبدو أن سياسته قد نجحت فقد تأخر جرير في عودته من مهمّته .
    وفي الكوفة شعر بعضهم بالقلق ازاء ما يجري في الشام فاشاروا على الإمام بالستعداد واعلان الحرب ؛ غير ان الإمام لم يجد ذلك مناسباً لأنه سوف يئد كل مشروع خيّر فقال :
    ـ ان استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم ، اغلاق للشام وصرف لأهله عن خير ارادوه ؛ ولكن وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً (1) ، والرأي عندي مع الأناة .
 

الحلف الدنس :
    وصل عمرو بن العاص دمشق ودخل مع معاوية على الفور في مفاوضات مكشوفة انتهت بتحالف دنس .
    لقد عرف كل منهما صاحبه ، فمعاوية يحتاج إلى عقل ذكي وشخصية يمكنها أن تلبس الاشياء غير ثوبها الحقيقي ، شخصية متلوّنة وصولية ، انتهازية لا تعرف شيئاً مقدساً . عمرو بن العاص يحتاج هو الآخر إلى من يمكنه من تحقيق طموحاته وأطماعه وبكلمة واحدة يصنع له دنياه .
    لنتأمل في جانب من حوار الرجلين :


    (1) وقد صدق حدس الإمام إذ عاد إلى الكوفة وهو يهوّل من قدرة أهل الشام وضخامة قوّاتهم ، وما لبث جرير أن فرّ من الكوفة تحت جنح الظلام .


( 213 )

    قال معاوية :
    ـ با أبا عبد الله ، طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة امور ، ليس فيها ورد ولا صدر .
    ـ ما هنّ ؟
    ـ امّا أولهن : فان محمد بن حذيفة (1) كسر السجن وهرب إلى مصر فيمن كان معه من اصحابه وهو من اعدى الناس لنا .
    واما الثانية :فان قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج الينا ليحاربنا على الشام .
    وامّا الثالثة :فان جريراً قدِم رسولاً لعلي بن ابي طالب يدعون إلى البيعة له أو ايذان بحرب .
    لنرى الآن اجوبة ابن العاص ، ورؤيته في معالجة المشكلات ، وكيفية نفوذه لتحقيق غاياته ، قال عمرو :
    ـ اما ابن حذيفة فما يغمّك من خروجه من سجنه في اصحابه ،


    (1) محمد بن حذيفة بن عتبتة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، صحابي جليل القدر ولد في ارض الحبشة في عهد النبوّة ، استشهد أبوه في معارك اليمامة للقضاء على مسيلمة الكذاب .
    كان من ابرز المعارضين لسياسة عثمان ، وهو صاحب القولة المشهورة يخاطب فيها جيوش الفتح الإسلامي قائلاً : انّا تركنا الغزو وراءنا ـ أي الجهاد ضد عثمان ـ القى معاوية القبض عليه وسجنه وفرّ من السجن ولكنه لقي مصرعه على أيدي جلاوزة معاوية في مصر .


( 214 )

فارسل في طلبه الخيل ، فان قدرت عليه فذاك وان لم تقدر عليه لم يضرّك .
    ـ وأمّا القيصر (1) ، فاكتب اليه تعلمه انك تردّ عليه جميع من في يديك من اسرى الروم ، وتسأله المصالحة .
    وامّا علي بن ابي طالب ..
    سكت عمرو لحظات ليسدّد سهامه فقال :
    ـ ان المسلمين لا يساوون بينك وبينه ..
    قال معاوية مقاطعاً :
    ـ انه مالأ على قتل عثمان ، واظهر الفتنة ، وفرّق الجماعة .
    وتظاهر عمرو بتأييد تخرصات معاوية وقال :
    ـ انه وإن كان كذلك .. فليست لك مثل سابقته وقرابته ، وبرقت في عينيه الاطماع فاردف قائلاً :
    ـ ولكن ما لي ان شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد ؟
    أعطى معاوية صاحبه صكّاً مفتوحاً :


    (1) فكر قسطنطين الثالث باستعادة سوريا وفلسطين مستغلاً نشوب الحرب الأهلية واندلاع الخلافات الداخلية ، وبدأت حشود الرومان العسكرية بالتحرك ، واندفع معاوية إلى ابعد الحدود في الخنوع والخيانة فلم يكتف باعادة الاسرى الروم بل زاد على ذلك تعهده في دفع أتاوة سنوية للقسطنطينية ، كان من ضمنها تقديم ثمنمئة من الخيول العربية الاصيلة كل عام .


( 215 )

    ـ حكمك .
    قال عمرو وقد سال لعابه لمملكة الفراعنة :
    اجعل لي مصر طعمة مادامت لك ولاية .
    سكت معاوية ان مفاوضه يريد مصر لقمة خالصة له لا يشاركه فيها أحد ، قال بعد لحظات صمت :
    ـ لو شئت أن أخدعك خدعتك .
    قال عمرو وقد برقت عيناه كثعلب :
    ـ ما مثلي يخدع .
    ـ ادنُ مني اسارّك .
    وارهف عمرو أذنيه لمعاوية الذي قال :
    ـ هذه خدعة ، هل ترى في البيت غيري وغيرك .
    وأردف :
    ـ اما تعلم أن مصر مثل العراق ؟
    قال عمرو بخبث :
    ـ غير انها انما تكون لي اذا كانت لك الدنيا ، وانما تكون لك إذا غلبت علياً .
    وفي النهاية تمت الصفقة ، وتأسس الحلف الدنس بين رجلين جمعتهما المصالح والاطماع .


( 216 )

    وفي جوّ محموم حرّر الطرفان صيغة الاتفاق واصبحت مصر شعباً ومقدّرات وثروات ( طُعمة ) لعمرو بن العاص بموجب ذلك الاتفاق .
    وبدأ الطرفان منذ ذلك التاريخ التخطيط لمواجهة الخطر القادم من العراق .
    ولقد حاول الإمام علي اسداء النصح إلى عمرو بن العاص قبل أن ينغمس في دنيا فبعث اليه برسالة هذا نصّها :

بسم الله الرحمن الرحيم


    من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص ..
    اما بعد ..
    فان الدنيا مشغلة عن غيرها ، صاحبها منهوم فيها ، لا يصيب منها شيئاً إلا ازداد عليها حرصاً ، ولم يستغن بما نال عما لا يبلغ ، ومن وراء ذلك فِراق ما جمع ؛ والسعيد من اتعّظ بغيره فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في باطله ، فانه سَفِه الحق واختار الباطل ... والسلام (1) .
    غير ان ابن العاص كان قد سقط في حبائل الشيطان ولم يعد يبصر امامه شيئاً سوى « مصر » ..


    (1) الأخبار الطوال : ص 164 .


( 217 )

    وهكذا بدأ التحضير لتفجير الصراع مع علي وفق خطّة مدروسة بعناية . ومن خلال الحوادث التي رافقت انفجار الاوضاع في صفين يبرز وجه عمرو بن العاص كعقل مدبّر وسياسي ماكر ؛ فقد اشار على معاوية بعد عودة مبعوث الإمام إلى الكوفة الا يعلن نفسه خليفة ابداً ، وأن يبذل قصارى جهده في اشاعة أكبر اكذوبة في تاريخ الإسلام وفي مسؤولية علي عليه السلام الكاملة عن مقتل عثمان ؛ وأن المطالبة بدمه سوف توحّد الرأي العام في الشام لصالحه (1) .
    وقد رتب معاوية خطّة ماكرة في كسب علية القوم في الشام حتى باتوا اكثر حماساً من معاوية نفسه في مناوئة أهل العراق ورفض خلافة علي عليه السلام .
    وفي هذا قال علي عليه السلام في احدى المناسبات : « ألا وأن معاوية قاد لمّة من الغواة وعمّس عليهم الخبر حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية » . وراح ابن العاص يطلق الأكذاب تلو الأكاذيب ضدّ علي على طريقة كذّب ثم كذّب حتى يصّدق الناس ؛ حتى راحت


    (1) قال عمرو : « لست أرى لك أن تدعوا أهل الشام إلى الخلافة فان في ذلك خطر عظيم ، حتى تتقدم قبل ذلك بالتوطين للأشراف منهم .. بأن علياً قتل عثمان ، فانها كلمة جامعة لك أهل الشام » .
    ولم يتوان معاوية في استثمار قميص عثمان لحظة واحدة ؛ حتى يمكن القول أن معاوية لم يرتد قميص الخلافة إلا بعد أن حصل على ذلك القميص الملطخ بالدماء .. ولا يملك الباحث من الأدلّة المقنعة ما يمنعه من الاعتقاد باشتراك معاوية ـ ولو من وراء ستار ـ في التآمر على قتل عثمان الذي بلغ من العمر عتياً ! .


( 218 )

اكاذيبه تزكم الانوف ، ووصلت اخبار العراق فقال علي :
    ـ عجباً لابن النابغة !! يزعم لأهل الشام أن في دعابة وانّي امرؤ تلعابة ! ... لقد قال باطلاً .. ونطق آثماً .. أما ـ وشرّ القول الكذب ـ انه ليقول فيكذب ويعد فيخلف ويُسأل فيبخل ، ويسأل فيلحف ، ويخون العهد ويقطع الأل ...
    ويفلسف الإمام منهجه الاخلاقي وسيرة خصمه فيقول :
    ـ اما والله اني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ، وانه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة ..
    ثم يفضح تحالفه مع معاوية قائلاً :
    ـ انه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه آتية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة .
    وهكذا أوجز علي تحالف ابن العاص مع معاوية بعبارة بليغة أنها صفقة الدنيا مقابل الدين ؛ ولقد باع عمرو بن العاص دينه بدنيا غيره (1) .
    وقد لجأ الكثير إلى معاوية لاحبّاً به ولكن كرهاً لعلي فراراً من وجه العدالة (2) ؛ غير مدركين أن العدل هو الاساس الذي ينهض عليه


    (1) توفي عمرو بن العاص سنة 43 ولم يحكم مصر التي تهافت عليها سوى عامين واشهر فخسر بذلك دنياه أيضاً وذلك هو الخسران المبين .
    (2) فرّ عبيد الله بن عمر بن الخطاب قاتل الهرمزان إلى معاوية ولقي حتفه في صفين .


( 219 )

الرخاء والأمن الاجتماعي ، « أن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق » (1) .