علي .. المجد الأخلاقي :
    اضاف علي بن أبي طالب عليه السلام نصراً اخلاقياً كبيراً إلى مجده العسكري ... فاصدر أوامره إلى قوّاته المرابطة في « الشريعة » (1) بالتزوّد بالماء والانسحاب وفتح الطريق امام جنود الخصم بارتياد النهر .
    تلقّى معاوية نبأ هزيمة قوّاته بهلع ، فلقد اصبح مصيره وطموحاته على كفّ عفريت ؛ فاستدعى على الفور مستشاره ومعاونه عمرو بن العاص وقال بقلق :
    ـ ما ظنّك بعلي ؟!
    اجاب ابن العاص وهو يدرك تماماً اخلاقية علي :


    (1) شواطئ الفرات .


( 229 )

    ـ ظنّي أنه لا يستحل منك ما استحلت منه ... لأنه أتاك في غير الماء .
    وشهدت الطريق المرصوفة بالحجارة « السقائين » من الفريقين وهم يتجهون إلى شواطئ الفرات للتزود بما يلزمهم من المياه (1) ، وقد احدثت مواقف الإمام الإنسانية أثراً محدوداً في صفوف الشاميين إذ شهدت ليالي صفين محاولات تسلّل من المواقع الشاميّة إلى معسكر الإمام ، وفي كل الأحوال فالذين اختاروا الدنيا كانوا يتطلعون إلى معاوية أما الذين أرادوا الآخرة وسعوا لها سعيها فكانوا يجدون طريقهم على خطى علي عليه السلام مع التأكيد على وجود المخدوعين وهم الغالبية في جيش الإمام وكان هؤلاء يمثلون شريحة فاعلة لها شأنها .
 

تقارير من قلب المعركة :
    عاد الهدوء المشوب بالحذر مرّة أخرى إلى أرض صفين ولم تحدث اشتباكات تذكر .
    وجرت خلال تلك الفترة مراسلات بين الفريقين لم تسفر


    (1) تذكر مصادر التاريخ أن جنود الطرفين كانوا يختلطون فيما بينهم في تلك المنطقة دون مشاكل وربّما تبادل بعضهم كلمات الودّ مع تمنيّات في عدم وقوع الحرب وعودة السلام .


( 230 )

عن نتيجة ؛ ومن الطبيعي أن تصطدم المطامع والأهواء بالمبادئ والقيم والدين الحق ؛ ولهذا لم يجد الإمام حلا مع هذا الوالي المتمرّد إلا الحرب أو الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلّم كما عبر عن ذلك الإمام في مناسبة من الصراع المرير .
    وخلال الفترة التي سبقت الأشهر الحرم شهد وادي صفين ما يقرب من ثمانين اشتباك محدود على مستوى الكتائب وكان « القرّاء » (1) في كل مرّة يتدخلون لوقف القتال والبحث عن طريق سلمي لحلّ الصراع .
    انسلخت الاشهر الحرم ، واطلّ شهر صفر ، وتمرّ الأيام ، دون أن تلوح في الافق بوادر للحرب ، ويبدو أن اصحاب الإمام قد استبطأوا قيادتهم في اصدار الأوامر بالهجوم ، وانتشرت شائعات حول شك الإمام في مشروعية قتال « القاسطين » (2) وقد ردّ الإمام على ذلك بقوله :
    ـ اما قولكم أكلّ ذلك كراهية الموت ؟ فوالله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ ، وامّا قولكم شكّاً في أهل الشام ! فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا اطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي ، وتعشوا إلى ضوئي ، وذلك احبّ اليّ من أقتلها على ضلالها


    (1) قرّاء القرآن وكانوا طبقة محترمة آنذاك .
    (2) جيش معاوية .


( 231 )

وإن كانت تبوء بآثامها .
    وفي الغروب وقف جندي جمهوري الصوت قريباً من معسكر القاسطين وهتف بأعلى صوته ناقلاً انذار الإمام :
    ـ انا امسكنا لتنصرم الأشهر الحرم ، وقد تصرمت ، وانّا ننبذ اليكم على سواء ، ان الله لا يحبّ الخائنين .
    واعلنت في المعسكرين حالة التعبئة العامّة ، واشتعلت النيران ، ايذاناً بخوض حرب شاملة .
    وما أن اشرقت شمس اليوم التالي حتى كان الجيشان يقفان على اهبة الاستعداد ، وقد سيطرت حالة من الوجوم والرهبة ، أن من يقف فوق الروابي المشرفة على الوادي الفسيح سوف يرى كتائب الجيشين تصطف في شكل خطوط قتالية ولرأى في كل جيش سبعة خطوط ، سيرى خطين في الجناح الأيمن ، وخطين في الجناح الأيسر وثلاثة خطوط في القلب .
    عين الإمام على سلاح الفرسان في جيشه الصحابي الكبير عمار بن ياسر (1) الذي لم تمنعه شيخوخته (2) من الاشتراك في المعارك بحماس المؤمن المجاهد الذي لا يساوره الشك في


    (1) كان وجود عمّار بن ياسر في جبهة الإمام علي قد شكل احراجاً شديداً لمعاوية للحديث النبويّ المشهور : عمّار تقتله الفئة الباغية .
    (2) بلغ من العمر الرابعة والتسعين .


( 232 )

عدالة قضيته .
    وعيّن على المشاة عبد الله بن بديل ، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة المرقال .
    وفي جيش معاوية كان عمرو بن العاص يقود سلاح الفرسان أما مسلم بن عقبة (1) الذي اشتهر في التاريخ بمجرم بن عقبة فقد تصدّى لقيادة المشاة .
    ولم يحدث اشتباك ذلك اليوم (2) ، ثم حدث اشتباك محدود في صباح اليوم الذي يليه .
    وخرج في يوم آخر عمّار بن ياسر يقود مجموعة من الفرسان فتصدّى له عمرو بن العاص وفي يده راية سوداء وصاح :
    ـ هذا لواء عقده رسول الله .
    فعلّق الإمام قائلاً :
    ـ انا اخبركم بقصّة هذا اللواء : هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقال من يأخذه بحقة ؟ فقال عمرو : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : « لا تفرّ به من كافر ولا تقاتل به مسلماً » ... ولقد فرّ به من الكافرين في حياة رسول الله وقد قاتل به المسلمين اليوم .


    (1) شخصية دموية وهو الذي اجتاح المدينة سنة 63 هـ .
    (2) جرت مبارزة فردية إذ خرج فارس مقنّع من جيش الإمام متحدّياً فخرج أبوه وهو لا يعرفه وفي اثناء الصراع عرف كل منهما الآخر وتوقفا عن القتال .


( 233 )

    وخرج عبد الله بن بديل وكان من افاضل اصحاب الإمام يقود مجموعة من فرسان العراق فانبرى إليه أبو الأعور السلمى في مثل ذلك من أهل الشام وجرت معارك بين الفريقين ، وفي تلك اللحظات والاشتباكات مستمرة قام عبد الله بحركة جريئة إذ الهب ظهر حصانه بالسوط وشنّ هجوماً صاعقاً مخترقاً خطوط العدو ولم يتمكن أحد من اعتراضه وكان هدفه اقتحام مقرّ القيادة (1) ؛ حتى إذا وصل قريباً منها تعرّض إلى عشرات الصخور فسقط شهيداً ... ولقد أثار هجومه الجريء اعجاب الجميع بما في ذلك معاوية نفسه إذ قال وهو يقف متأملاً جثمانه الطاهر :
    ـ هذا كبش القوم .


فروسية :
    عرض الإمام علي عليه السلام على معاوية وقد آلمه سقوط القتلى من الفريقين . قائلاً : لم نقتل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إليّ فأيّنا قتل صاحبه تولّى الأمر .
    واستشار معاوية ابن العاص :
    ـ ما ترى ؟
    قال ابن العاص بخبث :


    (1) كان مركز القيادة فوق رابية مشرفة ، ولم يشترك معاوية في المعارك طيلة الحرب مستعيضاً بمولاه الحريث وكان يرتدي بزّة معاوية موهماً من يراه بأنه معاوية ؛ وقد لقي حريث هذا مصرعه على يد الإمام بعد أن اغراه عمرو بن العاص بمبارزته .


( 234 )

    ـ قد انصفك الرجل .
    فقال معاوية بحقد :
    اتخدعني عن نفسي ، ولم ابرز اليه ودوني « عك والاشعرون » لقد كان معاوية يدرك تماماً بان مواجهة علي تعني مواجهة الموت الأحمر .
    ويبدو أن معاوية قد ازعجه موقف ابن العاص وشكك في نواياه تجاهه ، ولم يجد الأخير بدّاً ومن اجل اعادة المياه إلى مجاريها من أن يقول لمعاوية بعد أيام من البرود في العلاقات :
    ـ سأخرج إلى علي غداً .
    كان عمرو قد اعدّ عدّته وكان يعرف نقطة الضعف في خصمه العظيم . انها تكمن في مجده الأخلاقي الذي يستمدّه من معلّمه الأول .. وبرز عمرو بن العاص متحدّياُ علياً : ـ

يا أبا الحسن اخرج اليّ أنا عمر بن العاص ...
    وخرج بطل الإسلام ، وقد تألق ذو الفقار في قبضة الفارس الذي لا يهزم ؛ وما اسرع أن زجّ ابن العاص بسلاحه السرّي !

فكشف عن عورته واظهر سوأته ، ونجا من الموت المحقق !
    وفرّ عمرو مذعوراً وربّما مسروراً .
    وتلقى معاوية قائد فرسانه ! بلهجة فيها تهكم وسخرية قائلاً :


( 235 )

    ـ احمد الله وسوداء إستك يا عمرو (1) .
 

بدء الحرب الشاملة :
    تصاعدت حدّة المعارك بين الفريقين ، وسوى شعور بالرهبة بعد أن اشيع عن نيّة الإمام في بدء الهجوم العام ، فقد خطب عشية الهجوم قائلاً :
    ـ « ألا انكم ملاقو القوم غداً بجميع الناس ، فاطيلوا الليلة القيام واكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله الصبر والعفو والقوهم بالجدّ .. » .
    وفي الجانب الآخر ضاعف معاوية روانت قتائل عك والاشعرين (2) التي اقصسمت على الصمود حتى النفس الأخير (3) .
    أدّى الإمام صلاة الفجر في لحظة الأولى وقام بجولة لاستطلاع كتائب العدو ، واجرى تغييرات في صفوف قوّاته . ولأول مرّة منذ اندلاع المعارك قاد الإمام سلاح الفرسان المؤلف من اثني عشر ألف مقاتل في هجوم مدمّر ، ودوّت في الفضاء هتافات : الله أكبر .. وارتجّت الأرض تحت اقدام المحاربين .. وكانت خطّة الهجوم تقضي بالاندفاع الكاسح حتى مركز القيادة ، وقد تمكن المهاجمون من تمزيق صفوف العدوّ حتى أن معاوية أمر بتجهيز


    (1) ظلّت الحادثة موضع تندر لدى الفريقين أياماً .
    (2) قبائل ذات بأس .
    (3) طرح مقاتلوها حجراً وقالوا : لا نولّي الدُبر أو يولّي معنا هذا الحجر !


( 236 )

فرسه للفرار بعد أن جرت الاشتباكات قريباً منه .
    واستمّرت المعارك حتى الليل وقد اسفرت الاشتباكا العنيفة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وفي طليعتهم الصحابي البطل عمار بن ياسر (1) .
    وفي صباح اليوم التالي استمر وقف القتال لانتشال جثث القتلى ومواراتهم الثرى .
    وفي عشية ذلك اليوم خطب الإمام ايضاً حاثّاً قوّاته على الاستبسال :
    ـ ايها الناس اغدوا على مصافّكم ، وازحفوا إلى عدوّكم ، غضّوا الأبصار ، واخفضوا الأصوات ، واقلّوا الكلام ، واثبتوا ، واذكرو الله كثيراُ ، ولا تنازعوا فتفشلوا ، وتذهب ريحكم ، واصبروا ان الله مع الصابرين .
    وفي اليوم التالي اشتبكت الفيالق في ملحمة عظيمة واندفع


    (1) احدث استشهاده دويّاً في المعسكرين ، وكان عمار ظامئاً فطلب ماءً فجاءته امرأة بقدح من لبن ، فشرب منه مستبشراً وهتف :
    ـ اليوم القى الأحبّة .. محمد وحزبه ..
    واردف :
    ـ اخبرني رسول الله أن آخر رزقي من الدنيا صيخة لبن ( مزيج من الحليب والماء ) وقد استشهد عمّار وهو في الرابعة والتسعين من عمره فضاه في الجهاد المستمر ؛ وقد سبب استشهاده احراجاً شديداً لمعاوية بعد أن وضح لكل ذي لبّ الباغي من الفريقين .


( 237 )

الجناح الأيسر في جيش الشام في هجوم عنيف لم يصمد له الجناح الأيمن في جيش الإمام ، فأمر الإمام أحد قادته (1) باسناد الجناح الايمن ودارت معارك رهيبة ، وكلّف الإمام قائده الشجاع الاشتر باعادة قطعاته إلى مواقعها ، فنجح في مهمته بعد أن قاد هجوماً جريئأً اجبر فيه العدوّ على التراجع .
    كان الوقت اصيلاً عندما هدأت حدّة القتال وجاء الإمام فأنّب قوّاته في الجناح الأيمن على تقهقرهم في بدء المعركة واشاد باستعادتهم زمام المبادرة :
    ـ وقد رأيت جولتكم ، وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم الجفاة الطغام وأعراب أهل الشام ، وانتم لهاميم العرب ، ويآفيخ الشرف ، والأنف المقدّم ، والسنام الأعظم ولقد شفى وحاوح صدري أن رأيتكم بأَخَرة تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسّاً بالنصال ، وشجراً بالرماح ، تركب أولاهم أخراهم كالابل الهيم المطرودة تُرمي عن حياضها وتُذادُ عن مواردها ! (2)
    واشتعلت المرعكة مرّة اخرى وعندما كانت الشمس تجنح للمغيب قاد الامام بنفسه قوّاته في هجوم كاسح وكان هدفه احتلال


    (1) سهل بن حنيف الأنصاري .
    (2) نهج البلاغة : الخطبة 107 .


( 238 )

مركز قيادة العدو ، كان معاوية يراقب المعركة بذعر وهو يرى تقدّم المهاجمين فاستشار عمرو بن العاص قائلاً :
    ـ ما ترى ؟
    اجاب ابن العاص :
    ـ أرى أن تخلي سرادقك .
    وانسحب معاوية إلى مكان أكثر أمناً .
    وما هي الّا لحظات حتى وصل الإمام ومعه قوّاته (1) فاطبقوا على مركز القيادة وحوّلوه إلى انقاض ... وغمر الأرض الظلام فتوقفت المعارك .
    وجيء الى الإمام باحد الاسرى فقال الاسير متضرعاً :
    ـ لا تقتلني صبراً .
    فقال الإمام :
    ـ لا اقتلك صبراً اني اخاف الله رب العالمين .
    واردف وهو يحاول اضائة قنديل في قلب اسيره :
    ـ خلّوا سبيله ... (2)
    وانطلق الأسير وقد هزّته المفاجأة .


    (1) قبائل ربيعة .
    (2) كنزل العمال 10 : 348 .