الموت من اجل الخلود :
    اشتعلت المعارك مرّة أخرى ، وكانت كفّة النصر تميل إلى جانب الحق (1) ، وشوهد الإمام وهو يقاتل ببسالة وكانت اقوى ضرباته بعد مصرع عمار بن ياسر .
    وهتف الإمام : من يبايعني على الموت .. فتقدم العشرات يبايعون الإمام على الموت الأحمر من اجل خلود اخضر حتى وصل عددهم تسعاً وتسعين ...
    فقال الإمام وهو يترقب تحقق نبوءة ابن عمه العظيم :
    أين تمام المئة ؟ ... اين الذي وعدت به ؟
    وجاء رجل عليه اطمار صوف .. كان مخلوق الرأس لكأنه عاد توّاً من حج البيت العتيق .. تقدم فبايع الإمام على الموت قتلاً ..
    فسأله الإمام عن هويّته ، فأجاب عن هويّته ، فأجاب : أنا أويس القرني (2) .


    (1) تحول ميزان المعركة لصالح أهل العراق بعد استشهاد عمار بن ياسر ( رض ) .
    (2) بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قبل رؤيته بقوله : ان خير التابعين رجل يقاله أويس ، وتساءل المسلمون عن هذا الرجل الذي لم ير رسول الله بعد فقال صلى الله عليه وآله وسلّم : يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، وكان به برص فبرأ منه إلا =


( 240 )

الليلة الطويلة :
    وصلت الحرب اخطر منعطفاتها ، وألقى الإمام خطاباً يزخر حماساً وايماناً جاء فيه :
    ـ معاشر المسلمين ! استشعروا الخشية ... وتجلببوا السكينة وعضّوا على النواجذ ، فانه انبى للسيوف عن الهام ... واكملوا اللأمة .. وقلقلوا السيوف في اغمادها قبل سلّها ... واعلموا أنكم بعين الله ، ومع ابن عم رسول الله ؛ فعاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ ، فانه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب ... وطيبوا عن انفسكم نفساً وامشوا إلى الموت مشياً سُجُحاً ...
    ومرّة أخرى أكد الإمام هدف الهجوم القادم :
    ـ وعليكم بهذا السواد الأعظم ، والرواق المطنّب ؛ فاضربوا


= موضع الدرهم ، له والجة هو بهابر لو اقسم على الله لأبرّه .. والتفت إلى عمر ابن الخطاب فقال : « فان استطعت ان يستغفر لك فافعل .
    ظهر أويس في زمن عمر واختار الكوفة سكناً وعاش زاهداً عابداً .. حتى إذا بويع الإمام بالخلافة إذ بهذا التابعي الجليل ينتفض ليقف إلى جانب علي ... وكان الرجل رقم مئة من الذين بايعوا الإمام على الموت في صفين :
    وعندما هتف الإمام معلناً بدأ الهجوم :
    ـ يا خيل الله اركبي وابشري ..
    استلّ أويس سيفه وتقدم يقاتل الفئة الباغية فجاءه سهم غادر اصاب قلبه فهوى على الأرض شهيداً | الاصابة 1 : 117 .


( 241 )

ثبجَهُ ، فان الشيطان كامن في كِسره ، وقد قدّم للوثبة يداً وأخّر للنكوص رجلاً ، فحمداً حمداً ! حتى ينجلي لكم عمود الحق « وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم اعمالكم » .
    وفي غبش الفجر بدأ الهجوم الشامل ، وتزلزلت خطوط الدفاع في جيوش الشام ، وكان الامام قد خرج في اجمل منظر .. فقد ركب فرساً للنبي يسمى « الريح » ، وقدّم بين يديه بغلة النبي « الشهباء » وارتدى عمامة رسول الله ، وتوهجت في اذهان المؤمنين ذكريات مضيئة لرسول السماء . وها هو علي يقودهم في ذات الطريق التي سار عليها نبيهم العظيم .
    واستبد بمعاوية الهلع وهو يرى تقهقر قوّاته تحت ضربات المهاجمين ، وامسك بزمام فرسه وقد قفز قلبه إلى حنجرته وراح يدقّ بعنف كطبل مجنون ..
    ولم تفلح أوامر معاوية ولا صيحاته بعمرو أن يقدّم قبائل « عك الاشعرين » في تغيير الموقف .
    واستمرت المعارك ستة وثلاثين ساعة لا يسمع فيها سوى « الهرير » (1) وبين الفينة والأخرى كانت تدوّي هتافات علي : الله أكبر (2) .. حتى بلغت اكثر من خمسمئة .


    (1) صوت القوس وهو يشبه صوت الكلب دون نباح .
    (2) كان علي لا يقتل أحداً إلا كبّر .


( 242 )

    ولم تفلح مساعي معاوية في وقف القتال وتوقيع هدنة مؤقته ..
    وإلى جانب معاوية وقف الرجل الذي باع آخرته بدنيا غيره ... كان يفكّر فقتل كيف فكّر ثم قتل كيف فكر ..
    التفت معاوية إلى صاحبه وقد استبدّ به يأس قاتل :
    ـ ما ترى ؟ ... فانما هو يومنا هذا وليلتنا هذه !
    وهنا نفث الشيطان فقال وهو يعرف كيف يطعن عليّاً في خاصرته :
    ـ اني اعددت حيلة ادخرتها لمثل هذا اليوم .
    قال معاوية متلهفاً :
    ـ ما هي ؟
    تدعوهم إلى كتاب الله حكماً بينك وبينهم ...
    واضاف بمكر :
    ـ فان قبلوه اختلفوا ، وان ردّوه تفرّقوا .
    واتسعت عينا معاوية دهشة واصحبتا أكثر جحوظاً (1) .
    وعلى وجه السرعة جمعت المصاحف دمشق الأعظم تحمله


    (1) كان معاوية جاحظ العينين .


( 243 )

خمسة رماح طويلة .


مهزلة التحكيم :
    كان لظهور المصاحف على الرماح (1) الأثر البالغ في شلّ العمليات الحربية ، وبدأت كلمات الاستنكار تشق طريقها ترشق الذين يريدون للحرب أن تستمر ، وما اسرع أن ظهر تيار عنيف يدعو إلى وقف القتال فوراً ، وحدث انشقاق خطير في صفوف جيش الخلافة ، ما لبث أن تحول إلى كتلة عسكرية تهدد وتوعد القيادة العليا .
    وبذل الإمام قصارى جهده في توضيح خفايا « اللعبة » قائلاً :
    ـ عباد الله ! امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم ، فان معاوية وعمرو بن العاص وابن ابي معيط وحبيب بن مسلمة وابن ابي سرح والضحاك بن قيس .. ليسوا باصحاب دين ولا قرآن ...
    انا اعرف بهم منكم ... قد صبحتم اطفالاً ، وصحبتهم رجالاً فكانوا شر اطفال وشر رجال ...
    ويحكم ! انهم ما رفعوها لكم إلا خدعة ومكيدة !
    غير أن الذين لا يدركون من الامور إلا مظاهرها الفارغة قد


    (1) رفع ما يقارب من خمسمئة مصحف ! وعلت هتافات في معسكر الشام تدعوا الى السلام ووقف نزيف الدم !


( 244 )

جعلوا اصابعم في آذانهم واصمّوا اسماعهم ، وازدادوا عنفاً وشراسة فاحدقوا بالإمام وقد برع الشرّ في عيونهم (1) .
    وقد حدث تماسك مدهش في صفوف أهل الشام اثر ارتفاع ذلك الشعار البرّاق ... في مقابل تمزّق مريع في جيش الإمام .
    كان الجناح الأيمن بقيادة مالك الأشتر ما يزال يقاتل بضراوة ويتقدم نحو احراز النصر النهائي في خطى واسعة ، ولكن التصدّع كان قد عمّ جبهة الإمام مما انذر بوقوع انهيار عام ؛ ومن تلك اللحظات المثيره بدأت مأساة الإسلام وانهيار الحضارة (2) .
    وازدادت الأمور سوءً بعد أن اصبح الإمام في قبضة تلك الطغمة من الحمقى ، وبات على القائد الأعلى للقوّات المسلحة أن يستجيب إلى مواقفهم ، وها هو الإمام يتعجّب من ذلك فيقول :
    ـ لقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها ؛ واصبحت اخاف ظلم رعيتي .


    (1) يصف الإمام تلك اللحظات الرهيبة بقوله :
    ـ فتداكّوا على تداكَّ الابل الهيم ، يوم وردها ، وقد ارسلها راعيها وخلعت مثنيها حتى ظننت انهم قاتلي ، أو بعضهم قاتل بعض لديّ | نهج البلافة الخطبة رقم 54 .
    (2) وفي هذا يقول الإمام : صاحبكم يطيع الله وانتم تعصونه ، وصاحت أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه !
    وتبلغ مرارة الإمام الذروة عندما يقول : « لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم واعطاني رجلاً منهم ! » .


( 245 )

    ومن تلك اللحظة شعر الإمام بأن البطل سوف يكسب الجولة الى حين :
    ـ اما والذي نفسي بيده : ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لانهم أولى بالحق منكم ، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وابطائكم عن حقي .. » .
    وأخذ تيار التمرّد يتصاعد بشكل مخيف لينذر بوقوع كارثة بعد ان اطلقت تهديدات بقتل الإمام إذا لم يصدر أوامره الى الاشتر بوقف العمليات الحربية والانسحاب فوراً .
    وهكذا توفقت المعارك في صفين ... ونشطت الفود للاعداد من اجل توقيقع وثيقة التحكيم .
 

التاريخ يعيد نفسه :
    يعيد التاريخ نفسه احياناً فتظهر الحوادث وكأنها قد انبعثت من جديد ، حتى في بعض التفاصيل ... لقد وضعت الحرب أوزارها في صفين ، وبدأ الاعداد لتوقيع وثيقة سلام بين الفريقين المتصارعين ؛ وهنا يطلّ التاريخ ليعيد ذكريات صلح قديم بين الإسلام والوثنية ، في وادي الحديبية (1) قريباً من مكّة المكرّمة .
    ها هو أبو سفيان يرسل سهيل بن عمرو ممثلاً للوثنية لتوقيع


    (1) صلح الحديبية بين النبي وقريش سنة 6 هـ .


( 246 )

معاهدة سلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ واليوم بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو ابن العاص ممثلاً للقاسطين لتوقيع هدنة مع وصي النبي وأول (1) من اسلم من الرجال .
    جاء عمرو ودخل خيمة الإمام ، وبدأ الكاتب في تحرير وثيقة التحكيم فكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم

   وهنا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ومعاوية ابن ابي سفيان .
    وهنا تدخل عمرو بن العاص معترضاً على الكاتب :
    ـ هو اميركم أما أميرنا فلا ... بل اكتب اسمه واسم ابيه .
    وتردد الوفد العراقي واصيب بما يشبه اللوعة . قال الأحنف ابن قيس : لا تمحو أمير المؤمنين .. يا أمير المؤمنين .
    فقال علي عليه السلام : الله أكبر سُنة بسنّة رسول الله ... والله اني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم الحديبية . فكتب محمد رسول الله فقالوا : لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم ابيك ، فأمرني رسول الله أن أمحوها فقلت : لا استطيع ، فمحاها بيده .. ثم قال لي : انك ستدعى إلى مثلها فتجيب .


    (1) بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يوم الاثنين وصلّى علي يوم ثلاثاء .


( 247 )

    وتناول الإمام وثيقة التحكيم ومحا امير المؤمنين منها ...
    فقال عمرو بخبث :
    ـ سبحان الله اتشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون (1) .
    يابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليّاً وللمؤمنين عدوّاً ؟
    فنهض ابن العاص منزعجاً :
    والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم .
    أجاب الإمام :
    أني لا ارجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك .
    وهكذا حرّرت وثيقة التحكيم .
الأربعاء 13 صفر سنة 38 هـ .. مصرع حضارة :
    هل كان الاشعث (2) يمثل نفسية مجتمع لم يعد يستسيغ عدل علي لكي يظهر بكل هذه القوّة فيقف في وجه علي ؟ .
    هل كان اشعري يمثل ارادة امّة اخلدت إلى الإرض وكانت


    (1) يقول عبد الله بن سلمة : رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد ويقول : والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ثلاث مرات وهذه الرابعة | البداية والنهاية 7 : 292 .
    (2) كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين علي وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث | ابن ابي الحديد 1 : 428 .


( 248 )

    تنظر إلى السماء فاذا بها تجعل من معاوية ندّاً لعلي (1) ؟ ها هو علي يجلس في خيمته ليوقع وثيقة التحكيم :

بسم الله الرحمن الرحيم

    هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل العراق ومن معهم وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم ..
    اننا ننزل عند حكم الله وكتابه ... فنحيي ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص ، عملا به ، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة .
    واخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق انهما امينان على انفسهما واهلهما والأمة لهما انصار على الذي يتقاضيان عليه وأجلا القضاء إلى رمضان من هذه السنة (2) وان احبّا أن يؤخراه أخراه .
كتب في يوم الأربعاء 13 صفر سنة 38 هـ

وبعد توقيع الوثيقة انسحبت الجيوش ، وعاد علي إلى الكوفة ورفضت بعض الفصائل دخول الكوفة و « خرجت » عن


    (1) قال الإمام : انزلني الدهر حتى قيل معاوية وعلي .
    (2) سنة 38 هـ .


( 249 )

طاعة الإمام (1) .
    ومنذ تلك اللحظة وعلي يتلقى الطعنات المسمومة فيتأوّه وحيداً .