الكارثة :
    اجتمع الحكمان في « دومة الجندل » التي اختيرت جغرافياً كمكان وسط بين « العراق والشام » بين علي ومعاوية فاختارها « التاريخ » ليمسك بالحضارة الإسلامية ويقذفها باتجاه الحضيض .
    فما بين « صفين » و « دومة الجندل » انفجرت كل اسباب الانحطاط في حضارة الإسلام وظهرت للعيان دمامل الجسد الإسلامي بعد أن ظلّت مستورة مدّة ربع عرن أو تزيد (2) .
    سوف لن نواكب مسار المفاوضات بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ، لان تأمل عابر في شخصية الرجلين سوف يكشف بوضوح تام ما اسفرت عنه المباحثات التي لعبت فيها


    (1) بدأ تيار الخوارج بالظهور بعد لعبة رفع المصاحف مباشرة ، ومنذ تلك اللحظة بدأ أول تصدّع عقائدي خطير في تاريخ الإسلام .
    (2) من المؤسف اننا لم يجد لدى الضمير العربي المعاصر اهتماماً يذكر بكارثة صفين فهي تمرّ بشكل عادي إلى حدّ ما في مسار التاريخ ؛ باستثناء ما يجده المرء لدى المفكر الراحل مالك بن نبي في كتابه « شروط النهضة الجزائرية » عندما يجعل من سنة 38 منعطفاً حضارياً في مسار التاريخ الإسلامي أو نقطة تحول كبرى في طريق الحضارة الإسلامية .


( 250 )

الأهواء والمطامع الدور الأول والأخير في تحديد النتيجة .
    لقد ادبر الإمام على انتخاب الأشعري كممثل له كما اجبر من قبل على وقف القتال والحق على ابواب النصر الساحق ؛ ومراجعة بسيطة لتاريخ الأشعري تكشف عن مدى الحقد الذي يكنه الأخير للإمام .
    ان احداثاً كبرى ووقائق مزلزلة وملابسات لا حدّ لها هي التي ادّت إلى وقف القتال وبدء سلسلة من المآسي انتهت بمصرع الإمام علي على ذلك النحو المؤسف وتنازل الإمام الحسن عن الخلافة ومن ثم استيلاء معاوية على دفّة الأمور في الدولة الإسلامية .
    واذا كان الاشعث قد تصدّر الأحداث في تلك الحقبة من الزمن ، ولعب دوراً في تصدّع جبهة الإمام واحداث انهيار في الأوصاع لصالح معاوية فان ذلك لا يدلّ على قابليات ذاتية بقدر ما يدلّ على مجمل التغيرات النفسية والفكرية والاجتماعية التي طبعت عصر الإمام (1) .


    (1) خطب الإمام مرّة فاعترض الاشعث على بعض كلامه قائلاص : يا أمير المؤمنين : هذه عليك لا لك .
    فخفض الأمام عليه السلام اليه بصره وقال :
    ـ ما يدريك ما عليّ مما لي ، عليك لعنة ولعنة اللاعنين ! حائك ابن حائك ! .. منافق بن كافر !


( 251 )


رياح الزمهرير:
شهدت دومة الجندل بدء المباحثات السرّية بين عقليتين ماكرة وغبية ، تتحركان في اطار دنيوي رخيص ، وقد وضح منذ البداية انهما وضعا كتاب الله فوق الرف فممثل أهل الشام يتحرك باتجاه مصر ، يريد ابتلاعها كجزء من الاسلات ؛ وأبو موسى كان يتحرك باتجاه صهره (1) على ابنته ليكون خليفة للمسلمين ، وهكذا اجتمعت الارادتان على اقصاء علي ، كما اقصي عن حقه من قبل .
لم يواجه عمرو بن العاص داهية العرب أية صعوبة في احتواء عقلية ابي موسى الفارغة ، وقيادته باتجاه النقطة التي يريد . لقد ادرك ابن العاص كيف يتغلغل في اعماق صاحبه ويأخذ بناصيته . وبدأ سير المحادثات كما وصفها احد المؤرخين (2) :


= كشف الإمام ماضيه التعيس :
    ـ والله لقد اسر الكفر مرّة والإسلام آخرى ! فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبُك ؛ وان إمرأ دلّ على قومه السيف وساق اليهم الحتف لحريٌّ أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد .
    وقد الشار الإمام إلى حوادث اليمامة عندما غدر الاشعث بقومه ، باتفاقه مع خالد ابن الوليد ، إذ غرّر بقبيلته حتى أوقع بهم خالد ، فسمّاه قومه « عرف النار » وهو لقب الغادر عندهم .
    (1) عبد الله بن عمر بن الخطاب .
    (2) الأخبار الطوال | أبو حنيفة الدينوري : ص 199 .


( 252 )

    عمرو بن العاص يتفنن في ابزار آيات الاجلال لابي موسى فيقول :
    ـ صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قبلي وانت أكبر سنّاً مني ..
    قال الأشعري وهو يدخل في صلب الموضوع :
    ـ يا عمرو : هل لك فيما فيه صلاح الأمّة ورضى الله ؟
    ـ ما هو ؟
    نولّي عبد الله بن عمر ، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحروب .
    قال عمرو بخبث :
    ـ أين أنت من معاوية ؟
    ـ ما معاوية موضعاً لها ، ولا يستحقها بشي من الأمور .
    ـ الست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً ؟
    ـ بلى ؟
    ـ فان معاوية ولي عثمان ، وبيته بعد في قريش ما قد علمت ، فان قال الناس : لم ولّي الأمر وليست له سابقة ؟ فان لك في ذلك عذراً تقول : اني وجدته وليّ عثمان والله تعالى يقول : « ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطانا » .. وهو مع هذا أخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .. وهو أحد اصحابه ..
    أجاب أبو موسى :


( 253 )

    ـ اتق الله يا عمر .. اما ما ذكرت من شرف معاوية ، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة ، فكان احق الناس بها أبرهة بن الصباح فانه من ابناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا كرق الأرض وغربها ... ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن ابي طالب ؟ وامّا قولك ان معاوية ولي عثمان فأولى منه ابنه عمرو ، ولكن ان طاوعتني احيينا سيّة عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر ..
    وهنا ينبري ابن عاص ليدفعه بالاتجاه البعيد :
    ـ فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته ؟
    ـ ان ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمساً ... هلمّ نجعلها للطيب بن الطيب عبد الله بن عمر .
    ـ يا أبا موسى انه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان يأكل باحدهما ويطعم بالآخر .
    ـ ويحك يا عمرو ! ان المسلمين قد اسندوا الينا امراً بعد أن تقارعوا بالسيوف وتشاكّوا بالرماح ، فلا نردّهم في فتنة .
    وتظاهر عمرو بن العاص بانه يبحث عن حلّ :
    ـ فما ترى؟
    قال الأشعري :
    ـ أرى ان نخلع هذين الرجلين عليّاً ومعاوية ثم نجعلها


( 254 )

شورى بين المسلمين ، يختارون لانفسهم من احبّوا.
    وكاد عمرو أن يصفّق فرحاً ، فتظاهر بصمت المغلوب :
    ـ رضيت بذلك ... وهو الرأي الذي فيه صلاح الناس .
    وبالرغم من كل التحذيرات حول مكر ابن العاص وغدره ولكن الأشعري كان قد أصم أذنيه عن سماع أية نصيحة (1) .
    وفي يوم شتائي والريح تعوي في الصحراء تقدم الأشعري ليرقى المنبر ويعلن ما اتفق عليه الحكمان ؛ ان اللحظة التي ارتقى فيها الاشعري المنبر ليخلع علياً هي لحظة رهيبة ، عوت فيها ريح الشتاء ، وقد انقض قابيل على أخيه ، ودلّ الاسخريوطي فيها على ابن مريم (2) .


    (1) تحدث ابن عباس مع الأشعري على انفراد قائلاً :
    ـ ويحك يا أبا موسى ، أحسب والله عمراً قد خدعك ، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدّمه قبلك ليتكلم ، ثم تكلم بعده فان عمراً رجل غدار ، ولست آمن أن يكون قد اعطاك الرضى فيما بينك وبينه ، فاذا عمت به في الناس خالفك .
    ولم يزد الأشعري أن قال :
    ـ قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف ان شاء الله !
    (2) صعد عمرو بن العاص المنبر وكشّر عن انيابه قائلاً :
    ـ ان هذا قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، ألا وأني قد خلعت صاحبه كما خلعه ، واثبت صاحبي معاوية .
    فصاح أبو موسى ، وقد شعر بالعار : =


( 255 )

    وفرّ أبو موسى إلى مكّة يحمل معه عار الأبد وسبّة الدهر وعاد عمرو بن العاص إلى دمشق ليسلّم على « صاحبه » بالخلافة .
 

غارت الشتاء :
    ومن تلك اللحظة بدأت حالة التداعي لامّة فقدت صوابها فهي تتخبط في طريق الهاوية . ولم يتمكن الإمام من وقف حالة التداعي التي عصفت بالامّة بعد أن فقدت وعيها وبصيرتها ؛ لنصغي إلى ما يقوله الإمام في ذلك المقطع التاريخي الهام :
    ـ كم اداريكم كما تدارى البِكارُ العمدة (1) ، والثياب المتداعية كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر .. الذليل والله من نصرتموه .
    والامام يدرك الطريق الذي يصلح هذا القطيع ولكن :
    ـ وأني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم .. ولكن لا أرى أصلاحكم بافساد نفسي ..
 

موقف الإمام :
    تلقى الإمام بحزن مرير انباء « دومة الجندل » ، وهنا يقف امير


= مالك لا وفقك الله ، انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يهلث أو تتركه يلهث .
فردّ ابن العاص ساخراً :
ـ ومثلك مثل الحمار يحمل اسفارا .
    (1) الأبل المقصومة الظهر .


( 256 )

المؤمنين موقف التسليم الكامل لارادة الله فالحياة رحلة إلى الله :
    ـ الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدث الجليل .. واشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له ليس معه إله غيره .. وان محمد عبده ورسوله ، صلّى الله عليه وآله .
    اما بعد ..
    فان معصية الناصح الشفيق العالم المجرّب تورث الحسرة وتعقب الندامة ..
    وقد كنت امرتكم في هذه الحكومة أمري ..
    ونخلت لكم مخزون رأيي ؛ لو كان نطاع لقصير أمر (1) ؛ فابيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة : حتى ارتاب الناصح بنصحه ، وضنَّ الزند بقدحه فكنت واياكم كما قال أخو هوازن (2) :

امرتكم امري بمنعرج اللَّوى

*

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد


الخوارج :

ولقد استيقظ الخوارج ولكن في ضحى الغد ، وكانت يقظتهم عنيفة مجنونة مدمّرة ، وانطلقت صيحاتهم تهزّ دنيا الإسلام تريد اجتثاث شجرته من الجذور :


    (1) « لو كان يطاع لقصير أمر » مثل عربي .
    (2) الشاعر دريد بن الصمّة .


( 257 )

    ـ لا حكم إلا لله !!
    وبدأت العاصفة تزمجر لتطيح بالصرح الإسلامي بأسره ، وانبرى الإمام ليفقأ عين الفتنة ويو قف حالة التداعي ويفضح شعارهم الذي تحول إلى وثن تذبح عنده الضحايا ؛ قال الإمام :
    ـ « كلمة حقّ يراد بها باطل ! نعم انه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، وان لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ، ويُبلّغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمنُ به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر » (1) .