العودة إلى صفين :
    أدان الإمام موقف الحكمين ، واعتبر ذلك منافياً للاسلام ، وبدأ يتأهب للعودة إلى صفين حيث انفجر الصراع من قبل (2) .


    (1) نهج البلاغة الخطبة : 40 .
    (2) شدّد الإمام مرّة أخرى على رفضه مسألة التحكيم قائلاً :
    ـ من دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه ، ثم فنّد شرعية النتائج التي تمخضت عن لقاء دومة الجندل :
    ـ إلا ان هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموها حكمين قد تركا حكم الله ، وحكما بهوى انفسهما بغير حجة ولا حق معروف ، فاماتا ما أحيا القرآن واحيا ما أماته .. » .


( 258 )

    وفيما كان الإمام يعبئ قوّاته لاستئناف الحرب بدأ الخوارج تحركهم ، وتعدّوا نطاق التنديد بالتحكيم والخلافة ونظرية القيادة وانتقلوا إلى دازرة التخريب ، واعلنوا حرباً شعواء على كل من لا يشاطرهم آراءهم وبدأوا يشكلون خطراً داهماً لا يقل عن خطر العدوّ المتربّص في دمشق .
    وكان من رأي الإمام تأجيل مشكلة الخوارج إلى ما بعد تصفية الحساب مع معاوية ، ولكن الانباء المثيرة التي وصلت حول الفظائع التي ينفذها الخوارج غيرت من مسار الأحداث إلى نقطة انهيار دامية ، ومرّة أخرى حاول الإمام أن يتفادى الاصطدام بهم ، وارسل اليهم يدعوهم للالتحاق لمحاربة العدوّ المشترك .
    ووصل الحوار معهم إلى طريق مسدود ، وكان لا بدّ من مواجهتهم بعد أن استباحوا أمن المجتمع الإسلامي (1) ، وهكذا غيرت الجيوش طريقها باتجاه النهروان حيث عسكر الخوارج .
    وحاورهم الإمام بنفسه وتمكّن من اقناع قطاع كبير منهم


= ثم اصدر أوامره بالاستعداد لاستئناف رحلة الجهاد ضد القاسطين :
ـ فتأهبوا للجهاد واستعدوا للمسير واصبحوا في عساكركم ان شاء الله | الطبري 6 : 43 .
    (1) ارتكب الخوارج جرائم يندى لها جبين الإنسانية ، فلم يكتفوا بقتل الصحابي عبد الله بن خبابّ فعمدوا إلى بقر زوجته وكانت حاملاً فقتلوها مع جنين لم يرّ النور بعد ، وقتلوا امرأة أخرى هي أم سنان الصيداوية .


( 259 )

اعلن توبته وعودته إلى دائرة الشرعية فيما اصرّ أربعة آلاف منهم على القتال .
    ووقف الأمام يوجّه لهم انذاره النهائي :
    ـ فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى باثناء هذا النهر ، وباهضام هذا الغائط على غير بيّنة من ربكم ، ولا سلطان مبين معكم : قد طوّحت بكم الدار ، واحتبلكم المقدار ، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي اباء المنابذين ، حتى صرفت رأيي إلى هواكم ؛ وانتم معاشر اخفّاء الهام سفهاء الأحلام .
    واشتعلت المعركة عند جسر « النهروان » (1) وكانت النتيحة مذهلة ، فقد ابيد المارقون إلا تسعة نفر فرّوا من ساحة المعركة ولم يستشهد من جيش الإمام سوى تسعة نفر .
    وعندما قال أحدهم :
    ـ يا أمير المؤمنين ! هلك القوم باجمعهم !
    اجاب الإمام وهو ينظر إلى المدى البعيد :
    ـ كلا والله انهم نطف في اصلاب الرجال وقرارات النساء ، كلما نجم منهم قرن قطع ، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين .
    وبالرغم من تكفيرهم للامام فأنه أوصى الأمّة بعدم قتالهم بعده مشيراً إلى مصدر الخطر الداهم :


    (1) كانت التقارير قد أفادت بعبور الخوارج الجسر ، فقال الإمام : مصارعهم دون النطفة (1) ، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة .


( 260 )

    ـ لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه .
    كان الإمام يتحرك في ضوء النور المنبعث من اعماق السماء النور الذي اضاء فوق جبل حراء ولم يكن ليأبه إلى ما يعدّه المنجّمون من خراط للسماء ، ولتقترن الكواكب كيف تشاء ولينكفأ الميزان ولتنقدح الابراج بالنيران (1) ، فطريق علي هو طريق الإسلام وطريق الرسالة .
 

غارات الزمهرير :
    ذرّ الشيطان قرنيه فراح يعربد ويدّمر ها هي عواصف الزمهرير تهب من جهة الشام حيث جثم القاسطون على ارض


    (1) عندما أراد الإام التحرك صوب « جسر النهروان » جاءه من يدّعي العلم بالنجوم فقال : إنّك إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ، خشيت إلا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم :
    فاجاب الإمام مستنكراً :
    ـ اتزعم انك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء ؟! وتخوّف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر ؟! فمن صدّقك بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه ؛ وتبتفي في قولك للعامل بامرك أن يوليك الحمد دون ربّه ، لأنك ـ بزعمك ـ أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضرّ !!! والتفت الإمام إلى جيشه وهتف :
    ـ ايها الناس اياكم وتعلّم النجوم ، إلا ما يُهتدى به في بَرِّ أو بحر ، فانها تدعو إلى الكهانة ؛ والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار ؛ سيروا على اسم الله .


( 261 )

الإسلام ؛ لقد أخلد الذين آمنوا إلى الأرض ، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً .
    ومن هنا بدأت تأوهات الإمام وهو يعيش في زمن جائر .
    بدأت غارات الزمهرير ، والإمام يقاوم العواصف وحيداً لعد اخلدت الأمّة إلى الأرض وها هي الحضارة تتجه نحو الهاوية كشمس تجنح للمغيب في يوم شتائي .
    سقطت مصر (1) في قبضة ابن العاص وقد انشب معاوية مخالبه في اهلها وثرائها .
    وهكذا توالت الغارات ، تعصف بالمدن والحواضر الإسلامية كريح مجنونة (2) منذ أن حكم الحكمان بما خالف كتاب الله وسنة


    (1) بدأ معاوية غاراته بتجريد حملة إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص ، وفي الوقت نفيه تمكن الاثنان من تدبير محاولة اغتيال ناجحة وتمت تصفية « الأشتر » وهو في طريقه لانقاذ مصر ؛ وقد حاول محمد بن ابي بكر والي مصر آنذال الدفاع ولكنه خسر المعركة والقي القبض عليه في خربة مجرّداً من السلاح وقد بلغت وحشية معاوية بن خديج انه كان يتفنن في قتله وادخل الشاب المؤمن في جوف حمار ثم اضرمت النار وهو ما يزال يحتضر ... ان الحيوان المتوحش يأنف من ارتكاب هذه الفظائع ؛ وقد تألم الإمام لمصرعه على هذا النحو المؤسف قائلاً : « كان لي ربيباً وكان إلى حبيباً » .
    (2) مع بداية عام 39 هـ بدأ زمن الرعب عندما راح معاوية يشن الغارات التي تستهدف الاذلال وتمريغ الكرامة الإسلامية في الأوحال فقد : =


( 262 )

رسوله (1) .
    لنصغي إلى الإمام علي وهو يشهد تلك الجرائم فلا يجد له ناصراً ها هو يواجه الأمة وقد دكّت خيول الغارات الأنبار وهيت :
    ـ ألا وأني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً واعلاناً وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا .. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الاوطان .


= * أغار النعمان بن بشير على عين تمر .
    * واغر النعمان بن عوف على هيت والانبار والمدائن ، وقام بعمليات نهب واسعة .
    * واغار عبد الله بن سعد على تيماء .
    * واغار الضحاك بن قيس على مناطق عديدة حدّدها معاوية ، وأمر بقتل كل من يجده في طاعة علي أمير المؤمنين .
    * وتأتي غارة بسر بن ارطاة الجلاد المعروف لتشكل ذروة الارهاب ، فقد اغار هذا الدموي على المدينة وأجبر أهلها على البيعة لمعاوية وهدم بعض الدور فيها ، ثم انطلق إلى مكّة ومنها إلى اليمن فارتكب مذبحة بحق الابرياء واهتز الضمير الإنساني لدى اقدام هذا المتوحش على قتل طفلين صغيرين لا لذنب سوى انهما ابنا عبيد الله ابن عباس ، كما عرض الفتيات المسلمات للبيع في الأسواق | الطبري 6 : 81 .
    (1) طعن الإمام في نتائج التحكيم ، انطلاقاً من حيثيات الحكم وترك الحكمين للقرآن القاعدة الأساس في مسئلة التحكيم نفسها يقول الإمام : فلما ابيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما احيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن ؛ فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أ، نخالف حكماً يحكم في القرآن ، وأن أبيا فنحن من حكمها براء .


( 263 )

    وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الانبار ، وقد قتل حسان بن حسان البكري ، وازال خيلكم (1) عن مسالحها ... ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة (2) ، فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورعثها ، ما تمنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاص منهم كلم (3) ، ولا أريق لهم دم فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان عندي جديراً .
    ثم يعرب الامام عن عمق دهشة ازاء هذه الحالة المريرة ، التي وصلت اليها الأمّة :
    ـ « فيا عجباً ! ... عجباً .. والله يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم ، فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضاً يرمي .. يغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تَغزون ، ويعصى الله وترضون » !..
    وهنا تبلغ الآلام ذروتها فينفجر القلب الكبيرر ويتشظى حمماً فيخاطب الضمير النائم بلهجة كلها غضب :
    ـ « يا اشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الاطفال .. وعقول ربّات


    (1) حرس الحدود .
    (2) الذمّية .
    (3) جرح .


( 264 )

الحجال لوددت أني لم اركم ولم اعرفكم معرفة والله جرّت ندماً واعقبت سأماً ... قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً ، وجرّعتموني نغب التهمام انفاساً ... » .
    ثم يعبّر عن مظلوميته وضياع عقله الكبير وسط نقيق الحمقى ، فيقول :
    ـ وافسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت قريش : ان ابن ابي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب : لله أبوهم ! وهل أحدٌ منهم اشدّ لها مراساً .. واقدم فيها مقاماً مني ! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وهأنذا قد ذرّفت على الستّين .. ولكن لا رأي لمن لا يطاع .
    وها هو الإمام يقف حائراً ، يتساءل عمّا ألم بالأمّة ، بينما الضحاك بن قيس يغير على قوافل الحجيج في شهر الحرام .. ليبث الرعب في أيام ارادها الله أن تكون مفعمة بالسلام :
    ـ أيها الناس المجتمعة ابدانهم .. المختلفة أهواؤهم ؛ كلامكم يوهي الصمَّ الصِّلاب وفعلكم يُطمع فيكم الاعداء !
    تقولون في المجالس كيت وكيت ، فاذا جاء القتال قلتم حيدي حياد ؟ ما عزّت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل باضاليل وسألتموني التطويل ، دفاع ذي الدَّين المَطُول ... » .


( 265 )


    وتنفجر تساؤلات الإمام المظلوم :
    ـ لا يمنع الضيم الذلول : .. ولا يدرك الحق إلا بالجدّ ! .. أي دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي امام بعدي تقاتلون ؟ .. المغرور والله من غررتموه ... ومن فاز بكم فقد فاز ـ والله ـ بالسهم الأخيب ...
    ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ... اصبحت والله لا اصدّق قولكم ؛ ولا اطمع في نصركم ؛ ولا أوعد العدوّ بكم ... ما بالكم ؟! ما دواؤكم ؟! ما طبّكم ؟!
    وتبقى تساءلات الإمام دون جواب ؛ فيغضب من اجل الله ويحاول هزّ الضمير المثقل بالخدر ... المصفّد باغلال الخوف .
    ـ ما بالكم ؟! أمخرسون أنتم ؟!
    وجاءه جواب واهن :
    ـ يا أمير المؤمنين ! إن سرت سرنا معك !!
    يا لهذه الأمّة ؟! تطلب من امامها أن يترك كل شيء ليتصدّى إلى الغارات هنا وهناك ، بينما معاوية يربض في دمش يخطط كيف يقضم « تراث محمد صلى الله عليه وآله وسلّم » :
    ـ ما بالكم لا سدّدتم لرشد : ولا هديتم لقصد ! أفي مثل هذا نيبغي لي أن أخرج ؟! ، وانما يخرج في مثل هذا رجل ممن ارضاه


( 266 )

من شجعانكم وذي بأسكم ، ولا ينبغي لي ان أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء (1) بين المسلمين والنظر في


    (1) لقد فصل الإمام في مسائل قضائية غاية في التعقيد ففي خلافة عليه السلام ، وبالرغم من عصف الحوادث فانه فصل في عديد من القضايا المعقدة وهذه نماذج :
    * ضُرب أحدهم على هامته وادّعى المضروب أنه فقد القدرة على النطق والابصار والشم ، فقال الإمام ان كان صادقاً فله ثلاث ديّات فقيل : وكيف نتبيّن صدقه ؟
    فوضع الإمام طرقاً لمعرفة سلامة حواسّه فالتأكد من قدرته على الابصار أو عدمها يطلب منه أن يرفع عينيه إلى الشمس فان كانت عيناه سليمتين اغمضهما وإلا بقاهما مفتوحتين .
    واما حاسة الشم فيمتحنبغرز ابرة في لسانه فان خرح الدم احمر كان سليماً وأن خرج اسود اللون فقد فقد قدرته على النطق حقاً .
    * كان الإمام في طرقة إلى المسجد فرأى شاباً يبكي وهتف الشاب بالإمام :
    ـ يا أمير المؤمنين ان شريحاً القاضي قضى عليّ بقضية لا أدري ما هي ؟
    فقال : الإمام :
    ـ وما ذاك ؟
    فقال الشاب :
    ان هؤلاء النفر خرجوا مع ابي في سفر فرجعوا ولم يرجع أبي ، فسألتهم عن ماله فقالوا : ما ترك مالاً فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم وبرأهم ، وأنا أعلم أن ابي خرج ومعه مال كثير .
    فقال علي عليه السلام : ارجعوا .
    وأردف وهو يتقدمهم جميعاً إلى المسجد الأعظم . =


( 267 )


= والله لا حكمن فيهم بحكم ما حكمه أحد قبلي إلا داود النبي .
    وهتف بخادمه :
    يا قنبر ادع لي شرطة الخميس ، وأوكل الإمام بكل رجل من المتهمين اثنين من الشرطة ، واستدعاهم وراح يتصفح وجوههم قائلاً :
    ـ كأني لا اعلم ما صنعتم بوالد هذا الشاب ؟
    ثم اصدر أمره باقتياد كل واحد منهم إلى اسطوانة من اساطين المسجد .
    ثم استدعى كاتبه عبد الله بن أبي رافع وقال له :
    ـ اكتب .
    والتفت إلى الناس وقال :
    ـ إذ كبرت فكبروا .
    واستدعى الإمام أولهم لاستجوابه ووقف الكاتب يسجل افادته :
    ـ في أي يوم خرجتم من منازلكم مع والد هذا الشاب ؟
    في يوم كذا وكذا .
    ـ ففي أي شهر ؟
    ـ في شهر كذا .
    في أي سنة ؟
    في سنة كذا .
    في منزل من مات ؟
    ـ في منزل فلان .
    ـ ما كان مرضه؟ وكم كانت مدّة مرضه ؟ ومن كان ممرضه وفي أي يوم مات ، ومن كفنه ، ومن صلى عليه ، ومن ادخله القبر ...
    واستمر الرجل يجيب ، والكاتب يسجل إفادته ؛ وهنا كبّر الإمام فكبّر الناس . لم يشك الآخرون في أن صاحبهم قد اترف على نفسه وعليهم . أمر الإمام بالرجل =


( 268 )

    حقوق المطالبين ، ثم أخرج في كتيبة اتبع أخرى ... وانما أنا قطب الرحا تدور علي وأنا بمكاني .
    لقد بدأ عصر التيه وسوف تتوه امّة الإسلام كما تاه قوم موسى من قبل تاهوا اربعين سنة ، لنصغ إلى الإمام وهو يبشر بالتيه والضياع لامّة لم تعرف قدر امامها وراعيها فتركته وحيداً في مواجهة القاسطين !
    ـ ايها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق ، ولم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ، ولم يقو من قوي عليكم .. لكنكم تهتم متاه بني اسرائيل ...
    ولعمري ليضَّعفنّ لكم التِّية من بعدي اضعافاً بما خلفتم الحق وراء ظهوركم .
    وهكذا عطّت الامّه في نوم عميق ، وضرب على آذانها فلم تعد تسمع كلمات آخر الاوصياء في التاريخ .


= باعادته إلى مكانه ، واستدعى آخر لاستجوابه وقال الإمام وهو يحدّق في وجهه ؟
    ـ زعمت اني لا أعلم ما صنعتم بوالد هذا الشاب ؟ فانهار الرجل قائلاً :
    يا أمير المؤمنين ما أنا إلا كواحدٍ منهم ... ولقد كنت كارهاً لقتله .
    وعلى أثر هذا الاعتراف اقرّ الباقون بالجريمة فقضى عليهم الإمام بتغريمهم المال وتحملهم دم الضحية .
    * وفي خلافة أيضاً ولد مولود له رأسان وصدران في حقو واحد ، فسئل الأمام هل يرث ميراث اثنين أم واحد فقال : يترك حتى ينام ثم يصاح به فأن انتبها معاً كان له ميراث واحد ؛ وإن انتبه واحد وبقي الآخر كان له ميراث اثنين .


( 269 )

    ها هو الإمام يستنهض فيهم بقايا الروح ... يدعو هم لمواجهة الزمهرير القادم من ارض الشام حيث ربض الشيطان .
    ولكن لا شيء سوى صمت المقابر ... وقام رجل ليقول :
    ـ هأنذا وأخي فمرنا بأمرك ..
    فيقول الإمام متأسفاً :
    ـ واين تقعان مما أريد ؟
    بل لقد وصل الأمر أن دعاهم للجهاد وقد عصفت الغارات بالمدن وقتل نسوة واطفال .. فلم يستجب أحد .. فأخذ الإمام سلاحه ومضى صوب النخيلة وحيداً ! (1)
    ولكن علياً لم يكن الرجل الذي يخشى شيزاً حتى لو ظلّ وحيداً ، وها هي كلماته وهو يخاطب اخاه وقد خوّفه عواقب الطريق الذي سلكه دون مساومة أحد : « لا يزيدني كثرة الناس حولي عِزّة ولا تفرّقهم عني وحشة ، ولا تحسبنّ ابن ابيك ولو اسلمه الناس متضرّعاً متخشعاً ، ولا مقرّاً للضميم واهناً » .
    وهو الذي قال مرّة :
    ـ « والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها » .


    (1) النخيلة منطقة تحشد عسكرية خارج الكوفة .. والحادثة مسجلة في نهج البلاغة . ك 261 .