الجمعة 12 رمضان سنة 40 هـ :
    اطل رمضان بوجهه الكريم ليدخل الإنسان المؤمن عوالم الملكوت ؛ رياح شباط تجوس خلال المدينة المشهورة بالغدر (1) .
    صام علي بدأ رحلته إلى الملكوت ، يتضوّر جوعاً ، الجسد الآدمي يذوب أمام سطوع الروح وهي تتوهج كلما اقتربت ليلة القدر .
    ها هو علي يرتقي المنبر ... فكأنه يتأهب للرحيل ... كان يرتدي قميصاً من صوف ... في رجليه نعلان من ليف خصفهما بنفسه ... جبينه يتألق نوراً من اثر السجود ... حبس التاريخ انفاسه وهو يضغي إلى كلمات رجل على وشك الرحيل :
    ـ « الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق .. وعواقب الأمر .. » .
    ـ « ... لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركاً ... ولم يلد فيكون موروثاً ... ولم يتقدمه وقت ولا زمان ... » .
    ها هو يذكر الناس بالرحيل ... لقد أزفت الساعة :
    ـ أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي البسكم الرِّياش ، واسبغ عليكم المعاش ؛ فلو أن احداً يجد إلى البقاء سلّماً أو لدفع الموت


    (1) عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم انه قال لعلي : « ان الامة ستغدر بك بعدي » | كنز العمال 11 : 297 .


( 271 )

سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داوود عليه السلام ؛ الذي سخّر له ملك الجن والانس مع النبوّة وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طُعمته واستكمل مُدّته ، رمته قِسيُّ الفناء بنبال الموت واصبحت الديار منه خالية والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون وأن لكم في القرون السالفة لعبرة ! ..
    وهنا يفجر اسزلة التاريخ ليتساءل عن مصير حضارات سادت ثم بادت :
    ـ « أين العمالقة وابناء العمالقة ؟! اين الفراعنة وابناء الفراعنة ؟ اين اصحاب مدائن الرس الدين قتلوا النبيين ، واطفؤوا سنن المرسلين ، واحيوا سنن الجبّارين ؟! ... اين الذين ماروا بالجيوش وهزموا بالألوف وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن ؟ » .
    وها هو يذكرهم بأنه وريث الأنبياء وأنه آخر الأوصياء فهل ينتظرون من هو أهدى سبيلا :
    ـ ايها الناس : اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها اممهم ، وأديت اليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ... لله انتم اتتوقعون اماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل ؟!
    لقد بدأ عصر الانحطاط في اللحظة التي هوى فيها الشهداء في « صفين » :
    ـ ألا انه قد ادبر من الدنيا ما كان مقبلاً ، واقبل منها ما كان


( 272 )

مدبراً ، وازمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ...
    ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم ـ وهم بصفين ـ ألا يكونوا اليوم أحياء ؟ يُسيغون الغصص ويشربون الرنق !
    وكأن الإمام يتلفت هنا وهناك يبحث عن اخوان له طووا معه الطريق إلى صفين :
    ـ « اين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟
    أين عمار ؟
    وأين ابن التيهان ؟
    وأين ذو الشهادتين ؟
    وأين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة وأُبْرد برؤوسهم إلى الفجرة ؟! »
    وهنا يصل الإمام إلى ذروة التأثر ، فيضرب على لحيته الكريمة .. ويستغرق في البكاء .. البكاء من أجل كل الذين رحلوا وجباههم إلى الشمس فتنبعث من أعماق قلبه الكسير آهة حرّى :
    ـ أوِّه على اخواني الذين تلوا القرآن فاحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه .. أحيوا السنّة وأماتوا البدعة .. دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه ..
    ثم اطلق صيحاته كأنه يخاطب التاريخ والأجيال :


( 273 )

    ـ « الجهاد الجهاد عباد الله ! ألا وإني معسكر في يومي هذا ؛ فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج ! » (1).
 

صفين ... هاجس العودة :
    سوف تبقى « صفين » ارض التاريخ .. نقطة للحضارة وميداناً للصراع .. الصراع الخالد بين الخير والشرور .. وعلى الذين يريدون توجيه حضارة الإسلام من جديد أن يعودوا إلى صفين ؛ إلى خنادق الصراع .. خلف « القائد » (2) .
    ها هو علي يطالب الامّة بالعودة إلى الصفين .. لتحطيم الاوثان البشرية .. لاحراق العجل .. وليشهد رمضان انتصار الروح .. انتصار محمد من جديد .. وهزيمة ابناء الأحزاب (3) ...
 

ليالي البرد :
    رياح شباط الباردة ما تزال تجوس الازقّة ، وها هو آخر الأوصياء في التاريخ .. يخطو باتجاه الرحيل .. ليالي رمضان تتألق


    (1) آخر خطابات أمير المؤمنين عليه السلام .
    (2) اشارة إلى الفقرة الأخيرة من الخطاب .
    (3) بدأت الاستعدادات الحربية للعودة إلى صفين .. وتحركت الفرق العسكرية باتجاه « النخيلة » منطقة التحشّد .. حيث غادر الحسين عليه السلام الكوفة على رأس عشرة آلاف مقاتل ، وأعقبه قيس بن سعد على رأس عشرة آلاف ، وتلاهما أبو أيّوب الانصاري على عشرة آلاف مقاتل أيضاً .


( 274 )

بنور عجيب لا تستمده من صوء العمر .. والاسحار تزخر بالنجوم كقلوب واهنة تنبض من بعيد .. تراقب من أغوارها السحيقة انساناً يحمل ميراث الأنبياء .
    الرجال الذي طهّرته السماء ، يمضي لياليه الأخيرة في بيوت ابنائه وبناته .. خاوي البطن (1) ، لا يفطر إلا على كسيرات من خبز .. الجسد البشري يذوب تحت وهج الروح العظيم ...
 

الخميس 18 رمضان 20 هـ
    أفلت شمس الخميس سريعاً كطبعها في أيام شباط .. نسائم باردة تهبّ من ناحية الشمال تبشر بليالي الزمهرير الطويلة ؛ وكان الافق الغربي شاحباً فكأنه يعلن عن غدٍ غائم .
    السحر ظلمات يتراكم بعضها فوق بعض .. والنجوم تشتد سطوعاً في سماء غارقة في الليل ..
    الإمام جالس في المحراب ، قد أوهنه السهر والانتظار .. هوّمت عيناه .. ليلج عالماً آخر .. عالماً شفافاً .. تدفق شلال من نور محمد .. اضاءت روحه المترعة بالحزن ابتسامة آخر الأنبياء .. حبيب الله .. خفّ علي للقاء الحبيب يشكو إليه ويلات الأرض .. همس علي بأسى :


    (1) كان يردد : انما هي ليال قلائل ، واحب أن يأتي أمر الله وأنا خميص .


( 275 )

    ـ يا رسول الله : ماذا لقيت من امتك من الأود واللدد (1) ؟!
    قال محمد صلى الله عليه وآله وسلّم لأخيه :
    ـ ادع عليهم !
    ووجد علي نفسه يتضرّع إلى السماء يشكوها ظلم الأمّة :
    ـ أبدلني الله بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً لهم مني .
    لقد استشرى الانحراف في روح الأمّة وباتت الأشياء تُرى بالمقلوب ن ومن هنا كانت محنة علي ، وهو يشق طريقه على هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلّم في درب قلّ سالكوه فاذا هو بين فريقين احدهما يكْفر به ويكفّره ، وآخر يعبده (2) .
اغتيال الشمس :
    تطلع علي إلى السماء الزاخرة بالنجوم .. الفضاء مشحون بشيء عجيب .. لكأن السماء تمس الأرض ، أو أن الأرض تتعلق بالسماء .. هتف علي والناس نيام :
    ـ انها الليلة التي وعدت فيها ! والله ما كذبت ولا كُذبت .. الظلمة تتكاثف الفجر ما يزال يمزق حجب الظلام .. وعلي يتخطى باحة المنزل وقد ولّى وجهه شطر المسجد الأعظم .. صاح الوزّ ..


    (1) الاعوجاج والخصام .
    (2) تصدّى الإمام بحزم إلى الذين جعلوه الهاً ، من دون الله ! انه الجنون البشري الذي لم يتحمل وجود الإنسان المثال فرفعه إلى مصاف الاله !


( 276 )

كأنه يطلق استغاثة أو يحذّر من المجهول ؛ تمتم علي :
    ـ صوائح تتبعها نوائح ..
    ومضى علي يشق طريقه في ظلمة الفجر .. ازفت لحظة الرحيل .. هناك في زاوية من المسجد سيف مسموم .. سيف يشبه ثعباناً منتفخاً بالسم ..
    هتف امير المؤمنين ليوقظ النيام :
    ـ الصلاة ! الصلاة ! عباد الله !
    تحرك الثعبان .. تلوّى .. ظهر صوت يشبه فحيح الافاعي .. صوت ابليس وهو ينفخ .. صفير موحش وبريق مخيف .. وسيف جبان يهوي باتجاه وجه ما سجد لغير الله .. وتفجرت الآلام وهتف علي وقد هوى في المحراب : وقد غمرت وجهه ولحيته الدماء :
    فزت وربّ الكعبة .. وظهر ابليس ينظر بحقد إلى آدم وقد اجتباه ربّه .. وبدا قابيل يتشظى غيظاً وهو يرى قربان اخيه ترفعه السماء .. فسوّلت له نفسه قتل اخيه فقتله . فاظلمت الأرض وهبت عاصفة الزمهرير ..
    انطفأت قناديل المسجد .. انكفأت الشموع .. وفرّ الربيع وبدا محراب المسجد الأعظم خاوياً تغمره ظلمة مخيفة .. وعلي في منزلة يذوب جسده تحت وهج الروح وهي تتأهب للرحيل ..


( 277 )

همسات قبل الرحيل :
    رغم كل الضجيج والصخب الذي ضجّت به تلك الحقبه من الزمن .. حيث عربدة الخنازير ، وصخب الشهوات .. وحمّى اللذائذ .. ولكن علي كان يصغي إلى نداءات الرحيل ها هو علي كان يصغي إلى نداءات قادمة من بعيد .. انها نداءات الرحيل ها هو علي يفلسف الحياة .. يفضح كل بهارج الدنيا بكلمتين :
    ـ الرحيل وشيك (1) ..
    حتى ان المرء ليحسّ سرعة الرحيل .. من ايقاع الكلمة لكأنها سهم يخطف قرب الأذن .. لا تشعر به ولا تسجل سوى صوت قصير .. قصير للغاية ..
    وها هو ينادي شهود عصره :
    ـ تجهزوا رحمكم الله ! فقد نودي فيكم بالرحيل !.
    لقد عاش علي غريباً في عصره .. لم تكن غربته غربة وطن لقد فقد احبّته .. انه يحنّ اليهم يتمنى لقياهم .. فيقول :
    ـ فقد الاحبّة غربة ..
    كلمات تنضح حزناً وأسّى ولوعة..


    (1) نهج البلاغة : 187 .


( 278 )

    وعاش علي يحارب الشرور .. انه يعرف كيف يكافحها .. يعرف أن ميدانها الأول في اعماق النفس الإنسانية .. لهذا تراه يهمس بصوت هادئ :
    ـ احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعة من صدرك ..
    وعلي يكشف للإنسانية مأساة العقل البشري أنها تكمن في الاطماع .. وها هي العقول تتساقط أمام الاطماع .. عندما تتحول الطموحات الرخيصة إلى صواعق تنقض على العقول فتطفئ فيها وهجها المساوي فيقول :
    ـ اكثر مصارع العقول تحت بورق المطامع .
    ويقول :
    ـ الطمع رقّ مؤبد ..
    ويقول :
    ـ الطامع في وثاق الذلّ.
    ويلتفت إلى رفاقه وقد مرّ بمزبلة فيقول:
    ـ هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس..
    ـ وهذا ما بخل به الباخلون.
    وعلي يرسم الطريق لمن يريد أن يحيا كريماً فيهمس في الأذان الواعية :
    ـ من أشرف اعمال الكريم غفلته عمّا يعلم .


( 279 )

    ويعلن رأيه في الثراء الحقيقي قائلاً :
    كفى بالقناعة مُلكاً ، وبحسن الخلق نعيماً .
    وعلي يرفع لواء الرحيل لأن :
    ـ الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ ..
    والمجد لمن وعى كلمات علي .. فوهب لنفسه الحرّية .
    وعلي يثير اسئلة الإنسان حول ظاهرة محيّرة .. عندما يسكت الإنسان يفقد قدرته على النطق والتعبير ؛ ويسكت خاشعاً في حضرة الموت ... عندما يجلس الكائن البشري ، وقد استسلم بذلّ ؛ يتساءل علي وهو يخاطب الإنسان :
    ـ هل تحسّ به إذ دخل منزلاً ؟ أم هل تراه إذا توفّى احداً ؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن امّه ؟! .. أيلج عليه من بعض جوارحها ؟ أم الروح اجابته باذن ربّها ؟! .. أم هو ساكن معه في احشائها ؟! ..
    وينظر علي إلى السماء فتمتليء روحه اجلالاً للواحد القهّار فيقول :
    ـ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مِثْله ؟!
    وستبقى لحظة الموت ميعاد وموعداً .. لغزاً يحيّر الإنسان .
    وستبقى النفس البشرية عاجزة عن اكتشاف ذلك المجهول وقد قال خالق النفس وبارئ الروح : « وما تدري النفس ماذا تكسب غداً


( 280 )

وما تدري نفس بأي أرض تموت » .
    وها هو علي يخاطب الإنسانية جمعاء :
    ـ «ايها الناس ! كل امرئ لاقٍ ما يفرّ منه في فراره . الأجل مساق النفس ؛ والهرب منه موافاته ... » .
    كلما امعن الإنسان في فراره من الموت كلما اسرع في خطاه نحو معانقة ما يفرّ منه .. حتى لو اخفى نفسه في البروج المشيّدة .
    فيقول علي :
    ـ كم اطردتُ الأيام ابحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى الله إلا اخفاءه ! هيهات ! علم مخزون !
    وياتفت علي إلى الذين تحلّقوا حوله .. وقد أوشك على الرحيل فيقول :
    أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ؛ وغداً مفارقكم ..
    لقد انتهى كل شيء وسوف يرحل آخر الأوصياء في التاريخ ، مازال يتكلم فتتدفق ينابيع الحكمة ويلخص وجوده قائلاً :
    ـ وأنا كنتُ جاراً جاوركم بدني أياماً ..
    وستعقبون مني جُثّة خلاء ..
    ساكنة بعد حراك ..
    وصامتة بعد نطق ..
    ليعظم هدوِّي وخفوت اطراقي .. وسكون اطرافي ..


( 281 )

    وستكتشف الإنسانية علياً بعد رحيله .. وهو يعرف ذلك فيهتف عالياً :
    ـ غداً ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري .. وتعرفونني بعد خلوّ مكاني .. وقيام غيري مقامي ..