حديث مع الأجيال :
    رياح شباط تهبّ مجنونة .. تنخر في العظام تبشر بالويل والثبور .. الامام يتأهب للرحيل .. لقد مضى عهد السلام ..
    اجرى الطبيب فحوصاته .. لقد استشرى السم .. وأمير المؤمنين مهدّد بالموت بين لحظة وأخرى .. الروح العظيم يتوهج .. فيذوب الجسد الآدمي .. والجبين الذي لا مس الشمس ينضح عرقاً .. الشمس تهوي في هوّة الأفول .. رمق علي ولديه .. سبطي محمد وريحانتيه من الدنيا ..
    علي يتحدث يوصي الأجيال وقد توقف التاريخ يصغي لميراث آخر الأوصياء :
    ـ اوصيكما بتقوى الله ! والا تبغيا الدنيا وأن بغتكما ..
    ولا تحزنا على سيء منها زوي عنكما .. وقولا بالحق .. واعملا للأجر ..
    وكونها للظالم خصماً وللمظلوم عونا ..


( 282 )

    وهنا نهمس في أذن الأجيال القادمة فيقول :
    ـ أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ..
    ومن بلغه كتابي ..
    بتقوى الله .. ونظم امركم .. وصلاح ذات بينكم .. فأني سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : « صلاح ذات البين افضل من عامّة الصلاة الصيام » . ثم يتدفق النبع الإنساني الذي يبني العالم الأخضر :
    ـ « والله .. الله في الايتام فلا تفبّوا افواههم .. ولا يضيعوا بحضرتكم .. والله الله في جيرانكم .. فانهم وصيّة نبيكم مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورّثهم ..
    والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم ..
    والله الله في الصلاة فاننا عمود دينكم ..
    والله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فانّه ان ترك لم تناظروا ..
    والله والله في الجهاد باموالكم وانفسكم والسنتكم في سبيل الله ..
    وعليكم بالتواصل والتباذل : واياكم والتدابر والتقاطع ... لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم .. ثم تدعون فلا يستجاب لكم ...
    وهنا يوجه الإمام خطابه إلى بني عبد المطلب حتى لا يصنعوا


( 283 )

من ثيابه الملوّنه بدم الشهادة قميصاً آخر فيقول :
    ـ « يا بني عبد المطلب لا الفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : « قتل امير المؤمنين .. ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي .. » .
    وهو يريد أن يغلق إلى الأبد ملف الحادثة :
    ـ انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة .. ولا تمثلوا بالرجل .. فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : « اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور».
    وسكت علي .. ليتحدّث فيما بعد بلغة الصمت .. ليبقى قبره المجهول عشرات السنين (1) يرسم علامة استفهام كبرى على العود المظلمة التي تلت اغتيال الشمس .
 

نبوءات الزمن القادم :
    وعلي يستشرف صفحات الغد القادم .. ويرى الآفاق البعيدة : ويلات الحروب .. وامواج الفتن .. وعواصف الزمهرير :
    * سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء اخفى من الحق .. ولا اظهر من الباطل .. ولا اكثر من الكذب على الله ورسوله .. وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته .. ولا انفق منه إذا حرّف عن مواضعه .. ولا في البلاد


    (1) ظل قبر الإمام مجهولاً حوالي قرن ونصف .


( 284 )

شيء انكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر ..
    فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ..
    ومعهم وليسا معهم ..
    لان الضلالة لا توافق الهدى ، وان اجتمعا .. فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا على الجماعة .. كأنهم أئمة الكتاب ، وليس الكتاب امامهم .. فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ..
    * ويبشّر الإمام بعواصف الزمهرير التي ستهبّ من الشام بعد حين فيقول : « اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم .. مندحق البطن .. يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد .. فاقتلوه ، ولن تقتلوه ! .. ألا وانّه سيأمركم بسبّي والبراءة مِنّي ، فامّا السبّ فسبّوني فانه لي زكاة ، ولكم نجاة ، وأما البراءةُ فلا تتبرّأوا مني ، فاني ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الايمان والهجرة » .
    * سوف يبدأ زمن السقوط والانحطاط عندما ينقض اعداء الإسلام القدامى على دين الله الحق .. وتبدأ الحقبة الأموية المظلمة : « والله لا يزالون حتى لا يدعوا محرّماً إلا استحلّوه ، ولا عقداً إلا حلّوه » ، وستعمّ المأساة المدن والبوادي :
    « حتى لا يبقى بيتُ مَدَر ولا وَبَر إلا دخله ظلمهم » .
    وسيبدأ زمن البكاء :
    « وحتى يقوم الباكيان يبكيان : باك يبكي لدينه ، وباك


( 285 )

يبكي لدنياه » .
    * وسيبدأ زمن الويلات ، عندما تشتعل الحروب المدمّرة ، وها هي البصرة (1) تحترق في أتون المعارك : وستمّلئ الأهوار بالجماجم :
    ـ يا احنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم ، كأنهم اقدام النعام ..
    وسوف تتهدّم البيوت وتخرّ سقوف المنازل :
    ـ ويل لسككم العامرة والدور المزخرفة .. التي لها اجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة .. من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفقد غائبهم .. انا كابّ الدنيا لوجهها ، وقادرها وبقدرها ، وناظرها بعينها ..
    وها هي القوام في آسيا الصغرى تترك مراعيها لتجتاح بلاد الإسلام :
    ـ كأني أراهم قوماً وجوههم المجانّ المطرّقة .. يلبسون


    (1) في عام 255 هـ اندلعت ثورة الزنوج في البصرة ، وكان هؤلاء قد جلبوا من شرق افريقيا لاستصلاح الاراضي الزراعية في الأهوار جنوب العراق ، وقد استمرت ثورتهم حتى سنة 270 وخلال هذه الفترة التي تمتد إلى 15 عاماً وقعت عشرات المذابح وراح ضحيتها مئات الآلاف من الناس .


( 286 )

الرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرار قتل .. حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقلّ من المأسور !
    ويشعر شهود ذلك العصر بالرهبة ، وقد انكشفت أمامهم صفحات من الغد القادم .. فيقول احدهم وكان كلبيّاً :
    ـ لقد اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب !
    ويبتسم علي قائلاً :
    ـ يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب ، انما هو تعلّمن ذي علم ، وانما علم الغيب علم الساعة ، وما عدد الله سبحانه بقوله : « ان الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي ارض تموت ..» .. فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو انثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً .. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه احد ألا الله .. وما سوى ذلك فعلم علّمه الله نبيّه فعلّمنيه ؛ ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي .
ليلة القدر :
    وفي ليلة الحادي والعشرون من شهر رمضان المبارك رحل علي .. وفي الليل خرج رجال يعدّون بالاصابع يحملون


( 287 )

الجثمان العظيم ليطووا مسافة خمسة أميال خارج الكوفة .. وهناك في بقعة طاهرة جرت مراسم دفن (1) آخر الاوصياء في التاريخ .. لقد غاب علي عن دنيا الوقائع ليسطع اسمه في ضمير الأجيال .. ويبقى خالداً في وجدان الإنسانية على مرّ العصور والأيام ..
    وفي تلك الليلة عرجت روح ذلك العظيم تتخطى السموات في الليلة التي توفي فيها موسى بن عمران ورُفع فيها عيسى ابن مريم (2) .
    وهكذا انطفأت الشمس التي اضاءت العالم حينا من الدهر وغمرته بالنور والدفء ليبدأ زمن الزمهرير .. وتضجّ الأرض بعواء الذئاب (3) .

 

بحمد الله تم

30 | شعبان | 1417 هـ

 

***


    (1) تذكر بعض المصادر التاريخية انه وجد لوح خشبي عليه كتابات تعود إلى لغة شعب عاش قبل الطوفان .
    (2) كنز العمال 13 : 693 .
    (3) قال نوف البكالي : « وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أُخر وهو يريد الرجعة إلى صفين .. عما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنا كأغنام فقدت راعيها ، تتخطفها الذئاب من كل مكان .. » | نهج البلاغة ـ هامش الخطبة : 182 .