الفصل الثاني  ـ  موضع علي عليه السلام في الغزوات

دور علي عليه السلام في قتال المشركين

قاتل أمير المؤمنين علي عليه السلام المشركين مع رسول الله صلى الله عليه و آله على كلمة التوحيد، و تنزيل الكتاب الكريم، و تثبيت دعائم النبوة و مبادى‏ء الاسلام العزيز، فكان لسيفه دور متميز، و لجهاده أثر واضح في أن تعم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله الجزيرة العربية و ما والاه، و كان لثباته مع الرسول صلى الله عليه و آله في كثير من المعارك التي عز فيها الناصر و قل فيها الصديق و كثر فيها العدو، أثر كبير في الانتصارات الكبرى التي عززت موقع الاسلام، و ثبتت أركانه، و فيما يلي نورد دوره عليه السلام في الغزوات و المعارك على الاختصار:

بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى و يقال لها:بدر العظمى، وقعت في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان، في السابع عشر، و قيل:في التاسع عشر، و كان يوم الجمعة.

و هذه الغزوة هي أول غزوات الرسول صلى الله عليه و آله المهمة، و بها تمهدت قواعد الدين، و أعز الله الإسلام، و أذل جبابرة قريش، و قتل فيها رؤساؤهم، و وقعت الهيبة للمسلمين في قلوب العرب و اليهود، و كما قال الله تعالى: (و كفي الله المؤمنين القتال) (1) بالنبي صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام و شركائه في نصرة الدين من خاصة آل الرسول و من أيدهم به من الملائكة الكرام.و قد أثبت أهل السير و التاريخ أن النبي صلى الله عليه و آله أعطى عليا رايته يوم بدر.

1 ـ روى الطبري بسنده عن ابن عباس، أنه قال:كان المهاجرون يوم بدر سبعة و سبعين رجل، و كان الأنصار مائتين و ستة و ثلاثين رجل، و كان صاحب راية رسول الله علي بن أبي طالب، و صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة. (2)

2 ـ و قال ابن عبد البر المالكي:و أجمعوا على أن عليا عليه السلام صلى القبلتين، و هاجر و شهد بدرا و الحديبية و سائر المشاهد، و أنه أبلى ببدر و باحد و بالخندق و بخيبر بلاء عظيم، و أنه أغنى في تلك المشاهد، و قام فيها المقام الكريم، و كان لواء رسول الله صلى الله عليه و آله بيده في مواطن كثيرة، و كان يوم بدر بيده. (3)

3 ـ و عنه أيض، عن ابن عباس، قال:دفع رسول الله صلى الله عليه و آله الراية يوم بدر إلى علي و هو ابن عشرين سنة. (4)

4 ـ و روى ابن عساكر الشافعي، عن ابن عباس، قال:إن راية المهاجرين كانت مع علي عليه السلام في المواقف كلها يوم بدر و يوم احد و يوم خيبر و يوم الأحزاب و يوم فتح مكة، و لم تزل معه في المواقف كلها. (5)

وصف المعركة

روى أصحاب التواريخ عن أبي رافع مولى رسول الله و غيره، قالوا:لما أصبح الناس يوم بدر اصطفت قريش، أمامها عتبة بن ربيعة، و أخوة شيبة، و ابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبدر إليهم ثلاثة من شبان الأنصار، فقال لهم عتبة:من أنتم؟فانتسبوا له، فقال لهم:لاحاجة بنا إلى مبارزتكم، إنما طلبنا بني عمن، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله للأنصار:«ارجعوا إلى مواقفكم»ثم قال:«قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم.إذا جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله»، فقاموا فصفوا للقوم، و كان عليهم البيض، فلم يعرفوا.

فقال لهم عتبة:تكلمو، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم.

فقال حمزة:أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله، فقال عتبة:كفو كريم.و قال أمير المؤمنين عليه السلام:أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب.و قال عبيدة:أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.

فقال عتبة لابنه الوليد:قم يا وليد، فبرز إليه أمير المؤمنين و كانا إذا ذاك أصغر الجماعة سن، فاختلفا ضربتين، أخطأت ضربة الوليد أمير المؤمنين عليه السلام، و اتقى بيده اليسري ضربة أمير المؤمنين فأبانته، و قتل أمير المؤمنين الوليد.ثم بارز عتبة حمزة رضى الله عنه فقتله حمزة، و مشى عبيدة  ـ  و كان أسن القوم  ـ  إلى شيبة، فاختلفا ضربتين، فأصاب ذباب سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعه، و استنقذه أمير المؤمنين و حمزة منه و قتلا شيبة، و حمل عبيدة من مكانه فمات بالصفراء.

و بالجملة، قد عد المؤرخون أسماء (35) رجلا من المشركين، كلهم قتلهم أمير المؤمنين عليه السلام في هذه المعركة. (6)

احد

كانت وقعة احد في شوال بعد بدر بسنة، و أعطى النبي صلى الله عليه و آله الراية ـ و هي العلم الأكبر ـ علي بن أبي طالب، و قتل فيها حمزة سيد الشهداء أسد الله و أسد رسوله.

و قد ذكر المورخون:أن قتلى أحد من المشركين جمهورهم قتلى علي بن أبي طالب عليه السلام، و كان الفتح له بمقامه يذب عن رسول الله صلى الله عليه و آله دون غيره، و توجه العتاب من الله إلى كافتهم لهزيمتهم يومئذ سواه و من ثبت معه من رجال الأنصار، و فيما يلي بعض أقوال المورخين في وصف المعركة و دور أمير المؤمنين عليه السلام فيها:

1 ـ جاء في رواية الطبري:و قاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه و آله و معه لواؤه حتى قتل، و كان الذي أصابه ابن قميئة الليثي و هو يظن أنه رسول الله، فرجع إلى قريش، فقال :قتلت محمد، فلما قتل مصعب بن عمير، أعطى رسول الله صلى الله عليه و آله اللواء علي بن أبي طالب، الحديث. (7)

2 ـ و قال ابن الأثير:فلما فارق بعض الرماة مكانهم، رأى خالد بن الوليد قلة من بقي من الرماة، فحمل عليهم فقتلهم، و حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه و آله من خلفهم، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل، تبادروا فشدوا على المسلمين، فهزموهم و قتلوهم، و قد كان المسلمون قتلوا أصحاب اللواء، فبقى مطروحا لا يدنو منه أحد، فأخذته عمرة بنت علقمه الحارثية فرفعته، فاجتمعت قريش حوله، و أخذه صوأب فقتل عليه، و كان الذي قتل أصحاب اللواء علي عليه السلام، قاله أبو رافع.

قال:فلما قتلهم أبصر النبي صلى الله عليه و آله جماعة من المشركين فقال لعلي عليه السلام :احمل‏عليهم، ففرقهم و قتل فيهم، ثم أبصر جماعة اخرى فقال له:احمل عليهم، فحمل عليهم و فرقهم و قتل فيهم، فقال جبرائيل:يا رسول الله، هذه المؤاساة!فقال رسول الله:إنه مني و أنا منه، فقال جبرائيل:و أنا منكم، قال:فسمعوا صوتا:

لا سيف إلا ذوالفقار 
و لا فتى إلا علي

و كسرت رباعية رسول الله السفلى، و شقت شفته، و كلم في و جنته و جبهته في أصول شعره، و علاه ابن قميئة بالسيف، و كان هو الذي أصابه.إلى أن قال:و قاتل مصعب بن عمير و معه لواء المسلمين فقتل، قتله ابن قمئة الليثي، و هو يظن أنه النبي صلى الله عليه و آله، فرجع إلى قريش و قال:قتلت محمد، فجعل الناس يقولون:قتل محمد، قتل محمد، و لما قتل مصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه و آله اللواء علي بن أبي طالب عليه السلام. (8)

لما انتشر قتل محمد صلى الله عليه و آله فر معظم الأصحاب حتى عمر بن خطاب و عثمان بن عفان من معركة القتال و بقي علي عليه السلام و ثلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله.

3 ـ و روى أكثر المورخين فيهم:ابن هشام و الطبري و ابن الأثير بأسانيدهم، عن أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك ـ أنه انتهاى إلى عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين و الأنصار، و قد ألقوا ما بأيديهم، فقال:ما يجلسكم؟قالوا:قتل محمد رسول الله!قال:فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، و به سمى أنس بن مالك. (9)

4 ـ و عن ابن الأثير:قيل:إن أنس بن النضر سمع نفرا من المسلمين يقولون، لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه و آله قتل:ليت لنا من يأتي عبد الله بن ابى بن سلول ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان قبل أن يقتلون، فقال لهم أنس:يا قوم، إن كان محمد قد قتل فان رب‏محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر أليك مما يقول هؤلاء، و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء!ثم قاتل حتى قتل. (10)

5 ـ و عنه أيضا قال:و انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين، فيهم عثمان بن عفان و غيره إلى الأعوص، فأقاموا به ثلاث، ثم أتوا النبي صلى الله عليه و آله فقال لهم حين رآهم:لقد ذهبتم فيها عريضة . (11)

6 ـ و قال الرازي في تفسيره:و من المنهزمين عمر، ...و منهم أيضا عثمان، انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد و عقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيد، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي صلى الله عليه و آله:لقد ذهبتم فيها عريضة. (12)

7 ـ و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في قتال علي عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله وحده:لما فر معظم أصحابه عنه يوم احد، كثرت عليه كتائب المشركين، و قصدته كتيبة من بني كنانة، فيها بنو سفيان بن عويف و هم خالد و أبو الشعثاء و أبو الحمراء و غراب، فقال :«يا علي أكفني هذه الكتيبة»فحمل عليها و إنها لتقارب خمسين فارسا و هو عليه السلام راجل، فما زال يضرب فيها بالسيف حتى تتفرق عنه، ثم يجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة و تمام العشرة منها ممن لا يعرفون بأسمائهم.

ثم قال أيضا:و لما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه و آله في يوم احد و ثبت أمير المؤمنين عليه السلام، قال له النبي:«ما لك لا تذهب مع القوم؟»، قال أمير المؤمنين:«أذهب و أدعك، يا رسول الله؟!!، و الله لا برحت حتى اقتل أو ينجز الله لك ما وعدك من النصرة»فقال له النبي صلى الله عليه و آله:«أبشر يا علي، فإن الله منجز وعده، و لن ينالوا منا مثلها أبدا».

ثم نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال:«لو حملت على هذه يا علي»فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليه، فقتل منها هشام بن أمية المخزومي و انهزم القوم، ثم أقبلت كتيبة اخرى، فقال له النبي صلى الله عليه و آله:«احمل على هذه»فحمل عليهم، فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي، و انهزمت أيضا.

ثم أقبلت كتيبة اخرى، فقال له النبي صلى الله عليه و آله:«احمل على هذه»فحمل عليه، فقتل بشر بن مالك العامري، و انهزمت الكتيبة، و لم يعد بعدها منهم، و تراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه و آله. (13)

و بقي علي عليه السلام معه صلى الله عليه و آله في كل همومه و في كل مواقف الشدة و العسرة .

8 ـ و قال ابن هشام:فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه و آله إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب عليه السلام!حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه و آله ليشرب منه، فوجد له ريح، فعافه، فلم يشرب منه، و غسل عن وجهه الدم، و صب على رأسه، و هو يقول:اشتد غضب الله على من دمى وجه نبية. (14)

 

تعليقات:

1.الأحزاب،  .25

2.تاريخ الطبري، ج 2، ص .138

3.الاستيعاب بهامش الاصابة، ج 3، ص .33

4.المصدر السابق.

5.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 1، ص .142

6.انظر السيرة النبوية، ج 2، ص 371، المغازي للواقدي، ج 1، ص 152، الكامل في التاريخ، ج 2، ص .74

7.تاريخ الطبري، ج 2، ص .199

8.الكامل في التاريخ، ج 1، ص .551

9.السيرة النبوية لابن هشام، ج 3، ص 88، تاريخ الطبري، ج 2، ص 199، الكامل في التاريخ، ج 1، ص .553

10.الكامل في التاريخ، ج 1، ص .553

11.نفس المصدر، ص .554

12.تفسير الرازي، ج 9، ص .50

13.شرح ابن أبي الحديد، ج 14، ص .250

14.سيرة ابن هشام، ج 3، ص .90

14.سيرة ابن هشام، ج 3، ص .90