آية السقاية

من الآيات الكريمة النازلة في شأن علي بن أبي طالب عليه السلام قوله تعالى (أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله و اليوم الآخر و جاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله و الله لا يهدى القوم الظالمين*الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله و اولئك هم الفائزون) (1) حيث إن العباس و طلحة بن شيبة و علي بن أبي طالب عليه السلام تفاخرو، فذكر العباس سقاية الحاج، و طلحة عمارة المسجد و أن بيده مفتاح الكعبة، و علي بن أبي طالب عليه السلام الإيمان بالله قبل الناس بسنوات و الجهاد في سبيل الله، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، فأخبر كل واحد منهم بفخره، فما أجابهم النبي صلى الله عليه و آله، بشي‏ء، فنزل الوحي (اجعلتم سقاية الحاج) الآية، فدلت الآية علي أن عليا عليه السلام أولي و أفضل منهما.

قد أخرج كثير من الحفاظ و العلماء مجملا و مفصلا أن الآية في شأن علي عليه السلام، منهم :

1 ـ السيوطي في الدر المنثور بسنده عن محمد بن كعب القرضي، قال:افتخر طلحة بن شيبة و العباس و علي بن أبي طالب عليه السلام فقال طلحة:أنا صاحب البيت معي مفتاحه، و قال العباس:أنا صاحب السقاية و القائم عليها فقال علي عليه السلام:ما أدرى ما تقولون.لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، و أنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى (أجعلكم سقاية الحاج) الآية. (2)

2 ـ و رواه الجويني بسنده عن أنس بن مالك، قال:قعد العباس بن عبد المطلب و شيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس:أنا أشرف منك، أنا عم رسول الله ووصي أبيه و سقاية الحجيج لي، فقال له شيبة:أنا أشرف منك، أنا أمين الله علي بيته و خازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟و هما في ذلك يشتاجران حتي أشرف عليهما علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له العباس:أفترضي بحكمه؟قال شيبة:نعم قد رضيت.

فلما جاءهما قال العباس:علي رسلك يابن أخي، فوقف علي عليه السلام فقال له العباس:أن شيبة فاخرني، فزعم أنه أشرف مني، فقال علي عليه السلام:فماذا قلت أنت يا عماه؟قال:قلت له:أنا عم رسول الله صلى الله عليه و آله و وصي أبيه و ساقي الحجيج، أنا أشرف منه، فقال لشيبة :ماذا قلت له أنت يا شيبة؟قال:قلت له:بل أنا أشرف منك، أنا أمين الله و خازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنتني؟قال:فقال لهما:إجعلا لي معكما فخرا.قالا:نعم، قال:فأنا أشرف منكم، أنا أول من آمن بالوعيد من ذكور هذه الامة و هاجر و جاهد.

فانطلقوا ثلاثتهم إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، فجثوا بين يديه، فأخبر كل واحد منهم بفخره، فما أجابهم النبي صلى الله عليه و آله بشي‏ء، فنزل الوحي بعد أيام، فأرسل إلى ثلاثتهم فأتوه، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه و آله (أ جعلتم سقاية الحاج) الآية. (3)

3 ـ و ممن روى أن نزول الآية في شأن علي بن أبي طالب عليه السلام، الواحدي في أسباب النزول ص 182، عن الحسن و الشعبي، و القرظي، و القرطبي في التفسير، ج 8، ص 90 عن السدى، و الرازى في تفسيره، ج 4، ص 422، و الخازن في تفسيره، ج 2 ص 221، و أبو البركات النسفي في تفسيره، ج 2 ص 22، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص 123، من طريق واحد عن الحسن و الشعبي و القرظي، و الكنجي في الكفاية، ص 113، من طريق ابن جرير، و ابن عساكر عن أنس، و ابن كثير الشامي في تفسيره و غيرهم من علماء أهل السنة، كما نظر غير واحد من شعراء السلف هذه المفاخرة كسيد الشعراء الحميري و الناشي‏ء و البشنوي و نظرائهم.

سورة هل أتي (الدهر)

لقد توافق المسلمون علي أن الآيات من سورة الدهر: (إن الأبرار يشربون) إلى قوله تعالى : (و كان سعيكم مشكورا) نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و جارية لهم تسمي فضة، و ذلك في قصة التصدق علي المسكين و اليتيم و الأسير.و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و أبي صالح و غيرهم، و ذكرها أغلب أهل التفسير و الحديث.

فقد روى الزمخشري في تفسيره عن ابن عباس:أن الحسن و الحسين عليهما السلام مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه و آله في ناس معه، فقالوا:يا أبا الحسن، لو نذرت علي ولديك؟فنذر علي و فاطمة و فضة جارية لهما إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا و ما معهم شي‏ء، فاستقرض علي عليه السلام من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاع، و اختبزت خمسة أقراص علي عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطرو، فوقف عليهم سائل فقال:السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه و باتوا لم يذوقوا إلا الماء، و أصبحوا صيام، فلما أمسوا و وضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، و وقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن و الحسين، و أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، فلما أبصرهم و هم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال:«ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم»و قام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنه، وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبرئيل و قال:خذها يا محمد، هنأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة يعني (هل أتي علي الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا*إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) السورة. (4)

آية الإنفاق

و من الآيات التي نزلت في فضيلة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون) (5) حيث إنه كانت عند علي أربعة دراهم من فضة، فتصدق بواحد ليل، و بواحد نهار، و بواحد سر، و بواحد علانية، فنزلت الآية في شانه، و سمي كل درهم تصدق به مالا وفقا للآية الشريفه، و إنما تدل الآية علي عناية الخالق الكريم جل ذكره بأمير المؤمنين عليه السلام بحيث يكون تصدقه سببا لنزول بعض آي القرآن، و من الطبيعي أن الإنفاق و التصدق مشمول بعناية و اهتمام الخالق العزيز طالما يكون مقرونا بالعمل الصالح و إرادة وجه الله تعالى به.

روى ابن المغارلي الشافعي بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم) الآية، قال:هو علي بن أبي طالب عليه السلام، كان له أربعة دراهم، فأنفق درهما سر، و درهما علانية، و درهما بالليل، و درهما بالنهار. (6)

هذه الآية تدل بصراحة علي فضله عليه السلام في السخاء الذي هو من أشرف مكارم الأخلاق، و أن الله قد قبل ذلك منه بأحسن القبول و أنزل آية فيه، و وصفه فيها بأنه من الآمنين يوم القيامة بحيث لا يعتريه شي‏ء من الخوف و الحزن عند أهوال ذلك اليوم، و هذه من صفات الأولياء و الأصفياء، فبذلك و أمثاله استحق التفضيل‏علي سائر الصحابة، و لو فرض اتصاف الصحابة ببعضها فلا شك في اختصاصه عليه السلام باستجماعها.

و أنشأ الحميري في ذلك:

و أنفق ماله ليلا و صبحا ***و إسرارا و جهر الجاهرينا 
و صدق ماله لما أتاه‏ ***الفقير بخاتم المتختمينا (7)

آية الإيثار

لم يكن أحد أكمل و أعلا في الإنفاق و الإيثار من علي و فاطمه و الحسن و الحسين عليهم السلام بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و لعل ما يجلب النظر هو نزول أكثر من آية في شأنهم، منها: (و يؤثرون علي أنفسهم و لو كان بهم خصاصة) . (8)

عن أبي هريرة:أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و آله:فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله صلى الله عليه و آله إلى بيوت أزواجه فقلن:ما عندنا إلا الماء!فقال:من لهذا الليلة؟فقال علي عليه السلام:أنا يا رسول الله، و أتي فاطمة فأعلمه، فقالت:ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر به ضيفن، فقال علي عليه السلام:يا بنت محمد، نؤمي الصبية، و أطفئي للضيف السراج، ففعلت و عشي الضيف، فلما أصبح أنزل الله عليهم هذه الآية (و يؤثرون علي أنفسهم) الآية. (9)

و عن ابن عباس، في قوله تعالى: (و يؤثرون علي أنفسهم) الآية، قال:نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام. (10)

 

تعليقات:

1.التوبة، 19 و .20

2.تفسير الدر المنثور، ج 3، ص .218

3.فرائد السمطين، ج 1، ص 203، ح .159

4.تفسير الكشاف، ج 4، ص 670، و انظر، تفسير الرازي، ج 30، ص 243، فتح القدير للشوكاني، ج 5، ص 349، روح المعاني، ج 29، ص 157، معالم التنزيل للبغوي، ج 5، ص 498، تفسير أبي السعود، ج 9، ص 73، تفسير البيضاوي، ج 2، ص 552، تفسير النسفي، ج 3، ص 628، روح البيان للشيخ إسماعيل حقي، ج 10، ص 268، تذكرة الخواص، ص 281، شواهد التنزيل، ج 2، ص 300، المناقب لابن المغازلي الشافعي، ص 272، ح .320

5.البقرة،  .274

6.المناقب لابن المغازلي الشافعي، ص 280، ح 325، و انظر تفسير الكشاف، ج 1، ص 398، شواهد التنزيل للحسكاني، ج 1، ص 109، ح 155، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 123، ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 414، ح 912، فرائد السمطين، ج 1، ص .356

7.المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص .71

8.الحشر،  .9

9.شواهد التنزيل، ج 2، ص 246، ح .270

10.نفس المصدر.

10.نفس المصدر.