الفصل الرابع  ـ  مناقبه و مكارم أخلاقه عليه السلام

كلمة في مناقبه و..

الكلام عن مكارم أخلاقه عليه السلام و عن مناقبه و فضائله، يعد من الأمور التي يصعب استقضاؤها و الخوض في غماره، فهو عليه السلام بحر العلوم، و باب مدينة العلم، و باب دار الحكمة، و قسيم الجنة و النار، و هو الذي ردت إليه الشمس، و حبه حب الله و رسوله، و بغضه بغض الله و رسوله، و هو أخو الرسول و وصيه و خليفته، و زوج البتول، و أبو السبطين الحسن و الحسين عليهما السلام، و هكذا يكل اللسان عن تعداد مناقبه و إحصاء فضائله، قال ابن عباس:لو أن الرياض أقلام، و البحر مداد، و الجن حساب، و الإنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام» (1) و سنذكر ما يتيسر من ذلك من باب ما لا يدرك كله لا يترك كله:

تربيته في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله

قال ابن حجر العسقلاني الشافعي:ولد على عليه السلام قبل البعثة بعشر سنين، فربي في حجر النبي صلى الله عليه و آله و لم يفارقه، و شهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك. (2)

قال ابن هشام:أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه و آله و صدق بما جاءه من الله تعالى علي بن أبي طالب، و هو يومئذ ابن عشر سنين، و كان مما أنعم الله على علي بن أبي طالب أنه كان في حجر رسول الله قبل الاسلام. (3)

و قال ابن الأثير و غيره من المورخين:و كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب‏أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، و كان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال يوما رسول الله صلى الله عليه و آله لعمه العباس:يا عم، إن أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب، فانطلقا إليه و أعلماه ما أراد، فقال أبو طالب:اتركا لي عقيل، و اصنعا ما شئتم، فأخذ رسول الله علي، و أخذ العباس جعفر، فلم يزل علي عند النبي صلى الله عليه و آله حتى أرسله الله فاتبعه. (4)

قال علي عليه السلام حول موضعه من رسول الله صلى الله عليه و آله و تربيته في حجره:«و قد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة، وضعني في حجره و أنا وليد يضمني إلى صدره، و يكنفني في فراشه، و يمسني جسده، و يشمني عرفه، و كان يمضغ الشي‏ء ثم يلقمنيه، و ما وجد لي كذبة في قول، و لا خطلة في فعل.

و لقد قرن الله به صلى الله عليه و آله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره، و لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر امة، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علم، و يأمرني بالاقتداء به، و لقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه و لا يراه غيرى.

و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله و خديجة و أنا ثالثهم، أرى نور الوحي و الرسالة و أشم ريح النبوة.

و لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت:يا رسول الله، ما هذه الرنة؟فقال:هذا الشيطان، أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، و ترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي و لكنك لوزير، و إنك لعلي خير». (5)

هذه منقبة مختصة بعلي عليه السلام، فعلي هذا حقيق ان يكون هو خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله بلا فصل و وصيه و وارثه، كما أشار إليه بقوله عن رسول الله صلى الله عليه و آله خطابا له عليه السلام:«أنك لست بنبي، و لكنك لوزير، و إنك لعلى خير».

علي عليه السلام أول من آمن و صلى مع الرسول صلى الله عليه و آله

لقد كان علي عليه السلام قد سبق الناس كلهم في الايمان بالله و رسوله بعد خديجة، و ما يدل على ذلك روايات كثيرة تبلغ حد التواتر، و استقصاؤها مشكل جد، و لذا نكتفي بجملة منها حتى تعرف بأن هذه الفضيلة الفريدة له كسائر فضائله التي لا تعد و لا تحصى.

1 ـ روى ابن عبد البر المالكي، عن حبه العرني، قال:سمعت عليا عليه السلام يقول:«لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة خمس سنين.» (6)

2 ـ و روى الطبري، عن زيد بن أرقم، قال:أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب. (7)

3 ـ و عنه أيضا:«كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و آله و صلى معه و صدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام، و هو يومئذ ابن عشر سنين.» (8)

4 ـ و روي شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، بسنده عن ليلى الغفارية، قالت:كنت أغز و مع النبي صلى الله عليه و آله فاداوي الجرحى، و أقوم على المرضى، فلما خرج علي عليه السلام إلى البصرة خرجت معه، فلما رأيت عائشة أتيته، فقلت:هل سمعت من رسول الله فضيلة في علي؟قالت :نعم، دخل علي على رسول الله و هو معي، و عليه جرد قطيفة، فجلس بينن، فقلت:أما وجدت مكانا هو أوسع لك من هذا؟فقال النبي صلى الله عليه و آله:«يا عائشة، دعي لي أخي، فإنه أول الناس إسلام، و آخر الناس بي‏عهد، و أول الناس لي لقيام يوم القيامة». (9)

5 ـ و روى نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن أبي ذر و سلمان، قالا:أخذ النبي صلى الله عليه و آله بيد علي عليه السلام فقال:«إن هذا أول من آمن بي، و هذا أول من يصافحني يوم القيامة، و هذا الصديق الأكبر، و هذا فاروق الامة يفرق بين الحق و الباطل، و هذا يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظالمين». (10)

6 ـ و روى ابن عساكر الشافعي، عن أنس بن مالك، قال:انزلت النبوة على رسول الله صلى الله عليه و آله يوم الاثنين، و بعث يوم الاثنين، و أسلمت خديجة يوم الاثنين، و أسلم علي يوم الثلاثاء ليس بينهما إلا ليلة. (11)

7 ـ روى الحاكم النيشابوري قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«أول هذه الامة ورودا علي الحوض أولهم إسلاما علي بن أبي طالب». (12)

8 ـ و عنه أيضا عن أبي رافع، قال:صلى النبي صلى الله عليه و آله أول يوم الاثنين، و صلت خديجة آخر يوم الاثنين، و صلى علي عليه السلام يوم الثلاثاء من الغد، و صلى مستخفيا قبل أن يصلي مع النبي صلى الله عليه و آله أحد سبع سنين و أشهرا. (13)

9 ـ روى الطبري و ابن الأثير عن جابر، قال:بعث النبي صلى الله عليه و آله يوم الاثنين، و صلى علي عليه السلام يوم الثلاثاء. (14)

10 ـ و في (مستدرك الحاكم) ، عن ابن عباس، قال:لعلي عليه السلام أربع خصال ليست لأحد:هو أول عربي و أعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه و آله، و هو الذي كان لواؤه معه في‏كل زحف، و هو الذي صبر معه يوم المهراس (15) ، و هو الذي غسله و أدخله قبره. (16)

11 ـ و قال ابن الصباغ المالكي:رباه النبي صلى الله عليه و آله ـ يعني علي ـ و أزلفه و هداه إلى مكارم الأخلاق و الفقه، و كان رسول الله صلى الله عليه و آله قبل بدء أمره إذا أراد الصلاة خرج إلى شعاب مكة مستخفيا و أخرج عليا معه، فيصليان ما شاء الله، فإذا قضيا رجعا إلى مكانهما.

و ذكر في هامشه:و قال محمد بن طلحة الشافعي في كتابه (مطالب السؤول) بعد ذلك:فمكثا يصليان على استخفاء من أبي طالب و سائر عمومتها و قومهم، ثم إن أبا طالب مر عليهما فقال لرسول الله:ما هذا الذي أراك تدين به؟قال:«هذا دين الله و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا إبراهيم، بعثني الله به نبيا إلى العباد، و أنت ـ يا عم ـ أحق من أبديت له النصيحة و دعوته إلى الهدى، و أحق من أجانبي إليه و أعانني عليه»و قال علي عليه السلام:«قد آمنت برسول الله و اتبعته و صليت معه لله».فقال له:يا بني، أما إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه . (17)

يوم الدار (يوم الانذار)

إن من أحاط علما بسيرة رسول الله صلى الله عليه و آله في بدء الحكومة الإسلامية و تشريع أحكامها و تنظيم شؤونها وفق أوامر الله عز و جل يرى عليا عليه السلام وزير النبي صلى الله عليه و آله في أمره، و ظهيره على عدوه، و وارث حكمه، و صاحب أمره بعده، و من وقف على أقوال النبي و أفعاله من مبدأ أمره إلى منتهى عمره، يجد نصوصه في ذلك متواترة متوالية، و يكفيك منها ما كان في بدء دعوة النبي إلى الإسلام قبل ظهور الإسلام بمكة حين أنزل الله تعالى عليه: (و أنذر عشيرتك الأقربين) (18) فدعاهم إلى دار عمه أبي طالب، و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، و فيهم أعمامه، أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب، و في آخر الأمر، قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«يا بني عبد المطلب، إني و الله ما أعلم شابا في العرب جاء في قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذ، على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم؟، فأحجم القوم عنها غير علي عليه السلام ـ و كان أصغرهم ـ إذ قال:«أن ـ يا نبي الله ـ أكون وزيرك عليه»فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله برقبته، و قال:«إن هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم، فأسمعوا له و أطيعوا»فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع! (19)

و روى أحمد في (فضائل الصحابة) و غيره، عن أسماء بنت عميس، قالت:سمعت‏رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:اللهم إني أقول كما قال أخي موسى:اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي أخي عليا اشدد به أزري و أشركه في أمري، كي نسبحك كثير، و نذكرك كثير، إنك كنت بنا بصيرا. (20)

و هذه منقبة جليلة اختص بها أمير المؤمنين عليه السلام، و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين الأولين، و لا الأنصار رضي الله عنه، و لا أحد من أهل الإسلام، و ليس لغيره عدل لها من الفضل، و لا مقارب على حال، و في الخبر بها ما يفيد أن به تمكن النبي صلى الله عليه و آله من تبليغ الرسالة و إظهار الدعوة و الصدع بالإسلام، و لولاه لم تثبت الملة و لا استقرت الشريعة، و لا ظهرت الدعوة، فهو عليه السلام ناصر الإسلام و وزيره الداعي إليه من قبل الله عز و جل، و بضمانه لنبي الهدى النصرة، و في ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضل، و لا تعادله الفضائل كلها محلا و قدرا.

 

تعليقات:

1.فرائد السمطين، ج 1، ص 16، كفاية الطالب، ص .2

2.الاصابة لابن حجر، ج 2، ص .507

3.السيرة النبوية لابن هشام، ج 1، ص .262

4.الكامل في التاريخ، ج 1، ص 484، تاريخ الطبري، ج 2، ص 57، السيرة النبوية، ج 1، ص 262 و غيره .

5.شرح ابن أبي الحديد، ج 13، ص 197، نهج البلاغة، الخطبة 190، ص 300 صبحي الصالح.

6.الاستيعاب بهامش الاصابة، ج 3، ص .31

7.تاريخ الطبري، ج 2، ص .55

8.نفس المصدر.

9.الاصابة، ج 4، ص 389، طبع الدار المصرية.

10.مجمع الزوائد، ج 9، ص .102

11.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 1، ص 41، ح .74

12.المستدرك للحاكم، ج 3، ص .136

13.ترجمه الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 1، ص 39، ح .72

14.تاريخ الطبري، ج 2، ص 55، الكامل في التاريخ، ج 1، ص .483

15.يوم المهراس:يوم احد حيث انهزم الناس غير علي عليه السلام.

16.المستدرك للحاكم، ج 3، ص .11

17.الفصول المهمة ص .33

18.الشعراء،  .214

19.معالم التنزيل للبغوي، ج 4، ص 278، تاريخ الطبري، ج 2، ص 62، الكامل في التاريخ ج 1، ص 286، شرح ابن أبي الحديد، ج 13، ص 211، كنزل العمال، ج 13، ص 131/ .36419

20.فضائل الصحابة، ج 2، ص 678، ح 1158، الرياض النضرة، ج 3، ص 118، ذخائر العقبى، ص 63، تفسير الدر المنثور، ج 5، ص .566

الدر المنثور، ج 5، ص .566