نماذج من سعة علمه

علم علي عليه السلام لم يقف عند حد، و كلما زدنا في فيض علمه فهو قليل، و مثله مثل قطرة في محيط لجي، و القلم يقف عاجزا إزاء علم علي عليه السلام و إننا من باب«ما لا يدرك جله لا يترك كله»نذكر لكم فصلا آخر يمثل نماذج من سعة علمه عليه السلام لنكون قد أدينا بعضا من الواجب بحق باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه و آله و عيبة علمه و حكمته.

حكمه في حلي الكعبة

قال الزمخشري في ربيع الأبرار:قيل لعمر:لو اخذت حلي الكعبة فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، و ما تصنع الكعبة بالحلي؟!فهم بذلك، فسأل عليا عليه السلام فقال:«إن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه و آله و الأموال أربعة:أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض، و الفي‏ء فقسمه على مستحقيه، و الخمس فوضعه الله حيث وضعه، و الصدقات فجعلها الله حيث جعله، و كانت حلي الكعبة فيها يومئذ فتركها الله على حاله، و لم يتركها نسيان، و لم تخف عليه مكان، فأقره حيث أقره الله و رسوله».

فقال له عمر: (لو لاك لافتضحنا) ، و تركه. (1)

الحجر الأسود ينفع و يضر

في تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال:خرجنا حجاجا مع عمر بن الخطاب، فلما دخل الطواف استلم الحجر و قبله، و قال:إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع، و لو لا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله يقبلك ما قبلتك.

قال أبو سعيد:ثم مضى في الطواف، فقال له علي بن أبي طالب:«يا أمير المؤمنين، إنه ليضر و ينفع».

فقال له عمر:بم قلت ذلك؟قال:«بكتاب الله».

قال:و أين ذلك من كتاب الله؟قال عليه السلام:«قول الله عز و جل:و إذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بل،  (2) قال عليه السلام:«لما خلق الله آدم عليه السلام مسح منكبه فخرجت ذريته مثل الذر، فعرفهم بنفسه أنه الرب و أنهم العبيد، و أقروا بذلك على أنفسهم، و أخذ ميثاقهم بذلك، و كتبه في رق أبيض».

قال:«و كان هذا الركن الأسود يومئذ له لسانا و شفتان و عينان، فقال له:افتح فاك.ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، و جعله في موضعه، و قال له:تشهد لمن و افاك بالموافاة إلى يوم القيامة» .

قال أبو سعيد:فقال له عمر بن الخطاب:لا بقيت في قوم لست فيهم أبا حسن، أو قال:لا عشت في قوم لست فيهم أبا حسن. (3)

حكمه عليه السلام في عدم رجم مجنونة

روى أحمد بن حنبل في مسنده بالاسناد عن قتادة عن الحسن:أن عمر بن الخطاب أراد أن يرجم مجنونة، فقال له علي عليه السلام:مالك ذلك، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول :رفع القلم عن ثلاثة:عن النائم حتى يستيقظ، و عن الطفل‏حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يبرأ أو يعقل، فأدرأ عنها عمر. (4)

حكمه في عدم رجم حامل

و روى الخوارزمي في المناقب، بالاسناد عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال:لما كان في ولاية عمر، أتي بامرأة حامل، سألها عمر عن ذلك، فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال:ما بال هذه المرأة؟فقالوا :أمر بها عمر أن ترجم، فردها علي عليه السلام فقال له:أمرت بها أن ترجم؟فقال:نعم، اعترفت عندي بالفجور.قال:هذا سلطانك عليه، فما سلطانك على ما في بطنها؟

ثم قال له علي عليه السلام:فلعلك انتهرتها أو أخفتها!فقال عمر:قد كان ذلك.قال علي عليه السلام:أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«لا حد على معترف بعد البلاء»إنه من قيدت أو حبست أو تهددت، فلا إقرار له، فخلى عمر سبيله، ثم قال:عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب، لو لا علي لهلك عمر. (5)

حكمه عليه السلام في مولود لستة أشهر

و روى الخوارزمي في المناقب بالاسناد عن أبي الأسود، قال:اتي عمر بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهم أن يرجمه، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فقال:ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه يسأله، فقال علي عليه السلام:الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (6) و قال:و حمله و فصاله ثلاثون شهرا (7) فستة أشهر حمله، و حولين تمام الرضاعة، لاحد عليها.قال:فخلى عنها. (8)

إرجاع معاوية إلى علي عليه السلام

روى الجويني و أحمد في الفضائل، بالاسناد عن قيس بن أبي حازم، قال:جاء رجل إلى معاوية، فسأله عن مسألة، فقال:سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم.

فقال:يا أمير المؤمنين، جوابك فيها أحب إلي من جواب علي.فقال:بئس ما قلت، و لؤم ما جئت به، لقد كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه و آله يغره بالعلم غر، و لقد قال له رسول الله صلى الله عليه و آله:أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، و كان عمر إذا أشكل عليه شي‏ء يأخذ منه، و لقد شهدت عمر و قد أشكل عليه شي‏ء، فقال:أهاهنا علي، قم لا أقام الله رجليك. (9)

حكمه عليه السلام على خلاف عمر

و روى الخوارزمي بالاسناد عن مسروق، قال:اتي عمر بامرأة قد نكحت في عدته، ففرق بينهم، و جعل صداقها من بيت المال، و قال:لا اجيز مهرا أرد نكاحه، و قال:لا يجتمعان أبدا.

فبلغ عليا عليه السلام فقال:و إن كانوا جهلوا السنة، فلها المهر بما استحل من فرجه، و يفرق بينهم، فاذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب، فخطب عمر الناس، فقال:ردوا الجهالات إلى السنة، و ردوا قول عمر إلى علي عليه السلام. (10)

حكمه عليه السلام لشارب الخمر

روى الدرا قطني في السنن بالاسناد عن ابن عباس، قال:أتي عمر برجل من المهاجرين (11) الأولين و قد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال:لم تجلدني؟بيني و بينك‏كتاب الله.

فقال عمر:و أي كتاب الله تجد أن لا أجلدك!

فقال له:إن الله عز و جل يقول في كتابه:ليس عط الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا (12) الآية، فأنا من الذين آمنوا و عملوا الصالحات، ثم اتقوا و آمنو، ثم اتقوا و أحسنو، و الله يحب المحسنين، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه و آله بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد .

فقال عمر:ألا تردون عليه ما يقول؟

فقال ابن عباس:إن هؤلاء الآيات انزلت عذرا للماضين، و حجة على المنافقين، إلى أن قال عمر :صدقت، ماذا ترون؟

قال علي عليه السلام:إنه إذا شرب سكر، و إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، و على المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين. (13)

إلى هنا ننتهي من ذكر النماذج الدالة على سعة علمه عليه السلام، ذلك لأننا لو أردنا الاستقصاء لخرجنا عن شرط الاختصار، و لا حتجنا إلى مجلد خاص لعرض هذا الموضوع.

علي عليه السلام أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه و آله

يستفاد من مجموع الأخبار و الآثار أن رسول الله صلى الله عليه و آله قد أشار في مواضع متعددة و مواطن مختلفة، في الحرب و السلم، في الحضر و السفر، إلى أن عليا عليه السلام كان أحب الناس إليه، و لا يكون هذا الإشعار لمحبة نفسانية أو لقربه إليه لأنه صلى الله عليه و آله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى بل أراد من خلال إظهار محبته له لفت أنظار الناس إليه، و ليفهم الناس و يعلموا أن عليا عليه السلام هو أقرب الناس إليه قربا معنويا و مؤثرا في هداية الناس، قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«أنا المنذر، و علي الهادي» (14) فعلي عليه السلام أحق بمقام الوصاية و الولاية من غيره، و يشعر الناس أنه لا يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه و آله مثل علي عليه السلام، و للأسف نسي بعد رسول الله كلما ذكره صلى الله عليه و آله لهم في حقة و تركوه وحيدا فريد، و التفتوا إلى باب غيره، و بايعوا غيره، و جرى ما جرى؟!!

و لإطلاع القارى‏ء المحترم على هذا الحب الشديد نشير إلى بعض ما ورد في هذا المقام.

1 ـ في المناقب لابن المغازلي بإسناده عن إياس بن سلمة، عن أبيه ـ في حديث طويل في خيبر ـ قال :قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«لاعطين الراية اليوم رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله»فجئت بعلي عليه السلام أقوده و هو أرمد حتى أتيت به النبي صلى الله عليه و آله فبصق في عينيه فبرى‏ء، ثم أعطاه الراية. (15)

2 ـ و في تاريخ دمشق:بإسناده عن ابن بريدة، عن أبيه، قال:كان أحب النساء لرسول الله صلى الله عليه و آله فاطمة، و من الرجال علي عليه السلام. (16)

3 ـ و فيه أيضا عن جميع،  (17) عن عائشة، قال:دخلت عليها مع امي و أنا غلام، فذكرت لها علي، فقالت عائشة:ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله منه، و لا امرأة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله من امرأته. (18)

4 ـ و فيه أيضا عن عبد الله بن العباس، قال:كنت أنا و أبي العباس بن عبد المطلب جالسين عند رسول الله صلى الله عليه و آله، إذ دخل علي بن أبي طالب عليه السلام فسلم فرد عليه و بش به ـ يعني سر به ـ و قام إليه فاعتنقه، و قبل بين عينيه، و أجلسه عن يمينه، فقال العباس :يا رسول الله، أتحب هذا؟

فقال النبي صلى الله عليه و آله:«يا عم رسول الله، و الله لله أشد حبا له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، و جعل ذريتي في صلب هذا». (19)

5 ـ و قال ابن عبد ربه:لما مات الحسن بن علي عليهما السلام حج معاوية، فدخل المدينة، و أراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه و آله، فقيل له:إن هاهنا سعد بن أبي وقاص، و لا نراه يرضى بهذ، فأبعث إليه و خذ رأيه، فأرسل إليه و ذكر له ذلك، فقال:إن فعلت لأخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه، فأمسك معاوية (لعنة الله) عن لعنه عليه السلام حتى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر، و كتب إلى عماله أن يلعنوه عليه السلام على المنابر ففعلوا!

فكتبت ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله إلى معاوية:إنكم تلعنون الله و رسوله على منابركم، و ذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب و من أحبه!!و أنا أشهد أن الله‏أحبه و رسوله .فلم يلتفت معاوية إلى كلامها. (20)

6 ـ و في تاريخ دمشق بسنده عن معاوية بن ثعلبة، قال:أتى رجل أبا ذر و هو جالس في مسجد النبي صلى الله عليه و آله، فقال:يا أبا ذر، ألا تخبرني بأحب الناس إليك؟فإني أعرف أن أحبهم إليك أحبهم إلي رسول الله صلى الله عليه و آله.

قال:إي و رب الكعبة، إن أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و هو ذاك الشيخ.و أشار إلى علي عليه السلام و هو يصلي أمامه. (21)

7 ـ و فيه أيضا بسنده عن ابن أخي زيد بن أرقم، قال:دخلت على ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله، فقالت:ممن أنت؟

قلت:من أهل الكوفة.

قالت:من الذين يسب فيهم رسول الله صلى الله عليه و آله.

قلت:لا و الله ـ يا أمة ـ ما سمعت أحدا يسب رسول الله صلى الله عليه و آله.

قالت:بلى و الله إنهم يقولون:فعل الله بعلي و من يحبه!!و قد كان و الله رسول الله يحبه . (22)

و في خبر آخر...قالت:بلى أليس يلعنون علي، و يلعنون من يحبه؟و كان رسول الله صلى الله عليه و آله يحبه. (23)

8 ـ و فيه أيضا بسنده عن ابن بريدة ـ سليمان بن بريدة ـ عن أبيه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«أمرني الله تعالى بحب أربعة، و أخبرني أنه يحبهم، إنك يا علي منهم، إنك يا علي منهم، إنك يا علي منهم». (24)

9 ـ و روى فيه بسنده عن أبي عبد الله الجدلي، قال:دخلت علي ام سلمة، فقالت:يا أبا عبد الله، أيسب رسول الله صلى الله عليه و آله فيكم و أنتم أحياء؟

قال:قلت:سبحان الله و أنى يكون هذا؟

قالت:أليس يسب علي و من يحبه؟

قلت:بلى.

قالت:أليس كان رسول الله صلى الله عليه و آله يحبه. (25)

نعم لقد كان هدف معاوية من كل ما مر سلب الحب الذي ثبت في قلوب المؤمنين ـ حب أمير المؤمنين عليه السلام ـ و محاولة إثبات قربه و حبه هو في القلوب، لكن القلوب المؤمنة التي تربت على حب علي عليه السلام أبت أن تنصاع لحيل معاوية، فبقيت على العهد جيلا بعد جيل، و بقي حب علي عليه السلام و موالاة أهل بيته ـ رغم كل محاولات الطمس و التغيير و التحريف ـ شامخا على طول التاريخ، و ما كان ذلك من الأعداء إلا كغمامة صيف لا تلبث أن تنجلي لتظهر الشمس ـ شمس الحقيقة ـ و تبقى القلوب متعطشه لحبهم عليهم السلام، فالشمس لا تحجب بغربال، قال تعالى:فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. (26)

 

تعليقات:

1.ربيع الأبرار للزمخشري، ج 4، ص .46

2.الأعراف،  .172

3.ترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق، ج 3، ص 40، رقم 73، مناقب الخوارزمي،  .51

4.مسند أحمد، ج 1، ص 140، مناقب الخوارزمي،  .38

5.المناقب للخوارزمي، ص .39

6.البقرة،  .233

7.الأحقاف،  .15

8.المناقب للخوارزمي، ص 49 و .50

9.فرائد السمطين، ج 1، ص 371، ح 302، فضائل الصحابة، ج 2، ص 675، ح .1153

10.المناقب للخوارزمي، ص .50

11.قيل:هو قدامة بن مظعون.

12.المائدة،  .93

13.سنن الدار قطني، ج 3، ص .166

14.ينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي،  .179

15.المناقب لابن المغازلي، ص 176، ح .213

16.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 163، ح 641، و راجع سنن الترمذي، ج 5، ص 655، ح .3868

17.جميع هو ابن عمير التيمي.

18.المصدر السابق، ج 2، ص 165، ح .646

19.المصدر السابق، ج 2، ص 159، ح .643

20.العقد الفريد، ج 4، ص 366.طبع دار الكتاب العربي ـ بيروت.

21.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 170، ح .655

22.المصدر السابق، ج 2، ص 171، ح .656

23.المصدر السابق، ج 2، ص 172، ح .657

24.المصدر السابق، ج 2، ص 172، ح .658

25.المصدر السابق، ج 2، ص 182، ح .659

26.الرعد،  .17

26.الرعد،  .17