محب علي عليه السلام محب الله و رسوله

كان علي عليه السلام خير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه و آله فقد كان قلبه عامرا بأكمل الإيمان، و لا ينقصه حتى مقدار ذرة واحدة من نور الإيمان المتكامل، فقلبه عليه السلام ربيع الإيمان، بل و ليس في قلبه ذرة واحدة من هوى النفس، فهو الصراط المستقيم، و هو سبيل الله، و هو ميزان الأعمال، و هو مع الحق و الحق معه، و إنما تتجلى الصفات الثبوتية للحق فيه عليه السلام:فهو العدل الإلهي و رحمة الله و قدرته، و هو رمز للرأفة و العطف و الصبر الإلهي، و مظهر من مظاهرها.

علي نفس رسول الله صلى الله عليه و آله و عيبة علمه، و أخوه، و خليفته و وصيه، و كل من أحبه و والاه فقد أحب الله و رسوله و المؤمنين و والاهم، و كل من أبغضه و عصاه فقد أبغض الله و رسوله و المؤمنين، فمحبه محب لله و رسوله، و مبغضه مبغض لله و رسوله.

و نلفت أنظار القراء الكرام إلى بعض ما ورد من الأخبار في هذا المقام:

1 ـ روى القندوزي الحنفي و الجويني، عن أبي برزة الأسلمي، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«إن الله تعالى عهد إلي في علي عهد، أن عليا راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور من أطاعني، و هو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه أحبني، و من أبغضه أبغضني، فبشره» .فجاء علي فبشرته بذلك، فقال:«يا رسول الله، أنا عبد الله، فإن يعذبني فبذنبي، و إن يتم الذي بشرني به فالله أولى بي».

قال صلى الله عليه و آله:«قلت:اللهم اجل قلبه، و اجعله ربيع الإيمان.فقال الله تبارك و تعالى:قد فعلت به ذلك، ثم قال تعالى:إني مستخصه بالبلاء، فقلت:يا رب، إنه أخي و وصي:فقال تعالى:إنه شي‏ء قد سبق فيه قضائي، إنه مبتلى». (1)

2 ـ و روى الجويني، عن علقمة، عن عبد الله، قال:خرج رسول الله صلى الله عليه و آله من بيت زينب بنت جحش، و أتى بيت أم سلمة، و كان يومها من رسول الله صلى الله عليه و آله، فلم يلبث أن جاء علي عليه السلام، و دق الباب دقا خفيف، فأثبت النبي صلى الله عليه و آله الدق، و أنكرته ام سلمة، فقال لها النبي صلى الله عليه و آله:«قومي و أفتحي له الباب» ـ إلى أن قال ـ قالت:ففتحت الباب، فأخذ بعضادتي الباب، حتى إذا لم يسمع حسيسا و لا حركة، و صرت في خدري، استأذن فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله:«يا ام سلمة، أتعرفينه؟»

قلت:نعم يا رسول الله، هذا علي بن أبي طالب.

قال:«صدقت، هو سيد أحبه، لحمه من لحمي، و دمه من دمي، و هو عيبة علمي، فاسمعي و اشهدي، و هو قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين من بعدي، فاسمعي و اشهدي، و هو قاضي عداتي، فاسمعي و اشهدي، و هو و الله محيي سنتي، فاسمعي و اشهدي، لو أن عبدا عبد الله ألف عام و ألف عام و ألف عام، بين الركن و المقام، ثم لقي الله عز و جل مبغضا لعلي بن أبي طالب و عترتي أكبه الله على منخريه يوم القيامة في نار جهنم». (2)

3 ـ و روى الجويني أيض، عن عبد الله بن مسعود، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«من أحبني فليحب علي بن أبي طالب، و من أبغض علي بن أبي طالب فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض الله، و من أبغض الله فقد أدخله النار». (3)

4 ـ و عنه أيضا عن أنس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله لعلي:«يا علي، من زعم أنه يحبني و هو يبغضك، فهو كذاب». (4)

5 ـ و روى ابن المغازلي الشافعي، عن سلمان، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله لعلي :«يا علي، محبك محبي، و مبغضك مبغضي». (5)

6 ـ و عن ابن عبد البر، عن رسول الله صلى الله عليه و آله:«من أحب عليا فقد أحبني، و من أبغض عليا فقد أبغضني، و من آذى عليا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله». (6)

7 ـ و روى ابن عساكر الشافعي، عن ام سلمة، قالت:أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«من أحب عليا فقد أحبني، و من أحبني أحب الله، و من أبغض عليا فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض الله». (7)

8 ـ و عنه أيضا:بإسناده عن جابر، قال:دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و آله، و نحن في المسجد، و هو آخذ بيد علي عليه السلام، فقال النبي صلى الله عليه و آله: «ألستم زعمتم أنكم تحبوني؟»قالوا:بلى يا رسول الله.قال:«كذب من زعم أنه يحبني، و يبغض هذا»يعني عليا عليه السلام. (8)

9 ـ و عنه أيض، عن سلمان الفارسي، قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله ضرب فخذ علي بن أبي طالب و صدره، و سمعته يقول:«محبك محبي، و محبي محب الله، و مبغضك مبغضي، و مبغضي مبغض الله». (9)

10 ـ و عنه أيض، عن زياد بن أبي زياد الأسدي عن جده قال:سمعت علي بن أبي طالب يقول:«قال لي رسول الله صلى الله عليه و آله:إنك تعيش على ملتي، و تقتل على سنتي، من أحبك أحبني، و من أبغضك أبغضني». (10)

11 ـ و عنه أيض، عن عمر بن عبد الله الثقفي، عن أبيه، عن جده يعلى بن مرة الثقفي، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«من أطاع عليا فقد أطاعني، و من عصى عليا فقد عصاني، و من عصاني فقد عصى الله، و من أحب عليا فقد أحبني، و من أحبني فقد أحب الله، و من أبغض عليا فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض الله، لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا كافر أو منافق» . (11)

حكاية عبد الله بن عباس عن سعيد بن جبير

روى ابن الصباغ المالكي عن محمد بن يوسف الكنجي الشافعي حكاية عن عبد الله بن عباس، و كان سعيد بن جبير يقوم (12) بعد كف بصره، فمر على ضفة زمزم، فإذا بقوم من أهل الشام يسبون عليا عليه السلام، فسمعهم عبد الله بن عباس، فقال لسعيد:ردني إليهم، فرده، فوقف عليهم، و قال:أيكم الساب لله تعالى؟فقالوا :سبحان الله، ما فينا أحد سب الله، !فقال:أيكم الساب لرسوله؟فقالوا:سبحان الله، ما فينا أحد سب رسول الله!قال:فأيكم الساب لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟

فقالوا:أما هذا فقد كان منه شي‏ء، فقال:أشهد على رسول الله صلى الله عليه و آله بما سمعته أذناي، و وعاه قلبي، سمعته يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام:«يا علي، من سبك فقد سبني، و من سبني فقد سب الله، و من سب الله فقد أكبه الله على منخريه في النار»و ولى عنهم و قال :يا بني، ماذا رأيتهم صنعوا؟

قال:فقلت لهم يا أبت:

نظروا إليك بأعين محمرة ***نظر التيوس إلى شفار الجازر

فقال:زدني فداك أبوك، فقلت:

خزر العيون نواكس أبصارهم‏ ***نظر الذليل إلى العزيز القاهر

فقال:زدني فداك أبوك.فقلت:ليس عندي مزيد.

فقال:عندي المزيد.

أحياؤهم عار على أمواتهم‏ ***و الميتون مسبة للغابر (13)

حب علي عليه السلام إيمان

كان علي عليه السلام صراط الحق، و مدار الحقيقة، و جوهر الإيمان، و مرآة صافية لتجلي ما في قلوب الناس فيه إذا واجهوه، و المسلمون حينئذ مؤمن و منافق، و كان من مهام الامور تمييز المؤمن عن المنافق، و كان النبي صلى الله عليه و آله يعرف المنافق بنور نبوته و وحي الله، و قد عرفهم لبعض الصحابة أصحاب الأسرار النبي منهم عمار بن ياسر.

و حيث كان علي عليه السلام مرآة صافية لتمييز المؤمن عن المنافق، صدر النبي صلى الله عليه و آله هذا التوقيع المقياس، و جعل حب علي عليه السلام و بغضه مقياسا لتشخيص الإيمان و النفاق، قال الشارح المعتزلي:و قد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدثين على أن النبي صلى الله عليه و آله قال:«لا يبغضك إلا منافق، و لا يحبك إلا مؤمن». (14)

نذكر هنا بعض ما ورد في الباب

1 ـ روى ابن عساكر الشافعي، عن أبي ذر، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول لعلي عليه السلام:«إن الله أخذ ميثاق المؤمنين على حبك، و أخذ ميثاق المنافقين على بغضك، و لو ضربت خيشوم المؤمن ما أبغضك، و لو نثرت الدنانير على المنافق ما أحبك، يا علي، لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا منافق». (15)

2 ـ و عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبيه، قال:خطبنا رسول الله صلى الله عليه و آله يوم الجمعة، إلى أن قال:

«يا أيها الناس، أوصيكم بحب ذي أقربيه، أخي و ابن عمي علي بن أبي‏طالب، فإنه لا يحبه إلا مؤمن، و لا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، و من أبغضه فقد أبغضني، و من أبغضني عذبه الله عز و جل». (16)

3 ـ و في صحيح الترمذي عن مساور الحميري، عن امه، عن ام سلمة، قالت:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«لا يحب عليا منافق، و لا يبغضه مؤمن». (17)

4 ـ و عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي عليه السلام، قال:«لقد عهد إلي النبي صلى الله عليه و آله أنه لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا منافق، قال عدي بن ثابت:أنا من القرن الذي دعا لهم النبي صلى الله عليه و آله. (18)

5 ـ و روى ابن حجر العسقلاني الشافعي، عن علي عليه السلام قال:«لقد عهد إلي النبي صلى الله عليه و آله أن لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا منافق». (19)

6 ـ و عن الحارث الهمداني، قال:جاء علي عليه السلام حتى صعد المنبر، و حمد الله و أثنى عليه، ثم قال:«قضاء قضاه الله تعالى على لسان نبيكم محمد، لا يحبني إلا مؤمن، و لا يبغضني إلا منافق، و قد خاب من افترى». (20)

7 ـ و عن حبة العرني، عن علي عليه السلام، أنه قال:«إن الله أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي، و ميثاق كل منافق على بغضي، فلو ضربت المؤمن بالسيف ما أبغضني، و لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني». (21)

8 ـ و عن عبد الكريم بن هلال، عن أسلم المكي، عن أبي الطفيل، قال:سمعت عليا عليه السلام و هو يقول:«لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني، و لو نثرت (22) على المنافق ذهبا و فضة ما أحبني، إن الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبي، و ميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن، و لا يحبني منافق أبدا». (23)

9 ـ و عن عمران بن ميثم، عن أبيه ميثم، قال:شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام و هو يجود بنفسه يقول:«يا حسن».قال:الحسن:«لبيك، يا أبتاه».

قال:«إن الله أخذ ميثاق أبيك و ميثاق كل مؤمن على بغض كل منافق و فاسق، و أخذ ميثاق كل فاسق و منافق على بغض أبيك». (24)

10 ـ و عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:بينا نحن بفناء الكعبة و رسول الله صلى الله عليه و آله يحدثن، إذ خرج علينا مما يلي الركن اليماني شي‏ء عظيم، كأعظم ما يكون من الفيلة، قال:فتفل رسول الله صلى الله عليه و آله و قال:«لعنت»أو قال:«خزيت».

قال:فقال علي بن أبي طالب:«ما هذ، يا رسول الله صلى الله عليه و آله؟».قال:«أو ما تعرفه، يا علي؟»قال:«الله و رسوله أعلم».

قال:«هذا إبليس»فوثب إليه، فقبض على ناصيته و جذبه، فأزاله عن موضعه، و قال:«يا رسول الله، أقتله؟»قال :«أو ما علمت أنه أجل إلى الوقت المعلوم؟».

قال:فتركه من يده، فوقف ناحية، ثم قال:مالي و لك، يا ابن أبي طالب؟و الله ما أبغضك أحد إلا و قد شاركت أباه فيه، اقرأ ما قال الله تعالى:و شاركهم في الأموال و الأولاد الحديث . (25)

11 ـ و عن أبي سعيد الخدري قال:إنا كنا لنعرف المنافقين ـ نحن معشر الأنصار ـ ببغضهم علي بن أبي طالب عليه السلام. (26)

12 ـ و عن أنس بن مالك، قال:كان النبي صلى الله عليه و آله إذا أراد أن يشهر عليا في موطن أو مشهد، علا على راحلته، و أمر الناس أن ينخفضوا دونه، و إن رسول الله صلى الله عليه و آله شهر عليا يوم خيبر، فقال:«يا أيها الناس، من أحب أن ينظر إلى آدم في خلقه، و أنا في خلقي، و إلى إبراهيم في خلته، و إلى موسى في مناجاته، و إلى يحيى في زهده، و إلى عيسى في سننه (27) فلينظر إلى علي بن أبي طالب، إذا خطر بين الصفين كأنما يتقلع من صخر، أو يتحدر من دهر» .

ثم قال:يا أيها الناس، امتحنوا أولادكم بحبه، فإن عليا لا يدعو إلى ضلالة، و لا يبعد عن هدى، فمن أحبه فهو منكم، و من أبغضه فليس منكم».

قال أنس بن مالك:و كان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه، ثم يقف على طريق علي عليه السلام، و إذا نظر إليه يوجهه بوجهه تلقاءه و أومأ بإصبعه:أي بني، تحب هذا الرجل المقبل؟فإن قال الغلام:نعم، قبله، و إن قال:ل، حرف به الأرض، و قال له:ألحق بأمك، و لا تلحق أبيك بأهله، فلا حاجة لي فيمن لا يحب علي بن أبي طالب عليه السلام. (28)

13 ـ و عن أبي سعيد الخدري، قال:ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغضهم عليا عليه السلام. (29)

 

تعليقات:

1.ينابيع المودة، ص 134، فرائد السمطين، ج 1، ص 151، ح .114

2.فرائد السمطين، ج 1، ص 331، ح .257

3.المصدر السابق، ج 1، ص 132، ح .94

4.المصدر السابق، ج 1، ص 134، ح .94

5.المناقب لابن المغازلي، ص 196، ح .233

6.الاستيعاب بهامش الإصابة، ج 3، ص .37

7.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 190، ح .673

8.المصدر السابق، ج 2، ص 185، ح .664

9.المصدر السابق، ج 2، ص 187، ح .669

10.المصدر السابق، ج 2، ص 188، ح .670

11.المصدر السابق، ج 2، ص 188، ح .671

12.كذا في المصدر، و لعل الصحيح:يقوده أو فيه سقط:يقوم بخدمته.

13.الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص .127

14.شرح ابن ابي الحديد، ج 4، ص .83

15.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 204، ح .695

16.المصدر السابق، ج 2، ص 207، ح .698

17.صحيح الترمذي، ج 5، ص 594، ح 3717، تاريخ دمشق، ج 2، ص 208، ح .699

18.سنن الترمذي، ج 5، ص 601، باب المناقب ح .373

19.الإصابة لابن حجر، ج 2، ص .503

20.الفصول المهمة، ص .125

21.شرح ابن أبي الحديد، ج 4،  .83

22.نثرت:أي صببت.

23.المصدر السابق، ج 4، ص .83

24.ترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق، ج 2، ص 206، ح .697

25.المصدر السابق، ج 2، ص 226، ح 731، و الآية من الإسراء، 17، و روى نحوه الكنجي في كفاية الطالب، ص .69

26.صحيح الترمذي، ج 5، ص 593، ح .3717

27.في نسخة:سنه.

28.ترجمة الامام علي عليه السلام من تاريخ دمشق، ج 2، ص 224، ح .730

29.الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص .125

29.الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص .125