زهد علي عليه السلام

في مفهوم الزهد

لا يخفى أن الزهد ممدوح، لأنه أحد منازل الدين، و أعلى مقامات السالكين.

الزهد ضد الدنيا و الرغبة فيه، و الزاهد لا يريد الدنيا بقلبه، و يتركها بجوارحه إلا بقدر ضرورة بدنه، و إنما يعرف زهد الزاهد فيها إذا كانت في يده و يزهد فيه، و أعلا مراتب الزهد أن يرغب عن الدنيا عدولا إلى الآخرة، أو عن غير الله عدولا إلى الله تعالى، فمن رغب عن كل ما سوى الله حتى الفردوس و لم يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق.

نعم، من رغب عن حظوظ الدنيا خوفا من النار أو طمعا في نعيم الجنة من الحور و الفواكه و الأنهار و سائر نعم الله في الجنة، فهو أيضا زاهد، و لكنه دون الأول، أما من ترك بعض حظوظ الدنيا دون بعض، كالذي يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسع في المعاش دون التجمل في الزينة، لا يستحق أن يسمى زاهدا.

نظرة في زهد علي عليه السلام

اعلم أن زهد علي عليه السلام بلغ حدا بحيث كان يتدوال على ألسن المحب و المبغض، فإن أكابر الصحابة في عصر خلافة عثمان و قبله، قد درت عليهم الدنيا من الفتوحات و العطاء من بيت المال، المال الكثير، فبنوا الدور، و جمعوا الأموال الكثيرة، و شيدوا القصور، و خلفوها بعدهم .

قال المسعودي في مروج الذهب ما ملخصه:في أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع و الدور، منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة و هي المعروفة، و دارا بمصر و الكوفة و الإسكندرية، و بلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار، و خلف ألف فرس، و ألف أمة، و ألف عبد .

و كذلك طلحة بن عبيد الله التيمي:كانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، و شيد داره بالمدينة، و بناها بالآجر و الجص و الساج.

و كذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري:ابتنى داره و وسعه، كان على مربطه مائة فرس، و له ألف بعير، و عشرة آلاف شاة من الغنم، و بلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة و ثمانين ألفا.

و ابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكه، و وسع فضاءه، و جعل أعلاها شرفات.

و قد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال و الضياع بقيمة مائة ألف دينار.

و مات يعلى بن منية و خلف خمسمائة ألف دينار، و ديونا على الناس، و عقارات، و غير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار، و هذا باب يتسع ذكره و يكثر وصفه فيمن تملك من الأموال في أيام عثمان.

و قال المسعودي أيضا:و كان عثمان في نهاية الجود و الكرم و السماحة و البذل في القريب و البعيد، فسلك عماله و كثير من أهل عصره على طريقته، و تأسوا به في فعله، و بنى داره في المدينة، و شيدها بالحجر و الكلس، و جعل أبوابها من الساج و العرعر، و اقتنى أموالا و جنانا و عيونا بالمدينة (1) ، و ذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون و مائة ألف دينار، و ألف ألف درهم، و قيمة ضياعه بواد القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار، و خلف خيلا كثيرة و إبلا (2) .

ثم قال:أما علي عليه السلام لم يكن له أدنى نصيب منها في عطاء و غيره، ثم جاءته الخلافة و صارت بلاد الإسلام كلها في يده عدا الشام، و مع ذلك لم يخلف عند موته إلا ثلاثمائة درهم، لم يكن اختزنه، و إنما أعدها لخادمة يشتريها لأهله، فمات قبل شرائه، فأين ذهبت الأموال التي وصلت إلى يده، و هو لم يصرفها في مأكل و لا ملبس و لا مركوب و لا شراء عبيد و لا إماء و لا بناء دار و لا اقتناء عقار؟!.

مات علي عليه السلام و لم يضع لبنة على لبنة، و لا تنعم بشي‏ء من لذات الدني، بل كان يلبس الخشن، و يأكل الجشب، و يعمل في أرضه، فيستنبط منها العيون، ثم يوقفها في سبيل الله، و يصرف ما يصل إلى يده من مال على الفقراء و المساكين و في سبيل الله.

و قال أيضا:لم يلبس عليه السلام في أيامه ثوبا جديد، و لا اقتنى ضيعة و لا ربع، إلا شيئا كان له بينبع مما تصدق به و حبسه. (3)

ما قاله رسول الله صلى الله عليه و آله في زهد علي عليه السلام

في كفاية الطالب:عن عمار بن ياسر، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول لعلي بن أبي طالب:«يا علي، إن الله عز و جل قد زينك بزينة لم يتزين العباد بزينة أحب إليه منه، الزهد في الدني، فجعلك لا تنال من الدنيا شيئ، و لا تنال الدنيا منك شيئ، و وهب لك حب المساكين، و رضوا بك إمام، و رضيت بهم أتباع، فطوبى لمن أحبك و صدق فيك، و ويل لمن أبغضك و كذب عليك، فأما الذين أحبوك و صدقوا فيك، فهم جيرانك في دارك، و رفقاؤك في قصرك، و أما الذين أبغضوك و كذبواعليك، فحق على الله أن يوقفهم موقف الكذابين يوم القيامة». (4)

ما قيل في زهده عليه السلام

1 ـ قال ابن أبي الحديد في وصف أمير المؤمنين عليه السلام:و أما الزهد في الدني، فهو سيد الزهاد، و بدل الأبدال، و إليه تشد الرحال، و عنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط، و كان أخشن الناس مأكلا و ملبسا.

قال عبد الله بن أبي رافع:دخلت عليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوم، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوض، فقدم فأكل، فقلت:يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه؟قال:«خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت».و كان ثوبه مرقوعا بجلد تارة، و ليف اخرى، و نعلاه من ليف، و كان يلبس الكرباس (5) الغليظ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة، و لم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له.

و كان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، و لا يأكل اللحم إلا قليلا.و يقول:«لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان»، و كان مع ذلك أشد الناس قوة، و أعظمهم أيد، لا ينقض الجوع قوته، و لا يخون (6) الإقلال منته. (7)

و هو الذي طلق الدنيا و كانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام، فكان يفرقها و يمزقه، ثم يقول:

هذا جناي و خياره فيه‏ 
إذ كل جان يده إلى فيه (8)

2 ـ و في تاريخ دمشق، باسناده عن حسن بن صالح، قال:تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز، فقال قائلون:فلان، و قال قائلون:فلان، فقال عمر بن عبد العزيز:أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب عليه السلام. (9)

3 ـ و قال العقاد:و صدق في تقواه و إيمانه كما صدق في عمل يمينه و مقالة لسانه، فلم يعرف أحد من الخلفاء أزهد منه في لذة دنيا أو سبب دولة، و كان و هو أمير المؤمنين يأكل الشعير، و تطحنه أمرأته بيديه، و كان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير، فيقول:«لا أحب أن يدخل بطني ما لا أعلم».

قال عمر بن عبد العزيز:أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب عليه السلام.

و قال سفيان:إن عليا لم يبن آجرة على آجرة، و لا لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة، قد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثارا للخصاص التي يسكنها الفقراء، و ربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء و الطعام. (10)

نماذج من زهده في أيام خلافته

نشير هنا إلى نبذة مما ظهر من زهده في أيام خلافته على البلاد الإسلامية إلا الشام، عسى أن يكون ذلك أسوة و مقتدى لحكام البلاد الإسلامية في عصرنا هذا:

1 ـ في الغارات:عن عبد الله بن الحسن، عن الحسن عليه السلام، قال:«أعتق علي عليه السلام ألف أهل بيت بما مجلت (11) يداه و عرق جبينه عليه السلام». (12)

2 ـ و فيه أيض، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال:«أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، و إن كان عندكم إنما حلواه التمر و اللبن، و ثيابه الكرابيس، و تزوج عليه السلام‏ليلى،  (13) فجعل له حجلة (14) ، فهتكه، و قال عليه السلام:حسب أهل علي ما هم فيه». (15)

3 ـ و في شرح ابن أبي الحديد، عن عنبسة العابد، عن عبد الله بن الحسين بن الحسن قال:أعتق علي عليه السلام في حياة رسول الله ألف مملوك مما مجلت يداه و عرق جبينه، و لقد ولي الخلافة و أتته الأموال، فما كان حلواه إلا التمر، و لا ثيابه إلا الكرابيس. (16)

4 ـ و في فرائد السمطين:عن سويد بن غفلة، قال:دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام القصر (قصر الإمارة بالكوفة) فوجدته جالسا (و) بين يديه صحفة فيها لبن حازر (17) ، أجد ريحه من شدة حموضته، و في يديه رغيف، أرى قشار الشعير في وجهه، و هو يكسره بيده أحيان، فإذا أعيى عليه كسره بركبتيه، و طرحه في اللبن، فقال:«ادن فأصب من طعامنا هذا»فقلت:إني صائم .فقال:«سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:من منعه الصيام من طعام يشتهيه، كان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة، و يسقيه من شرابها».قال:فقلت لجاريته ـ و هي قائمة[بقرب‏]منه ـ و يحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ؟ألا تنخلون له طعاما مما أرى فيه من النخالة؟فقالت :لقد تقدم إلينا أن لا ننخل له طعاما.قال:فقال لي علي عليه السلام:«ما قلت لها؟»فأخبرته .فقال:«بأبي و امي، من لم ينخل له طعام، و لم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله تعالى». (18)

و روى نحوه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص. (19)

5 ـ و روى ابن الجوزي أيض، عن سويد بن غفلة، قال:دخلت على علي عليه السلام يوم، و ليس في داره سوى حصير رث و هو جالس عليه، فقلت:يا أمير المؤمنين، أنت ملك المسلمين و الحاكم عليهم و على بيت المال، و تأتيك الوفود، و ليس في بيتك سوى هذا الحصير شي‏ء؟فقال عليه السلام :«يا سويد، إن اللبيب لا يتأثث في دار النقلة، و أمامنا دار المقامة قد نقلنا إليها متاعن، و نحن منقلبون إليها عن قريب».قال:فأبكاني و الله كلامه. (20)

6 ـ و روى ابن الجوزي أيض، عن الأحنف بن قيس، قال:دخلت على معاوية، فقدم إلي من الحلو و الحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قال:قدموا ذاك اللون، فقدموا لونا ما أدري ما هو.فقلت:ما هذا؟فقال:مصارين (21) البط، محشوة بالمخ و دهن الفستق قد ذر عليه السكر.قال:فبكيت.فقال:ما يبكيك؟

فقلت:لله در ابن أبي طالب، لقد جاد من نفسه بما لم تسمح به أنت و لا غيرك. فقال معاوية :و كيف؟قلت:دخلت عليه ليلة عند إفطاره، فقال لي:«قم فتعش مع الحسن و الحسين».ثم قام إلى الصلاة، فلما فرغ، دعا بجراب مختوم بخاتمه، فأخرج منه شعيرا مطحون، ثم ختمه.فقلت:يا أمير المؤمنين، لم أعهدك بخيل، فكيف ختمت على هذا الشعير؟فقال عليه السلام:«لم أختمه بخل، و لكن خفت أن يبسه (22) الحسن و الحسين بسمن أو إهالة». (23) فقلت:أحرام هو؟.قال:«ل، و لكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم حالا في الأكل و اللباس، و لا يتميزوا عليهم بشي‏ء لا يقدرون عليه، ليراهم الفقير فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه، و يراهم الغني فيزداد شكرا و تواضعا». (24)

7 ـ و في اسد الغابة عن محمد بن كعب القرظي، قال:سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول :«لقد رأيتني و إني لأربط الحجر على بطني من الجوع، و إن صدقتي لتبلغ اليوم أربعة آلاف دينار». (25)

8 ـ و في تذكرة الخواص:عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، قال:سمعت عبد الملك بن عمر يقول :حدثني رجل من ثقيف، قال:استعملني علي عليه السلام على عكبر، و قال لي:«إذا كان الظهر فأتني».قال:فأتيته فلم أجد أحدا يحجبني عنه، و وجدته جالسا وحده و بين يديه قدح من خشب، و كوز من ماء، فدعا بجراب مختوم، فقلت:لقد إئتمنني حيث يخرج إلي جوهر، و لا أعلم ما قيمته، فكسر الخاتم فإذا فيه سويق، فأخرج منه و صب في القدح ماء و ذره عليه، ثم شرب و سقاني، فلم أصبر، و قلت:يا أمير المؤمنين، قد وسع الله عليك، و الطعام بالعراق كثير.فقال:«و الله ما ختمت عليه بخل، و إنما أبتاع قدر كفايتي، و أخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره، و إنما أفعل هذا لئلا يدخل بطني غير طيب». (26)

9 ـ و في نهج البلاغة و غيره عن عبد الله بن العباس قال:دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار (27) و هو يخصف (28) نعله، فقال لي:«ما قيمة هذه النعل؟».فقلت:لا قيمة لها.

فقال عليه السلام:«و الله لهي أحب إلي من إمرتكم، إلا أن اقيم حق، أو أدفع باطلا». (29)

10 ـ و في فرائد السمطين:بسنده عن معاوية، عن رجل من بني كاهل، قال:رأيت عليا عليه السلام و عليه تبان،  (30) و قال:«نعم الثوب، ما أستره للعورة، و أكفه للأذى!». (31)

علي عليه السلام يأمر عماله بالزهد

إن عليا عليه السلام لم يكتف بكونه زاهدا في نفسه، بل كان يأمر عماله بالزهد و ترك الدنيا و زينته، و يريد من عماله في الأمصار أن يكونوا مثله أو متشبهين به على الأقل، و يتابع أوضاعهم و سيرتهم، فيبلغه عن عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري أنه دعي إلى مأدبة فذهب إليه، فيكتب إليه:«بلغني أن بعض فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليه، تستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان، و ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، و غنيهم مدعو». (32)

و معنى هذا الكلام أنه كان على ابن حنيف أن لا يجب دعوة أحد من وجوه البصرة، فإن من يدعو الوالي إلى مأدبته لا يدعو معه إلا الأغنياء، و لا يدعو أحدا من الفقراء، و كيف يفعلون ذلك و ثياب الفقراء بالية، و هيئاتهم رثة ينفرون منها و من رؤيته، و إذا أرادوا أن يعطفوا على فقير منهم أرسلوا إليه شيئا من الزاد أو المال إلى بيته، و لم تسمح لهم أنفسهم أن يجالسوهم على مائدتهم.

ثم يريد من ابن حنيف أن يقتدي به في زهده، فيقول له:«ألا و إن لكل ماموم إماما يقتدي به و يستضي‏ء بنور علمه، ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه» . (33)

ثم يرى أن ذلك غير ممكن فيقول له:«ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفة و سداد». (34)

ثم يحلف بالله مؤكدا فيقول:«فوالله ما كنزت من دنياكم تبر، و لا ادخرت من غنائمها و فر، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا». (35)

ثم يسوقه الألم و الحزن من أمر فدك إلى ذكرها هن، فيذكر أنه مع كونه قادرا على التنعم بملاذ الدنيا فهو يتركها زهدا فيه، مواساة للفقراء، فيقول:«و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القز، و لكن هيهات أن يغلبني هواي و أن يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، و لعل بالحجاز و اليمامة من لا طمع له في القرص، و لا عهد له بالشبع». (36)

ليس الزهد عند علي عليه السلام ترك الدنيا طرا

بعض العوام لا يعرفون حقيقة الزهد في الإسلام، فيظنون أن الزهد ترك الدنيا بالمرة، و اختيار العزلة و الانزواء دائم، و هذا أمر لا يقره الإسلام، بل الزهد في درجة عالية من تهذيب النفس و قصر الأمل، قال النبي صلى الله عليه و آله«ليس الزهد في الدنيا لبس الخشن، و أكل الجشب، و لكن الزهد في الدنيا قصر الأمل». (37)

و إلى هذا المعنى يرجع قول أمير المؤمنين عليه السلام:«الزهد كله بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه:لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم فمن لم يأس على الماضي، و لم يفرح بالآتي، فقد استكمل الزهد بطرفيه». (38)

و لو رأى أمير المؤمنين عليه السلام بعض أصحابه يترك الدنيا و يلبس العباء و يترك الملاء يذمه و يرشده إلى حقيقة الحال، كما نرى ذلك في قصة عاصم بن زياد و أخيه الربيع، و التي سنشير إليها فيما يلي:

قصة عاصم بن زياد

روى سبط ابن الجوزي عن الأحنف بن قيس، أنه قال:جاء الربيع بن زياد الحارثي إلى علي عليه السلام فقال:يا أمير المؤمنين، إعدلي على أخي عاصم بن زياد، فقال:ما باله؟فقال:لبس العباءة و تنسك و هجر أهله.

فقال عليه السلام:علي به.فجاء و قد ائتزر بعباءة و ارتدى باخرى أشعث أغبر.فقال له:و يحك يا عاصم!أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك، ألم تسمع إلى قوله تعالى:و يحل لهم الطيبات (39) أترى الله أباحها لك و لأمثالك و هو يكره أن تنال منه، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه و آله:«إن لنفسك عليك حقا؟!»الحديث.

فقال عاصم:فما بالك يا أمير المؤمنين، في خشونة ملبسك، و جشوبة مطعمك، و إنما تزينت بزيك، فقال عليه السلام:«و يحك، إن الله فرض على أئمة الحق أن يتصفوا بأوصاف رعيتهم، أو بأفقر رعيتهم، لئلا يزدرى (40) الفقير بفقره، و ليحمد الله الغني على غناه». (41)

و روى ابن أبي الحديد في شرحه هذه القصة هكذا:إعلم أن الذي رويته عن الشيوخ، و رأيته بخط عبد الله بن أحمد بن الخشاب، أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه، فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عليه السلام عائد، فقال:«كيف تجدك أبا عبد الرحمن؟» .قال:أجدني ـ يا أمير المؤمنين ـ لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه.قال:«و ما قيمة بصرك عندك؟».قال:لو كانت لي الدنيا لفديته بها.قال:«لا جرم:ليعطينك الله على قدر ذلك، إن الله تعالى يعطي على قدر الألم و المصيبة، و عنده تضعيف كثير».قال الربيع :يا أمير المؤمنين، ألا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟قال:«ماله؟».قال:لبس العباء (42) و ترك الملأ (43) و غم أهله و حزن ولده.

فقال علي عليه السلام:«ادعوا لي عاصما»فلما أتاه عبس في وجهه عليه السلام و قال:«و يحك ـ يا عاصم ـ أترى الله أباح لك اللذات و هو يكره ما أخذت منها؟!لأنت أهون على الله من ذلك، أو ما سمعته يقول:مرج البحرين يلتقيان، ثم يقول:يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان (44) ، و قال:و من كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية تلبسونها (45) ، أما و الله إن ابتذال نعم الله بالفعال، أحب إليه من ابتذالها بالمقال؟و قد سمعتم الله يقول:و أما بنعمة ربك فحدث (46) ، و قوله:قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق. (47) إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين، فقال:يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (48) و قال:يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا. (49) و قال رسول الله صلى الله عليه و آله لبعض نسائه:مالي أراك شعثاء (50) مرها (51) سلتاء (52) ؟!».

قال عاصم:فلم اقتصرت ـ يا أمير المؤمنين ـ على لبس الخشن و أكل الجشب؟

قال:«إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوام، كيلا يتبيغ بالفقير فقره». (53) فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباء و لبس ملاءة. (54)

 

تعليقات:

1.هل يجوز لحاكم المسلمين صرف بيت مال المسلمين في هذه الامور، و هل يجوز بذله في القريب و البعيد حتى يتأسى به عماله؟!و هل يسمى هذا البذل سماحة و كرم، بل هو تفريط ببيت المال؟ !!راجع سيرة علي بن أبي طالب عليه السلام في هذه الامور حتى تتضح لك الحقيقة.

2.مروج الذهب، ج 2، ص 341 و .342

3.المصدر السابق، قال المسعودي في تاريخه، ج 2، ص 433 و دخل عليه رجل من أصحابه فقال:كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟قال:«أصبحت ضعيفا مذنب، آكل رزقي، و أنتظر أجلي»قال:و ما تقول في الدنيا؟قال:«و ما أقول في دار أولها غم، و آخرها موت؟من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، حلالها حساب، و حرامها عقاب»قال:فأي الخلق أنعم؟قال:«أجساد تحت التراب قد أمنت العقاب، و هي تنتظر الثواب».

4.كفاية الطالب، ص 191، و روى نحوه الجويني في فرائد السمطين، ج 1، ص 136، ح .100

5.الكرباس ـ بالكسر ـ ثوب من القطن الأبيض، معرب.

6.و في نسخة يخور:يعني يضعف.

7.المنة:القوة.

8.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .26

9.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 2، ص 202، ح .1254

10.عبقرية الإمام، ص .29

11.مجلت يداه:ثخن جلدها و منه حديث فاطمة عليها السلام:أنها شكت إلى علي عليه السلام مجل يديها من الطحن.

12.الغارات، ج 1، ص .91

13.و هي ليلي بنت مسعود النهشلية، إحدى نسائه عليها السلام، و هي أم محمد الأصغر الشهيد مع أخيه الحسين عليه السلام في كربلاء و أم عبيد الله قتيل المذار.

14.الحجلة:ساتر كالقبة يزين بالثياب و الستور للعروس.

15.المصدر السابق.

16.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .202

17.الحارز:الحامض.

18.فرائد السمطين، ج 1، ص 352، ح 278 و يريد في عبارته الأخيرة رسول الله صلى الله عليه و آله.

19.تذكرة الخواص، ص .107

20.المصدر السابق، ص .110

21.المصارين:الأمعاء.

22.بس السويق:خلطه بسمن أو زيت.

23.الإهالة بالكسر:الشحم المذاب أو الزيت و كل ما ائتدم به.

24.تذكرة الخواص، ص .106

25.اسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 4، ص .23

26.تذكرة الخواص، ص .107

27.ذوقار:موضع قريب من البصرة، و هو اليوم أحد محافظات العراق.

28.يخصف نعله أي يخرزها.

29.نهج البلاغة، الخطبة، 33، و روي نحوه في تذكرة الخواص، ص .110

30.التبان ـ بالضم و التشديد ـ سراويل صغيرة مقدار شبر تستر العورة.

31.فرائد السمطين، ج 1، ص 353، ح .279

32.نهج البلاغة، الكتاب .45

33.نهج البلاغة، الكتاب .45

34.نفس المصدر.

35.نفس المصدر.

36.نفس المصدر.

37.قصار الجمل، ص .284

38.نهج البلاغة، قصار الحكم .439

39.الأعراف،  .157

40.أي يحقر و يعاب.

41.تذكرة الخواص، ص .106

42.العباء:الكساء من الصوف، و هو لباس خشن.

43.الملاء بالضم:الثوب اللين الرقيق.

44.الرحمن،  .19

45.الرحمن،  .22

46.الضحى،  .11

47.الاعراف،  .32

48.البقرة،  .172

49.المؤمنون،  .51

50.قوله:«شعثاء»التي اغبر رأسها و تلبد شعرها و انتشر لقلة تعهده بالدهن.

51.المرهاء:التي لا تكتحل.

52.السلتاء:التي لا تختضب.

53.قوله:«يتبيع بالفقير فقره»أي يهيج به الألم فيهلكه.

54.شرح ابن أبي الحديد، ج 11، ص 35 ـ  .36

54.شرح ابن أبي الحديد، ج 11، ص 35 ـ  .36