صبره عليه السلام على النوائب

في معنى الصبر و مراتبه

الصبر ضد الجزع، و هو ثبات النفس و عدم اضطرابها في الشدائد و المصائب، بأن تقاوم معها بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر و ما كانت عليه قبل ذلك من السرور و الطمأنينة، فيحبس لسانه عن الشكوى و أعضاءه عن الحركات غير المتعارفة، و هذا هو الصبر على المكروه و ضد الجزع .و الصبر على المكروه و مشاق العبادات و على ترك الشهوات إن كان بيسر و سهولة فهو الصبر حقيقة، و إن كان بتكلف و تعب فهو التصبر مجاز، و إذا أدام التقوى و قوى التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر و لم يكن له تعب و مشقة، كما قال الله تعالى:فأما من أعطى و اتقى*و صدق بالحسنى*فسنيسره لليسرى. (1) و متى تيسر الصبر و صار ملكة راسخة أورث مقام الرضى، و إذا أدام مقام الرضى أورث مقام المحبة.و لذا قال بعض العارفين:أهل الصبر على ثلاث مقامات:

الأول:ترك الشكوى، و هذه درجة التائبين.

الثاني:الرضى بالمقدر، و هذه درجة الزاهدين.

الثالث:المحبة لما يصنع به مولاه، و هذه درجة الصديقين.

و لا يخفى أن هذه الدرجة لا يبلغها إلا من كان عارفا بالله و بأسرار حكمته و قضائه و قدره، بأن يعلم أن كل أمر صدر من الله و ابتلى به عباده من ضيق أو سعة، و كل أمر موهوب أو مرغوب على وفق الحكمة و المصلحة بالذات، فإذا صار بهذه المرتبة استعدت نفسه للصبر و مقاومة الهوى في الغم و الحزن، و طابت‏بقضائه و قدره، و توسع صدره بمواقع حكمه، و أيقن بأن قضاءه لم يجر إلا بالخيرة.

و هذه الدرجة من الصبر كانت لعلي بن أبي طالب عليه السلام على مدى عمره الشريف، فقد صبر في جميع المشاكل و المصائب، و كان صابرا بوجه أعداء الله، و أمام المشاكل الإقتصادية و جميع الحوادث، لقد كان جليس داره خمس و عشرين سنة، و اغتصب حقه المسلم به، لكنه صبر و لم يشتك و لو لمرة واحدة، و لم يكن يعترض أو يتمنى على الله في كل ما جرى عليه.بل كان مثال الصبر و مظهر صفة الصابرين:إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. (2)

تأكيد رسول الله صلى الله عليه و آله على علي عليه السلام بالصبر

نقل ابن أبي الحديد عن أنس بن مالك، قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه و آله و علي بن أبي طالب معن، فمررنا بحديقة، فقال علي:«يا رسول الله، ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟»فقال صلى الله عليه و آله:«إن حديقتك في الجنة أحسن منها»حتى مررنا بسبع حدائق، يقول علي ما قاله، و يجيبه رسول الله صلى الله عليه و آله بما أجابه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه و آله وقف فوقفن، فوضع رأسه على رأس علي عليه السلام و بكى، فقال علي عليه السلام:ما يبكيك، يا رسول الله؟قال:ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني.

قال:يا رسول الله، أفلا أضع سيفي على عاتقي، فأبيد خضراءهم؟قال:بل تصبر.

قال:فان صبرت؟قال:تلاقي جهدا.قال:أفي سلامة من ديني؟قال:نعم، قال:فإذن لا أبالي». (3)

و أخرج نحوه الموفق بن أحمد في المناقب،  (4) و الجويني في الفرائد،  (5) و ابن‏عساكر في تاريخ دمشق،  (6) و الهيثمي في المجمع (7) و أحمد بن حنبل في الفضائل (8) و الخطيب في التاريخ. (9)

صبره عليه السلام على الامور

1 ـ روى المحب الطبري عن أسماء بنت عميس، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله:«أن رسول الله صلى الله عليه و آله أتاها يوما فقال:أين ابناي ـ يعني حسنا و حسين ـ ؟قالت:أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء يذوقه ذائق، فقال علي عليه السلام:أذهب بهم، فإني أتخوف أن يبكيا عليك و ليس عندك شي‏ء، فذهب بهما إلى فلان اليهودي، فوجه إليه رسول الله صلى الله عليه و آله فوجدهما يلعبان في مشربة (10) بين أيديهم فضل من تمر، فقال صلى الله عليه و آله:يا علي، ألا تقلب (11) ابني قبل أن يشتد الحر عليهما.

قال:فقال علي عليه السلام:أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء، فلو جلست ـ يا رسول الله ـ حتى أجمع لفاطمة تمرات، فجلس رسول الله صلى الله عليه و آله و علي عليه السلام ينزع لليهودي كل دلو بتمرة حتى اجتمع له شي‏ء من تمر فجعله في حجزته، ثم أقبل فحمل رسول الله صلى الله عليه و آله أحدهم، و حمل علي عليه السلام الآخر». (12)

2 ـ روى محب الدين الطبري، عن سهل بن سعد:أن علي بن أبي طالب عليه السلام دخل على فاطمة و حسن و حسين يبكيان، فقال:«ما يبكيهما؟».قالت:«الجوع»فخرج علي عليه السلام فوجد دينارا في السوق فجاء إلى فاطمة فأخبره، فقالت:«إذهب إلى فلان اليهودي، فخذ لنا به دقيقا»فجاء إلى اليهودي فاشترى به دقيقا.فقال اليهودي:أنت ختن (13) هذا الذي يزعم أنه رسول الله صلى الله عليه و آله؟قال:«نعم»قال:«فخذ دينارك، و خذ الدقيق» .

فخرج علي عليه السلام حتى جاء فاطمة فأخبره، فقالت:«إذهب إلى فلان الجزار، فخذ لنا بدرهم لحما»فذهب فرهن الدينار بدرهم في لحم فجاء به، فعجنت و خبزت و طبخت، و أرسلت إلى أبيها صلى الله عليه و آله فجاءهم، و قالت:«يا رسول الله، أذكر لك، فإن رأيته حلالا أكلنا و أكلت، من شأنه كذا و كذا».فقال صلى الله عليه و آله:«كلوا باسم الله»فأكلوا فبينما هم بمكانهم، و إذا بغلام ينشد الله و الإسلام الدينار، فأمر رسول الله صلى الله عليه و آله عليا:«يا علي، اذهب إلى الجزار فقل له:إن رسول الله صلى الله عليه و آله يقول لك:ارسل إلي بالدينار، و درهمك علي»فأرسل به فدفعه إليه. (14)

حلم علي عليه السلام

الحلم:هو طمأنينة النفس بحيث لا يحركها الغضب بسهولة، و لا يزعجها المكروه بسرعة، فهو الضد الحقيقي للغضب لأنه المانع من حدوثه.

قال الراغب:الحلم ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب، و جمعه أحلام...و قوله تعالى:و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم (15) أي زمان البلوغ، و سمي الحلم لكون صاحبه جديرا بالحلم. (16)

و الحلم هو أشرف الكمالات النفسية بعد العلم، قال علي عليه السلام:«لا شرف كالعلم، و لا عز كالحلم» (17) بل لا ينفع العلم بدون الحلم أصل، و لذا كثيرا ما يمدح العلم إذا اقترن بالحلم.

فقد كان علي عليه السلام أحلم الناس عن ذنب، و أصفحهم عن مسي‏ء، و يحلم عند جهل الناس، و هو مثال للحلم، صدق رسول الله صلى الله عليه و آله حيث قال في خبر:«لو كان الحلم رجلا لكان عليا عليه السلام». (18)

قال ابن أبي الحديد في شرحه:و أما الحلم و الصفح فكان علي عليه السلام أحلم الناس عن ذنب، و أصفحهم عن مسي‏ء، و قد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم ـ و كان أعدى الناس له و أشدهم بغض ـ فصفح عنه.

و كان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، و خطب يوم البصرة فقال:قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب!!!، و كان علي عليه السلام يقول:«ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله»فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسير، فصفح عنه، و قال:«إذهب فلا أرينك»لم يزده على ذلك.

و ظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، و كان له عدو، فأعرض عنه و لم يقل له شيئا .

و قد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها و بعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس، عممهن بالعمائم، و قلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به و تأففت و قالت:هتك ستري برجاله و جنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن، و قلن لها:إنما نحن نسوة.

ثم قال ابن أبي الحديد:و حاربه أهل البصرة، و ضربوا وجهه و وجوه أولاده بالسيوف، و شتموه و لعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، و نادى مناديه في أقطار العسكر:«ألا لا يتبع مول، و لا يجهز على جريح، و لا يقتل مستأسر، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن، و لم يأخذ من أثقالهم و لا سبى ذراريهم، و لا غنم شيئا من أموالهم»و لو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، و لكنه أبى إلا الصفح و العفو، و تقيل سنة رسول الله صلى الله عليه و آله يوم فتح مكة فإنه عفا و الأحقاد لم تبرد و الإساءة لم تنس.

ثم قال:و لما ملك عسكر معاوية عليه الماء و أحاطوا بشريعة الفرات، و قالت رؤساء الشام له:اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطش، سألهم علي عليه السلام و أصحابه أن يشرعوا (19) لهم شرب الماء، فقالوا:لا و الله و لا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة، تقدم بأصحابه، و حمل على عساكرمعاوية حملات كثيفة حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس و الأيدي، و ملكوا عليهم الماء، و صار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه و شيعته:إمنعهم الماء ـ يا أمير المؤمنين ـ كما منعوك، و لا تسقهم منه قطرة، و اقتلهم بسيوف العطش، و خذهم قبضا بالأيدي، فلا حاجة لك إلى الحرب.فقال:«لا و الله، لا أكافئهم بمثل فعلهم، أفسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك»فهذه إن نسبتها إلى الحلم و الصفح فناهيك بها جمالا و حسن، و إن نسبتها إلى الدين و الورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام. (20)

 

تعليقات:

1.الليل، 5 الى .7

2.الزمر،  .10

3.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص 107 و .108

4.المناقب،  .26

5.فرائد السمطين، ج 1، ص 152، ح .115

6.ترجمة علي عليه السلام، ج 2، ص 322، ح .834

7.مجمع الزوائد.ج 9، ص .118

8.فضائل الصحابة، ج 2، ص 651، ح .1109

9.تاريخ بغداد، ج 12، ص .398

10.أي غرفة.

11.أي ترجعهما.

12.ذخائر العقبى، 49 و .104

13.الختن:الصهر.

14.ذخائر العقبى، ص .105

15.النور،  .59

16.مفردات الراغب حرف الحاء، ص .129

17.نهج البلاغة، قصار الحكم .109

18.فرائد السمطين، ج 2، ص 68، رقم .392

19.و في نسخة:يسوغوا.

20.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .22

20.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .22