سخاءه عليه السلام و انفاقه

في مفهومي البخل و السخاء

البخل هو الإمساك فيما ينبغي البذل، كما أن الإسراف هو البذل فيما ينبغي الإمساك، و كلاهما مذمومان، و المحمود هو الوسط، و هو الجود و السخاء، إذ لم يؤمر المسلم إلا بالسخاء كما خاطب القرآن رسول الله صلى الله عليه و آله:و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط. (1) و قوله تعالى:و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما. (2)

و في القرآن و السنة ذم للبخل، لأنه من ثمرات حب الدني، و من خبائث الصفات و رذائل الأخلاق، قال الله تعالى:و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. (3)

و السخاء، وسط بين الإقتار و الإسراف، و بين البسط و القبض، و هو ضد البخل، و من ثمرة الزهد، كما أن البخل من ثمرة حب الدني، فينبغي لكل سالك لطريق الآخرة أن تكون له حالة القناعة إن لم يكن له مال، و لا ريب في أنه من شرائف الصفات و معالي الأخلاق، و هو من أشرف أوصاف النبيين و المرسلين، و ما ورد في مدحه أكثر من أن يحصى، إليك نماذج من هذه الأخبار:

قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«السخاء شجرة في الجنة، فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة». (4)

نظرة في سخاء علي عليه السلام

كان علي عليه السلام نموذج الإنسانية العالي الذي يحتذى به في كل خلق حسن و سجية تثير الإعجاب، فهو مظهر و مظهر الصفات الكمالية للحق تعالى ذكره.

و علي عليه السلام نموذج الإنسانية الرائع و الاسوة الحسنة التي تستحق الاقتداء من قبل كل أتباعه في مجال الجود و السخاء سيما اولئك الذين قطعوا أنفسهم عن التعلق بزخارف الدنيا و أموالها.

إذا لم يكن بالإمكان أن نصبح كعلي عليه السلام في فضائله المتألقة الكاملة، فإننا نستطيع التحلي بصفات الفضيلة التي تحلى بها الإمام عليه السلام أو أكد عليه، كما قال عليه السلام :«لا تقدرون على ذلك، بل أعينوني بورع و اجتهاد». (5)

لا شك أنكم كثيرا ما سمعتم عن كرم حاتم الطائي وجوده الذي أصبح مضربا للأمثال في كل الأعصار، إلا أنه بالمقارنة مع سخاء علي عليه السلام وجوده فهو ذرة غير قابلة للقياس .

و إذا قلنا:إنه لا يمكن لأي مخلوق بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أن يصل إلى مقام علي عليه السلام في الجود و السخاء، فإننا لم نكن مبالغين، و لن نعدو الصواب و الحق، و لم يكن قولنا جزافا بقدر ما هو حق، لأن عليا عليه السلام كان سخيا في كل أحواله، في السعة و ضيق ذات اليد، في العلن و في الخفاء، في توزيع المال و بذل الطعام.

و في مطالعتنا للأحاديث التي تحكي جوده و كرمه، نجده عليه السلام في كثير من الأحيان يبذل ما في يده ـ و إن كان محتاجا إليه حاجة ماسة ـ للفقراء و المساكين.

و لا يتوقف على هذا الحد بل إنه يعطي أحيانا قوت عائلته الذي لا يملكون سواه، و يطوي الليل معهم جائعا.و لا يمكن لشخص غير علي عليه السلام أن يعطي قوت عياله الوحيد إلى الفقير، و قد عمله عليه السلام انطلاقا من نور الإمامة و الولاية و على‏أساس التسديد الإلهي.

كل هذا يجعل الإنسان الذي ينظر بعين الانصاف و الحق غارقا بالدهشة و التعجب، و لعل القرآن الكريم خير شاهد و دليل على ما نقول، فعلي عليه السلام و عياله هم الذين نزل فيهم قوله تعالى:و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا (6) و قوله تعالى:و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة (7) و غيرهما من الآيات التي تحكي لنا صورا من جوده و كرمه عليه السلام.

وجوده عليه السلام و سخاؤه كسائر فضائله و مناقبه عليه السلام، إذ نلاحظ أن العدو و الصديق وقف أمامها وقفة تجليل و تثمين، و لا شك أن تعظيم الأعداء قد تأتى دون اختيارهم، إذ أن بلوغه عليه السلام الدرجات الرفيعة في الفضائل جعلهم مضطرين لتبجيلها و تجليلها.

أما في مجال الانفاق فقد حاز أمير المؤمنين عليه السلام قصب السبق في كل مشاريع الانفاق، الواجب منها و المستحب، فهو عليه السلام السخي الذي لا يجارى، و الكريم الذي لا يبارى، و لا يمكن أن يدانيه أحد من الصحابة في هذا الفضيلة المباركة، و لا يصل إلى مقامه أحد بعد رسول الله صلى الله عليه و آله.

و لعل الأوقاف التي أوقفه، و المساجد التي بناه، و الآبار التي أحياها و وضعها في خدمة المحرومين، و الطرق التي أصلحه، خير شاهد و دليل على ما نقول، و لم يكن عليه السلام سخيا بماله و حسب، بل كان جوادا بنفسه المقدسة، يلقي بها في مهاوي الردى،  في سبيل نصرة الحق و الاسلام، حينما تعز النفوس و يضن به، و يقل الناصر و يشمت العدو.و لأجل توضيح هذه الحقائق، نشير إلى بعض الأقوال و الروايات الواردة في هذا الخصوص: ـ قال ابن أبي الحديد:و أما السخاء و الجود، فحاله فيه ظاهرة، كان يصوم و يطوي، يؤثر بزاده، و فيه انزل:و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا*إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا. (8)

و روى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليل، و بدرهم نهار، و بدرهم سر، و بدرهم علانية، فانزل فيه:الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. (9) و في الحديث:«أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، و يتصدق بالاجرة، و يشد على بطنه حجرا».

2 ـ ثم نقل ابن أبي الحديد، عن الشعبي:أن عليا عليه السلام، كان أسخى الناس، و كان على الخلق الذي يحبه الله:السخاء و الجود، ما قال:ل، لسائل قط، و قال عدوه و مبغضه الذي يجتهد في وصمه و عيبه معاوية بن أبي سفيان، لمحفن بن أبي محفن الضبي، لما قال له:جئتك من عند أبخل الناس!فقال معاوية:ويحك!كيف تقول:إنه أبخل الناس؟!لو ملك بيتا من تبر (10) و بيتا من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه.

ثم ذكر أنه قال:و هو الذي كان يكنس بيوت الأموال و يصلي فيه، و هو الذي قال:«يا صفراء و يا بيضاء، غري غيري»و هو الذي لم يخلف ميراث، و كانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام (11) .

و هذا معاوية أعدى عدوه اعترف بسخائه عليه السلام وجوده، و الفضل ما شهدت به الأعداء

3 ـ و نقل ابن عساكر الشافعي عن أبي إسحاق قال:جاء ابن أجور التميمي إلى‏معاوية، فقال:يا أمير المؤمنين، جئتك من عند ألأم الناس، و أبخل الناس، و أعيا الناس، و أجبن الناس!!

فقال له معاوية:و يلك و أنى أتاه اللؤم؟!و لكنا نتحدث أن لو كان لعلي بيت من تبن و آخر من تبر لأنفد التبر قبل التبن

و أنى أتاه العي!و إن كنا لنتحدث أنه ما جرت المواسي على رأس رجل من قريش أفصح من علي !

ويلك و أنى أتاه الجبن؟!و ما برزله رجل قط إلا صرعه، و الله ـ يا ابن أجور ـ لو لا أن الحرب خدعة لضربت عنقك، اخرج فلا تقيمن في بلدي.

قال عطاء:و إن كان معاوية يقاتله، فإنه كان يعرف فضله. (12)

عن علي عليه السلام قال:«كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شي‏ء من عمل الرجل، و يسأل عن دينه، فان قيل:عليه دين، كف عن الصلاة عليه، و إن قيل:ليس عليه دين صلى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل صلى الله عليه و آله أصحابه:هل على صاحبكم دين؟قالوا:ديناران، فعدل صلى الله عليه و آله و قال:فصلوا على صاحبكم.فقال علي عليه السلام:هما علي، بري‏ء منهم، فتقدم صلى الله عليه و آله، ثم قال لعلي عليه السلام :جزاك الله خير، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت إلا و هو مرتهن بدينه، و من يفك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة».أخرجه الدار قطني، و أخرجه الحاكمي عن ابن عباس (13) .

قوله عليه السلام للفقير:«اكتب حاجتك على الأرض»

و في تاريخ دمشق، عن الأصبغ بن نباته، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال:جاءرجل فقال :يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله و شكرتك، و إن أنت لم تقضها حمدت الله و عذرتك.

فقال له علي عليه السلام:«اكتب على الأرض، أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك»فكتب:إني محتاج، فقال علي عليه السلام:«علي بحلة»فاتي به، فأخذها الرجل فلبسه، ثم أنشاء يقول:

كسوتني حلة تبلى محاسنها *** فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا 
إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة *** و لست تبغي بما قد قلته بدلا 
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه‏ *** كالغيث يحيي نداه السهل و الجبلا 
لا تزهد الدهر في زهو تواقعه‏ *** فكل عبد سيجزى بالذي عملا

فقال علي عليه السلام:«علي بالدنانير»فاتي بمائة دينار، فدفعها إليه.

قال الأصبغ:فقلت:يا أمير المؤمنين، حلة، و مائة دينار؟!قال:«نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:انزلوا الناس منازلهم، و هذه منزلة هذا الرجل عندي». (14)

تواضع علي عليه السلام

في مفهومى التواضع و الكبر

التواضع ضد الكبر، و الكبر هو:الركون إلى رؤية النفس فوق الغير، و بعبارة اخرى:هو عزة و تعظيم يوجب رؤية النفس فوق الغير، و اعتقاد الإنسان المزية و الرجحان له على غيره، و به ينفصل عن العجب، إذ العجب مجرد استعظام النفس من دون اعتبار رؤيتها فوق الغير، فالعجب سبب الكبر، و الكبر من نتائج العجب.

و الكبر آفة عظيمة، و به هلك خواص الناس فضلا عن غيرهم من العوام، و هو الحجاب الأعظم المانع من الوصول إلى أخلاق المؤمنين، و أعظم التكبر، التكبر على الله تعالى بالامتناع من قبول الحق و الإذعان له بالعبادة.ق يطبع الله على كل قلب متكبر جبار،  (15) و قال تعالى:فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة و هم مستكبرون. (16)

و التواضع:هو إظهار الخشوع و الخضوع و الذل و الافتقار إلى الله تعالى عند ملاحظة عظمته و عند تجدد نعمه أو تذكره، و التنكر للنفس يمنع من أن يرى لذاتها مزية على الغير، و تلزمه أفعال و أقوال موجبة لاستعظام الغير و إكرامه، و لا يظن أحد أن التواضع يوجب الذلة، بل يوجب الرفعة و يزيد صاحبه كثرة في الأموال و الأولاد و الأعوان في الدنيا و الآخرة.

نموذج من تواضعه عليه السلام

كما أن النبي صلى الله عليه و آله أمره الله تعالى بالتواضع للمؤمنين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين،  (17) كان أمير المؤمنين عليه السلام كأخيه رسول الله صلى الله عليه و آله مقتديا بسيرته، إذ كان متواضعا للمؤمنين في كل حالاته في قدرته و ضعفه الظاهريين، و في عزلته و حكومته، و في حربه و سلمه.و فيما يلي نماذج تحكي لنا صورا من تواضعه عليه السلام:

1 ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي:عن صالح بياع الأكسية:إن جدته لقيت عليا عليه السلام بالكوفة و معه تمر يحمله، فسلمت عليه، و قالت له:أعطني ـ يا أمير المؤمنين ـ هذا التمر أحمله عنك إلى بيتك؟فقال عليه السلام:«أبو العيال أحق بحمله».قالت:ثم قال لي:«ألا تأكلين منه؟» .فقلت:لا اريد.قالت:فانطلق به إلى منزله، ثم رجع مرتديا بتلك الشملة، و فيها قشور التمر، فصلى بالناس فيها الجمعة. (18)

2 ـ و فيه أيض، عن عنبسة العابد، عن عبد الله بن الحسين بن الحسن، قال:أعتق علي عليه السلام في حياة رسول الله ألف مملوك مما مجلت (19) يداه و عرق جبينه، و لقد ولي الخلافة و أتته الأموال، فما كان حلواه إلا التمر، و لا ثيابه إلا الكرابيس.

3 ـ و فيه أيض، عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:«ابتاع علي عليه السلام في خلافته قميصا سملا (20) بأربعة دراهم، ثم دعا الخياط، فمدكم القميص، و أمره بقطع ما جاوز الأصابع». (21)

4 ـ و في نهج البلاغة:قال علي عليه السلام ـ و قد لقيه عند مسيره إلى الشام (صفين) دهاقين الأنبار، فترجلوا له، و اشتدوا بين يديه:«ما هذا الذي صنعتموه»؟.فقالوا:خلق منا نعظم به امراؤنا.

فقال:«و الله ما ينتفع بهذا امراؤكم، و إنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم و تشقون به في آخرتكم، و ما أخسر المشقة وراءها العقاب، و أربح الدعة معها الأمان من النار!» (22)

5 ـ و روى المحب الطبري، عن زيد بن وهب:أن الجعد بن بعجة من الخوارج عاتب عليا في لباسه، فقال :مالكم و لباسي؟هذا هو أبعد من الكبر، و أجدر أن يقتدي به المسلم.أخرجه أحمد و صاحب الصفوة . (23)

6 ـ و عن زاذان، قال:رأيت عليا يمشي في الأسواق، فيمسك الشسوع بيده، فيناول الرجل الشع، و يرشد الضال، و يعين الحمال على الحمولة، و هو يقرأ الآية:تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين (24) ثم يقول:هذه الآية نزلت في ذي القدرة من الناس.أخرجه أحمد في المناقب. (25)

 

تعليقات:

1.الاسراء،  .29

2.الفرقان،  .67

3.آل عمران،  .180

4.كنز العمال، ج 6، ص 391، ح .16208

5.شرح ابن أبي الحديد، ج 16، ص .205

6.الانسان،  .8

7.الحشر،  .9

8.الانسان، 8 و 9 و الحديث في المناقب للمغازلي، ص 273، ح .320

9.البقرة،  .274

10.التبر:ذهب غير مسكوك.

11.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .21

12.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 58، ح .1100

13.الرياض النضرة، ج 3، ص 209 ـ  .210

14.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 246، ح 1311، كنز العمال، ج 6، ص 630، ح .17146

15.غافر،  .35

16.النحل،  .23

17.الشعراء،  .215

18.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .202

19.مجلت يداه:عملت.

20.السمل:الخلق من الثياب.

21.نفس المصدر.

22.نهج البلاغة، قصار الحكم .36

23.الرياض النضرة، ج 3، ص .218

24.القصص،  .83

25.نفس المصدر.

25.نفس المصدر.