في إثبات إمامته عليه السلام

سنكرس جهدنا هنا لإثبات إمامة مولانا أمير المؤمنين و خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و الأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى حتى ألف فيها جماعة من العلماء مصنفات كثيرة (1) و نذكر هنا بعض الأدلة التي تثبت إمامته عليه السلام اختصارا:

الأول:الآيات القرآنية:

و الآيات النازلة في إمامته و ولايته كثيرة نتعرض لبعضها:

منها:آية الولاية

قوله تعالى:إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون (2) و هذه الآية باتفاق أكثر المفسرين و باستناد الأخبار المأثورة عن نبي الإسلام و أصحابه الكرام نزلت في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث سأله سائل و هو في الصلاة حال ركوعه فتصدق بخاتمه. (3)

و إن دلالة الآية على إمامة علي بن أبي طالب واضحه لأن لفظة (إنما) للحصربالنقل عن أهل اللغة و أئمة التفسير.

و لفظ (الولي) يعني المتولي في امور العباد و حقوقهم و المتصرف في امورهم بعد رسول الله صلى الله عليه و آله، لا سائر معانيه من الناصر و المالك و العبد و المعتق و الصاحب، و غيرها من معاني المولى.

و المراد من الموصول (الذين) في الآية بعض المؤمنين لا جميعهم، لأنه لو كان جميع المؤمنين لزم أن يكون كل واحد وليا لنفسه و هو باطل، و أنه وصفهم بوصف غير حاصل لكلهم و هو إيتاء الزكاة حال الركوع في الصلاة، و المراد بذلك البعض هو علي بن أبي طالب عليه السلام و من حذا حذوه ـ أعني الأئمة المعصومين عليهم السلام ـ للنقل الصحيح و اتفاق أكثر المفسرين على أنه عليه السلام كان يصلي فسأله سائل، فأعطاه خاتمه و هو راكع، إذن فعلي بن أبي طالب عليه السلام كان أولى بالتصرف فينا بعد النبي صلى الله عليه و آله. (4)

و منها:آية التطهير

قوله تعالى:إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا (5) حيث إن النبي صلى الله عليه و آله لما نزلت هذه الآية عليه، دعا عليا و فاطمه و الحسن و الحسين عليهم السلام و وضع عليهم كساء و قال:«اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا». (6) و دلالة هذه الآية على عصمة أهل البيت و هم الأئمة المعصومون، و على رأسهم علي بن أبي طالب، واضحة لا تحتاج إلى إقامة الحجة أو البرهان.

الثاني:النص الصريح المتواتر (7)

إن من أحاط علما بسيرة النبي صلى الله عليه و آله في تأسيس دولة الإسلام، و تشريع أحكامها و تمهيد قواعده، يجد علي بن أبي طالب عليه السلام وزير رسول الله صلى الله عليه و آله في أمره و ظهيره على عدوه، و عيبة علمه، و وراث حكمه، و ولي عهده، و صاحب الأمر من بعده، و كذلك من وقف على أقوال النبي صلى الله عليه و آله و أفعاله في حله و ترحاله، يجد نصوصه في ذلك متواترة متوالية من مبدأ أمره إلى منتهى عمره،  (8) و إليك البيان.

منها:حديث الغدير:

إنه لما نزل قوله تعالى:يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس حين رجوع النبي صلى الله عليه و آله و أصحابه عن حجة الوداع، نزل بغدير خم وقت الظهيره و قال:«معاشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم؟»قالوا:بلى، فأخذ بضبع علي بن أبي طالب و رفعه حتى نظر الناس إلى بياض إبطه، و قال:«من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله»الحديث.

ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله:أليوم أكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي الآية. (9) فقال رسول الله:«الله أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة و رضا الرب برسالتي، و الولاية لعلي من بعدي».ثم أخذ الناس يهنئون عليا و يبايعونه، و ممن هنأه و بايعه في مقدم الصحابة أبو بكر، ثم عمر، كل يقول:بخ بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة .

هذا مجمل الحديث في واقعة الغدير، و قد تقدم شرح الحديث مع الاستدلال به في ولاية علي بن أبي طالب و إمامته، فلاحظه و انظر شرح الحديث في كتب التاريخ و الحديث و كذا في كتابنا الفصول المائة. (10)

و منها:حديث المنزلة:

و هو قول رسول الله صلى الله عليه و آله لعلي بن أبي طالب عليه السلام في مواطن كثيرة تبلغ عشرة مواطن، منها حين خلفه على أهله في المدينة عند خروجه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، و قالوا:ما خلفه إلا استثقالا له، و تخوفا منه، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالب عليه السلام سلاحه و خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و آله و هو نازل بالجرف (11) فقال ما قال المنافقون، فقال رسول الله:«كذبوا و لكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع، فاخلفني في أهلي و أهلك، أفلا ترضى ـ يا علي ـ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» .فرجع علي إلى المدينة، و مضى رسول الله صلى الله عليه و آله‏على سفره. (12)

و قد بين الله تعالى منزلة هارون من موسى في كثير من آيات القرآن الكريم، و أوضح أبعادها بما لا يقبل الجدل و التأويل، و من ذلك ما جاء في دعاء موسى عليه السلام في سورة طه، آية 29 ـ 32، قوله تعالى:و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخى اشدد به أزري و أشركه في أمري و قوله تعالى في سورة الفرقان آية 35:و لقد آتينا موسى الكتاب و جعلنا معه أخاه هارون وزيرا و قال تعالى في سورة الأعراف آية 142:و قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح...فهارون وزير موسى و من أهله و أخوه و خليفته في قومه، و كذلك منزلة علي عليه السلام من خاتم النبيين إلا النبوة.

و منها:حديث الثقلين

روى أصحاب الصحاح عن النبي الأكرم أنه قال:«يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». (13)

و قد قال به في غير موقف، تارة بعد انصرافه من الطائف، و اخرى يوم عرفة في حجة الوداع، و ثالثة يوم غدير خم، و رابعة على منبره في المدينة، و في غير ذلك‏من موارد اخر و بنصوص متقاربة.

فعدم الافتراق إلى يوم القيامة (حتى يراد علي الحوض) دلالة كون عترة الرسول صلى الله عليه و آله معصومين فيما يقولون و يروون، و إلا فكيف يمكن أن يكون قرناء القرآن أعداءه، أو أن يكونوا من الخاطئين فيما يحكمون و يبرمون، أو يقولون و يحدثون؟!!لا سامح الله، و قد تقدم الحديث مع بحث مفصل حوله، فراجع.

و منها:حديث السفينة

روى المحدثون عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنه قال:«إنما مثل أهل بيتي في امتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نج، و من تخلف عنها غرق» (14) فشبه رسول الله صلى الله عليه و آله أهل البيت بسفينة نوح في أن من لجأ إليهم في الدين و أخذ اصوله و فروعه عنهم، نجا من عذاب النار، و من تخلف عنهم كمن يأوي يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، و لا تكون عاقبة ذلك إلا غرقا في الماء و هذا هو العذاب الأليم .

و غير ذلك من الأحاديث الصريحة كقوله صلى الله عليه و آله:«إن عليا وصيي و خليفتي، و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ابنتي».

و راجع في هذا المجال بحث (علي عليه السلام أول من آمن بالله) و (علي عليه السلام يوم الإنذار) و (حديث سد الأبواب) و (حديث الطير المشوي) و (مثل علي كمثل عيسى) و غير ذلك من الأحاديث المتقدمة في تضاعيف الكتاب.

الثالث:إنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله

يجب أن يكون الإمام ـ المنصوب من قبل الله تعالى ـ أفضل أهل زمانه لقبح‏تقديم المفضول على الفاضل، أما عقلا فواضح، و أما سمعا لقوله سبحانه:أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون،  (15) و أما كون علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله فيكفي شاهدا على ذلك قوله تعالى في آية المباهلة:و أنفسنا و أنفسكم إذ جعل الله سبحانه عليا نفس الرسول في الآية، بناء على ما صرح به أئمة التفسير و الروايات الصحاح المتواترة من أن المراد من (أنفسنا) هو علي بن أبي طالب، إذ دعاه يوم المباهلة دون غيره من الأصحاب، و من البين أنه ليس المراد من النفسية حقيقة الإتحاد لامتناعه عقل، بل المراد منها المساواة فيما يمكن المساواة فيه من الفضائل و الكمالات، لأنه أقرب المعاني المجازية إلى المعنى الحقيقي، فيحمل عليها عند تعذر الحقيقة، على قاعدة الاصول، و لا ريب أن الرسول أفضل الناس إتفاق، و مساوي الأفضل على جميع الناس أفضل عليهم قطع، و قد ذكرنا توضيح الحديث مع مسانيده في بحث (علي عليه السلام و آية المباهلة) فراجعه.

الرابع:إنه أعلم الصحابة

يجب أن يكون المتقدم لإمامة المسلمين أعلم الناس في عصره و زمانه، و تقدم غير الأعلم عليه قبيح عقل، لأن الإمامة ـ كما قلنا في تعريفه ـ هي رئاسة عامة إلهية في امور الدين و الدني، فلا بد أن يكون الإمام النائب عن النبي صلى الله عليه و آله أعلم بالأحكام الإلهية و العلوم الدينية، و وجهه واضح.

و قد استدل على كونه عليه السلام أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله بوجوه :

1 ـ إنه كان شديد الحدس و الذكاء و الحرص على التعلم و دائم المصاحبة للرسول صلى الله عليه و آله الذي هو الكامل المطلق بتسديد الله تعالى، و كان رسول الله صلى الله عليه و آله شديد المحبة له و الحرص على تعليمه حتى علمه صلى الله عليه و آله ـ في مرضه الذي قبض فيه ـ ألف باب من العلم، و انفتح له من كل باب ألف باب آخر. (16)

2 ـ إنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله من صغره، و في كبره كان أخاه و وصيه و حامل لوائه، و ختنا له يدخل عليه في كل وقت و يستفيد من فيوضات علمه. (17)

3 ـ رجوع أكابر الصحابة و التابعين إليه في الوقائع التي تعرض لهم، و يأخذون بقوله و يرجعون عن اجتهادهم، و ذلك بين في كتب التاريخ و السير. (18)

4 ـ قوله عليه السلام:«لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الزبور بزبورهم، و بين أهل الفرقان بفرقانهم، و الله ما من آية نزلت في ليل أو نهار أو سهل أو جبل إلا و أنا أعلم فيمن نزلت و في أي شي‏ء نزلت»، و ذلك يدل على إحاطته عليه السلام بمجموع العلوم الإلهية. (19)

5 ـ قول النبي صلى الله عليه و آله في حقه:«أقضاكم علي»و معلوم أن القضاء يحتاج إلى العلوم الكثيرة و الذكاء و الدراية، و«أقضى الامة»، معناه أكثرهم علما و فهما و دراية. (20)

و هذه الوجوه الخمسة دالة على أعلمية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فإذا كان الأعلم، كان متعينا للإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله.

الخامس:إنه صاحب سائر الكمالات

يجب اتصاف الإمام بجميع صفات الكمال، و يجب أن يكون أفضل و أكمل من كل أحد من أهل زمانه، و يجب أن يكون أيضا منزها عن الرذائل الخلقية و العيوب الخلقية، كما أن النبي صلى الله عليه و آله لا بد أن يكون كذلك.و وجهه واضح لا يحتاج إلى دليل، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام صاحب جميع الكمالات و الفضائل، و المنزه عن كل العيوب الخلقية و الرذائل الخلقية.

عن ابن عباس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«لو أن الغياض أقلام، و البحر مداد، و الجن حساب، و الإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب». (21)

و اعترف بفضائله و مناقبه الموافق و المخالف، و المحب و المبغض، و نشير هنا إلى بعض كلماتهم :

في (أسنى المطالب) لمحمد بن الجزري الشافعي، عن أحمد بن حنبل يقول:ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب. (22)

و في (الصواعق المحرقة) لأبن حجر الهيتمي الشافعي، عن إسماعيل القاضي و النسائي و أبي علي النيشابوري قالوا:لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ما جاء في علي عليه السلام. (23)

و في (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي الحنفي قال:و فضائل علي عليه السلام أشهر من الشمس و القمر، و أكثر من الحصى و المدر. (24)

و في (شواهد التنزيل) للحاكم الحسكاني الحنفي، عن ابن عباس، قال:لقد كان لعلي عليه السلام ثماني عشرة منقبة، لو كانت واحدة منها لرجل من هذه الامة لنجا به، و لقد كانت له اثتنا عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الامة. (25)

و فيه أيضا عن مجاهد:أن لعلي عليه السلام سبعين منقبة، ما كانت لأحد من أصحاب‏النبي مثله، و ما من شي‏ء من مناقبهم إلا و قد شركهم فيها. (26)

و فيه أيضا عن عكرمة، عن ابن عباس قال:ما في القرآن آية (الذين آمنوا و عملوا الصالحات) إلا و على أميرها و شريفه، و ما من أصحاب محمد صلى الله عليه و آله رجل إلا و قد عاتبه الله، و ما ذكر عليا إلا بخير، ثم قال عكرمة:إني لأعلم أن لعلي منقبة لو حدثت بها لنفدت أقطار السموات و الأرض ـ أو قال ـ الأرض. (27)

و في (المناقب) لموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده :قال:قال رجل لابن عباس:سبحان الله!ما أكثر مناقب علي و فضائله، إني لأحسبها ثلاثة آلاف؟ !فقال ابن عباس:أو لا تقول إنها إلى ثلاثين ألفا أقرب (28) .

و لقد حاولنا في كتابنا هذا إلقاء بعض الضوء على كمالات و فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، و مع كل الجهد المتواضع الذي بذلناه في فصوله المختلفة، كإسلامه، و هجرته، و جهاده، و شجاعته، و زهده، و إنفاقه، و عبادته، و خلوصه، و خشوعه و غير ذلك، فهو لا يعدو كونه قطرة في بحر فضائله و مناقبه الزاخر الفياض.

و أنى لنا إحصاء فضائله و كمالاته؟و هو الذي مع النبي من شجرة واحدة و باقي الخلائق من شجر شتى،  (29) بل إنه من العسر الوصول إلى كنه كمالاته و مناقبه، و إزاء هذه الصفات، أليس من الجدير و اللائق أن يكون الرجل الذي لا يماثله أحد و لا يناظره أحد إماما للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و خليفة له بلا فصل؟

السادس:إنه عليه السلام معصوم

يجب أن يكون الإمام المنصوص عليه من الله تعالى معصوما عند أهل الحق،  (30) و من ليس بمعصوم فليس بإمام، و لا شك أنه ليس أحد ممن ادعى الإمامة بعد النبي صلى الله عليه و آله غير علي بن أبي طالب عليه السلام بمعصوم إجماع، لسبق الكفر، و الشرك، و العصيان منهم، مما ينافي العصمة قطع، فلا يكون غيره إمام، فاختصت الإمامة به بعد رسول الله عليه السلام.

الأدلة على عصمة الامام

يستدل على عصمة الامام بوجوه كثيرة، نشير هنا إلى بعضها و نحيل القراء الأعزاء إلى مظانها من الكتب المفصلة في هذا المجال. (31)

منها:آية الابتلاء

و قد استدل بقوله تعالى:و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين. (32)

وجه الاستدلال به:أن الله تعالى قد بين صراحة أنه لا يعهد بالإمامة إلى ظالم، و الظالم من ارتكب معصية في حياته مهما كان نوعها حتى و لو تاب بعده، فلن يكون العاصي إمام، إذ الإمامة على شرافتها و عظمتها لا ينالها إلا من كان سعيد الذات بنفسه، أما من تلبست ذاته بالظلم و الشقاء و الكفر و الشرك و لو لحظة من عمره، لا يصلح لهذا المقام الرفيع بمقتضى الآية، و مما يوضح دلالة الآية على ذلك هو أن الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام :

1 ـ من كان ظالما في جميع عمره.

2 ـ من كان طاهرا و نقيا جميع فترات عمره.

3 ـ من هو ظالم في أول عمره و تائب في آخره.

4 ـ و من هو بعكس الثالث.

و قول إبراهيم عليه السلام: (و من ذريتي) أجل شأنا من أن يسأل الإمامة للقسم الأول و الرابع من ذريته، فبقي القسمان الآخران، و قد نفى الله تعالى أحدهم، و هو الذي يكون ظالما في أول عمره و تائبا في آخره، فبقى القسم الثاني بمقتضى الآية، و هو الذي كان نقي الصحيفة طيلة عمره، و لم يرمنه أي انحراف عن جادة الحق، و لم يعص الله لحظة من عمره، و أمير المؤمنين عليه السلام هو مصداق ذلك، فثبت أنه الإمام المعصوم بعد رسول الله صلى الله عليه و آله .

و منها:آية التطهير

فقوله تعالى:إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا (33) أدل دليل على عصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و غيره من أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله، إذ إرادة الله تعالى تعلقت على إذهاب الرجس عن أهل البيت، و تطهيرهم من كل شي‏ء يتنفر منه، على غرار تعلق إرادته بايجاد الأشياء في صحيفة الوجود، و قد ذكرنا شرحا مفصلا حول الآية فراجعه.

و منها:أن الإمامة استمرار للرسالة

و مما يستدل على اشتراط العصمة في الإمام:أن الإمامة ـ كما مرت الإشارة إليه ـ هي رئاسة عامة الهية في امور الدين و الدني، فكما أن الرسول يجب أن يكون معصوما من العصيان و الخطأ حتى تثق الامة بقوله و فعله، فكذلك الإمام الذي يلي الرسول في وظائفه لا بد أن يكون معصوما من العصيان و الخطأ و السهو، فما دل على أن النبي يجب أن يكون معصوما كذلك يدل على وجوب العصمة في من قام مقامه بلا زيادة و لا نقصان. (34)

 

تعليقات:

1.راجع في هذا المجال الصراط المستقيم للعلامة البياضي.و الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس، و الشافي في الإمامة للسيد المرتضى، و الألفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام للعلامة الحلي، و غيرها من الكتب.

2.المائدة،  .55

3.انظر تفصيل ذلك في تفسير الرازي، ج 12، ص 26، أسباب النزول، ص 115، الدر المنثور، ج 3، ص 117، فتح القدير للشوكاني، ج 2، ص 60، تفسير المنار، ج 6، ص 463، شواهد التنزيل، ج 1، ص 188 ـ 193، فرائد السمطين، ج 1، ص 189 ـ 190، المناقب للخوارزمي، ص 186 تذكرة الخواص، ص 15 ـ 16، كفاية الطالب، ص 228 ـ 229، فضائل أحمد، ج 2، ص 678/ .1158

4.لمزيد من الاطلاع على الروايات و الاستدلال، راجع الجزء الثاني من كتابنا الفصول المائة، فصل (علي عليه السلام و آية الولاية) .

5.الاحزاب،  .33

6.صحيح مسلم، ج 4، ص 1883، ح 2424، تفسير الرازي، ج 8، ص 80، سنن الترمذي، ج 5، ص 351، ح 3205 و ج 5، ص 663، ح 3787 و ص 669، ح 3871، مصابيح السنة، ج 4، ص 183، ح 4795، جامع الاصول، ج 9، ص 470، الاستيعاب، ج 3، ص 37، أسد الغابة، ج 4، ص 26، مسند أحمد، ج 4، ص 107 و ج 6، ص 292 و 304، المستدرك، ج 2، ص 416 و ج 3، ص 148، سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 283، الصواعق المحرقة باب 11، فصل 1، ص 143 و غيرها كثير.

7.قد تعرضنا لمسألة الحكومة و الولاية ببيان آخر و ذكرنا أيضا أخبارا كثيرة في هذا المجال في فصل (علي عليه السلام خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله و وصيه و وراثه) في الجزء الثالث من كتابنا (الفصول المائة) ، فلاحظه.

8.كتاب الإلهيات، ج 2، ص .578

9.المائدة،  .3

10.انظر في تفصيل خطبة الغدير تاريخ الطبري، ج 2، ص 321، معالم التنزيل، ج 4، ص 279، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 63، شرح ابن أبي الحديد، ج 13، ص 211، كنز العمال، ج 13، ص 131، ح 36419.و نص الحديث مخرج في الترمذي، ج 5، ص 633، ح 3713، مسند أحمد، ج 1، ص 84 و 88 و 119 و 152، ج 4، ص 281 و 368 و 370 و 372، و ج 5، ص 358 و 347 و 366 و 419 و غيرها.المستدرك، ج 3، ص 110 و 134 و 371 و 533، مصابيح السنة، ج 4، ص 172، ح 4767، سنن ابن ماجة، ج 1، ص 45، ح 12، تاريخ بغداد، ج 5، ص 474 و ج 7، ص 377، و ج 8، ص 290 و ج 12، ص 344 و ج 14، ص 236 و غيرها من المصادر التي خرجته عن الثقات العدول بطرق صحيحة و أسانيد معتبرة تجاوزت حد التواتر.

11.الجرف:موضع على بعد ثلاثة أميال من المدينة.

12.حديث المنزلة لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الحديث و السيرة النبوية، و ممن أخرجه البخاري في الصحيح، ج 5، ص 89، ح 2 و 52، مسلم في الصحيح، ج 4، ص 1870، ح 2404، في ستة طرق، و الترمذي في السنن، ج 5، ص 3730، الحاكم في المستدرك، ج 2، ص 227، أحمد في المسند، ج 1، ص 173 و 175 و 182 و 331، مصابيح السنة، ج 4، ص 170، ح 6762، جامع الاصول، ج 9، ص 468، ح 6477 و غيرها .

13.روي حديث الثقلين في أغلب كتب الصحاح و السنن و بطرق عدة و بأسانيد مقيدة، فمن أخرجه مسلم في الصحيح، ج 4، ص 1873، ح 2408، بعدة طرق، و الترمذي في السنن، ج 5، ص 663، ح 3788، الحاكم في المستدرك، ج 3، ص 148، أحمد في المسند، ج 5، ص 182 و 189، و ج 3، ص 14 و 17، و الفضائل له أيض، ج 2، ص 603، ح 1035، و غيرها.

14.المستدرك، ج 2، ص 213، و ج 3، ص 151، الخصائص الكبرى، ج 2، ص 466، الجامع الصغير، ج 2، ص 533، المعارف لابن قتيبة، ص 146، روح المعاني، ج 25، ص 32، تفسير ابن كثير، ج 4، ص 123، تاريخ بغداد، ج 12، ص 91، حلية الأولياء، ج 4، ص 306، مجمع الزوائد، ج 9، ص 168 و غيرها.

15.يونس،  .35

16.راجع بحث (علمه عليه السلام) .

17.راجع (موضعه عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه و آله في هذا الكتاب) .

18.سيأتيك في رجوع الخلفاء إليه في مشاكلهم في (قضاء علي عليه السلام) .

19.راجع (علي عليه السلام و سعة علمه) .

20.سيأتي بحث مفصل في قضاء علي عليه السلام فراجع.

21.المناقب للخوارزمي، ص 2، فرائد السمطين، ج 1، ص .16

22.أسنى المطالب، ص .46

23.الصواعق المحرقة، ص .120

24.تذكرة الخواص، ص .23

25.شواهد التنزيل، ج 1، ص .16

26.المصدر السابق، ج 1، ص .17

27.المصدر السابق، ج 1، ص .21

28.المناقب للخوارزمي، ص .3

29.مستدرك الحاكم، ج 2، ص 240 بسنده عن جابر بن عبد الله قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول لعلي:«يا علي»، الناس من شجر شتى و أنا و أنت من شجرة واحدة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و آله: (و جنات من أعناب و زرع و نخيل صنوان و غير صنوان تسقى بماء واحد) »قال الحاكم:هذا حديث صحيح الاسناد.

30.العصمة عند المحققين لطف، أي شي‏ء يقرب العبد إلى الطاعة و يبعده عن المعصية، يفعله الله تعالى بالمكلف و يوجده فيه، أي ملكة خلقها الله فيه لطفا بحيث لا يكون له داع يفضي إلى ترك الطاعة و ارتكاب المعصية، مع قدرته على ذلك المذكور من ترك الطاعة و ارتكاب المعصية، لأنه لو لا ذلك لم يحصل الوثوق بقوله، فانتفت فائدة البعثة و هو محال. (راجع:شرح الباب الحادي عشر للمحقق الحلي (ره) ، ص 41) .و تفسير الميزان، ج 8، ص 142، نقلا عن الالهيات، ج 1، ص 148 و قد فسر العصمة بقوله:قوة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية و الوقوع في الخطأ.

31.استدل العلامة الحلي (ره) ب (99) دليلا على عصمة الإمام عليه السلام فراجع الألفين، ص 52 ـ  .139

32.البقرة،  .124

33.الأحزاب،  .33

34.راجع في عصمة الامام عليه السلام تلخيص الشافي لأبي جعفر الطوسي، ج 2، ص 256، و الصراط المستقيم العلامة البياضي، ج 1، ص .112

المستقيم العلامة البياضي، ج 1، ص .112