عدالته عليه السلام

علي عليه السلام و جوهرة العدالة

لقد لازمت شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام السامية جوهرة العدالة الثمينة، و اقترن اسمه المقدس بالعدالة، فقد كان عادلا يأنس بالعدالة و يهتم بها.

إن كل مجتمع أو جماعة أو فرد مناد بالعدالة، و يأمل في تكوين مجتمع يقوم على أساس القسط و العدل، يضع عدل علي عليه السلام نصب عينه، و يتخذ اسلوب علي عليه السلام في تطبيق العدالة و نظامه العادل قدوة له في برنامجه الذي يسعى إلى تطبيقه.

حقا لم يعرف تاريخ الانسانية شخصا كعلي عليه السلام خلد اسمه إلى الأبد و ارتسمت صورة عدالته في أذهان البشر، فقد كان عاشقا للعدالة مولعا بها إلى غايتها القصوى.

علي عليه السلام مصداق بارز لآية (كونوا قوامين بالقسط)

نعم، لقد كانت هذه العدالة ضالة علي عليه السلام، و كان كالظامي‏ء الذي يبحث عن عين ماء تروي ظمأه، كان علي عليه السلام يسعى إلى معين العدالة العذب.

كان علي عليه السلام مظهر العدالة و جوهرتها حق، فقد بعد عن كل ظلم و جور، و في فكر علي عليه السلام السامي لم يكن ممكنا أن تقاس العدالة بأي أمر آخر، و كان لا يعبأ حتى بأعز إنسان عليه من أجل الحق، و ذلك أن ربه قد أمره بذلك فكيف يعصي مولاه؟ (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان) . (1)

لم يكن علي عليه السلام يرضى بالكف عن تطبيق العدالة و التراجع عنها مهما كلف الثمن، و لم يرض أن يتخطى العدالة خطوة حتى من أجل تثبيت أركان حكومته‏الفتية، و أبى أن يساوم أو يتبع المصالح السياسية مهما عظم الثمن، كما أنه لم يرض أن يضحي بالعدالة و يقع تحت تأثير الرحمة و التحرق شفقة، فيعرض بذلك هذا الركن المقدس للتزلزل و الانهيار، فقد كان مصداقا و مظهرا بارزا للآية الشريفة:«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط». (2) القسط هو العدل، و القيام بالقسط العمل به و التحفظ له، فالمراد بالقوامين بالقسط القائمون به أتم قيام و أكمله، من غير انعطاف و عدول عنه إلى خلافه لعامل من هوى و عاطفة، أو خوف، أو طمع، أو غير ذلك، و هل توجد هذه الصفة بتمامها و كمالها في غير علي بن أبي طالب عليه السلام؟ !إنه مصداق بارز و كامل لهذه الصفة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله، كما سيظهر ذلك من المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.

ما قاله النبي صلى الله عليه و آله في عدله

أخرج السيوطي و الحافظ الكنجي، بإسنادهما عن أبي هريرة، قال:جئت إلى النبي صلى الله عليه و آله و بين يديه تمر، فسلمت عليه، فرد علي، و ناولني من التمر مل‏ء كفه، فعددته ثلاثا و سبعين تمرة، ثم مضيت من عنده إلى علي بن أبي طالب عليه السلام و بين يديه تمر، فسلمت عليه، فرد علي، و ضحك إلي، و ناولني من التمر مل‏ء كفه، فعددته فإذا هو ثلاث و سبعون تمرة، فكثر تعجبي من ذلك، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه و آله.فقلت:يا رسول الله، جئتك و بين يديك تمر، فناولتني مل‏ء كفك فعددته ثلاثا و سبعين تمرة، ثم مضيت الى علي بن أبي طالب عليه السلام و بين يديه تمر، فناولني مل‏ء كفه، فعددته ثلاثا و سبعين تمرة، فعجبت من ذلك، فتبسم النبي صلى الله عليه و آله و قال:«يا أبا هريرة، أما علمت أن يدي و يد علي بن أبي طالب في العدل سواء». (3)

و في (المناقب) لابن المغازلي و (فرائد السمطين) للجويني، بإسنادهما إلى‏حبشي بن جنادة، قال :كنت جالسا عند أبي بكر، فأتاه رجل، فقال:يا خليفة رسول الله، إن رسول الله صلى الله عليه و آله و عدني أن يحثو لي ثلاث حثيات من تمر؟قال أبو بكر:ادعوا لي عليا.

فجاء علي عليه السلام فقال أبو بكر:يا أبا الحسن، إن هذا يزعم أن رسول الله صلى الله عليه و آله وعده أن يحثو له ثلاث حثيات من تمر، فاحثها له.فحثا له ثلاث حثيات.ثم قال :«عدوها»فعدوها فوجدوا في كل حثوة ستين تمرة لا تزيد واحدة على الاخرى.

فقال أبو بكر:صدق الله و رسوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله ليلة الهجرة و نحن خارجون من مكة إلى المدينة يقول:«يا أبا بكر كفي و كف علي في العدل سواء». (4)

و أخرجه بهذا السند و اللفظ الخطيب في تاريخ بغداد، و الخوارزمي في المناقب، و العلامة القندوزي في ينابيع المودة عن صاحب الفردوس. (5)

المجتمع لا يطيق عدالته عليه السلام

لقد كان علي عليه السلام يعلم أن ذلك المجتمع لا يتحمل تطبيق العدالة التي يريد الإمام تطبيقه، و لما كان عليه السلام لا يتبع إلا الحق و إقامة العدل فإنه رفض قبول الخلافة بالرغم من ضغط الناس عليه و تسابقهم بالبيعة له، لأنه كان يعلم أن الإنحرافات، و التفاوت الطبقي، و عدم المساواة الذي عم المجتمع، لا يمكن أن يدعه يطبق العدالة دون إثارة العراقيل و المشاكل في وجهه و وضع الصعوبات في طريقه، و لذلك قال عليه السلام:«دعوني و التمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول، و إن الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت، و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت‏بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب، و إن تركتموني فأنا كأحدكم، و لعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم، و أنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا». (6)

و عند ما اضطر علي عليه السلام أن يقبل الخلافة، و سار على كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و اجتهاده و رأيه الذي كان يعني إقامة العدل في المجتمع الاسلامي بالرغم من غضب أصحاب الثروات غير المشروعة و المتساهلين في أمر الدين و رفضهم لاسلوب علي عليه السلام و طريقته في إقامة العدل، و هي طريقة رسول الله صلى الله عليه و آله، و كان عليه السلام قد أشار إلى أهمية العدالة في تقسيم المال في أول خطبة خطبها حين اجتمع إليه المهاجرون و الأنصار بعد مقتل عثمان، حيث قال عليه السلام:«إني قد كنت كارها لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا و إنه ليس لي أمر دونكم، إلا أن مفاتيح مالكم معي، ألا و إنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم، رضيتم؟قالوا:نعم، قال:اللهم اشهد عليهم، ثم بايعهم على ذلك» (7) و لذلك ثارت نائرة الحقد في صدورهم فأشعلوا تلك الحروب ضد علي عليه السلام.

عدالة علي عليه السلام شهد بها العدو و الصديق

لقد كان علي عليه السلام مثالا للعدل و المساواة و عاشقا للحق و الإنصاف، و كان نموذجا متكاملا لمحبة الناس و الرحمة و الرأفة و الإحسان، و كانت عدالته عليه السلام ذكرا يلهج به لسان الخاص و العام و العدو و الصديق حتى كانت كثرة عدله سببا لقتله عليه السلام، و نشير هنا إلى ما قاله البعض في عدله.

1 ـ يقول شبلي شميل ـ و هو من الماديين ـ في علي عليه السلام:إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام بني الانسان و مقتداهم، و لم ير الشرق و الغرب نموذجا يطابقه أبدا لا في‏الغابر و لا في الحاضر. (8)

2 ـ يقول الكاتب المسيحي جبران خليل جبران:قتل علي في محراب عبادته لشدة عدله. (9)

3 ـ قال ابن الاثير في (اسد الغابة) :إن زهده و عدله لا يمكن استقصاؤهما. (10)

4 ـ و قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) :كان علي عليه السلام إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، و لا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك، و يقول :يا دنيا غري غيري، و لم يكن يستأثر من الفي‏ء بشي‏ء، و لا يخص به حميما و لا قريب، و لا يخص بالولايات إلا أهل الديانات و الأمانات، و إذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: (قد جاءتكم موعظة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ) (11) إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك»ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول:«اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقك». (12)

5 ـ روى ابن أبي الحديد، عن علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني، عن فضيل بن الجعد، قال:آكد الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين عليه السلام، أمر المال، فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف و لا عربيا على عجمي، و لا يصانع الرؤساء و امراء القبائل كما يصنع الملوك، و لا يستميل أحدا إلى نفسه، و كان معاوية بخلاف‏ذلك فترك الناس عليا و التحقوا بمعاوية . (13)

6 ـ قال سيد قطب:لقد جاء علي عليه السلام ليدخل نظرية الإسلام في الحكم في قلوب القادة و الناس من جديد و ليطبقها عمليا...جاء ليأكل خبز الشعير الذي طحنته زوجته بيديه، و يختم على جرابه و يقول:«لا احب أن آكل ما لا أعلم»...و ربما باع سيفه ليشتري بثمنه غذاء و لباس، و أبى أن يسكن القصور الزاهية الفخمة. (14)

أقول:حقيق أن يقال:إن عليا عليه السلام ليس إمام زمانه فقط، بل هو مقتدى الأجيال و القرون، و هو التلميذ الأول لرسول الله صلى الله عليه و آله و المعلم الثاني للامم طول التأريخ .

و لو كان علي عليه السلام يمشي وراء السياسة لعرفه التأريخ رجلا سياسيا فحسب، و ما كانت الملوك و العظماء، يطأطئون هاماتهم أمام عدالته و عظمته، و ينظرون إليه نظرة التقدير و التقديس، كما أنشأت سودة بنت عمارة الهمدانية عند معاوية أعدى عدوه:

صلى الإله على روح تضمنها ***قبر فأصبح فيه العدل مدفونا 
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا ***فصار بالحق و الإيمان مقرونا (15)

صور من عدله عليه السلام على مدى حكومته

و من أجل نتعرف أكثر على عدل الامام علي عليه السلام و لترسم هذه الحقيقة بأجلى صورها نشير إلى موارد توضح صورة تلك العدالة:

منها:صادر كل الأموال الموهوبة بغير حق في عهد عثمان

عندما تسلم علي عليه السلام زمام حكومة المسلمين بعد عثمان صادر كل الأموال‏الموهوبة بغير حق إلى طبقة الأشراف، و قد بين سياسته للناس عبر خطبته التي يقول فيها (فيما رده على المسلمين من قطائع) :«و الله و لو وجدته قد تزوج به النساء و ملك به الاماء لرددته، فإن في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». (16)

روى ابن أبي الحديد المعتزلي في ذيل هذه الخطبة، عن ابن عباس:أن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة، فقال:«ألا إن كل قطيعة (17) أقطعها عثمان و كل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شي‏ء، و لو وجدته قد تزوج به النساء، و فرق في البلدان لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، و من ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق (18) »إلى أن قال:قال الكلبي:ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره، مما تقوى به على المسلمين فقبض، و أمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقبضت، و أمر بقبض سيفه و درعه، و أمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين، و بالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و في غير داره، و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت أو اصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص، و كان بأيلة من أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزله، فكتب إلى معاوية:ما كنت صانعا فاصنع، إذ قشرك ابن‏أبي طالب من كل مال تملكه كما يقشر عن العصا لحاها. (19)

و منها:إطفاؤه السراج لأن زيته من بيت المال

قال الكشفي الحنفي في المناقب المرتضوية:كان أمير المؤمنين عليه السلام قد دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال، فورد عليه طلحة و الزبير، فأطفأ عليه السلام السراج الذي بين يديه، و أمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك؟

فقال عليه السلام:«كان زيته من بيت المال، لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه». (20)

خطابه الى عماله، و عتابه لهم بما بدر منهم

في هذا المجال خطابات كثيرة نشير إلى نبذة منها رعاية للإختصار:

منها:من كتاب له إلى مصقلة بن هبيرة

في (نهج البلاغة) من كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، و هو عامله على أردشير خره (21) :«بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك و أغضبت إمامك، إنك تقسم في‏ء المسلمين الذي حازته رماحهم و خيولهم، و اريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك (22) من أعراب قومك، فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا و لتخفن عندي ميزان، فلا تستهن بحق ربك، و لا تصلح دنياك بمحق دينك، فتكون من الأخسرين أعمال، ألا و إن حق من قبلك (23) و قبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفي‏ء سواء، يردون عندي عليه، ويصدرون عنه». (24)

و منها:من كتاب له إلى عثمان بن حنيف و هو عامله على البصرة

قد كان علي عليه السلام يراقب أعمال ولاته مراقبة شديدة حتى إنه لما بلغه أن و اليه على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري قد أجاب دعوة جماعة من أهل البصرة إلى وليمة فيها ألوان الطعام فتناول منها شيئ، و في البصرة فقراء محتاجون منعوا من حضوره، أرسل إليه كتابا يوبخه فيه:«أما بعد ـ يابن حنيف ـ فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان، و ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم (25) مجفو و غنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه (26) ، و ما أيقنت بطيب وجهه فنل منه، ألا و إن لكل مأموم إماما يقتدي به و يستضي‏ء بنور علمه، ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (27) ، و من طعمه (28) بقرصيه، ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفة و سداد، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا (29) ، و لا ادخرت من غنائمها وفرا (30) ، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا[و لا حزت من أرضها شبر، و لا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة،  (31) و لهي‏في عيني أوهى و أهون من عفصة مقرة (32) ]. (33)

و روي في شرح الإحقاق عن (ذخيرة الملوك للهمداني، ص 102) أن عليا عليه السلام ـ بعد إرسال الكتاب إلى عثمان بن حنيف ـ عزله عن الحكومة. (34)

و منها:توبيخه عليه السلام أبا رافع لإعارته بنته عليه السلام عقد لؤلؤ من بيت المال

روى ابن الأثير في التاريخ:كان أبو رافع (35) مولى رسول الله صلى الله عليه و آله خازنا لعلي عليه السلام على بيت المال، فدخل علي يوما و قد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت المال، فقال:«من أين لها هذه؟لأقطعن يدها!»فلما رأى أبو رافع جده في ذلك، قال:أنا و الله يا أمير المؤمنين زينتها به، فقال علي عليه السلام:«لقد تزوجت بفاطمة، و ما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل، و نعلف عليه ناضحنا بالنهار، و ما لي خادم غيرها». (36)

و روى الطبري في التاريخ بسنده عن عباس بن الفضل، عن أبيه، عن جده ابن أبي رافع، نحوه. (37)

علي عليه السلام مع أخيه عقيل و قصة الحديدة المحماة

عند ما طلب منه أخوه عقيل أن يزيد في عطائه من بيت المال، أحمى له حديدةو قربها منه، و من أجل أن يفهم أخاه أنه يرفض الظلم و الجور قال:«و الله لأن أبيت على حسك (38) السعدان (39) مسهدا (40) و اجر في الأغلال مصفدا (41) أحب إلي من أن ألقى الله و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، و غاصبا لشي‏ء من الحطام، و كيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها (42) ، و يطول في الثرى (43) حلولها؟»

ثم قال عليه السلام:«و الله لقد رأيت عقيلا و قد أملق (44) حتى استماحني (45) من بركم صاع، و رأيت صبيانه شعث (46) الشعور، غبر (47) الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم (48) ، و عاودني موكد، و كرر علي القول مردد، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، و أتبع قياده (49) مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر به، فضج ضجيج ذي دنف (50) من ألمه، و كاد أن يحترق من ميسمها. (51)

فقلت له:ثكلتك الثواكل (52) يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، و تجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟أتئن من الأذى و لا أئن من لظى (53) ».

و ساق كلامه عليه السلام إلى أن قال:«و الله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة (54) ما فعلته، و إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمه، ما لعلي و لنعيم يفنى، و لذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات (55) العقل و قبح الزلل (56) و به نستعين». (57)

نبذة من أخبار عقيل و قصته مع معاوية

قال ابن أبي الحديد:و اختلف الناس في عقيل، هل التحق بمعاوية و أمير المؤمنين حي؟.فقال قوم:نعم، و رووا أن معاوية قال يوما و عقيل عنده:هذا أبو يزيد، و لو لا علمه أني خير له من أخيه، لما أقام عندنا و تركه.

فقال عقيل:أخي خير لي في ديني، و أنت خير لي في دنياي، و قد آثرت دنياي، أسأل الله خاتمة خير.

و قال قوم:إنه لم يعد إلى معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام، و استدلوا على ذلك بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته، و الجواب الذي أجابه عليه السلام، قال ابن أبي الحديد:و هذا القول هو الأظهر عندي. (58)

سؤال معاوية لعقيل عن قصة الحديدة المحماة

سأل معاوية عقيلا عن قصه الحديدة المحماة المذكورة.فقال:نعم أقويت (59) و أصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني و جئته بهم و البؤس و الضر ظاهران عليهم، فقال:«ائتني عشية لأدفع إليك شيئا»فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي، ثم قال:«ألا فدونك»فأهويت حريصا قد غلبني الجشع أظنها صرة، فوضعت يدي على حديدة تلتهب نار، فلما قبضتها نبذتها و خرت كما يخور الثور تحت يد جازره، فقال لي:«ثكلتك امك!هذا من حديدة أوقدت لها نار الدني، فكيف بك و بي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم!»ثم قرأ: (إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون) (60) ثم قال:«ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك»فجعل معاوية يتعجب، و يقول:هيهات هيهات!عقمت النساء أن يلدن مثله! (61)

سيرة علي عليه السلام مع قاتله و وصيته له بالعدل و الإنصاف

في (نهج البلاغة) :من كتاب له عليه السلام في وصيته للحسن و الحسين عليه السلام لما ضربه ابن ملجم (لعنة الله) ، قال:«يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوض، تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي.

انظروا إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربوه ضربة بضربة، و لا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور». (62)

و روى ابن الصباع المالكي في (الفصول المهمة) :لما جي‏ء بابن ملجم في المسجدنظر إليه علي عليه السلام ثم قال:«النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، و إن سلمت رأيت رأيي فيه». (63)

خاتمة

إذا أردنا التعرض نماذج لعدالته عليه السلام لاحتجنا إلى مجلدات طوال، و إنما نقول:إن العدالة كانت نصب عينه، و ملأت وجوده و كيانه، فقد كان الامام عليه السلام يرى أنه«في العدل صلاح البرية». (64)

و قال عليه السلام:«في العدل الاقتداء بسنة الله و ثبات الدول». (65)

و قال عليه السلام:«في العدل الاحسان». (66)

و قال عليه السلام:«العدل حياة و الجور هلاك». (67)

لقد كان عليه السلام يسد جوعته بكسرة خبز يابسة و يأتدم الملح ليكون مستوى معيشته كأضعف الناس، فإنه يقول:«إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفه الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره». (68)

إن هذا السلوك لا يمكن أن يصدر من غير علي عليه السلام، فهو نتاج تربية الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قد أشار عليه السلام إلى ذلك بأن الرسول قد احتضنه طفلا و رباه كما في خطبته عليه السلام القاصعة. (69) نعم إن عدالة علي عليه السلام التي نشأت من العدل الالهي و سعيه لتطبيقه، قد أصبحت نموذجا واضحا لكل القادة و طلاب العدالة على مر القرون، و مصداقا مشرفا للانسان المسلم المتكامل الذي يستطيع أن يكون قدوة في جميع المجالات و خاصة في مجال الحكومة، و نرى ذلك القدوة العظيمة يعرف نفسه بقوله:«إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضي‏ء به من ولجه، فاسمعو ـ أيها الناس ـ و عو، و أحضروا آذان قلوبكم تفهموا». (70)

و أخيرا اشير إلى كلمة لجورج جرادق يقول فيها:«ما ضرك أيتها الأيام لو جمعت قواك و طاقاتك فأنجبت في كل زمان إنسانا كعلي عليه السلام في عقله و روحه و نفسه، في كلامه و بيانه، و في قوته و شجاعته». (71)

 

تعليقات:

1.النحل،  .90

2.النساء،  .135

3.السيوطي في ذيل اللآلئ ص 54 و الحافظ الكنجي في الباب 62 ص .256

4.المناقب لابن المغازلي الشافعي، ص 129، ح 170، و فرائد السمطين للجويني، ج 1، ص 50، ح 15 مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه بلا تفاوت في المعنى.

5.تاريخ بغداد، ج 5، ص 37، المناقب للخوارزمي، ص 235، ينابيع المودة، ص 233، الفردوس، ج 5، ص 305، ح .8265

6.نهج البلاغة، الخطبة .91

7.تاريخ الطبري، ج 4، ص 428، حوادث سنة .35

8.انظر الإمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 1، ص .7

9.ملحمة الشمس لهادي دستباز، ص .329

10.اسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 4، ص .25

11.الآيات من سوره (يونس، 57، الأعراف، 85، الشعراء، 183، هود، 86) .

12.الاستيعاب بهامش الاصابة، ج 3، ص .48

13.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .197

14.العدالة الاجتماعية في الاسلام لسيد قطب.

15.بلاغات النساء، ص .48

16.نهج البلاغة، ص 57، الخطبة .15

17.القطائع:ما يقطعه الامام بعض الرعية من أرض بيت المال ذات الخراج و يسقط عنه خراجه و يجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج، و قد كان عثمان أقطع كثيرا من بني امية و غيرهم من أوليائه و أصحابه قطائع من أرض الخراج على هذه الصورة.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .269

18.تفسير هذا الكلام:أن الوالي اذا ضاقت عليه تدبيرات اموره في العدل فهي في الجور أضيق عليه لأن الجائر في مظنة أن يمنع و يصدعن جوره، شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .270

19.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .269

20.المناقب المرتضوية للكشفي الحنفي، ص .365

21.أردشير خرة:كورة من كور فارس، و الظاهر أنه ما يسمى في عصرنا (فيروز آباد) .

22.اعتامك:اختارك من بين الناس، أصله من العيمة بالكسر، و هي خيار المال.

23.القبل بكسر ففتح:ظرف بمعنى عند.

24.نهج البلاغة، الكتاب .43

25.عائلهم:محتاجهم.

26.الفظه:اطرحه.

27.الطمر بالكسر:الثوب الخلق البالي.

28.طعمه بضم الطاء:ما يطعمه و يفطر عليه.

29.التبر:بالكسر فالسكون، فتات الذهب و الفضة قبل أن يصاغ.

30.الوفر:المال.

31.الاتان الدبرة، هي التي عقر ظهرها فقل أكلها.

32.مقرة:مرة.

33.نهج البلاغة، الكتاب 45، و بين المعقوفين من شرح ابن أبي الحديد، ج 16، ص .205

34.الاحقاق، ج 8، ص .549

35.أبو رافع مولى رسول الله عليه السلام و اسمه إبراهيم، أو أسلم، أو هرمز، أو ثابت، كان عبدا للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي صلى الله عليه و آله، فلما بشر النبي صلى الله عليه و آله باسلام العباس، عتقه النبي، و كان من المخلصين له و صار من شيعة أمير المؤمنين و خواصه، و كان صاحب خزائن بيت المال في عهده عليه السلام.

36.الكامل في التاريخ، ج 2، ص .441

37.تاريخ الطبري، ج 4، ص .119

38.الحسك:الشوك.

39.السعدان:نبت ترعاه الابل له شوك.

40.المسهد من سهده:إذا أسهره.

41.المصفد:المقيد.

42.قفولها:رجوعها.

43.الثرى:التراب.

44.أملق:افتقر أشد الفقر.

45.استماحني:استعطاني.

46.شعث جمع أشعث:و هو الذي تلبد شعره بالوسخ.

47.الغبر:جمع أغبر متغير اللون شاحبه.

48.العظلم كزبرج:سواد يصبغ به.

49.القياد:ما يقاد به كالزمام.

50.الدنف:المرض.

51.الميسم، المكواة.من ميسمها:من أثرها في يده.

52.الثواكل:النساء.

53.لظى:اسم جهنم.

54.جلب الشعيره:قشرها.

55.سبات العقل:نومه.

56.الزلل:السقوط في الخطأ.

57.نهج البلاغة، الخطبة .215

58.شرح ابن أبي الحديد، ج 11، ص 250 ـ  .252

59.أي افتقرت.

60.سوره غافر،  .71

61.شرح ابن أبي الحديد، ج 11، ص .253

62.المصدر السابق، الكتاب 47، الرياض النضرة، ج 3، ص .238

63.الفصول المهمة، ص .134

64.غرر الحكم، ج 4، ص 402، ح .6491

65.نفس المصدر، ج 4، ص 403، ح .6496

66.نفس المصدر، ج 4، ص 401، ح .6482

67.نفس المصدر، ج 1، ص 64 ـ 57، ح 216 و .246

68.نهج البلاغة، الخطبة .200

69.المصدر السابق الخطبة 234، المعروفة بالقاصعة و هي طويلة و محل الشاهد منه، ص 802، من المصدر.

70.المصدر السابق، ص 746، الخطبة .229

71.الإمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 1، ص .49

71.الإمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 1، ص .49