سيرته عليه السلام مع معارضيه في الحكومة

كان علي عليه السلام يمثل نموذجا حيا لحكومة العدل الإلهي، في كل المجالات، و على كل الأصعدة و الجبهات، إذ أن مراعاة العدالة لا تنحصر لديه عليه السلام في تقسيم أموال بيت المال و حسب، كما لا تنحصر مع الأصدقاء دون غيرهم من الناس، بل إنه كان في الحرب و السلم، مع العدو و الصديق يسير بسيرة الرسول صلى الله عليه و آله العادلة.

لم يكن علي عليه السلام مستعدا لتجنب مسير الحق لأجل هذه الدنيا الفانية حتى مع ألد أعدائه و خصومه، فإنه كان يقدم رضا الله جل و علا على كل شي‏ء، و يعمل وفقا للموازين الإلهية العادلة، و كان في تعامله مع معارضيه و أعدائه يأخذ بنظر الاعتبار بقاء الإسلام و ديمومته لا بقاءه هو و حسب، و لو كان يريد البقاء لتعامل مع معارضيه كما تعاملوا هم معه و مع ذريته و أولاده عليهم السلام، و لو كان يريد البقاء لاستأصلهم و استخدم أقصى أساليب القمع و الإرهاب ضدهم من نفي و طرد و إبعاد و سجن، و لخنق أصواتهم أو لأمالهم إليه بالمال و الترغيب...أبى عليه السلام أن يعمل ذلك أو غيره، و ما تعامل معهم إلا بما أملته عليه مبادى‏ء الإسلام، و لم ينحرف عن صراطه المستقيم قيد أنملة.

في هذا الفصل سنتطرق إلى موقفه عليه السلام مع معارضيه و أعداء حكومته عليه السلام، ذلك الموقف الذي نور صفحات التاريخ و وجه الإسلام، و إذا كان ثمة سر لبقاء علي عليه السلام على طول التاريخ فهو هذا الموقف، مضافا إلى أنه عليه السلام ضحى بنفسه من أجل الإسلام و العدل و الحق دون أن يجوز شيئا لمنفعته و مصلحته.

إنه عليه السلام قبل أن تشرع حرب الجمل أبدى النصيحة لمخالفي حكومته، و حين لم تنفع معهم لم يبدأ الحرب حتى بدؤوه بالقتال، و حين انتصر عليهم عفا عنهم و عن‏أموالهم، و سير عائشة معززة مكرمة إلى المدينة.

و مرة اخرى تبرز عظمة علي عليه السلام في موقفه مع أعدائه في صفين حين ملك الماء عليهم و ما حرمهم منه، في الوقت الذي كان قادرا على ذلك، و رغم أنهم حرموه منه قريبا.

و تظهر عظمته عليه السلام مرة اخرى في موقفه الرجولي مع أهل النهروان، إذ دعاهم إلى الكوفة مرار، و أبلغ و جاهد في النصيحة لهم، رغم أنهم قد قتلوا أصحابه ظلما و عدوان، كما أنه لم يقطع عطاءهم من بيت المال، و حينما يواجهونه بالإهانة في مسجد الكوفة كان يبالغ في النصيحة.

و حينما تواقفوا للحرب لم يشرع في حربهم حتى شرعوا في حربه عليه السلام، و أمثال هذه المواقف كثيرة لا يبلغها الإحصاء.

فداك نفسي و أبي و أمي و ولدي يا أبا الحسن...أين نجد مثلك في العدل و الإحسان و الحق؟بل ليت الحكومات الإسلامية تطبق و لو ذرة من أسلوبك في الحكومة، و لم يسودوا وجه الإسلام الناصع بأعمالهم الشنيعة المخالفة لمبادئه الحقة.

ما روي في سيرته عليه السلام مع معارضيه في الحكومة

على رغم المحاولات الشتى المبذولة من قبل أعداء علي عليه السلام لطمس فضائله و مناقبه، و عدم السماح بتناقله، مما أحال دون وصولها إلى أسماع الناس، فبمجرد إلقاء نظرة ـ و لو سريعة ـ على ما دونه المؤرخون و العلماء، سواء الموالي منهم أو المخالف، فإننا سنلاحظ فضائله و مناقبه ساطعة جلية لا يغطيها غبار النواصب الحاقدين.

و في هذا الباب سيبدو لنا علي عليه السلام في سيرته مع مخالفيه بشكل لم يشهده عالم اليوم و لا في المستقبل، فلنسمع ذلك من أفواه المخالفين و رواياتهم لنطلع على عظمة علي عليه السلام:

قول الشارح المعتزلي

قال ابن أبي الحديد في شرحه:كان علي عليه السلام لا يستعمل في حربه إلا ما وافق الكتاب و السنة، و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السنة كما يستعمل الكتاب و السنة، و يستعمل جميع المكائد حلالها و حرامه، يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، و خاقان اذا لاقى رتبيل،  (1) و علي عليه السلام يقول:«لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، و لا تتبعوا مدبر، و لا تجهزوا على جريح، و لا تفتحوا بابا مغلقا»هذه سيرته في ذي الكلاع، و في أبي الأعور السلمي، و في عمرو بن العاص، و حبيب بن مسلمة، و في جميع الرؤساء، كسيرته في الحاشية و الحشو و الأتباع و السفلة و أصحاب الحروب.إلى أن قال:فعلي عليه السلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلا ما هو لله عز و جل رض، و ممنوع اليدين من كل بطش إلا ما هو لله رض، و لا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله و يحبه، و لا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب و السنة دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء و النكراء و المكائد و الآراء، إلى آخر كلامه. (2)

قول أبي منصور التيمي

قال العلامة أبو منصور التيمي البغدادي:و ما قاتل علي عليه السلام أصحاب الجمل و أهل صفين ليسلمو، و إنما قاتلهم لبغيهم عليه عليه السلام، لذلك قال لأصحابه:«لا تبدؤوهم بقتال حتى يبدؤوكم»و نهى عن اتباع من أدبر منهم، و عن أن يذفف (3) على جريح منهم. (4)

قول القاضي أبي يوسف

و قال القاضي أبو يوسف في كتاب (الخراج) :إن الصحيح عندنا من الأخبار عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه لم يقاتل قوما قط من أهل القبلة ممن خالفه حتى يدعوهم، و أنه لم يتعرض بعد قتالهم و ظهوره عليهم لشي‏ء من مواريثهم و لا لنسائهم و لا لذراريهم، و لم يقتل منهم أسير، و لم يذفف منهم على جريح، و لم يتبع منهم مدبرا. (5)

رواية البيهقي عن محمد بن عمر بن علي

و روى البيهقي في (السنن الكبرى) بسنده عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:أن عليا عليه السلام لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاث، حتى إذا كان اليوم الثالث دخل عليه الحسن و الحسين عليهما السلام و عبد الله بن جعفر فقالوا:قد أكثروا فينا الجراح، فقال:«يا بن أخي، و الله ما جهلت شيئا من أمرهم، إلا ما كانوا فيه»و قال:«صب لي ماء»فصب له ماء فتوضأ به ثم صلى ركعتين، حتى إذا فرغ رفع يديه و دعا ربه، و قال لهم:«إن ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مدبر، و لا تجهزوا على جريح، و انظروا ما حضرت به الحرب من آيته (6) فاقبضوه، و ما كان سوى ذلك فهو لورثته».

و قال:قال الدار وردي:أخبرنا جعفر عن أبيه:أن عليا عليه السلام كان لا يأخذ سلبا و أنه كان يباشر القتال بنفسه، و أنه كان لا يذفف على جريح و لا يقتل مدبرا. (7)

رواية الطبري عن محمد بن راشد

و في (تاريخ الطبري) بإسناده عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال:كان من سيرة علي عليه السلام أن لا يقتل مدبر، و لا يذفف على جريح، و لا يكشف ستر، و لا يأخذ مال، فقال قوم يومئذ :ما يحل لنا دماءهم، و يحرم علينا أموالهم؟فقال عليه السلام:«القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا و نحن منه، و من لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر و النحر و أن لكم في خمسه لغنى»فيومئذ تكلمت الخوارج. (8)

قول جورج جرداق المسيحي

قال جورج جرادق في كتاب (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) في وصف أمير المؤمنين عليه السلام:و مروءة الإمام أندر من أن يكون لها مثل في التاريخ، و حوادث المروءة في سيرته أكثر من أن تعد.

منها:أنه أبى على جنده ـ و هم في حال من النقمة و السخط ـ أن يقتلوا عدوا تراجع، و أن يتركوا عدوا جريحا فلا يسعفوه، كما أبى عليهم أن يكشفوا سترا أو أن يأخذوا مالا.

و منها:أنه صلى في وقعة الجمل على القتلى من أعدائه و سأل لهم الغفران، و أنه حين ظفر بألد أعدائه الذين يتحينون الفرص للتخلص منه، و هم:عبد الله بن الزبير، و مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، عفا عنهم و أحسن إليهم، و أبى على أنصاره أن يتعقبوهم بسوء و هم على ذلك قادرون.

و من حوادث المروءة أن عليا عليه السلام ظفر بعمرو بن العاص ـ و هو لا يقل خطرا عليه من معاوية بن أبي سفيان ـ فأعرض عنه و تركه ينجو بحياته و يستمر في مؤامراته ضده، لأن عمرا هذا رجاه على اسلوب خاص أن يعفو عنه، و قد أصبح‏ذوالفقار فوق هامته، و لو قضى علي عليه السلام على عمرو آنذاك لكان قضى على المكر و الدهاء و جيش معاوية.

و في معركة صفين حاول معاوية و جماعته أن يميتوا عليا عطش، فحالوا بينه و بين الماء زمنا و هم يقولون له:و لا قطرة حتى تموت عطش، و لكن ما كان من أمره و أمر جيش معاوية بعد ذلك، كان أن حمل عليهم الفارس العظيم فأجلاهم عن الماء ثم أتاح لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده، و لو منع عنهم الماء لانتصر عليهم، و اضطرهم إلى التسليم خشية الموت ظمأ .

و عرف مرة أن رجلين من أنصاره ينالان من عائشة في موقعة الجمل التي أدارتها عائشة للقضاء عليه، فأمر بجلدهما مائة جلدة، ثم أقبل على عائشة بعد انتصاره في هذه الموقعة و ودعها أكرم وداع، و سار هو نفسه في ركابها أميال، ثم أوصى بها و أرسل من يخدمها و يخف بها و يوصلها إلى المدينة مكرمة محترمة.

قيل:إنه أرسل معها عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بعمائم الرجال، و قلدهن السيوف، فلما كانت عائشة ببعض الطريق ذكرت عليا بما لا يجوز أن يذكر به، و تأففت و قالت:هتك ستري برجاله و جنده الذين و كلهم بي، فلما وصلت إلى المدينة ألقى النساء عمائمهن، و قلن لها:نحن نسوة . (9)

و فيما يلي نورد بعض أخباره عليه السلام مع مخالفيه في حرب الجمل:

رواية البيهقي عن جويرية

في (السنن الكبرى) للحافظ البيهقي بإسناده عن جويرية بن أسماء، قال:رواه عن يحى بن سعيد، قال :حدثني عمي أو عم لي، قال:لما تواقفنا يوم الجمل و قد كان علي عليه السلام حين صفنا نادى في الناس:لا يرمين رجل بسهم و لا يطعن برمح، و لا يضرب بسيف، و لا تبدؤوا القوم بالقتال، و كلموهم بألطف الكلام».و أظنه قال:«فإن هذا مقام من فلج فيه، فلج (10) يوم القيامة». (11)

رواية أبي يوسف

و في الخراج لأبي يوسف، قال:حدثنا بعض المشيخة عن جعفر بن محمد، عن أبيه:«أن عليا عليه السلام، أمر مناديه فنادى يوم البصرة:لا يتبع مدبر، و لا يذفف على جريح، و لا يقتل أسير، و من أغلق بابه فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، قال:و لم يأخذ من متاعهم شيئا». (12)

شراء جمل لعائشة

في تاريخ الطبري بإسناده عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال:لما فرغوا يوم الجمل، أمرني الأشتر، فانطلقت فاشتريت له جملا بسبعمائة درهم من رجل من مهرة، فقال:انطلق به إلى عائشة فقل لها:بعث به إليك الأشتر مالك بن الحارث؟و قال:هذا عوض من بعيرك، فانطلقت به إليه، فقلت:مالك يقرئك السلام و يقول:ان هذا البعير مكان بعيرك، قالت:لا سلم الله عليه، إذ قتل يعسوب العرب ـ تعني ابن طلحة ـ و صنع بابن اختي ما صنع، قال:فرددته إلى الأشتر و أعلمته، قال:فأخرج ذراعين شعراوين، و قال:أرادوا قتلي فما أصنع. (13)

و ما بعثه الأشتر إلى عائشة إلا كان بإذن مولاه و إمامه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

تجهيز علي عليه السلام عائشة من البصرة

و في (تاريخ الطبري) أيضا عن محمد و طلحة قالا:و جهز علي عليه السلام عائشةبكل شي‏ء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع، و أخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، و قال:تجهز ـ يا محمد (14)  ـ فبلغه، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها و حضرت الناس فخرجت على الناس و ودعوها و ودعتهم، و قالت:يا بني تعتب بعضنا على بعض استبطاء و استزادة، فلا يعتدن أحد منكم على أحد بشي‏ء بلغه من ذلك، إنه و الله ما كان بيني و بين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائه، و إنه عندي على معتبتي من الأخيار (15) الحديث.

ندامة عائشة بعد رجوعها من البصرة

عن العلامة سبط ابن الجوزي في (التذكرة) قال:قال هشام بن محمد:فجهزه ـ أي عائشة ـ على أحسن الجهاز، و دفع لها مالا كثير، و بعث معها أخاها عبد الرحمن في ثلاثين رجلا و عشرين امرأة من أشراف البصرة و ذوات الدين من همدان و عبد القيس، و ألبسهن العمائم، و قلدهن السيوف بزي الرجال، و قال عليه السلام لهن:«لا تعلمنها إنكن نسوة، و تلثمن و كن حوله، و لا يقربنها رجل».

و سرن معها على هذا الوصف، فلما وصلت إلى المدينة، قيل لها:كيف كان مسيرك؟فقالت عائشة :بخير ـ و الله ـ لقد أعطى فأكثر، و لكنه بعث رجالا معي أنكرتهم، فبلغ ذلك النسوة، فجئن إليها و عرفنها أنهن نسوة، فسجدت و قالت:و الله ـ يا ابن أبي طالب ـ ما ازددت إلا كرم، و ددت أني لم أخرج هذا المخرج، و أني أصابني كيت و كيت.

قال ابن الكلبي:و كانت إذا ذكرت يوم الجمل بكت، حتى تبل خمارها و تأخذ بحلقها كأنها تخنق بنفسه، و كانت إذا ذكرت ام سلمة تذكر نهيها لها و تبكي. (16) قال هشام بن محمد:إنما رد علي عائشة إلى المدينة امتثالا لأمر رسول الله. (17)

و فيما يلي نورد بعض أخباره عليه السلام مع مخالفيه في حرب صفين:

رواية عمرو بن العاص في غلبته عليه السلام على الماء

عن ابن أبي الحديد، قال:قال عمرو بن العاص لمعاوية لما ملك أهل العراق الماء:ما ظنك يا معاوية ـ بالقوم، إن منعوك اليوم الماء كما منعتهم أمس، أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه؟ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة!.

فقال معاوية:دع عنك ما مضى، فما ظنك بعلي؟

قال:ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه، و إن الذي جاء له غير الماء.قال:فقال معاوية قولا أغضبه، فقال عمرو:

أمرتك أمرا فسخفته‏ ***و خالفني ابن أبي سرحه (18)  
و أغمضت في الرأي إغماضة ***و لم تر في الحرب كالفسحه‏ 
فكيف رأيت كباش العراق‏ ***ألم ينطحوا جمعنا نطحه‏ 
فإن ينطحونا غدا مثلها ***فكن كالزبيري أو طلحه‏ 
أظن لها اليوم ما بعدها ***و ميعاد ما بيننا صبحه‏ 
و إن أخروها لما بعدها *** فقد قدموا الخبط و النفحه‏ 
و قد شرب القوم ماء الفرات‏ *** و قلدك الأشتر الفضحه (19)

رواية نصر بن محمد في ذلك

و فيه أيضا عن نصر بن محمد بن عبد الله، قال:فقال أصحاب علي له:إمنعهم الماء ـ يا أمير المؤمنين ـ كما منعوك.

فقال:«ل، خلوا بينهم و بينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون، سنعرض عليهم كتاب الله، و ندعوهم إلى الهدى، فإن أجابوا و إلا ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله». (20)

قال نصر:فو الله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم و سقاة أهل الشام و رواياهم و روايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا. (21)

سيرته مع اسارى صفين

في (الكنى و الأسماء) للعلامة الدولابي:بسنده عن يزيد بن بلال، قال:شهدت مع علي عليه السلام صفين، فكان إذا اتي بالأسير، قال عليه السلام:«لن أقتلك صبر، إني أخاف الله رب العالمين»و كان إذا أخذ الأسير أخذ سلاحه، و حلفه أن لا يقاتله، و أعطاه دراهم، و يخلي سبيله. (22)

و روى الحديث العلامة المولى علي المتقي الهندي في كنز العمال عن يزيد بن بلال بعين ما تقدم عن الكنى و الاسماء إلا أنه قال:و يعطيه أربعة دراهم. (23)

و عن (سنن البيهقي) عن أبي فاخته:أن عليا عليه السلام اتي بأسير يوم صفين، فقال:لا تقتلني صبرا.

فقال علي عليه السلام:«لا أقتلنك صبر، إني أخاف الله رب العالمين»فخلى سبيله، ثم قال :«أفيك خير تبايع؟!».

قال الشافعي:و الحرب يوم صفين قائمة و معاوية يقاتل جادا في أيامه كلها منتصفا أو مستعليا (24) ، و علي عليه السلام يقول لأسير من أصحاب معاوية:«لا أقتلك‏صبرا إني أخاف الله رب العالمين !». (25)

و فيما يلي نورد بعض أخباره عليه السلام مع مخالفيه من الخوارج:

سيرته عليه السلام مع الخوارج

إن بالإمكان الادعاء بأن أية فئة لم تؤذ عليا عليه السلام بقدر ما آذته فئة الخوارج، إذ ملأوا قلبه قيح، و ذلك أنهم كانوا من شيعته، و على جباههم آثار السجود، إلا أنهم وقفوا بوجه الإمام و اتخذوا التحكيم الذي أصروا على تنفيذه ذريعة للخروج على علي عليه السلام ....

لقد كان هؤلاء اناسا متعصبين في دينهم غير أنهم جهلاء، فلم يكونوا على اتصال بالأجانب، غاية ما هناك أنهم فهموا الامور بغير وجهتها الصحيحة، و ظنوا بأفكارهم الساذجة أنهم يبتغون بهذا الخروج وجه الله تعالى!!!.

لقد أصر هؤلاء على علي عليه السلام أن يقر بأن التحكيم كان ذنب، و عليه أن يتوب منه، و لم يكن علي عليه السلام ليعترف بأن هذا ذنب اقترفه، بل كان يراه خطأ سياسيا فرض عليه من قبل الخوارج في صفين، و لم يرض الخوارج بهذا الرأي، و لذلك كانوا يعرضون بعلي عليه السلام و يصلون فرادى في المسجد الذي كان يصلي فيه جماعة.

و كانوا يتحركون في المسجد حينما يخطب، و يثيرون الضجة ليفسدوا مجالسة العلمية، و إذا ما قرأ في الصلاة كانوا ينسبون إليه الكفر و الشرك من خلال قراءتهم لبعض آيات القرآن ....

غير أن عليا عليه السلام مثال الحق، و وارث علوم الأنبياء، و الحاكم بالعدل، كان يصبر أمام كل هذه التحديات و التعريضات، و مع أن السلطة و قدرتها كانت بيده إلا أنه‏لم يبد أدنى رد فعل ضدهم رجاء أن ينتبه هؤلاء من غفلتهم و يتركوا طريق الانحراف الذي اختاروه، و يعودوا إلى الصواب، و لئلا يراق دم نتيجة هذه الأوضاع و لذلك كان يعظهم أحيان، و يجيبهم على اعتراضاتهم، و يبين لهم الحقيقة و لم يخرجهم من المساجد، و لا قطع عنهم عطاءهم، و لم يجد ذلك نفعا مع هؤلاء، و بلغ بهم جهلهم و حمقهم أن يخرجوا على علي عليه السلام في أربعة آلاف، فاجتمعوا عند النهروان، و شنوا حربا غير مدروسة ضد علي عليه السلام، فاستأصلهم و لم ينج منهم إلا تسعة نفر، و لم يقتل من جيش علي عليه السلام إلا تسعة شهداء على أشهر الروايات. (26)

فلما انتهى الأمر هن، قال علي عليه السلام«لا تقتلوا الخوارج بعدي...» (27) و من أجل زيادة الإيضاح نورد نماذج من التصرفات المشينة للخوارج مع علي عليه السلام لتتجلى عظمة علي عليه السلام و صبره، و ليكون درسا و اسوة للجميع.

مداراته عليه السلام الخوارج حينما اجتمعوا في الكوفة

قال ابن أبي الحديد نقلا عن الطبري في التاريخ:أن عليا عليه السلام لما دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج، و تخلف منهم بالنخيلة و غيرها خلق كثير لم يدخلوه، فدخل حرقوص بن زهير السعدي، و زرعة بن البرج الطائي ـ و هما من رؤوس الخوارج ـ على علي عليه السلام فقال له حرقوص:تب من خطيئتك، و اخرج بنا إلى معاوية نجاهده.

فقال له علي عليه السلام:«إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم، ثم الآن تجعلونها ذنبا؟ !أما إنها ليست بمعصية و لكنها عجز من الرأي، و ضعف في التدبير، و قد نهيتكم عنه».

فقال زرعة:أما و الله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنك، أطلب بذلك‏وجه الله و رضوانه؟ !.

فقال له علي عليه السلام:«بؤسا لك ما أشقاك!كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح».قال زرعة :و ددت أنه كان ذلك، الحديث. (28)

صورة اخرى

روى أبو جعفر الطبري، عن أبي رزين، قال:لما وقع التحكيم و رجع علي من صفين رجعوا مباينين له، فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، و نزلوا بحر وراء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس و لم يصنع شيئ، فخرج إليهم علي عليه السلام فكلمهم حتى وقع الرضا بينه و بينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال:إن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر، فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون:لا حكم إلا لله .و استقبله رجل منهم واضع إصبعه في أذنيه، فقال: (و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين) (29) فقال علي عليه السلام: (فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون) . (30)

سماحته عليه السلام و مداراته لهم لما واقفهم بالنهروان

روى ابن أبي الحديد عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، في (الكامل) ، قال:لما واقفهم علي عليه السلام بالنهروان، قال:«لا تبدؤهم بقتال حتى يبدؤوكم»فحمل منهم رجل على صف علي عليه السلام فقتل منهم ثلاثة، ثم قال:

اقتلهم و لا أرى عليا 
و لو بدا أو جرته الخطيا

فخرج إليه علي عليه السلام فضربه فقتله، فلما خالطه سيفه، قال:يا حبذا الروحة إلى الجنة، فقال عبد الله بن وهب:و الله ما أدري إلى الجنة، أم إلى النار؟!فقال رجل منهم من بني سعد:إنما حضرت اغترارا بهذا الرجل ـ يعني عبد الله ـ و أراه قد شك و اعتزل عن الحرب بجماعة من الناس، و مال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري، و كان على ميمنة علي عليه السلام.

فقال علي عليه السلام لأصحابه:«احملوا عليهم، فو الله لا يقتل منكم عشرة و لا يسلم منهم عشرة»فحمل عليهم فطحنهم طحن، قتل من أصحابه عليه السلام تسعة، و ألفت من الخوارج ثمانية . (31)

 

تعليقات:

1.رتبيل:صاحب الترك.

2.شرح ابن أبي الحديد، ج 10، ص .228

3.لا يذفف على جريح:أي لا يسارع في قتله.

4.أصول الدين لأبي منصور التيمي البغدادي، ص 284، نقلا عن الاحقاق، ج 8، ص .550

5.الخراج للقاضي أبي يوسف، ص .215

6.في نسخة:من آنية.

7.السنن الكبرى، ج 8، ص .181

8.تاريخ الطبري، ج 3، ص .545

9.الامام علي صوت العدالة الانسانية، ج 1، ص .82

10.الفلج، بوزن الفلس:الفوز و الظفر.

11.السنن الكبرى، ج 8، ص .180

12.الخراج لأبي يوسف، ص .215

13.تاريخ الطبري، ج 3، ص .545

14.المراد أخوها محمد بن أبي بكر.

15.تاريخ الطبري، ج 3، ص .547

16.و كانت أم سلمة قد نصحت عائشة بعدم الخروج إلى علي عليه السلام فخالفتها.

17.التذكرة للعلامة سبط ابن الجوزي، ص 80، و الإحقاق، ج 8، ص .657

18.يريد عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

19.شرح ابن أبي الحديد، ج 3، ص .330

20.المصدر السابق، ج 3، ص .330

21.شرح ابن أبي الحديد، ج 3، ص .331

22.الاحقاق، ج 8، ص .662

23.كنزل العمال، ج 7، ص 345، ح .31703

24.في سنن البيهقي، ج 8، ص 182، عن الشيخ:قول الشافعي: (و معاوية يقاتل جادا...) معناه أنه كان يساويه ـ مرة في القتال و يعلوه اخرى، فكان فئة لهذا الأسير، و مع ذلك لم يقتله علي عليه السلام، و لم يستجز قتله، و قيل:منتصفا عند نفسه لدعواه أنه يطلب دم عثمان، و مستعليا غيره، لعلمهم بأن عليا عليه السلام كان بريئا من دم عثمان.

25.السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص .182

26.اقتباس من نهج البلاغة، الخطبة .58

27.نهج البلاغة، الخطبة .61

28.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .268

29.الزمر،  .65

30.تاريخ الطبري، ج 4، ص 54، و الآية من الروم،  .60

31.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .272

31.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .272