سيرته عليه السلام مع أهل الذمة

و فيما يلي نورد بعض النماذج من سيرته عليه السلام مع المخالفين من أهل الذمة:لقد كان علي عليه السلام تلميذ دين الإسلام حقا و رضع من ثدي النبوة علم، و ربي في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله من الولادة إلى آخر حياة رسول الله صلى الله عليه و آله، و تعلم حقائق الإسلام منه صلى الله عليه و آله و هو وصيه و خليفته و وارث علمه، فلا يتوقع منه إلا أن يسير بسيرته صلى الله عليه و آله، و لذا كان من سيرته الرفق باليهود و النصارى من أهل الذمة، و التعامل معهم كما يتعامل مع المسلمين تحت ظل حكومته بميزان الحق و العدل، و هذا هو منطق الشرع المبين الأنور، فعلينا و على حكام الإسلام أن يقتدوا بسيرته.

نبذة مما ظهر من سيرته مع أهل الذمة

مما لا ريب فيه أن صفحات التاريخ مشرقة بالحكاية عن مروءة علي عليه السلام و رأفته و عفوه الذي يبديه لمخالفيه و معارضيه، و حتى لأولئك الذين ناصبوه العداء، و قتلوا أصحابه و مقربيه، و جيشوا الجيوش لمقاتلته، مستهدفين إضعاف حكومته و إسقاطه، إلى الحد الذي أثار اعتراض أصحابه و مؤيديه، و أذهل أعداءه و مخالفيه.

و لكنه عليه السلام كان يريد أن يفهم الناس مبادى‏ء الإسلام المحمدي الأصيل، و أنه يقاتل لأجل هداية المجتمع و إصلاح الناس و ليس لطلب الحكم عليهم، و لهذا فإنه عليه السلام بلغ في مداراته لأعدائه حدا كلفه التضحية بنفسه، فالمهم لديه بقاء الإسلام و العدالة و حسب لا بقاء نفسه، و سنشير أدناه إلى الموارد الظاهرة منه في الخصوص:

قوله في دخول رجل من جيش معاوية على ذمية

قال علي عليه السلام بعد ما انقضت وقعة صفين و استولى معاوية على البلاد، و أكثرالقتل و الغارة في الأطراف:«و لقد بلغني أن الرجل منهم (1) ، كان يدخل على المرأة المسلمة و الاخرى المعاهدة (2) فينتزع حجلها (3) و قلبها (4) و قلائدها و رعاثها (5) ، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع (6) و الاسترحام (7) ، ثم أنصرفوا و افرين (8) ما نال رجلا منهم كلم (9) و لا اريق لهم دم، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسف، ما كان به ملوم، بل كان به عندي جديرا». (10)

قال الشارح المعتزلي:هذه الخطبة من مشاهير خطبه عليه السلام، قد ذكرها كثير من الناس، و رواها أبو العباس المبرد في أول (الكامل) و أسقط من هذه الرواية ألفاظا و زاد فيها ألفاظ، و قال في أولها:«إنه انتهى إلى علي عليه السلام أن خيلا وردت الأنبار لمعاوية، فقتلوا عاملا له يقال له:حسان بن حسان، فخرج عليه السلام مغضبا يجر رداءه، حتى أتى النخيلة،  (11) و اتبعه الناس، فرقى رباوة (12) من الأرض، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيه صلى الله عليه و آله ثم قال:أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله الذل، و سيم الخسف»الخطبة. (13)

احتكامه إلى القاضي مع اليهودي

و من أظهر مظاهر عدله و مساواته أنه عليه السلام في عصر حكومته و ولايته، حضر مجلس القضاء، و جلس مع يهودي عند القاضي كما ذكرنا في الفصل الرابع من هذا الكتاب و نذكره هنا تتميما للبحث.

روى ابن وكيع في (أخبار القضاة) بإسناده عن معاوية، عن ميسرة، عن شريح، قال:لما توجه علي عليه السلام إلى قتال معاوية افتقد درعا له، فلما رجع وجدها في يد يهودي يبيعها بسوق الكوفة، فقال عليه السلام«يا يهودي الدرع درعي، لم أهب و لم أبع»؟فقال اليهودي:درعي و في يدي، فقال عليه السلام:«بيني و بينك القاضي».

قال:فأتياني، فقعد علي عليه السلام إلى جنبي، و اليهودي بين يدي، و قال عليه السلام:«و لو لا أن خصمي ذمي لا ستويت معه في المجلس، و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: (14) «اصغروا بهم كما أصغر الله بهم»، ثم قال:«هذه الدرع درعي لم أبع و لم أهب»، فقال لليهودي :«ما تقول؟»، قال:درعي و في يدي، قال شريح:يا أمير المؤمنين، هل من بينة؟قال:«نعم الحسن ابني و قنبر يشهدان أن الدرع درعي».

قال شريح:يا أمير المؤمنين، شهادة الابن للأب لا تجوز.

فقال علي عليه السلام:«سبحان الله، أرجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟!سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة».

فقال اليهودي:أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، و قاضيه يقضي عليه، أشهد أن هذا الدين على الحق، و أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقطت منك ليل، و توجه مع علي عليه السلام يقاتل معه‏بالنهروان فقتل. (15)

أقول:هذا العمل من علي بن أبي طالب عليه السلام و هو حاكم المسلمين في ذلك العصر يدل على الديمقراطية الكاملة في حكومته، هل يمكن أن يرى في عصرنا هذا في بلاد العالم المدعي للديمقراطية مثل هذا؟!.

رسالة توبيخ منه عليه السلام

أرسل عليه السلام كتابا إلى عمر بن أبي سلمة الأرحبي يوبخه فيه لشدته مع أهل الذمة من دهاقين (16) فارس، جاء فيه:

«أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة و قسوة، و احتقارا و جفوة، و نظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، و لا أن يقصوا و يجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، و داول لهم بين القسوة و الرأفة، و امزج لهم بين التقريب و الإدناء، و الإبعاد و الإقصاء.إن شاء الله». (17)

خلاصة القول إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يغفل عن مراعاة حقوق أهل الذمة من اليهود و النصارى و المجوس الذين كانوا تحت ذمة الإسلام رغم قصر فترة حكومته التي دامت خمس سنوات، انقضت بالاختلافات الداخلية و المنازعات مع المارقين و القاسطين و الناكثين.و هذا يدل على تصرف ديمقراطي عادل لم تصله أو تطبقه أرقى النظم التي تدعي الديمقراطية في الوقت الحاضر، آملين من الحكومات الإسلامية و محبي الإسلام العزيز أن يجعلوا من تصرف أمير المؤمنين عليه السلام في حكومته قدوة لهم، لكي ينبهوا غير المسلمين على عدالة و سماحة ديننا الحنيف، و عند ما يدركون ذلك عمليا يتوجهون بقلوب عاشقة ملؤها الحب و الإخلاص للإسلام العزيز.

سيرته عليه السلام مع الغلاة

سبب نشأة الغلاة

كان علي عليه السلام مظهر العدالة، مظهر صفات الله، و كان جامعا للصفات الحسنة، فهو مغيث الفقراء و سندهم، و هو حاكم المجتمع العادل، كان يقسم ما في بيت المال بالسوية مساويا بين أسودهم و أبيضهم، عربهم و عجمهم، ساداتهم و مواليهم.

كان عابد الليل و شجاع النهار...كان شجعان ذلك العصر يخضعون له و يركعون أمامه و يهابونه، و رغم شجاعته هذه فإنه كان يئن لبكاء اليتيم، و لا يتمالك نفسه أمامه....

كان علي عليه السلام ثابتا على الصراط المستقيم، متفانيا في سبيل الله، و لا تأخذه في الله لومة لائم....

لقد كانت كل صفات جلاله و عظمته هذه تبهر عيون الناظرين، و تسلب لباب المتفكرين فيه، فشك فيه ضعاف الإيمان، و أوغل جماعة في الانحراف حيث لم يتحملوا هذه الصفات حتى شهروا السيوف بوجهه و قاتلوه، و أشعلوا نيران الحروب ضدة، و غلا فيه آخرون، و لما كانوا لم يعرفوا الله حق معرفته اعتقدوا بأن عليا عليه السلام هو الله!.

لم يكن علي هو الله، و إنما كان عبدا من عباد الله الصالحين، و إمام المسلمين، و حجة الله رب العالمين، عاملا بكتاب الله المبين، و سنة النبي صلى الله عليه و آله، لا يعصي الله و لا يخالفه طرفة عين، يكرم العباد الذين اتقو، و يغلظ على المارق و الناكث و القاسط كما وصف القرآن النبي الأعظم و أصحابه المتقين: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) فإذا رأى الغالي يقول فيه ما ليس فيه يستتيبه، فإن لم يتب عاقبه أشد العقوبة، هكذا كان حاله مع الغلاة.

قال ابن أبي الحديد في سبب نشأة الغلاة:و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته و أحواله المنافية لقوى البشر غلا فيه من غل، حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حل في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام، و قد أخبره النبي صلى الله عليه و آله بذلك، فقال:«يهلك فيك رجلان:محب غال، و مبغض قال».

و قال له تارة اخرى:«و الذي نفسي بيده، لو لا أني أشفق أن تقول طوائف من امتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة». (18)

أقول:لما أخبر الإمام عليه السلام بملأ من أصحابه في الخوارج قبل وقوع الحرب و قال:«مصارعهم دون النطفة، و الله لا يفلت منهم عشرة و لا يهلك منكم عشرة» (19) و وقع الأمر بعد الحرب بما قاله عليه السلام من غير زيادة و نقصان، زاد ذلك من غلو بعض أصحابه، و لم يدركوا أن ذلك أمر إلهي عرفه من جهة رسول الله صلى الله عليه و آله، و عرفه رسول الله صلى الله عليه و آله من جهة الله سبحان، و القوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذ، و لقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره.

بدء ظهور الغلاة

قال الشارح المعتزلي:و أول من جهر بالغلو في أيامه عليه السلام عبد الله بن سبأ (20) ، قام‏إليه و هو يخطب، فقال له:أنت، أنت، و جعل يكررها.

فقال له:«و يلك!من أنا»؟

فقال:أنت الله.فأمر بأخذه و اخذ قوم كانوا معه على رأيه.

و روى أبو العباس أحمد بن عبيد الله، عن عمار الثقفي، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه و عن غيره من مشيخته، أن عليا عليه السلام قال:«يهلك في رجلان، محب مطر يضعني غير موضعي و يمدحني بما ليس في، و مبغض مفتر يرميني بما أنا منه بري‏ء».

و قال أبو العباس:و هذا تأويل الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه و آله فيه، و هو قوله صلى الله عليه و آله:«إن فيك مثلا من عيسى بن مريم، أحبته النصارى فرفعته فوق قدره، و أبغضته اليهود حتى بهتت أمه». (21)

ما فعله عليه السلام بأهل الغلو (22)

قال الشارح المعتزلي عن أبي العباس، قال:و قد كان علي عليه السلام عثر على قوم خرجوا من محبته باستحواذ الشيطان عليهم، إلى أن كفروا بربهم، و جحدوا ما جاء به نبيهم، و اتخذوه ربا و إله، و قالوا:أنت خالقنا و رازقن، فاستتابهم و توعدهم، فأقاموا على قولهم، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيه، طمعا في رجوعهم فأبو، فأحرقهم بالنار، و قال:

ألا ترون قد حفرت حفرا *** إني إذا رأيت أمرا منكرا 
أوقدت ناري و دعوت قنبرا

و روى أصحابنا في كتب المقالات:أنه لما حرقهم، صاحوا إليه:الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الإله، لأن ابن عمك الذي أرسلته قال:«لا يعذب بالنار إلا رب العالمين». (23)

و في شرح ابن أبي الحديد أيض، عن علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، عن مشيخته:أن عليا عليه السلام مر بهم و هم يأكلون في شهر رمضان نهار، فقال:«أسفر أم مرضى؟»قالوا:و لا واحدة منهم، قال:«أفمن أهل الكتاب أنتم؟»، قالوا:ل، قال:«فما بال الأكل في شهر رمضان نهارا؟»

فقالوا:أنت، أنت!لم يزيدوه على ذلك، ففهم مرادهم، فنزل عليه السلام عن فرسه فألصق خده بالتراب، ثم قال:«ويلكم، إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله و ارجعوا إلى الإسلام»فأبو، فدعاهم مرار، فأقاموا على أمرهم، فنهض عنهم ثم قال:«شدوهم وثاق، و علي بالفعلة و النار و الحطب»، ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل أحدهما سربا (24) و الآخر مكشوفة، و ألقى الحطب في المشكوفة، و فتح بينهما فتح، و ألقى النار في الحطب، فدخن عليهم، و جعل يهتف بهم، و يناشدهم:«إرجعوا إلى الإسلام»، فأبو، فأمر بالحطب و النار، و ألقى عليهم، فاحترقو، فقال الشاعر:

لترم بي المنية حيث شاءت‏ *** إذا لم ترم بي الحفرتين‏ 
إذا ما جشتا حطبا بنار *** فذاك الموت نقدا غير دين

قال:فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما. (25)

روى العلامة محب الدين الطبري بسنده عن عبد الله بن شريك العامري، عن‏أبيه، قال:أتي علي بن أبي طالب عليه السلام فقيل له:إن هاهنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ربهم.فدعاهم، فقال لهم:«ويلكم، ما تقولون»؟

قالوا:أنت ربنا و خالقنا و رازقنا.

قال:«ويلكم، إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، و أشرب كما تشربون، إن أطعته أثابني إن شاء الله تعالى، و إن عصيت خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله و ارجعوا»فأبوا فطردهم، فلما كان من الغد غدوا عليه، فجاء قنبر، فقال:و الله رجعوا يقولون ذاك الكلام، قال:«أدخلهم علي»، فقالوا له مثل ما قالو، و قال لهم مثل ما قال، و قال لهم:«إنكم ضالون مفتونون»فأبوا.

فلما أن كان اليوم الثالث أتوه، فقالوا مثل ذلك القول، فقال:«و الله لئن قلتم ذلك لأقتلنكم أخبث قتله»فأبوا إلا أن يموتوا على قولهم فخد لهم أخدودا بين باب المسجد و القصر، و أوقد فيه نار، و قال:«إني طارحكم فيها أو ترجعون»فأبو، فقذف بهم فيها. (26)

روى العلامة المقدسي في (البدء و التاريخ) :فرقة تغلو غلوا شديد، و تقول قولا عظيم، و هم أصحاب عبد الله بن سب، يقال لهم:السبائية، قالوا لعلي عليه السلام:أنت إله العالمين، أنت خالقنا و رازقن، و أنت محيينا و مميتن، فاستعظم علي عليه السلام ذلك من قولهم و أمر بهم، فأحرقوا بالنار، فدخلوا النار و هم يضحكون و يقولون:الآن صح لنا أنك إله إذ لا يعذب بالنار إلا رب النار، و زعم إخوانهم بعد ذلك أنهم لم تمسهم النار، و إنما صارت عليهم بردا و سلام، كما صارت على إبراهيم عليه السلام و عند ذلك قال:

«إني إذا رأيت أمرا منكرا *** أججت نارا و دعوت قنبرا» (27)

و في فرائد السمطين، بسنده عن عثمان بن المغيرة، قال:كنت عند علي ابن أبي‏طالب عليه السلام جالسا فجاءه قوم فقالوا:أنت هو، !قال:«من أنا»؟فقالوا:أنت هو، قال:«من أنا؟»، قالوا:أنت ربنا!فاستتابهم فأبوا و لم يتوبو، فضرب أعناقهم و دعا بحطب و نار فأحرقهم و جعل يرتجز و يقول:

«إني إذا رأيت أمرا منكرا *** أوقدت ناري و دعوت قنبرا» (28)

ما جرى على عبد الله بن سبأ و نهاية أمر الغلاة

في شرح ابن أبي الحديد، عن أبي العباس، قال:ثم إن جماعة من أصحاب علي عليه السلام، منهم عبد الله بن عباس شفعوا في عبد الله بن سبأ خاصة، و قالوا:يا أمير المؤمنين، إنه قد تاب فاعف عنه، فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة، فقال:أين أذهب؟قال عليه السلام :«المدائن»، فنفاه إلى المدائن.

فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أظهر مقالته، و صارت له طائفة و فرقة يصدقونه و يتبعونه، و قال لما بلغه قتل علي عليه السلام:و الله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة، لعلمنا أنه لم يمت، و لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، فلما بلغ ابن عباس ذلك، قال:لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه، و لا قسمنا ميراثه.

قال أصحاب المقالات:و اجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول، منهم :عبد الله بن صبرة الهمداني، و عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي، و آخرون غيرهم، و تفاقم أمرهم و شاع بين الناس قولهم، و صار لهم دعوة يدعون إليه، و شبهة يرجعون إليه، و هي ما ظهر و شاع بين الناس من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال، فقالوا:إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى، أو من حلت ذات الإله في جسده.

و لعمري إنه لا يقدر على ذلك إلا باقدار الله تعالى إياه عليه، و لكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الإله، أو تكون ذات الإله حالة فيه، و تعلق بعضهم‏بشبهة ضعيفة، نحو قول عمر، و قد فقأ علي عليه السلام عين إنسان ألحد في الحرم:ما أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله!و نحو قول علي عليه السلام:«و الله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، بل بقوة إلهية».

و نحو قول رسول الله صلى الله عليه و آله:«لا اله إلا الله وحده، صدق وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده»، و الذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب، لأنه قتل شجاعهم و فارسهم عمر، لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين، من غير حرب سوى قتل فارسهم. (29)

 

تعليقات:

1.الرجل منهم:أي من جيش معاوية.

2.المعاهدة:الذمية.

3.الحجل بالكسر و بالفتح و بالكسرتين:الخلخال.

4.القلب بضمتين جمع قلب بالضم و السكون:السوار المصمت.

5.الرعث بضم الراء و العين جمع رعاث، و رعاث جمع رعثة:و هو ضرب من الخرز.

6.الاسترجاع:ترديد الصوت بالبكاء مع القول:إنا لله و إنا إليه راجعون.

7.الاسترحام:أي تناشده الرحمة.

8.و افرون:تامون على كثرتهم لم ينقص عددهم.

9.الكلم بالفتح:الجرح.

10.شرح نهج البلاغة الخطبة .27

11.النخيلة:اسم موضع خارج الكوفة.

12.الرباوة:اسم لكل ما ارتفع من الأرض.

13.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .75

14.و في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ج 16، ص 36.روى الحديث عن أبراهيم التيمي إلى أن قال:قال عليه السلام:«و لكني سمعت رسول الله يقول:لا تساووهم في المجلس، و لا تعودوا مرضاهم، و لا تشيعوا جنائزهم، و اضطروهم إلى ضيق الطرق، و إن سبقوكم فاضربوهم، و إن ضربوكم فاقتلوهم»ثم نقل نحو باقي الحديث.

15.أخبار القضاة، ج 2، ص .200

16.الدهاقين، جمع دهقان، رئيس القرية أو الأقليم، و تطلق على التجار و أرباب الأملاك.

17.راجع شرح ابن أبي الحديد، ج 15، ص .137

18.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص 4، ذيل خطبته عليه السلام،  .58

19.نهج البلاغة، الخطبة .59

20.عبد الله بن سبأ:رأس الطائفة السبئية، نقل ابن حجر عن ابن عساكر الشافعي في تاريخه :كان أصله من اليمن و كان يهوديا فأظهر الإسلام، و طاف بالمسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة عليهم السلام و يدخل بينهم الشر، و دخل دمشق لذلك.و سيأتي أنه شفعه عبد الله بن عباس و غيره فأطلقه عليه السلام و نفاه إلى المدائن.لسان الميزان، ج 2، ص .284

21.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص .5

22.و في الوسائل، عن رجال الكشي، بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال:«إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة، و كان يزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله ـ تعالى عن ذلك ـ فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه فسأله فأقر، و قال:نعم أنت هو، و قد كان القي في روعي أنك أنت الله و أنا نبي.فقال له أمير المؤمنين عليه السلام :و يلك، قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذ ـ ثكلتك أمك ـ و تب»فأبى، فحبسه، و استتابه ثلاثة أيام فلم يتب، فأخرجه فأحرقه بالنار، الوسائل، ج 18، ص .554

23.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص .5

24.السرب، بفتحتين:الحفير تحت الأرض.

25.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص .6

26.ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، ص .93

27.البدء و التاريخ، ج 5، ص 125، نقلا عن الاحقاق، ج 8، ص .646

28.فرائد السمطين، ج 1، ص 174، رقم .136

29.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص .6

29.شرح ابن أبي الحديد، ج 5، ص .6