سيرته عليه السلام مع التجار و أصحاب الحرف

اعلم أن التجارة شغل شريف لكونها وسيلة لتبادل المواد الأولية و المنتجات الصناعية و المحاصيل الزراعية و الحيوانية، و هذا التبادل ركن الحياة الاجتماعية و نظام الحيوية المدنية، و لذا وردت في مدحه أخبار كثيرة و حث على مزاولتها في الشرع الإسلامي.

ففي (الخصال) بسنده عن عبد المؤمن الأنصاري، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:«قال رسول الله صلى الله عليه و آله:البركة عشرة أجزاء، تسعة أعشارها في التجارة». (1)

و كفى في فضل التجارة أنها كانت شغل النبي صلى الله عليه و آله قبل أن يبعث نبيا عليه السلام، فقد سافر إلى الشام في التجارة مع عمه أبي طالب، ثم صار يتاجر لخديجة بنت خويلد، و سافر إلى الشام للتجارة مرة اخرى، و قد أعجبت بتجارته و أمانته، فطلبت منه أن يتزوجها .

عهده إلى مالك الأشتر في أمر التجار و أصحاب الحرف

حينما ولي علي عليه السلام أمر الحكومة توجه إلى أهل السوق و التجار و ذوي الصناعات، يوصيهم بما هو من صحيح واجبهم و كذا يوصي ولاته برعاية حقوقهم، و المنع عن الخلاف، و في عهده عليه السلام المعروف إلى مالك الأشتر النخعي، قال:

«ثم استوص بالتجار و ذوي الصناعات، و أوص بهم خير، المقيم منهم و المضطرب بماله (2) و المترفق (3) ببدنه، فإنهم مواد المنافع و أسباب المرافق (4) و جلابها من المباعدو المطارح (5) في برك و بحرك، و سهلك و جبلك، و حيث لا يلتئم الناس لمواضعها (6) ، و لا يجترؤون عليه، فإنهم سلم لا تخاف بائقته (7) ، و صلح لا تخشى غائلته (8) ، و تفقد امورهم بحضرتك و في حواشي بلادك، و اعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحش، و شحا قبيحا (9) و احتكارا (10) للمنافع، و تحكما (11) في البياعات، و ذلك باب مضرة للعامة، و عيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله منع منه، و ليكن البيع بيعا سمحا (12) بموازين عدل، و أسعار لا تجحف بالفريقين من البائع و المبتاع (13) ، فمن قارف (14) حكرة (15) بعد نهيك إياه فنكل (16) به و عاقبه في غير إسراف (17) » (18) .

نظرة في عهده عليه السلام إلى الأشتر النخعي

و قد وصف علي عليه السلام في عهده إلى الأشتر، التجار بما لا مزيد عليه من خدمتهم‏في المجتمع الإنساني، و حمايتهم للمدنية البشرية، فقال:

أولا:«و المضطرب بماله»أي من يجعل ماله متاعا يدور به في البلاد البعيدة، يقطع المفاوز و يعرض نفسه للأخطار، ليوصل حوائج كل بلد إليه.

و قال ثانيا:«فإنهم مواد المنافع و أسباب المرافق»فقد اهتمت الدول الراقية، و الشعوب المتقدمة في هذه العصور بأمر التجارة و أدركوا حقيقة ما أفاده عليه السلام في هذه الجملة القصيرة قبل قرون طويلة من أن التجارة مواد المنافع.و قد أبلغ عليه السلام في ما أفاده بما للتجارة من الأهمية في أمر الاقتصاد، حيث جاء بكلمة المواد جمعا مضافا مفيدا للعموم، و بكلمة المنافع جمعا معرفا باللام مفيدا للاستغراق، فأفاد أن كل مادة لكل منفعة مندرجة في أمر التجارة، فالتجارة تحتاج إلى ما يتجر به من الأمتعة، و إلى سوق تباع فيه تلك الأمتعة، ثم يؤخذ بدلها متاع آخر، و يبدل بمتاع آخر فيستفاد من هذه المبادلات كلها أرباحا.

و قد بلغت أهمية التجارة في أعصارنا الحاضرة حدا بحيث صارت محورا للسياسة العامة للدول الكبيرة، و صار حمل مواردها من النفط، و الذهب، و الفضة و المحاصيل الزراعية إلى البلاد الاخرى أساسا لسياستها و مثارا للحروب الهائلة و مدارا للمعاملة مع الشعوب و سببا للتسلط على الشعوب المستضعفة.

و قد نبه علي عليه السلام في عهده على أن الروابط التجارية سبب استقرار السلم و الصلح بين أفراد الامة و المجتمع و بين الشعوب، فقال عليه السلام:«فإنهم سلم لا تخاف بائقته، و صلح لا تخشى غائلته»فيالها من جملة ذهبية حية في هذه القرون المعاصرة حيث يتعطش العالم إلى استقرار السلم العالمي بين الشعوب، و لا يخفى أنه فسر البائقة بالداهية، و هذا يعني أن التجارة الحرة السالمة ليس فيها دهاء و مكر و سوء قصد من قبيل الاستعمار و التسلط، بل فيها صلح ليس وراءه مضرة و هلاك.

و أما أمره عليه السلام بتفقد أحوال التجار و الإشراف عليهم بقوله:«تفقد أمورهم بحضرتك ...»فهو تتمة لوصيته بهم بالخير، لحماية رؤوس أموالهم من التلف، و السرقة من قبل اللصوص، و هذه توصيته بإقرار الأمن في البلاد و في طرق التجارةبحرا و بر، و قد التفتت الامم الراقية إلى ذلك، فاهتموا باسقرار الأمن في البلاد و الطرق، و بحفظ رؤوس الأموال التجارية عن المكائد الدسائس المهلكة لها.

ثم نبه عليه السلام في عهده إلى خطر في أمر التجارة يتوجه إلى عامة الناس المحتاجين في معاشهم إلى شراء الأمتعة من الأسواق، و هو مرض الشح و البخل و طلب الادخار و الاستكثار من المال، الكامن في طبع كثير من التجار، فإنه يؤول إلى الاستعمار و التسلط على اجور الزراع و العمال، و قد ينتهي إلى أن يؤخذوا عبيدا و أسرى لأصحاب رؤوس الأموال، فوصفهم بقوله عليه السلام:«إن في كثير منهم ضيقا فاحشا»أي حبا عظيما لجلب المنافع و ازدياد صيد الأموال المختصة به، و ربما بلغ حد الجنون و لا يكتفي بالمليارات.

«و شحا قبيحا»يمنع من بذل ما يزيد على حاجته، و لا يقدر على حفظه و حصره لعامة الناس.

«و احتكارا للمنافع»بلا حد و لا حساب، فيكون حاله كجهنم كلما قيل لها:هل أمتلأت؟تقول:هل من مزيد؟

«و تحكما في البياعات»أي يؤول ذلك الحرص الجهنمي إلى تشكيل الشركات الجبارة، فيجمعون حوائج الناس بمكائدهم و قوة رؤوس أموالهم و يبيعونها بأي سعر أرادو، و بأي شروط خبيثة تحفظ مزيد منافعهم، و تقهر الناس و تشدد سلاسل مطامعهم و مظالمهم على أكتافهم، و لذا استنتج عليه السلام من ذلك مفسدتين مهلكتين:

الاولى:قوله:«و ذلك باب مضرة للعامة»و أي مضرة أعظم من الأسر الاقتصادي في أيدي أصحاب رؤوس الأموال مصاصي دماء الناس.

الثانية:قوله:«و عيب على الولاة»و أي عيب أقبح من تسليم الامة إلى هذا الأسر المهلك؟

فشرع علي ع في بيان كيفية محاربة هذه المفاسد بقوله:«فامنع من الاحتكار»المنع من الاحتكار للمنافع و البضائع،  (19) يعني كما لا يجوز احتكار البضائع طلبا لزيادة الربح، فكذا لا يجوز احتكار المنافع، المقصود منه الحرص على أخذ الأرباح و المنافع من التجارات زائدا عن المقدار المشروع، بحيث يؤدي هذا الحرص و الطمع إلى تشكيل الشركات و القيام بالاحتكارات التي شاعت في هذه العصور، و مال إليها أرباب رؤوس الأموال الهامة في الشركات النفطية و المعدنية.

مراقبة السوق و نصيحة التجار

في (الاستيعاب) عن أبحر بن جرموز، عن أبيه، قال:رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام يخرج من مسجد الكوفة و عليه قطريتان متزرا بالواحدة و مرتديا بالاخرى، و إزاره إلى نصف الساق، و هو يطوف في الأسواق، و معه درة، يأمرهم بتقوى الله و صدق الحديث، و حسن البيع، و الوفاء بالكيل و الميزان. (20)

و روى أبو إسحاق الثقفي الكوفي في (الغارات) عن أبي سعيد، قال:كان علي عليه السلام يأتي السوق فيقول:«يا أهل السوق، اتقوا الله، و إياكم و الحلف، فإنه ينفق السلعة، و يمحق البركة، فإن التاجر فاجر إلا من أخذ الحق و أعطاه، و السلام عليكم.» (21)

و روى أيض، بسنده عن الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، عن علي بن أبي‏طالب عليه السلام أنه دخل السوق فقال:«يا معشر اللحامين، من نفخ منكم (22) في اللحم فليس منا»فإذا هو برجل موليه ظهره، فقال:كلا و الذي احتجب بالسبع، فضربه علي عليه السلام على ظهره ثم قال:«يا لحام، و من الذي احتجب بالسبع؟»، قال:رب العالمين، يا أمير المؤمنين، فقال له:«أخطأت ثكلتك امك، إن الله ليس بينه و بين خلقه حجاب لأنه معهم أينما كانوا»، فقال الرجل:ما كفارة ما قلت، يا أمير المؤمنين؟قال:«أن تعلم أن الله معك حيث كنت»، قال :اطعم المساكين؟قال:«ل، إنما حلفت بغير ربك». (23)

و رواه أيضا:بسنده عن النعمان بن سعد، عن علي عليه السلام، قال:كان علي عليه السلام يخرج إلى السوق و معه الدرة فيقول:«اللهم إني أعوذ بك من الفسوق، و من شر هذه السوق». (24)

روى ابن حزم في (المحلى) بسنده عن أبي حكم:أن علي بن أبي طالب عليه السلام أحرق طعاما احتكر بمائة ألف. (25)

و روى فيه أيضا:عن حبيش، قال:أحرق لي علي بن أبي طالب عليه السلام بيادر بالسواد كنت احتكرته، لو تركها لربحت فيها مثل عطاء الكوفة (26) .

سيرته عليه السلام في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من أهم الفرائض التي حث عليهما القرآن و السنة، بل عليهما يبتني بقاء أساس الدين و استمرار الرسالة النبوية و حفظ نظام المسلمين، و هذه الفريضة شرعت لجميع المسلمين و هي باقية إلى يوم القيامة، و قد اعتبر جميع المسلمين مسؤولين إجمالا عن تطبيقها و نشرها و حفظه، و من هنا كان على الامة الاسلامية و خصوصا إمامها و ممثلها أن تراقب بكل وجودها أوضاع المجتمع، و أن تجد في نشر المعروف و بذر الخير، و تعمل على قلع جذور الشر و إنكاره.

و قد بلغت هذه الفريضة من الأهمية حدا جعلها أمير المؤمنين عليه السلام فوق الجهاد و جميع أعمال البر بمراتب، فقال عليه السلام في نهج البلاغة:«و ما أعمال البر كلها و الجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلا كنفثة (27) في بحر لجي (28) ، و إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق، و أفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر». (29)

و عدهما عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة من شعب الجهاد، فعن أبي جحيفة، قال:سمعت أمير المؤمنين ع يقول:«إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهادبأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفا و لم ينكر منكر، قلب فجعل أعلاه أسفله و أسفله أعلاه» . (30)

و السر في ذلك أن قوام كل الفرائض و بقاءها رهين بإقامة هاتين الفريضتين، مضافا إلى أن الجهاد كفاح خارجي، و لا أثر له و لا أهمية ما لم يصلح الداخل، فالواجب أولا تطهير الداخل و إصلاحه، ثم الإقدام على إصلاح الخارج. (31)

صور من أمره عليه السلام بالمعروف و نهيه عن المنكر

في (التراتيب الإدارية) للكتاني، عن مسند عبد بن حميد، عن مطرف، قال:خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي:«ارفع إزارك فانه أنقى لثوبك و أبقى له»فمشيت خلفه و هو بين يدي مؤتزر بإزار، مرتد برادء و معه الدرة كأنه أعرابي بدوي، فقلت:من هذا؟.

فقال لي رجل:هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام، حتى انتهى إلى الإبل، فقال :«بيعوا و لا تحلفو، فإن اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة»، ثم أتى إلى أصحاب التمر فإذا خادم يبكي فقال:«ما يبكيك؟»، قال:باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده علي مولاي، فقال له علي عليه السلام:«خذ تمرك و أعطه درهمه، فإنه ليس له من الأمر شي‏ء»فدفعه. (32)

و روى الحديث في الغارات، و كذا كنز العمال في باب فضائل الصحابة عن أبي مطر مع تفاوت في بعض ألفاظه. (33)

عن العلامة المطرزي (المداخل في اللغة) :قال ابن الأعرابي:و منه خبر عمر بن‏الخطاب أنه كان يطوف بالبيت فقال له رجل:يا أمير المؤمنين إن عليا لطم عيني؟فوقف عمر حتى جاءه علي عليه السلام فقال:يا أبا الحسن ألطمت عين هذا؟قال:«نعم، يا أمير المؤمنين»، قال:و لم، يا أبا الحسن، قال:«لأني رأيته ينظر إلى حرم المسلمين في الطواف»، فقال له عمر:أحسنت، ثم أقبل على الملطوم:فقال له:وقعت عليك عين من عيون الله تعالى.

قال أبو العباس ثعلب:فسألت ابن الأعرابي عنه، فقال:خاصة من خواص الله تعالى، و ولي من أوليائه، و حبيب من أحبائه. (34)

 

تعليقات:

1.الخصال، ج 2، ص 445، باب العشرة، ح 44، و وسائل الشيعة، ج 12، ص .3

2.المضطرب بماله:المتردد به بين البلدان.

3.المترفق:المكتسب.

4.المرافق:ما ينتفع به من الأدوات و الآنية.

5.المطارح:الأماكن البعيدة.

6.أي لا يمكن التئام الناس و اجتماعهم في مواضع تلك الموافق من تلك الأمكنة.

7.البائقة:الداهية.

8.الغائلة:الشر.

9.الضيق:عسر المعاملة، و الشح:البخل مع حرص، فهو أشد من البخل.

10.الاحتكار:حبس الطعام و المنافع عن الناس عند الحاجة إليه، و لا يسمحون به إلا بأثمان فاحشة.

11.التحكيم في البياعات:التطفيف في الوزن و الزيادة في السعر.

12.المسامحة:المعاملة السهلة التي لا ضيق فيها و لا حرج.

13.المبتاع:المشتري.

14.قارف:خالط، قارف الذنب و غيره:إذا داناه و لا صقة.

15.الحكرة، بالضم:الاحتكار.

16.فنكل به:أي أوقع به النكال و العذاب، عقوبة له.

17.في غير إسراف:من غير تجاوز حد العدل.

18.نهج البلاغة، الكتاب .53

19.الاحتكار في الفقه هو احتكار الأطعمة، و يبحث الفقه حرمته أو كراهته مطلق، أو في بعض البضائع و السلع و هو حكم خلافي، و احتكار المنافع الذي عبر عنه الإمام عليه السلام في كلامه هو الحرص على تحصيل الأرباح و المنافع الزائدة عن الحد المشروع.إلى تشكيل الشركات و القيام بالاحتكارات، و ضرب الانحصارات التي شاعت في هذه العصور، فإنه عليه السلام منع من هذا النوع من الاحتكار، فإنه أقبح شي‏ء في الأسواق كما شاهدنا اليوم في الدول الراقية .

20.الاستيعاب لابن عبد البر المالكي بهامش الاصابة، ج 3، ص .48

21.الغارات، ج 1، ص .109

22.النفخ في اللحم يحتمل وجهين الاول:ما هو الشائع من النفخ في الجلد لسهولة السلخ، و الثاني:التدليس الذي يفعله بعض الناس من النفخ في الجلد الرقيق الذي على اللحم ليرى سمينا و هذا أظهر.

23.الغارات، ج 1، ص .111

24.المصدر السابق، ج 1، ص .113

25.المحلى لابن حزم الاندلسي، ج 6، ص .65

26.المصدر السابق، ج 6، ص .65

27.النفثة كالنفخة:يراد ما يمازج النفس من الريق عند النفخ.

28.بحر لجي:كثير الموج.

29.نهج البلاغة، قصار الحكم .366

30.المصدر السابق، ص 1254، قصار الحكم .367

31.انظر دراسات في ولاية الفقيه، ج 2، ص 213 ـ  .215

32.التراتيب الإدارية للشيخ عبد الحي الكتاني، ج 1، ص .289

33.الغارات، ج 1، ص 104، كنز العمال، ج 13، ص 183، ح .36547

34.المداخل في اللغة، ص 69 للمطرزي، نقلا عن الاحقاق.

34.المداخل في اللغة، ص 69 للمطرزي، نقلا عن الاحقاق.