علي عليه السلام و القضاء

كان علي عليه السلام أقضى الامة و أعلمها بغوامض أحكام الإسلام و أعرفها بالقرآن و السنة و بحوادث زمانه بحيث أصبح متداولا على ألسنة الأصحاب بأنه أقضى الامة:و أقضى الصحابة، و أقضى أهل المدينة.

و قد اختاره رسول الله صلى الله عليه و آله قاضيا و بعثه إلى اليمن في عهده صلى الله عليه و آله، و دعا له بالخير و أثنى عليه و أبان فضله في ذلك، فدل به على استحقاقه عليه السلام الأمر من بعده صلى الله عليه و آله، و وجب تقدمه عليه السلام على من سواه في مقام الإمامة.

قال ابن الصباغ المالكي في (فصل) ذكر شي‏ء من علومه:فمنها علم الفقه الذي هو مرجع الأحكام و منبع الحلال و الحرام، فقد كان علي عليه السلام مطلعا على غوامض أحكامه منقادا جامحا بزمامه، مشهودا له فيه بعلو محله و مقامه، و لهذا خصه رسول الله صلى الله عليه و آله بعلم القضاء كما نقله الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه (المصابيح) مرويا عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و آله خصص جماعة من الصحابة كل واحد بفضيلة، و خصص عليا بعلم القضاء، فقال صلى الله عليه و آله:«و أقضاكم علي». (1)

علي عليه السلام أقضى الامة

في الإحقاق عن (أخبار القضاة) و غيره بإسناده عن ابن عمر و جابر و شداد بن أوس قالوا :قال رسول الله صلى الله عليه و آله:«أقضى امتي علي». (2)

و فيه أيضا:عن كتاب (التبصير في الدين) قال:قال النبي صلى الله عليه و آله:في صفة علي‏عليه السلام:«أقضاكم علي». (3)

و فيه أيضا:عن (مصابيح السنة) عن قتادة عن النبي صلى الله عليه و آله:«أقضاهم علي». (4)

و روى ابن عساكر الشافعي:بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:خطبنا عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:علي أقضان، و ابي أقرأن، و إنا لندع من قول ابي أشياء، الحديث. (5)

و عنه أيضا عن عبد الله بن مسعود، قال:كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب عليه السلام. (6)

و عنه أيضا:عن أبي الأحوص، قال:قال عبد الله بن مسعود:أفرض أهل المدينة و أقضاهم علي بن أبي طالب عليه السلام. (7)

و عنه أيضا:بإسناده عن مغيرة، عن الشعبي، قال:ليس منهم أحد أقوى قولا في الفرائض من علي بن أبي طالب. (8)

و روى ابن سعد في (الطبقات) بسنده عن أبي إسحاق:أن عبد الله بن مسعود كان يقول:أقضى أهل المدينة ابن أبي طالب. (9)

و روى الحاكم بسنده، عن عبد الله بن مسعود، قال:كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.قال الحاكم:هذا حديث صحيح. (10)

رسول الله صلى الله عليه و آله يعلمه القضاء

في (السيرة النبوية) :بعث رسول الله صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السلام إلى اليمن (11) في شهر رمضان سنة عشر، و عقد له لواء، و عممه بيده، و قال له:«امض و لا تلتفت».

فقال علي عليه السلام:«يا رسول الله، ما أصنع؟».

قال صلى الله عليه و آله:«إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، و ادعهم إلى قول لا إله إلا الله، فإن قالوا:نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، و الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت». (12)

و روى أبو داود و غيره من حديث علي عليه السلام قال:«بعثني النبي صلى الله عليه و آله إلى اليمن، فقلت:يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني، و أنا حديث السن لا أبصر القضاء» . قال:«فوضع يده في صدري و قال:أللهم ثبت لسانه و اهد قلبه، و قال:يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء».

قال علي عليه السلام:«و الله ما شككت في قضاء بين اثنين»فخرج علي عليه السلام في ثلاثمائة فارس، الحديث. (13)

و روى النسائي في الخصائص و كذا أحمد في الفضائل نحوه. (14)

و في المناقب لابن المغازلي الشافعي:بإسناده عن أبي البختري، عن علي عليه السلام، قال :«بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله إلى اليمن لأقضي بينهم، قال:فقلت:يا رسول الله، إني لا علم لي بالقضاء، فضرب يده على صدري، و قال:أللهم اهد قلبه، و ثبت لسانه».

قال:«فما شككت في قضاء بين اثنين حتى جلست مجلسي هذا». (15)

موقف علي عليه السلام من القضاة

لا يخفى على من راجع تواريخ الامم و الأجيال في العالم أن لأمر القضاء و فصل الخصومات مكانة خاصة حساسة في جميع الامم و المجتمعات البشرية، إذ عليه و على سلامة نظامه تبنى سلامة المجتمع، و أمنه، و استقرار العدل فيه، و حفظ الحقوق و الحرمات.

و لو لم يكن القضاء سالما أو فوض أمره إلى غير أهله، فشا الجور و الفساد، و ضاعت الحقوق و ضعفت الدولة، بل ربما أعقب ذلك سقوطها و زوالها.

و ذلك واضح لأن عالم الطبيعة عالم التزاحم و التصادم، و الإنسان في طبعه مجبول على الولع و الطمع، و قد زين له حب الشهوات من النساء و الأموال و المشاغل، فربما يستغل الشخص قوته و قدرته أو غفلة الآخرين، فينزو على أموال الناس و حقوقهم، و يستعقب ذلك التنازع و البغضاء، بل ربما ينتهي الأمر إلى القتال و إتلاف النفوس و الأموال.

فلا محيص عن وجود سلطة عالم عادل نافذ الأمر، تصلح بينهم أو تقضي بالحق و العدل فيرتفع النزاع و يجد كل ذي حق حقه.

عهده إلى مالك الأشتر النخعي

قال السيد الرضي رحمهم الله:من عهد له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي (16) لما ولاه على مصر و أعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر، و هو أطول عهد كتبه و أجمعه للمحاسن.

و في عهده هذ، قسم عليه السلام طبقات المجتمع إلى سبعة أقسام و ذلك وفقا للعمل و الحرفة :

1 ـ جنود الله.

2 ـ كتاب العامة و الخاصة.

3 ـ قضاة العدل.

4 ـ عمال الإنصاف و الرفق.

5 ـ أهل الجزية و الخراج من أهل الذمة و مسلمة الناس.

6 ـ التجار و أهل الصناعات.

7 ـ الطبقة السفلى من ذوي الحاجة و المسكنة.

و مما لا شك فيه أنه صلى الله عليه و آله لم يفضل أحدا على أحد من حيث العمل، و ليس هو في معرض الترجيح بين الطبقات، إذ كلهم يعملون و يكسبون ما يتناسب مع عملهم.

و يظهر من عهده عليه السلام خصوصية للقضاة و رؤساء القضاء في الحكومات الإسلامية، فنشير إليها في التالي:

القاضي في نظره عليه السلام

و في عهده إلى مالك رضى الله عنه أوضح أمير المؤمنين عليه السلام ما يجب أن يتحلى به القاضي من صفات و فضائل، و سنبين باختصار ما جاء في هذا العهد بخصوص الطبقة الثالثة من طبقات الناس (قضاة العدل) .

1 ـ قال عليه السلام:«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك».

لا بد من اختيار أفضل الناس للتصدي للقضاء، لأن الناس لا يمكن أن يطيعوا شخصا هم أفضل منه، حيث إن تقديم المفضول على الفاضل خلاف العقل، كما أن حكم غير المتقى على المتقي و كذلك حكم غير المتعلم على المتعلم ممنوع و قبيح عقلا.

2 ـ «ممن لا تضيق به الامور».

يجب أن يكون القاضي متعلما بحيث إنه قادر على تحليل و تجزئة المسائل و أن لا يكون في حرج و ضيق مما يواجه من الحوادث.

3 ـ «و لا تمحكه الخصوم».

تمحكه من المحك و هو التجربة و الاختبار، يعني أن القاضي يجب أن يكون في الهيبة و الوقار بحيث لا يسمح للخصمين أن يحاولا اختباره فيما إذا كان يقبل الرشوة بالمال أو بإظهار المحبة و الاحترام، و جاء في شرح ابن أبي الحديد:تجعله ماحكا أي لجوج، محك الرجل:لج، ماحك زيد عمرا:لاجه، يعني:يجب أن يكون عليه من صفات الهيبة و الوقار بحيث لم يجرؤ الطرفان المتخاصمان أن‏يلجا في حكمه أو يناقشاه.

4 ـ «و لا يتمادى في الزلة».

إذا أخطأ القاضي في حكمه و أحس بالخطأ فعليه أن لا يصر و لا يستمر عليه، بل عليه الاعتراف و عدم التمادي لأن ذلك يؤدي به إلى مجانبة الحق و العدل.

5 ـ «و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحق إذا عرفه».

يحصر:أي يعيا في المنطق، و الفي‏ء:الرجوع إلى الحق، يعني يجب أن يكون القاضي صريحا في عودته إلى الحق إذا عرفه دون تردد أو شك كي يحق الحق و يبطل الباطل.

6 ـ «و لا تشرف نفسه على طمع».

يجب أن لا يشغل نفسه بالنظر إلى ما في أيدي الناس، و أن لا يكون من أهل الطمع، فهو ذو مقام عال استلهمه من الخالق العزيز للحكم بين الناس، لذا يجب عليه الحفاظ على هذا المقام و أن لا ينزل به إلى مستوى منحط، إلى المادة و طمع الدنيا.

7 ـ «و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه».

يجب على القاضي التروي في الحكم و أن لا يقضي بسرعة و بأدنى فهم، لأن ذلك يؤدي به إلى الخطأ و الزلل، فعليه أن يناقش القضية من كل جوانبه، و يسمع من الخصمين سماعا دقيق، كي تتضح المسألة لديه و يحكم على أساسها.

8 ـ «و أوقفهم في الشبهات».

الشبهات:ما لا يتضح الحكم فيه بالنص، و فيها ينبغي الوقوف على القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح، فعلاوة على كون القاضي أفضل الرعية فعليه أيضا أن يتوقف عند الشبهة، و أن لا يأخذه الغرور بما لديه من المعلومات، و أن لا يعتبر السؤال و المشاورة عيبا و عارا عليه، بل العيب و العار هو التكبر و الغرور و الوقوع في مزالق الباطل.

9 ـ «و آخذهم بالحجج».

أي عليه الاعتماد على الدليل و البرهان، و أن يحكم على أساس الحجج و القوانين و الأحكام و لا يكتفي بما يتصوره في ذهنه و حسب.

10 ـ «و أقلهم تبرما بمراجعة الخصم».

التبرم:الملل و الضجر، حيث ينبغي أن يكون القاضي أقل الناس تضجرا من الطرفين المتنازعين، و أن يكون متحملا صبورا في الإصغاء للخصمين حتى تنتهي الدعوى و لا يمل من كلامهما.

11 ـ «و أصبرهم على تكشف الامور».

يجب أن يكون القاضي أكثر الناس صبر، و ذلك لأجل كشف الحقائق و تجليه، و أن لا يقطع بالحكم حتى تتبين له كل مطالب القضية، و لا يكتفي بتقرير إجمالي لها و حسب.

12 ـ «و أصرمهم عند اتضاح الحكم».

أصرمهم:أي أقطعهم للخصومة و أمضاهم، فإن اتضح الأمر، عليه أن يكون قاطعا حاسما في اتخاذ القرار، و أن لا يؤجله و يسوفه جاعلا الناس في حيرة.

13 ـ «ممن لا يزدهية إطراء».

لا يزدهيه إطراء:أي لا يستخفه زيادة الثناء عليه، فعليه أن لا يشعر بالكبر و الزهو لما يسمعه من إطراء و مدح الآخرين.

14 ـ «و لا يستميله إغراء».

على القاضي أن لا يحكم وفقا للمغريات التي يقدمها أحد طرفي النزاع و لا تنطلي عليه حيلة أحد الطرفين بحيث يستهويه و يحكم له.

من الطبيعي أن وجود قاض تتمثل به هذه الصفات القيمة يعد نادرا و قليل، و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام:«و اولئك قليل». (17)

واجب رئيس القضاء تجاه القضاة في عهده عليه السلام

ليس من وجهة نظر أمير المؤمنين عليه السلام أن يترك القاضي بمجرد تعيينه و حسب، و أن لا يخضع للمراقبة و الفحص و الاختبار من قبل رئيس القضاء أو رئيس الدولة، و في عهده عليه السلام إلى مالك الأشتر رحمهم الله أوصاه بالقضاة من جانبين:

الأول:مراقبة القاضي من حيث الأحكام الصادرة.

الثاني:متابعة الوضع المادي و المعنوي للقاضي، يقول عليه السلام استمرارا لنفس العهد :

1 ـ «ثم أكثر تعاهد قضائه».

أي تتبعه بالاستكشاف و التعرف، فإنك يا مالك بعد أن عينت القاضي، عليك أن تراقبه و تتابعه و تناقش قضاياه التي حكم به، لأن القاضي قد يخط، فرئيس القضاء يجب أن يناقش القضية، و إن اكتشف أدنى خلاف فيها عليه إعادتها إلى القاضي ليستأنف الحكم.

2 ـ «و افسح له في البذل ما يزيل علته».

أي أوسع له في العطاء بما يكفيه، و يسد حاجاته، و حاجات و متطلبات بيته و عائلته، كي لا يكون ممن ينظر إلى ما في أيدي الناس، و لا تغره الرشوة، و لكي تكون لك الحجة عليه إذا ارتشى.

3 ـ «و تقل معه حاجته إلى الناس».

فإذا أجزلت له العطاء الكافي كفيته من حاجة الناس، حتى لا يكون متحيزا في إصدار الحكم لأحد.

4 ـ «و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك».

لا يتوقف الإمام عليه السلام عند حد كفاية القاضي من الناحية المادية فقط، بل يتعداه‏إلى الناحية المعنوية، إذ يجب على رئيس الدولة أو رئيس القضاء أن يجعل للقاضي مكانة لديه، لكي لا يكون هدفا لسعاية الآخرين، و لكي يتمكن من تنفيذ الأحكام الحقة، و لا يطمع الآخرون به، و إلا فإن المحيطين برئيس القضاء أو برئيس الدولة سيطلبون منه أن يحكم لصالحهم، و إنه سيعمل ذلك من فرط الخوف.

ثم في نهاية هذه الفقرة الخاصة في القضاء من هذا العهد قال:«فانظر في ذلك نظرا بليغ، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى و تطلب به الدنيا». (18)

سيرته عليه السلام مع القضاة

نذكر فيما يلي نبذة من مخالفات القضاة و موقف علي عليه السلام تجاههم حتى يعرف القراء الكرام أن علمه عليه السلام كقوله سواء.

في (شرح ابن أبي الحديد) و في (فرائد السمطين) عن عبد الله بن عمر، قال:استعدى رجل على علي بن أبي طالب عليه السلام عمر بن الخطاب، و علي جالس، فالتفت عمر إليه، فقال:قم يا أبا الحسن، فاجلس مع خصمك، فقام فجلس معه و تناظر، ثم انصرف الرجل و رجع علي عليه السلام إلى محله فتبين عمر التغير في وجهه، فقال:يا أبا الحسن، مالي أراك متغير، أكرهت ما كان؟قال عليه السلام:«نعم».

قال عمر:و ما ذاك.

قال عليه السلام:«كنيتني بحضرة خصمي، هلا قلت:قم يا علي، فاجلس مع خصمك»فاعتنق عمر عليا و جعل يقبل وجهه، و قال:بأبي أنتم!بكم هدانا الله، و بكم أخرجنا من الظلمة إلى النور. (19)

و قال ابن الإخوة:يحكى أن علي بن أبي طالب عليه السلام ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة من نهار ثم عزله.فقال له:لم عزلتني فو الله ما خنت و لا خونت؟.قال عليه السلام :«بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك». (20)

فعلى الولاة و رؤساء القضاء في الحكومات الإسلامية الاقتداء بهدي إمامهم علي عليه السلام و السير بسيرته، و أن يراقبوا جهاز القضاء مراقبة دقيقة، و يتحروا عن القائمين عليه، كي لا يتعسفوا في الحكم على المتخاصمين و لا يرهبوا المراجعين أو يعنفوهم، و إذا علموا بتخلف موظفيهم، و نجوهم أو عزلوهم لكي تحافظ الحكومة على مسير الحق و العدل.

حكى الشعبي، قال:اشترى شريح القاضي دارا بثمانين دينار، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فاستدعاه، فقال له:يابن الحارث، بلغني أنك اشتريت دارا بكذا و كذ، و أشهدت على نفسك شهود، و كتبت كتابا؟

فقال:قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، فنظر إليه نظر المغضب، ثم قال:يا شريح، إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك حتى يخرجك منها شاخص، و يسلمك إلى قرارك خالص، فاحذر أن تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك، أو نقدت الثمن من غير حلالك، فاذن خسرت الدنيا و الآخرة...الحديث . (21)

علي عليه السلام و قضاياه في مدى عمره الشريف

لقد قضى علي عليه السلام في مدى عمره الشريف الميمون بقضايا كثيرة و لم نشر إلا إلى نزر منه، و لكي لا تختلط على القارى‏ء الكريم، فقد سعينا إلى فصلها و تقسيمها إلى أربعة مباحث:

1 ـ قضاؤه في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله.

2 ـ قضاؤه في عهد عمر بن الخطاب.

3 ـ قضاؤه في عهد عثمان بن عفان.

4 ـ قضاؤه في خلافته.

قضاؤه في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله

قضاؤه عليه السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله حتى مع حضوره، من أدل الشواهد على أن عليا عليه السلام مؤيدا من عند الله، و أنه يليق بإمامة الامة بعد النبي صلى الله عليه و آله، بل إنه أليق من جميع الصحابة بالخلافة و الامامة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله.

و قد روى العلامة محب الدين الطبري و القندوزي و الأمر تسري، عن حميد بن عبد الله بن يزيد، قال:ذكر عند النبي صلى الله عليه و آله قضاء قضى به علي بن أبي طالب، فأعجب النبي صلى الله عليه و آله فقال:«الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت». (22)

و قد بعثه رسول الله صلى الله عليه و آله قاضيا على اليمن ثقة في قضائه، لأنه أقضى الأمة و أعلمه، ففي رواية ابن المغازلي باسناده عن عمرو بن حبشي، عن علي عليه السلام، قال:«بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله إلى اليمن، فقلت:يا رسول الله، تبعثني إلى قوم شيوخ ذوي أسنان، و إني أخاف أن لا اصيب، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله:إن الله يثبت لسانك و يهدي قلبك».

و بالاسناد عن أبي البختري، عن علي عليه السلام، قال:«بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله إلى اليمن لأقضي بينهم.قال:فقلت:يا رسول الله، إني لا علم لي بالقضاء، فضرب يده على صدري و قال:اللهم اهد قلبه، و ثبت لسانه.قال:فما شككت في قضاء بين اثنين حتى جلست مجلسي هذا». (23)

إعجاب النبي صلى الله عليه و آله بقضاء علي

روى الطبراني في (المعجم الكبير) بالاسناد عن زيد بن أرقم، قال:كنت عندالنبي صلى الله عليه و آله، إذ جاءه كتاب من علي عليه السلام فيه:أن ثلاثة نفر أتوني يختصمون في غلام وطئوا أمه في الجاهلية في طهر واحد، كلهم يدعيه أنه ابنه، فقضيت بينهم أن أقرعت بينهم، و جعلته للقارع منهم على أن يغرم للآخرين ثلثي الدية، فضحك النبي صلى الله عليه و آله حتى بدانا جذاه، ثم قال:«لا أعلم فيها إلا ما قضى علي». (24)

قضاؤه في واقعة ثلاثة سقطوا عن الزبية (25)

روى أحمد بن حنبل في (المسند) و غيره، بالاسناد عن سماك، عن حنش، عن علي عليه السلام، قال :بعثني رسول الله صلى الله عليه و آله إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد فبينا هم كذلك يتدافعون، إذ سقط رجل، فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، و ماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلو، فأتاهم علي عليه السلام فقال:تريدون أن تقاتلوا و رسول الله صلى الله عليه و آله حي!إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، و إلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه و آله فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، و ثلث الدية، و نصف الدية، و الدية كاملة، فللأول الربع لأنه هلك من خوفه، و للثاني ثلث الدية، و للثالث نصف الدية، فأبوا أن يرضوا.

فأتوا النبي صلى الله عليه و آله و هو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فقال:أنا أقضي بينكم، و احتبى.فقال رجل من القوم:إن عليا قضى فين، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلى الله عليه و آله. (26)

قضاؤه عليه السلام في عهد عمر بن الخطاب

أما قضاياه عليه السلام في عهد خلافة عمر بن الخطاب فكثيرة جد، حيث كان عمر بن الخطاب يرجع إلى علي بن أبي طالب عليه السلام عند ما يصعب عليه القضاء على مدى حكومته، و كثيرا ما نراه بعد كشف المعضلة يرفع صوته:لو لا علي لهلك عمر، لو لا علي لافتضحنا.

روى ابن عساكر الشافعي في تاريخه، عن سعيد بن المسيب، قال:قال عمر بن الخطاب:أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن علي بن أبي طالب. (27)

و روى ابن عبد البر في (الاستيعاب) عن سعيد، نحوه. (28)

و روى عن أبي سعيد الخدري أنه سمع عمر يقول لعلي عليه السلام، و قد سأله عن شي‏ء فأجابه، فقال له عمر:نعوذ بالله من أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. (29)

و فيما يلي بعض الموارد التي اخترناها كنماذج لقضائه عليه السلام في عهد عمر، و لو جمعناها كلها لأصبحت رسالة مستقلة.

امرأة معتوهة زنت

روى أحمد بن حنبل في باب فضائل علي عليه السلام و محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) بسنديهما عن أبي ظبيان الحبشي:أن عمر بن الخطاب اتي بامرأة قد زنت، فأمر برجمه، فذهبوا ليرجموه، فرآهم علي في الطريق، فقال:«ما شأن هذه»فأخبروه فخلى سبيله، ثم جاء إلى عمر، فقال له عمر:لم رددتها؟

فقال:«لأنها معتوهة آل فلان (30) ، و قد قال رسول الله صلى الله عليه و آله:رفع القلم عن ثلاث:عن النائم حتى يستيقظ، و الصبي حتى يحتلم، و المجنون حتى يفيق».

فقال عمر:لو لا علي لهلك عمر. (31)

و روى العلامة الهندي في (كنز العمال) عن ابن عباس، نحوه. (32)

امرأة تعترف بالزنى خوفا

روى الجويني و الخوارزمي بسندهما عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال:لما كان في ولاية عمر، اتي بامرأة حامل، سألها عمر عن ذلك، فاعترفت بالفجور، فأمر عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب، فقال:«ما بال هذه المرأة؟».

فقالوا:أمر بها عمر أن ترجم.فردها علي عليه السلام فقال له:«أمرت بها أن ترجم»؟فقال :نعم، اعترفت عندي بالفجور.

فقال:«هذا سلطانك عليه، فما سلطانك على ما في بطنها؟»ثم قال له علي عليه السلام:«فلعلك انتهرتها أو أخفتها؟».فقال عمر:قد كان ذلك.

قال علي عليه السلام«أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:لا حد على معترف بعد بلاء، إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار لها» فخلى عمر سبيله، ثم قال: عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب، لو لا علي لهلك عمر. (33)

امرأة زنت و هي حبلى

روى الحافظ محب الدين الطبري، و الكنجي:أنه دخل علي على عمر و إذا امرأةحبلى تقاد ترجم .فقال:«ما شأن هذه»، قالت:يذهبون بي ليرجموني.

فقال:«يا أمير المؤمنين، لأي شي‏ء ترجم؟إن كان لك سلطان عليه، فما لك سلطان على ما في بطنها».

فقال عمر:كل أحد أفقه مني ـ ثلاث مرات ـ فضمنها علي عليه السلام حتى وضعت غلام، ثم ذهب بها إليه فرجمها. (34)

امرأة تحتال على شاب من الأنصار

روى ابن القيم الجوزية بسنده:أنه اتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار و كانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفرته، و صبت البياض على ثوبها و بين فخذيه، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت:هذا الرجل غلبني على نفسي و فضحني في أهلي، و هذا أثر فعاله.

فسأل عمر النساء فقلن له:إن ببدنها و ثوبها أثر المني، فهم بعقوبة الشاب، فجعل يستغيث و يقول:يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فو الله ما أتيت فاحشة، و ما هممت به، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت.

فقال عمر:يا أبا الحسن، ما ترى في أمرهما؟فنظر علي عليه السلام إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه و اشتمه و ذاقه، فعرف طعم البيض و زجر المرأة فاعترفت. (35)

امرأة زنت و هي مضطرة

روى ابن القيم الجوزية:أن عمر بن الخطاب اتي بامرأة زنت فأقرت، فأمر برجمه، فقال علي عليه السلام:«لعل بها عذرا».ثم قال لها:«ما حملك على الزنا؟».

قالت:كان لي خليط و في إبله ماء و لبن، و لم يكن في إبلي ماء و لا لبن، فظمئت فاستسقيته، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاث، فلما ظمئت و ظننت أن نفسي ستخرج، أعطيته الذي أراد، فسقاني.

فقال علي:«الله أكبر، فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم». (36)

و في (كنز العمال) عن ام كلثوم ابنة أبي بكر، أن عمر بن الخطاب كان يعس (37) بالمدينة ذات ليلة، فرأى رجلا و امرأة على فاحشة، فلما أصبح، قال للناس:أرأيتم أن إماما رأى رجلا و امرأة على فاحشة، فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين؟، قالوا:إنما أنت إمام، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام:ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهداء، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم، فقال القوم مثل مقالتهم الاولى، و قال علي عليه السلام مثل مقالته. (38)

رجل أقطع اليد و الرجل و قد سرق

روى البيهقي و العلامة الهندي عن عبد الرحمن بن عائذ، قال:اتي عمر بن الخطاب برجل أقطع اليد و الرجل قد سرق (39) ، فأمر به عمر أن تقطع رجله.

فقال علي عليه السلام:«إنما قال الله عز و جل: (إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف) (40) ، فقد قطعت يد هذا و رجله، فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليه، و السارق ليس أسوء حالا من المرتد إما أن تعزره و إما أن تستودعه السجن»فاستودعه عمر السجن. (41)

رجل أسود و امرأة سوداء و ولدهما أحمر

روى ابن القيم الجوزية بسنده:أنه اتي عمر بن الخطاب برجل أسود و معه امرأة سوداء، فقال :يا أمير المؤمنين، إني أغرس غرسا أسود، و هذه سوداء على ما ترى، فقد أتتني بولد أحمر.

فقالت المرأة:و الله يا أمير المؤمنين ما خنته، و إنه لولده.فبقي عمر لا يدري ما يقول :فسأل عن ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال للأسود:«إن سألتك عن شي‏ء أتصدقني؟»قال :أجل، و الله.

قال:«هل واقعت امرأتك و هي حائض؟».قال:قد كان ذلك.

قال علي عليه السلام:«الله أكبر، إن النطفة إذا خلطت بالدم فخلق الله عز و جل منها خلقا كان أحمر، فلا تنكر ولدك فأنت جنيت على نفسك». (42)

أمانة رجلين عند امرأة

روى ابن الجوزي و محب الدين الطبري و سبط ابن الجوزي و الخوارزمي، عن حنش بن المعتمر، قال :إن رجلين أتيا امرأة من قريش، فاستودعاها مائة دينار، و قالا:لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع، فلبثا حول، ثم جاء أحدهما إليه، و قال:إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير، فأبت، فثقل عليها بأهله، فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه، ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال:ادفعي إلي الدنانير.فقالت:إن صاحبك جاءني، و زعم أنك قد مت فدفعتها إليه.فاختصما إلى عمر، فأراد أن يقضي عليه، و قال لها:ما أراك إلا ضامنة، فقالت:أنشدك الله أن‏تقضي بينن، و ارفعنا إلى علي بن أبي طالب، فرفعها إلى علي، و عرف أنهما قد مكرا به، فقال:«أليس قلتما:لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟».قال:بلى.

قال:«فإن مالك عندن، اذهب فجي‏ء بصاحبك حتى ندفعها إليكما»فبلغ ذلك عمر، فقال:لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب. (43)

إلحاق الولد بأبيه رغم ولادته لسته أشهر

روى الجويني عن أبي الأسود الدؤلي:أن عمر اتي بامرأة وضعت لستة أشهر فهم برجمه، فبلغ ذلك علي، فقال:ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه يسأله، فقال علي عليه السلام: (و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (44) و قال عز و جل: (و حمله و فصاله ثلاثون شهرا) (45) فستة أشهر حمله، و حولين (46) تمام الرضاع، لا حد عليها».

قال:فخلى عنه، ثم ولدت بعد ذلك نساء لستة أشهر. (47)

قضاؤه في عهد عثمان بن عفان

أخرج العاصمي من طريق شيخة أبي بكر محمد بن إسحاق، يرفعه:أن رجلا أتى عثمان بن عفان و هو أمير المؤمنين و بيده جمجمة إنسان ميت، فقال:إنكم تزعمون أن النار تعرض على هذ، و أنه يعذب في القبر، و أنا قد وضعت عليها يدي فلاأحس منها حرارة النار؟فسكت عنه عثمان، و أرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره، فلما أتاه و هو في ملأ من أصحابه، قال للرجل :«أعد المسألة»فأعاده، ثم قال عثمان بن عفان:أجب الرجل عنها يا أبا الحسن.

فقال علي عليه السلام:«إئتوني بزند و حجر»و الرجل السائل و الناس ينظرون إليه، فاتي بهما فأخذهما و قدح منهما النار، ثم قال للرجل:«ضع يدك على الحجر»فوضعها عليه، ثم قال:«ضع يدك على الزند»فوضعها عليه، فقال:«هل أحسست منهما حرارة النار»فبهت الرجل، فقال عثمان:لو لا علي لهلك عثمان.

قال العلامة الأميني (رحمة الله عليه) :نحن لا نرقب من عثمان وليد بيت امية الحيطة بأمثال هذه العلوم التي هي من أسرار الكون، و قد تقاعست عنها معرفة من هو أرقى منه في العلم، فكيف به؟و إنما تقلها عيبة العلوم الإلهية، المتلقاة من المبدأ الأعلى منشى‏ء الكون، و ملقي أسراره فيه، و هو الذي أفحم السائل هاهنا و في كل معضلة أعوز القوم عرفانها. (48)

و أخرج الحفاظ عن بعجة بن عبد الله الجهني، قال:تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له تماما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم، فبلغ عليا عليه السلام فأتاه، فقال :«ما تصنع؟ليس ذلك عليه، قال الله تبارك تعالى: (و حمله و فصاله ثلاثون شهرا) (49) و قال: (و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) (50) فالرضاعة أربعة و عشرون شهر، و الحمل ستة أشهر».

فقال عثمان:و الله ما فطنت لهذ، فأمر بها عثمان أن ترد، فوجدت قد رجمت، و كان من قولها لاختها:يا اخية لا تحزني فو الله ما كشف فرجي أحد قط غيره، قال:فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به، و كان أشبه الناس به، و قال:فرأيت الرجل‏بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه. (51)

قضاياه في حكومته عليه السلام

قضاياه عليه السلام و أحكامه الغريبة التي قضى بها في أيام خلافته و التي لم يقض بها أحد قبله، كثيرة جدا ذكرها علماء الشيعة و أهل السنة، نقتصر هنا على بعض ما ورد من طرق أهل السنة:

قصة الأرغفة (قضاء رياضي)

روى الحافظ ابن عبد البر و كذا العلامة السيوطي و المولى علي المتقي الهندي و محب الدين الطبري و العلامة الصفوري الشافعي و ابن حجر العسقلاني و المحدث البدخشي و القندوزي كلهم بسندهم عن زر بن حبيش و كذا علماء الخاصة في كتبهم رووا بأسانيدهم قالوا:

جلس رجلان يتغديان، مع أحدهما خمسة أرغفة خبز، و مع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم، فقالا:اجلس للغداء، فجلس و أكل مهم، و استووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل و طرح إليهما ثمانية دراهم، و قال:خذا هذا عوضا مما أكلت، منكم، و نلت من طعامكم، فتنازعا فقال صاحب الأرغفة الخمسة:لي خمسة دراهم، و لك ثلاثة.

فقال صاحب الأرغفة الثلاثة:لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقصا عليه قصتهم، فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة :«قد عرض عليك صاحبك ما عرض، و خبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة».فقال:لا و الله لا رضيت منه إلا بمر الحق.فقال علي عليه السلام:«ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد و له سبعة» .

فقال الرجل:سبحان الله ـ يا أمير المؤمنين ـ هو يعرض علي ثلاثة فلم أرض، و أشرت علي بأخذها فلم أرض، و تقول لي الآن:«إنه لا يجب لك في مر الحق إلا درهم واحد؟!»فقال له علي عليه السلام:«عرض عليك الثلاثة صلح، فقلت:لم أرض إلا بمر الحق، و لا يجب لك بمر الحق إلا واحد» .

فقال الرجل:فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله.

فقال علي عليه السلام:«أليس للثمانية الأرغفة أربعة و عشرين ثلث، أكلتموها و أنتم ثلاثة أنفس، و لا يعلم الأكثر أكلا منكم و لا الأقل، فتحملون في أكلكم على السواء؟»قال:بلى.

قال:«فأكلت أنت ثمانية أثلاث، و إنما لك تسعة أثلاث، و أكل صاحبك ثمانية أثلاث و له خمسة عشر ثلث، أكل منها ثمانية، و يبقى له سبعة، و أكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، و له سبعة بسبعته».

فقال الرجل:رضيت الآن. (52)

فهذه المسألة لو أجاب عنها أمهر رجل في الحساب بعد طول الفكرة و الروية و أصاب فيها لكان له الفخر.

قضاؤه في مسألة رياضية اخرى

في كتاب (التكامل في الإسلام) لأحمد أمين:أن سبعة عشر جملا كانت مشتركة بين ثلاثة أشخاص، فجاؤوا عليا عليه السلام و قالوا:إن نصف هذه الجمال لأحدن، و ثلثهالآخر، و تسعها لثالثن، و نريد أن تقسمها بيننا على أن لا يبقى باق؟

فدعا علي عليه السلام بجمل له و أضافه إلى الجمال فكانت 18 جمل، فأعطى نصف الجمال:إلى من له النصف، أي أعطاه 9 جمال، و أعطى ثلث الثمانية عشر إلى من كان له الثلث، أي اعطاه 6 جمال، و أعطى تسع الثمانية عشر إلى من كان له التسع، أي أعطاه جملين (9+6+17 2) ثم أرجع الجمل الذي أضافه إلى بيته. (53)

أقول:قد يستغرب الشخص لأول و هلة عندما يلاحظ هذا الحل، و ذلك لأن من كان له النصف يستحق 2/1/8 من الجمال.و من كان له الثلث يستحق 3/2/5 من الجمال.و من كان له التسع يستحق 9/8/1 من الجمال.و المجموع 16 جملا و جزء من ثمانية عشر جزءا من جمل: (2/1/8+3/2/5+9/8/18 1/1/16) فبقي إذن 18/17 من جمل واحد لم يوزع بين الشركاء، و لا يخفى و هو 18/17 من جمل واحد ـ يجب أن يوزع بين الشركاء أيضا. (54)

في تفريق المتهمين

روى العلامة محمد بن طلحة الشافعي، قال:إن سبعة أنفس خرجوا من الكوفة مسافرين، فغابوا مدة، ثم عادوا و قد فقد منهم واحد، فجاءت امرأة إلى علي عليه السلام، فقالت:يا أمير المؤمنين، إن زوجي سافر هو و جماعة و عادوا دونه، فأتيتهم، و سألتهم عنه فلم يخبروني بحاله، و قد اتهمتهم بقتله، و أسألك إحضارهم و استكشاف حالهم، فاحضرهم عليه السلام و فرقهم، و أقام كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد، و وكل به رجلا يمنع أن يقرب منه أحد ليحادثه.

ثم استدعى واحدا فحدثه و سأله عن حال الرجل فأنكر، فلما أنكر رفع‏علي عليه السلام صوته بالتكبير، و قال:«الله أكبر»، فلما سمع الباقون صوت علي عليه السلام مرتفعا بالتكبير اعتقدوا أن رفيقهم قد أقر، و حكى لعلي عليه السلام صورة الحال.

ثم استدعاهم واحدا واحدا فأقروا بقتله بناء على أن صاحبهم قد أخبر عليا عليه السلام بما فعلوه، فلما أقروا بذلك، قال الأول:يا أمير المؤمنين، هؤلاء قد أقروا و ما أنا أقررت .

قال له عليه السلام:«هؤلاء رفاقك قد شهدوا عليك، فما ينفعك إنكارك بعد شهادتهم»فاعترف أنه شاركهم في قتله، فلما تكمل اعترافهم أقام عليهم حكم الله تعالى و قتلهم به، فكان ذلك من عجائب فهمه و غرائب علمه. (55)

إلحاقه المرأة بالرجال

روى الخوارزمي و سبط ابن الجوزي و غيرهما بالاسناد عن شريح، قال:إنه تقدمت إليه أمرة فقالت، أيها القاضي، إني جئتك مخاصمة.فقال:فأين خصمك؟قالت:أنت، فأخلى لها المجلس، و قال لها:تكلمي، فقالت:أية امرأة لها إحليل و لها فرج؟

فقال:قد كان لأمير المؤمنين عليه السلام في ذا قصة، و ورث من حيث جاء البول ـ و كان شريح قاضي علي بن أبي طالب عليه السلام ـ فقالت:إنه يجي‏ء منهما جميعا؟

فقال لها:من أين يسبق البول؟فقالت:ليس شي‏ء منهما يسبق، يخرجان في وقت و ينقطعان في وقت واحد.

فقال:إنك تخبرني بعجب!فقالت:أقول أعجب من ذلك، تزوجني ابن عم لي، و أخدمني خادمة فوطئتها فأولدته، و إنما جئتك لما أولدتها.

فقام شريح عن مجلس القضاء، فدخل على علي عليه السلام، فأخبره بما قالت المرأة، فأمر بها علي عليه السلام فأدخلت، فسألها عما قال القاضي، فقالت:يا أمير المؤمنين، هو الذي‏قال، فأحضر زوجه، فقال:هذه زوجتك و ابنة عمك؟قال:نعم يا أمير المؤمنين.

قال:أفعلمت ما كان؟قال:نعم، أخدمتها خادما فوطئتها فأولدته، و وطئتها بعد ذلك.

فقال له علي عليه السلام:لأنت أجسر من الأسد، جيئوني بدينار الخادم (56)  ـ و كان معدل ـ و امرأتين، فقال علي عليه السلام:خذوا هذه المرأة، فأدخلوها إلى بيت، فألبسوها ثياب، و جردوها من ثيابه، و عدوا أضلاع جنبيها.

ففعلوا ذلك ثم خرجوا إليه، فقالوا:يا أمير المؤمنين، عدد أضلاع الجانب الأيمن ثمانية عشر ضلع، و عدد الجانب الأيسر سبعة عشر ضلع، فدعا الحجام فأخذ شعره، و أعطاها حذاء و رداء، و ألحقها بالرجال.

فقال الزوج:يا أمير المؤمنين، امرأتي ابنة عمي، ألحقتها بالرجال، ممن أخذت هذه القضية؟فقال له علي عليه السلام:إني ورثتها من أبي آدم، إن حواء خلقت من آدم، فأضلاع الرجال أقل من أضلاع النساء، و عدد أضلاعها أضلاع رجل، فاخرجوا. (57)

 

تعليقات:

1.الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص .34

2.أخبار القضاة، ج 1، ص 88، و المعجم الصغير للطبراني، ص 115، نقلا عن الاحقاق، ج 4، ص .321

3.التبصير في الدين للاسفراييني، ص 161 نقلا عن المصدر السابق.

4.مصابيح السنة، ج 2، ص 203 نقلا عن المصدر السابق.

5.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، و ص 28، ح 1054، ص 32، ح .1062

6.المصدر السابق، ج 3، ص 35، ح .1066

7.المصدر السابق، ج 3، ص 35، ح .1067

8.المصدر السابق، ج 3، ص 38، ح .1069

9.الطبقات لابن سعد، ج 2، ص .339

10.المستدرك للحاكم النيشابوري، ج 3، ص .35

11.في هامش مسند زيد، ص 261، قال:في سيرة صنعاء، كان نزول علي عليه السلام في اليمن على ام سعيد ابنة برزخ، و هي أول من أسلم من أهل اليمن و بنت مسجدا و سمته مسجد علي عليه السلام، و هذا المسجد موجود إلى يومنا هذ، مشهور في سوق الحلقة، و سمي الحلقة لأن أهل اليمن اجتمعوا على علي بن أبي طالب عليه السلام في هذا المحل و حلقوا عليه، و لبث علي عليه السلام بصنعاء أربعين يوم، و دخل أماكن اليمن منها عدن أبين و عدن لاعة من بلاد حجة.

12.السيرة النبوية لزيني دحلان الشافعي بهامش السيرة الحلبية، ج 2، ص .345

13.سنن أبي داود، ج 3، ص 301، ح 3582، و روى عنه المصدر السابق، ج 2، ص .346

14.خصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص 42، ح 32، و فضائل أحمد، ص 152، ح .280

15.المناقب لابن المغازلي، ص 248، رقم .298

16.و هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر ـ و الشتر:استرخاء الجفن الأسفل، و لعل ذلك صفته (ره)  ـ و الأشتر أمير من كبار الشجعان، و كان رئيس قومه، شهد اليرموك و ذهبت عينه فيه، و شهد الجمل و صفين مع علي عليه السلام و أبلى فيهما بلاء حسن، و ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر فقصدها بعد اضطراب الأمر على و اليه، و قد اختاره الإمام عليه السلام لحكومة مصر لماضي مصر العريق في العلم و الفلسفة سيما الفلسفة اليونانية التي كانت تدرس هناك، فهو الرجل المناسب لتطور المجتمع المصري آنذاك لأنه من العلماء الفصحاء، و قد سمه في الطريق إلى مصر (نافع) غلام عثمان بتخطيط من معاوية، إذ أن استقرار حكومته في مصر يعني تصفية الحساب مع و إلى الشام، قال علي عليه السلام حينما بلغه خبر شهادته :«رحم الله مالك، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله»و قال:«إنا لله!مالك و ما مالك!و هل موجود مثل مالك؟لو كان حديدا لكان قيد، و لو كان حجرا لكان صلد، على مثله فلتبك البواكي» ....انظر:الإصابة،  (8343) ، تهذيب التهذيب، 10: .11

17.انظر العهد كاملا في نهج البلاغة، الكتاب .53

18.انظر المصدر السابق.

19.شرح ابن أبي الحديد، ج 17، ص 65، و في فرائد السمطين، ج 1، ص 348، ح 273 مع تفاوت في لفظه .

20.معالم القربة في أحكام الحسبة، ص 203، نقلا عن الإحقاق، ج 8، ص .548

21.تذكرة الخواص، ص .149

22.ذخائر العقبى، ص 85، و ينابيع المودة، ص 75، و أرجح المطالب، ص .328

23.المناقب لابن المغازلي، ص 248، ح 296 إلى .298

24.المعجم الكبير، ج 5، ص 193 ـ  .194

25.الزبية:حفرة في موضع عال تغطى فوهته، فاذا وطئها الأسد وقع فيها.

26.مسند أحمد، ج 1، ص .77

27.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 93، ح 1070 و .1071

28.الاستيعاب بهامش الاصابة، ج 3، ص .39

29.ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 93، ح 1070 و .1071

30.معتوهة:مجنونة.

31.راجع ذخائر العقبى للطبري، ص 81، و الرياض النضرة، ج 3، ص 164، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 707، ح .1209

32.كنز العمال، ج 5، ص 451، ح .13584

33.فرائد السمطين، ج 1، ص 350، رقم 276، المناقب للخوارزمي، ص 39، و في الغدير، ج 6، ص 110 ـ نقله بعينه عن (الرياض النضرة) و (ذخائر العقبى) و (مطالب السؤول) و (الأربعين) للفخر الرازي .

34.الرياض النضرة، ج 3، ص 163، ذخائر العقبى، ص 81، الكفاية، ص .105

35.الطرق الحكمية لابن القيم، ص 47، عن الغدير.

36.الطرق الحكمية، ص 53، نقلا عن الغدير، ج 6، ص 120، رواه في كنز العمال، ج 5، ص 457، ح 13596 عن أبي الضحى مع اختلاف في بعض ألفاظه.

37.يعس:يطوف بالليل يحرس الناس و يكشف أهل الريبة.

38.كنز العمال، ج 5، ص 457، ح .13597

.39 (لعل هذه السرقة في«مرة»ثالثة) .

40.المائدة،  .33

41.في المغني لابن قدامة، ج 10، ص 273، سنن البيهقي، ج 8، ص 274، كنز العمال، ج 3، ص 118 على ما في الغدير، ج 6، ص .136

42.الطرق الحكمية، ص 47، نقلا عن الغدير، ج 6، ص .120

43.الأذكياء لابن الجوزي، ص 18، أخبار الظراف لابن الجوزي، ص 19، نقلا عن الغدير، ج 6، ص 126، الرياض النضرة، ج 3، ص 165، ذخائر العقبى، ص 80، تذكرة الخواص، ص 148، مناقب الخوارزمي، ص .53

44.البقرة،  .233

45.الاحقاف،  .15

46.كذا و الصواب:حولان.

47.فرائد السمطين، ج 1، ص 346، ح 269، و روى في كنز العمال، ج 5، ص 475، ح 13598، نحوه.

48.زين الفتى في شرح هل أتى، للحافظ العاصمي نقلا عن الغدير، ج 8، ص .214

49.الاحقاف،  .15

50.البقرة،  .233

51.أخرجه مالك في الموط، ج 2، ص 176، البيهقي في السنن الكبرى، ج 7، ص 442، السيوطي في الدر المنثور، ج 6، ص .40

52.الإستيعاب بهامش الإصابة، ج 3، ص 41، ذخائر العقبى للطبري، ص 84، نزهة المجالس للصفوري، ج 2، ص 211، تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 142، كنز العمال للعلامة الهندي، ج 5، ص 837، ح 14512 و غيرهم.

53.التكامل في الاسلام لاحمد أمين، ج 4، ص .159

54.ثم أوضح الاستاذ أحمد أمين هذا البحث في 11 صفحة من كتابه في سلسلة مسائل رياضية، و هي خارجة عن إطار الكتاب، و لذا أعرضنا عن توضيحه، و من أراده فليراجع (التكامل في الإسلام لأحمد أمين، ج 4، ص 159 ـ 171.)

55.مطالب السؤول، ص 29، طبع طهران نقلا عن الاحقاق، ج 8، ص .78

56.دينار الخادم:رجل صالح من أهل الكوفة و كان خصيا.

57.المناقب للخوارزمي، ص 101، تذكرة الخواص، ص 148، نور الأبصار، ص 71، الفصول المهمة، ص .35

57.المناقب للخوارزمي، ص 101، تذكرة الخواص، ص 148، نور الأبصار، ص 71، الفصول المهمة، ص .35