الفصل السابع  ـ  في مظلوميته عليه السلام و شهادته

مظلومية علي عليه السلام

لم يحدثنا التاريخ عن مظلوم غصب حقه مثل علي بن أبي طالب عليه السلام، فرغم كل التوصيات التي أوصى بها النبي صلى الله عليه و آله امته و التي يحثهم بها على الاقتداء بعلي عليه السلام، حتى أن ابن مردويه أخرج عن ابن مسعود، قال:كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله:«يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك أن عليا مولى المؤمنين و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس». (1)

رغم هذا و غيره نجد القوم قد تألبوا على الإمام (عليه السلام) بعد رحيل الرسول الأكرم و غصبوه حقه و آذوا زوجته البتول (سلام الله عليها) و انتزعوا منها إرث النبي صلى الله عليه و آله.و هكذا أصبح أسوة العلم و التقوى و الفضيلة و الكمال و هادي الامة بعد نبيها و دليلها إلى النور، جليس بيته لخمس و عشرين سنة، و لم يسمحوا له أن ينير المجتمع البشري بنوره، و أن يرسخ الإسلام المحمدي الأصيل.

نعم، لقد صبر أمير المؤمنين عليه السلام لله، و تحمل كل المظالم و المشاق لأجل بقاء الإسلام و القرآن، و الحافظ على وحدة الامة من التشتت و التمزق، فلنستمع إلى مظلوميته بلسان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و لسانه عليه السلام:

روى الحافظ البخاري، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، قال:قال النبي صلى الله عليه و آله لعلي :«إن الامة ستغدر بك». (2)

روى الحاكم النيشابوري، عن حيان الأسدي، قال:سمعت عليا يقول:«قال لي‏رسول الله صلى الله عليه و آله:إن الامة ستغدر بك بعدي، و أنت تعيش على ملتي، و تقتل على سنتي، من أحبك أحبني، و من أبغضك أبغضني، و إن هذه ستخضب من هذا»يعني لحيته من رأسه (3)

و عنه أيضا بسنده عن زيد بن وهب، قال:قدم على علي عليه السلام وفد من أهل البصرة، و فيهم رجل من الخوارج يقال له:الجعد بن نعجة، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي صلى الله عليه و آله، ثم قال:إتق الله يا علي!فإنك ميت، فقال علي عليه السلام:«ل، و لكني مقتول ضربة على هذا تخضب هذه ـ قال:و أشار علي إلى رأسه و لحيته بيده ـ قضاء مقضي و عهد معهود، و قد خاب من افترى».ثم عاب عليا في لباسه، فقال:لو لبست لباسا خيرا من هذا.فقال عليه السلام :«إن لباسي هذا أبعد لي من الكبر، و أجدر أن يقتدي بي المسلمون». (4)

المنافقون يصبون ما أضمروه من الضغائن أيام النبي على علي

قال ابن أبي الحديد:و اعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه و آله بسيف علي عليه السلام و بسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم و سنتهم و عادتهم أن تعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده (5) ، و هذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل، فإن مات أو تعذر عليها مطالبته، طالبت بها أمثل الناس من أهله.إلى أن قال:سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد فقلت له:إني لأعجب‏من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و كيف ما اغتيل و فتك به في جوف منزله، مع تلظي الأكباد عليه؟!

فقال:لو لا أنه أرغم أنفه بالتراب، و وضع خده في حضيض الأرض لقتل، و لكنه أخمل نفسه و اشتغل بالعبادة و الصلاة و النظر في القرآن، و خرج عن ذلك الزي الأول، و ذلك الشعار، و نسي السيف، و صار كالفاتك يتوب و يصير سائحا في الأرض، أو راهبا في الجبال، و لما أطاع القوم الذين ولوا الأمر تركوه و سكتوا عنه، و لم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولى الأمر، و باطن في السر منه، فلما لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع الإمساك عنه، و لو لا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين. (6)

في تفصيل مظلوميته عليه السلام

قال عليه السلام في خطبة له:«فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى، و شربت على الشجى، و صبرت على أخذ الكظم، و على أمر من طعم العلقم». (7)

إن هذه الفقرات من كلامه عليه السلام حكاية لحاله الذي كان هو عليه بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله، و ما جرى عليه من الظلم و الجور في اغتصاب الحق الذي كان له عليه السلام.

فأشار إلى أنه فكر في أمر المقاومة و الدفاع عن الحق الذي يرى أنه أولى به، فرآى أنه لا ناصر له إلا أهل بيته، و هم قليلون بالنسبة إلى من لا يعينه، بل و يعين مخالفه.

فإنه لم يكن له إلا بنو هاشم كالعباس و بنيه، و أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و من يخصهم، و ضعفهم و قلتهم عن مقاومة جمهور الصحابة ظاهر، فضن بهم عن الموت، لعلمه أنه لو قاوم بهم لقتلو، ثم لا يحصل على مراده، و لذا قال ما قال في الخطبة.

مظلوميته عليه السلام بعد رحلة رسول الله صلى الله عليه و آله

قال الشارح المعتزلي:إختلفت الروايات في قصة السقيفة، فالذي تقوله الشيعة ـ و قد قال قوم من المحدثين بعضه و روواه كثيرا منه ـ :إن عليا عليه السلام امتنع من البيعة حتى اخرج كره، و إن الزبير بن العوام امتنع من البيعة، و قال:لا ابايع إلا عليا عليه السلام، و كذلك أبو سفيان بن حرب، و خالد بن سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس، و العباس بن عبد المطلب و بنوه، و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و جميع بني هاشم.

و قالوا:إن الزبير شهر سيفه، فلما جاء عمر و معه جماعة من الأنصار و غيرهم، قال في جملة ما قال:خذوا سيف هذ، فاضربوا به الحجر.

و يقال:إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجرا فكسره، و ساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر، فحملهم على بيعته، و لم يتخلف إلا علي عليه السلام وحده، فإنه اعتصم ببيت فاطمة عليها السلام، فتحاموا إخراجه منه قسر، و قامت فاطمة إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه، فتفرقوا و علموا أنه بمفرده لا يضر شيئ، فتركوه.

و قيل:إنهم أخرجوه فيمن اخرج و حمل إلى أبي بكر فبايعه، إلى أن قال:فأما حديث التحريق و ما جرى مجراه من الامور الفظيعة، و قول من قال:إنهم أخذوا عليا عليه السلام يقاد بعمامته و الناس حوله، فأمر بعيد، و الشيعة تنفرد به، على أن جماعة من أهل الحديث قد رووه و سنذكر ذلك. (8)

و قال في موضع آخر من كتابه:فأما الامور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة، و إنه ضربها بالسوط فصار في عضدهاكالدملج، و بقي أثره إلى أن ماتت، و إن عمر ضغطها بين الباب و الجدار فصاحت:«يا أبتاه، يا رسول الله»و ألقت جنينا ميت، و جعل في عنق علي عليه السلام حبل يقاد به، و هو يعتل، و فاطمة خلفه تصرخ و تنادي بالويل و الثبور، و ابناه حسن و حسين معهما يبكيان، و إن عليا لما احضر سلموه البيعة، فامتنع، فتهدد بالقتل، فقال:«إذن تقتلون عبد الله، و أخا رسول الله!!».

فقالوا:أما عبد الله فنعم، و أما أخو رسول الله فل، و إنه طعن في أوجههم بالنفاق، و سطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليه، و بأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه و آله ليلة العقبة.

قال ابن أبي الحديد:فكله لا أصل له عند أصحابن، و لا يثبته أحد منهم، و لا رواه أهل الحديث و لا يعرفونه، و إنما هو شي تنفرد الشيعة بنقله. (9)

أقول:العجب من ابن أبي الحديد كيف ينكر حديث التحريق و ما بعده، و يزعم أنه مما انفردت به الشيعة، مع رواية الجوهري له، و كونه من الثقات المأمونين عند ابن أبي الحديد (10) ، و رواه غير واحد من رواتهم أيضا مطابقا لما روته الشيعة.

فممن رواه عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال:لما بويع لأبي بكر كان الزبير و المقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي عليه السلام، و هو في بيت فاطمة، فيتشاورون و يتراجعون امورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة عليها السلام و قال:يا بنت رسول الله، ما من أحد من الخلق أحب إلينا منك بعد أبيك، و ايم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم.

فلما خرج عمر جاؤوه، فقالت:«تعلمون أن عمر جاءني، و حلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت، و ايم الله ليمضين لما حلف له، فانصرفوا عنا راشدين»فلم يرجعوا إلى بيته، و ذهبوا فبايعوا لأبي بكر. (11)

و روى ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري أيض، قال:و كثر الناس على أبي بكر، فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، و اجتمعت بنو هاشم إلى بيت علي بن أبي طالب، و معهم الزبير، و كان يعد نفسه رجلا من بني هاشم، كان علي يقول:«ما زال الزبير منا أهل البيت، حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا».

و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان، و اجتمعت بنو زهرة إلى سعد و عبد الرحمن، فأقبل عمر إليهم و أبو عبيدة، فقال:مالي أراكم ملتاثين؟قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس، و بايعه الأنصار.فقام عثمان و من معه، و قام سعد و عبد الرحمن و من معهم، فبايعوا أبا بكر .

و ذهب عمر و معه عصابة إلى بيت فاطمة، منهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم، فقال لهم:انطلقوا فبايعو، فأبوا عليه، و خرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر:عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به و بعلي و معهما بنو هاشم، و علي يقول:أنا عبد الله و أخو رسول الله صلى الله عليه و آله، حتى انتهؤا به إلى أبي بكر، فقيل له:بايع، فقال:أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، و سلموا إليكم الإمارة، و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار.فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، و اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، و إلا فبؤوا بالظلم و أنتم تعلمون.

فقال عمر:إنك لست متروكا حتى تبايع.فقال له علي:احلب يا عمر حلبا لك شطره!اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا!ألا و الله لا أقبل قولك و لا أبايعه.إلى‏أن قال:فقال علي:يا معشر المهاجرين، الله الله!لا تخرجوا سلطان محمد عن داره و بيته إلى بيوتكم و دوركم، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه، فو الله يا معشر المهاجرين، لنحن ـ أهل البيت ـ أحق بهذا الأمر منكم.أما كان منا القارى‏ء لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية!و الله إنه لفين، فلا تتبعوا الهوى، فنردادوا من الحق بعدا.

فقال بشير بن سعد:لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبى بيكر، ما اختلف عليك اثنان، و لكنهم قد بايعوا.

و انصرف علي إلى منزله، و لم يبايع، و لزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (12) .

و روى عن أحمد بن العزيز الجوهري أيضا:حدثنا أحمد و قال:حدثنا ابن عفير، قال:حدثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر محمد بن علي رضى الله عنهم، أن عليا حمل فاطمة على حمار، و سار بها ليلا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة، و تسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون:يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي:أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه، و أخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه!

و قالت فاطمة:ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له، و صنعوا هم ما الله حسبهم عليه (13) .

و قال ابن عبد ربه في (العقد الفريد) في الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر:علي، و العباس، و الزبير، و سعد بن عبادة، فأما علي و العباس و الزبير، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة و قال له:إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقالت:«يابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟».قال :نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة...الحديث (14) ثم نقل ابن عبد ربه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت:لم يبايع علي عليه السلام أبا بكر حتى ماتت فاطمة، و ذلك بعد ستة أشهر من موت أبيها صلى الله عليه و آله (15) .

و قال ابن قتيبة الدينوري:و خرج علي عليه السلام يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، و كانوا يقولون:يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، و لو أن زوجك و ابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.

فيقول علي عليه السلام:«أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه و آله في بيته لم أدفنه و أخرج أنازع الناس سلطانه؟!».

فقالت فاطمة:«ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، و لقد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم»و ساق الكلام إلى أن قال ـ بعد ذكر عدم بيعة علي عليه السلام ـ :فأتى عمر أبا بكر، فقال له :ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟

فقال أبو بكر لقنفذ (16)  ـ و هو مولى له ـ :اذهب فادع لي عليا.

قال:فذهب إلى علي عليه السلام فقال له:«ما حاجتك».

فقال (قنفذ) :يدعوك خليفة رسول الله.

فقال علي عليه السلام:«لسريع ما كذبتم على رسول الله»فرجع فأبلغ الرسالة، قال:فبكى أبو بكر طويل، فقال عمر الثانية:لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة.

فقال أبو بكر لقنفذ:عد إليه، فقل له:خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي عليه السلام صوته فقال:«سبحان الله!لقد ادعى ما ليس‏له»فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويل، ثم قام عمر فمشى و معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة عليها السلام فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها:«يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، و ابن أبي قحافة».

فلما سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين، و كادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تنفطر، و بقي عمر و معه قوم، فأخرجوا عليا عليه السلام فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له:بايع، فقال :«إن أنا لم أفعل فمه؟».

قالوا:إذا و الله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك.فقال:«إذا تقتلون عبد الله، و أخا رسوله !!».

قال عمر:أما عبد الله، فنعم، و أما أخو رسوله فل، و أبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر :ألا تأمر فيه بأمرك؟

فقال:لا أكرهه على شي‏ء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي عليه السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه و آله يصيح و يبكي و ينادي:«يا ابن ام، إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني» . (17)

إذن فما رواه الشيعة لم ينفردوا به، بل هو مطابق لما رواه كثير من المؤرخين، هذا و لو استعرضنا جميع أقوالهم في هذا المجال لطال بنا المقام، لذا نكتفي بما ذكرناه، و نحيل القاري الكريم إلى المظان التاريخية التي تكفلت بذكر تلك الأحداث العظيمة من تاريخنا الاسلامي . (18)

مظلوميته عليه السلام في الشورى

إن مظلومية الإمام علي عليه السلام و شدة تأثره بعد عمر بن الخطاب في قضية الشورى‏يظهر جليا في كلمات خطبته الشقشقية، حيث يقول:«أما و الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، و إنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، و لا يرقى إلي الطير»، إلى أن قال:«فصبرت على طول المدة و شدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله و للشورى!متى اعترض الريب في مع الأول منهم؟حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذ أسفو، و طرت إذ طارو، فصغا رجل منهم لضغنه، و مال الآخر لصهره مع هن و هن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه»الخطبة. (19)

و على هذا المنوال قال أيض ـ على ما نسب إليه عليه السلام من الحكم في شرح ابن أبي الحديد : ـ «كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه و آله كجزء من رسول الله صلى الله عليه و آله، ينظر إلي الناس كما ينظر إلى الكواكب في افق السماء، ثم غض الدهر مني، فقرن بي فلان و فلان، ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان، فقلت:و اذفراه (20) ، ثم لم يرض الدهر لي بذلك، حتى أرذلني، فجعلني نظيرا لابن هند و ابن النابغة!لقد استنت الفصال حتى القرعى». (21)

و في رسالته عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان:«فياعجبا للدهر، إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي، و لم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثله، إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه، و لا أظن الله يعرفه، و الحمد لله على كل حال». (22)

و فيما يلي قصة الشورى التي تظهر فيها مظلومية علي عليه السلام جلية.

قال ابن أبي الحديد في شرحه:إن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة و علم أنه ميت، استشار فيمن يوليه الأمر بعده، فاشير عليه بابنه عبد الله، فقال:لاها الله إذا لا يليها رجلان من ولد الخطاب، حسب عمر ما حمل!حسب عمر ما احتقب (23) ، لاها الله!لا أتحملها حيا و ميتا!.

ثم قال:إن رسول الله صلى الله عليه و آله مات و هو راض عن هذه الستة من قريش:علي، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعد، و عبد الرحمن بن عوف، و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم .

ثم قال:أدعوهم لي، فدعوهم، فدخلوا عليه و هو ملقى على فراشه يجود بنفسه، فنظر إليهم، فقال :اكلكم يطمع في الخلافة بعدي، فوجموا (24) فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير، و قال:و ما الذي يبعدنا منها!وليتها أنت فقمت به، و لسنا دونك في قريش، و لا في السابقة، و لا في القرابة.

قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ:و الله لولا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك، لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة، و لا أن تنفس منه بلفظه، فقال عمر:أفلا أخبركم عن أنفسكم؟ !قال:قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا.

ثم أقبل عمر إلى كل واحد من الستة الحاضرين بين يديه، و خاطب القوم بكلمات جارحة، و ذمهم ذما شديدا إلا علي بن أبي طالب عليه السلام سوى قوله:لله أنت (يا علي) لولا دعابة (25) فيك! (26) أما و الله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح و المحجة البيضاء ـ إلى أن قال ـ :أدعوا إلي أبا طلحة الأنصاري، فدعوه له، فقال:انظر يا أبا طلحة، اذا عدتم من حفرتي، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر و تعجيله، و اجمعهم في بيت، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا و يختاروا واحدا منهم، فإن اتفق خمسة و أبى واحد فاضرب عنقه، و إن اتفق أربعة و أبى أثنان فاضرب أعناقهم، و إن اتفق ثلاثة و خالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع إلى ما قد اتفقت‏عليه، فإن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقه، و إن مضت ثلاثة أيام و لم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم.

فلما دفن عمر، جمعهم أبو طلحة، و وقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار، حاملي سيوفهم، ثم تكلم القوم و تنازعو، فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، و ذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليا و عثمان، و أن الخلافة لا تخلص له و هذان موجودان، فأراد تقوية أمر عثمان و إضعاف جانب علي عليه السلام بهبة أمر لا انتفاع له به، و لا تمكن له منه.

فقال الزبير في معارضته:و أنا أشهدكم على نفسي أني و قد وهبت حقي من الشورى لعلي، و إنما فعل ذلك لأنه لما رأى عليا قد ضعف و انخزل بهبة طلحة حقه لعثمان، دخلته حمية النسب، لأنه ابن عمة أمير المؤمنين عليه السلام و هي صفية بنت عبد المطلب، و أبو طالب خاله.

و إنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي عليه السلام باعتبار أنه تيمي و ابن عم أبي بكر، و قد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة، و كذلك صار في صدور تيم على بني هاشم، و هذا أمر مركوز في طبيعة البشر، و خصوصا طينة العرب و طباعها و التجربة إلى الآن تحقق ذلك، فبقي من الستة أربعة.

فقال سعد بن أبي وقاص:و أنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن، و ذلك لأنهما من بني زهرة، و لعلم سعد أن الأمر لا يتم له، فلما لم يبق إلا الثلاثة، قال عبد الرحمن لعلي و عثمان:أيكما يخرج نفسه من الخلافة، و يكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟

فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن:أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة، على أن أختار أحدهم، فأمسك، فبدأ بعلي عليه السلام و قال له:ابايعك على كتاب الله، و سنة رسول الله، و سيرة الشيخين:أبي بكر و عمر.فقال:«بل على كتاب الله، و سنة رسوله، و اجتهاد رأيي»فعدل عنه إلى عثمان، فعرض ذلك، عليه، فقال:نعم:فعاد إلى علي عليه السلام فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاث، فلما رأى أن عليا عليه السلام غير راجع عما قاله، و أن عثمان ينعم له (27) بالاجابة، صفق على يد عثمان، و قال:السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال:إن عليا عليه السلام قال له:«و الله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم (28) ».

قيل:ففسد بعد ذلك (بدعاء علي عليه السلام) بين عثمان و عبد الرحمن، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن. (29)

قصة التحكيم و ظهور أمر الخوارج

و من أمر المظلومية أن يقف أعوان المرء في وجهه و هو على أعتاب الانتصار على العدو، و كان هذا ما واجهه علي عليه السلام، فلما أن أشرف على النصر يوم صفين أحدث معاوية خديعته برفع المصاحف، فوقف أصحاب الإمام علي عليه السلام يعارضون أميرهم.

قال الشارح المعتزلي:إن الذي دعا إليه طلب أهل الشام له و اعتصامهم به من سيوف أهل العراق، فقد كانت أمارات القهر و الغلبة لاحت، و دلائل النصر و الظفر و ضحت، فعدل أهل الشام عن القراع إلى الخداع، و كان ذلك برأي عمرو بن العاص، و هذه الحال وقعت عقيب ليلة الهرير (30) ، و هي الليلة العظيمة التي يضرب‏بها المثل. (31)

قال ابن أبي الحديد في موضع آخر من شرحه على نهج البلاغة:لما بلغ معاوية أمارات القهر و الغلبة لجيش علي عليه السلام، فدعا عمرو بن العاص و قال:يا عمرو، إنما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل، فما ترى؟

قال:إن رجالك لا يقومون لرجاله، و لست مثله، هو يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء، و هو يريد الفناء، و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، و أهل الشام لا يخافون عليا إن ظفر بهم، و لكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفو، و إن ردوه اختلفو، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك و بينهم، فإنك بالغ به حاجتك في القوم، و إني لم أزل أؤخر هذا الامر لوقت حاجتك إليه.فعرف معاوية ذلك، و قال له:صدقت. (32)

رفع المصاحف

روى نصر باسناده عن جابر، قال:سمعت تميم بن حذيم يقول:لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرن، فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلق حيال موقف علي عليه السلام و معاوية، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح، و هي عظام مصاحف العسكر، و قد شدوا ثلاثة أرماح جميع، و ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط.

و قال أبو جعفر و أبو الطفيل:استقبلوا عليا بمائة مصحف، و وضعوا في كل مجنبة (33) مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف. (34)

بداية الخلاف في جيش علي عليه السلام

قال الشارح المعتزلي، عن أبي جعفر:ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي عليه السلام و قام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، و قام و رقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثم نادوا:يا معشر العرب، الله الله في النساء و البنات و الأبناء من الروم و الأتراك و أهل فارس غدا إذا فنيتم، الله الله في دينكم!هذا كتاب الله بيننا و بينكم.

فقال علي عليه السلام:«أللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا و بينهم إنك أنت الحكم الحق المبين».

فاختلف أصحاب علي عليه السلام في الرأي، فطائفة قالت:القتال، و طائفة قالت:المحاكمة إلى الكتاب، و لا يحل لنا الحرب، و قد دعينا إلى حكم الكتاب، فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أوزارها . (35)

علي عليه السلام يطلع جيشه على المؤامرة لكنه يهدد بالقتل

فقال علي عليه السلام:«أيها الناس، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله، و لكن معاوية، و عمرو بن العاص، و ابن أبي معيط، و ابن أبي سرح، و ابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا و رجال، فكانوا شر صغار و شر رجال، و يحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل!ما رفعوها أنهم يعرفونها و يعملون به، و لكنها الخديعة و الوهن و المكيدة!أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، و لم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا» .

فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد، شاكي سيوفهم على عواتقهم، و قد اسودت جباهم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكي، و زيد بن حصين، و عصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرةالمؤمنين:يا علي، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم!.

فقال لهم:«ويحكم!أنا أول من دعا إلى كتاب الله، و أول من أجاب إليه، و ليس يحل لي، و لا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا فيما أمرهم، و نقضوا عهده، و نبذوا كتابه، و لكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، و أنهم ليس العمل بالقرآن يريدون».

قالوا:فابعث إلى الأشتر ليأتينك، و قد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير أشرف على عسكر معاوية ليدخله. (36)

إنتخاب الحكمين

و انصرف الأشعث إلى علي عليه السلام فأخبره‏[بما اتفق عليه مع معاوية في أن يبعث أهل العراق رجلا يرضون به، و يبعث أهل الشام رجلا]، فبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق، و بعث معاوية قراء من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين و معهم المصحف، فنظروا فيه و تدارسو، و اجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، و يميتوا ما أمات القرآن، و رجع كل فريق إلى صاحبه، فقال أهل الشام:إنا قد رضينا و اخترنا عمرو بن العاص، و قال الأشعث و القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد:قد رضينا نحن و اخترنا أبا موسى الأشعري.

فقال لهم علي عليه السلام:«فإني لا أرضى بأبي موسى، و لا أرى أن أوليه».

فقال الأشعث، و زيد بن حصين، و مسعر بن فدكي في عصابة من القراء:إنا لا نرضى إلا به، فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه.

فقال علي عليه السلام:«فإنه ليس لي برضى، و قد فارقني و خذل الناس عني، و هرب مني حتى أمنته بعد أشهر، و لكن هذا ابن عباس اوليه ذلك».قالوا:و الله ما نبالي، أكنت أنت أو ابن عباس، و لا نريد إلا رجلا هو منك و من معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر .

قال علي عليه السلام:«فإني أجعل الأشتر».

فقال الأشعث:و هل سعر الأرض علينا إلا الأشتر!و هل نحن إلا في حكم الأشتر.

قال علي عليه السلام:«و ما حكمه؟».

قال:حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما أردت و ما أراد، و ساق الكلام إلى قوله :قال نصر:فقال علي عليه السلام:«قد أبيتم إلا أبا موسى!»

قالوا:نعم.

قال:«فاصنعوا ما شئتم»فبعثوا إلى أبي موسى ـ و هو بأرض من أرض الشام، يقال لها عرض (37) ، قد اعتزل القتال ـ فأتاه مولى له، فقال:إن الناس قد اصطلحوا.فقال:الحمد لله رب العالمين .قال:و قد جعلوك حكما.فقال:إنا لله و إنا إليه راجعون. (38)

قال نصر بن مزاحم:فلما رضي أهل الشام بعمرو بن العاص، و أهل العراق بأبي موسى، أخذوا في سطر كتاب الموادعة...و كتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع و ثلاثين، و اتفقوا على أن يوافي أمير المؤمنين علي عليه السلام موضع الحكمين بدومة الجندل أو بأذرح في شهر رمضان، الحديث. (39)

اجتماع الحكمين

و لما جاء وقت اجتماع الحكمين، أرسل علي عليه السلام أربعمائة رجل عليهم شريح بن‏هاني الحارثي، و بعث معهم عبد الله بن عباس و هو يصلي بهم ويلي امورهم و معهم أبو موسى الأشعري .

و كذا أرسل معاوية، عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح في شهر رمضان.

فلما اجتمع الحكمان و جرى بينهما ما جرى، و أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام، و كان مكرا و خديعة، حيث خلع أبو موسى عليا عليه السلام و معاوية، و أخل ابن العاص بالاتفاق فخلع عليا عليه السلام و أثبت معاوية، فقال له ابن عباس:و يحك!و الله إني لأظنه قد خدعك؟أما أبو موسى فكان مغفل، فقال:إنا قد اتفقنا. (40)

و قال المسعودي في (مروج الذهب) :و وجدت في وجه آخر من الروايات أنهما اتفقا على خلع علي و معاوية، و أن يجعلا الأمر بعد ذلك شورى، يختار الناس رجلا يصلح لهم أمرهم فقدم عمرو أبا موسى. (41)

و فيه أيضا:قال عمرو:أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر و الخير للمسلمين فاخطب الناس، و اخلع صاحبينا[معا]و تكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه، فقال أبو موسى:بل أنت قم فاخطب، فأنت أحق بذلك، قال عمرو:ما احب أن أتقدمك، و ما قولي و قولك للناس إلا قول واحد، فقم راشدا .

فقام أبو موسى، فحمد الله و أثنى عليه، و صلى على نبيه صلى الله عليه و آله، ثم قال:

أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمرن، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن و الصلاح و لم الشعث و حقن الدماء و جمع الالفة، خلعنا عليا و معاوية، و قد خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه ـ ثم أهوى إلى عمامته فخلعه ـ و استخلفنا رجلا قد صحب رسول الله صلى الله عليه و آله بنفسه، و صحب أبوه النبي صلى الله عليه و آله، فبرز في سابقته ـ و هو عبد الله بن‏عمر ـ و أطراه، و رغب الناس فيه، ثم نزل.

فقام عمرو بن العاص، فحمد الله و أثنى عليه، و صلى على رسول الله صلى الله عليه و آله، ثم قال:أيها الناس، إن أبا موسى عبد الله بن قيس قد خلع عليا و أخرجه من هذا الأمر الذي يطلب و هو أعلم به، ألا و إني قد خلعت عليا معه، و أثبت معاوية علي و عليكم، و إن أبا موسى قد كتب في الصحيفة إن عثمان قد قتل مظلوما شهيد، و إن لوليه (سلطانا) أن يطلب بدمه حيث كان، و قد صحب معاوية، رسول الله بنفسه، و صحب أبوه النبي صلى الله عليه و آله (و أطراه، و رغب الناس فيه، و قال) :هو الخليفة علين، و له طاعتنا و بيعتنا على الطلب بدم عثمان.

فقال أبو موسى:كذب عمرو، لم نستخلف معاوية و لكنا خلعنا معاوية و عليا مع، فقال عمرو :بل كذب عبد الله بن قيس، قد خلع عليا و لم أخلع معاوية. (42)

و فيه أيضا:و انخزل أبو موسى فاستوى على راحلته و لحق بمكة، و لم يعد إلى الكوفة، و قد كانت خطته و أهله و ولده به، وآلى أن لا ينظر إلى وجه علي عليه السلام ما بقي، و مضى ابن عمر و سعد إلى بيت المقدس،  (فأحرما) . (43)

خطبة الإمام علي عليه السلام بعد التحكيم

روي أن عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعري لما التقيا بدومة الجندل و قد حكما في أمر الناس، كان أمير المؤمنين عليه السلام يومئذ قد دخل الكوفة ينتظر ما يحكمان به، فلما تمت خدعة عمرو لأبي موسى، و بلغه عليه السلام ذلك، اغتم له غما شديدا و وجم منه، و قام فخطب الناس، فقال:

«الحمد لله، و إن أتى الدهر بالخطب الفادح، و الحدث الجليل، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، و أن محمدا عبده و رسوله.أما بعد:

فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحيرة و تعقب الندامة، و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، و نخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر، فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، و المنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح بنصحه، و ضن الزند بقدحه، فكنت أنا و إياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى‏ 
فلم تستبينوا النصح إلا صحى الغد» (44)

و هذه الألفاظ من خطبة خطبها عليه السلام بعد خديعة ابن العاص لأبي موسى و افتراقهم، لكاشفة عن مظلوميته في هذه الواقعة المؤلمة.

تثاقل أصحابه عن النصرة

إن المقصود بالخطبة الشريفة التالية ذم أصحابه عليه السلام و توبيخهم على تثاقلهم من جهاد معاوية و أصحابه، فقال:«و لئن أمهل الله الظالم و متعه في دار الدنيا فلن يفوته أخذه، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه، و بموضع الشجى من مساغ ريقه، أما و الذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم اولى بالحق منكم.و لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، و إبطائكم عن حقي، و لقد أصبحت الامم تخاف ظلم رعاته، و أصبحت أخاف ظلم رعيتي، أستنفرتكم للجهاد فلم تنفرو، و أسمعتكم فلم تسمعو، و دعوتكم سرا و جهرا فلم تستجيبو، و نصحت لكم فلم تقبلوا»إلى أن قال ـ :

«أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله و أنتم تعصونه، و صاحب أهل الشام يعصي الله و هم يطيعونه، لوددت و الله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم»الخطبة. (45)

الحث على الجهاد و ذم المتقاعسين

الخطبة التالية من مشاهير خطبه عليه السلام قد ذكرها كثير من المؤرخين و الرواة، و رواها أبو العباس المبرد، و أسقط من هذه الرواية ألفاظا:و زاد فيها ألفاظ، قال:فانتهى إلى علي عليه السلام أن خيلا وردت الأنبار لمعاوية، فقتلوا عاملا له يقال له:حسان بن حسان، فخرج عليه السلام مغضبا يجر رداءه.حتى أتى النخيلة، و أتبعه الناس، فرقى ربوة من الأرض، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيه صلى الله عليه و آله ثم قال:«أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله الذل و سيم الخسف»إلى أن قال:«ألا و إني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهار، و سرا و إعلان، و قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو الله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلو، فتواكلتم و تخاذلتم، حتى شنت (46) عليكم الغارات و ملكت عليكم الأوطان.

و هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، و قد قتل حسان بن حسان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها (47) ، و لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و الاخرى المعاهدة (48) فينتزع حجلها (49) و قلبها (50) و قلائدها و رعاثه، ما تمتنع منه إلا بالإسترجاع (51) و الإسترحام، ثم انصرفوا و افرين، ما نال رجلا منهم كلم (52) ، و لا اريق لهم دم، لو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوم، بل كان به عندي جديرا.

إلى أن قال:إذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم:هذه حمارة القيظ (53) أمهلنا يسبخ عنا الحر (54) ، و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم:هذه صبارة (55) القر (56) أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر و القر، فإذا كنتم من الحر و القر تفرون، فأنتم و الله من السيف أفر.

يا أشباه الرجال و لا رجال، حلوم الأطفال، و عقول ربات الحجال (57) ، لوددت أني لم أركم و لم أعرفكم معرفة ـ و الله ـ جرت ندما و أعقبت سدم، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيح، و شحنتم صدري غيظ، و جر عتموني نغب التهام أنفاس، و أفسدتم علي رأيي بالعصيان و الخذلان، حتى قالت قريش:إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم، و هل أحد منهم أشد لها مراسا و أقدم فيها مقاما مني؟لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرفت على الستين، و لكن لا رأي لمن لا يطاع». (58)

لقد خطب هذه الخطبة الشريفة في أواخر عمره الشريف، و ذلك بعد ما انقضت وقعة صفين، و استولى معاوية على البلاد، و أكثر القتل و الغارة في الأطراف، و أمر سفيان بن عوف الغامدي بالمسير إلى الأنبار، و قتل أهلها.

و تفصيل ذلك رواه ابن أبي الحديد المعتزلي عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي بسنده عن أبي الكنود، فراجعه. (59)

مظلوميته عليه السلام بعد شهادته

و أجلى صور المظلومية أنه صارت المنابر في الشرق و الغرب في حكومة الأمويين على مدى أربعين سنة محلا لشتمه و سبه، و معرضا لإهانته و لعنه حتى صار ذلك سنة جارية بينهم، و قد أخبر عليه السلام بذلك حيث قال لأصحابه:

«أما إنه سيظهر (60) عليكم بعدي رجل رحب البلعوم (61) مندحق (62) البطن، يأكل ما يجد، و يطلب ما لا يجد، فاقتلوه و لن تقتلوه، ألا و إنه سيأمركم بسبي و البراءة مني، فأما السب فسبوني، فإنه لي زكاة و لكم نجاة، و أما البراءة فلا تتبرؤا مني، فإني ولدت على الفطرة، و سبقت إلى الإيمان و الهجرة». (63)

في تسخير العملاء و شراء الذمم

لقد سخر معاوية عددا من العملاء ممن أعمت قلوبهم المادة و تمسكوا بحطام الدنيا و آثروه على رضا الخالق العزيز، و قد بذل لهم معاوية الأموال الطائلة و المناصب العالية، مستغلا كونهم ممن أدرك عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أو أنهم مقربون لأحد صحابته، و ذلك لكي يختلقوا الأحاديث و ينتحلوها على رسول الله صلى الله عليه و آله مدعين أنه صلى الله عليه و آله قالها ذما لعلي عليه السلام.

و إنما عمل معاوية لعنه الله ذلك كي يدوم حكمه لبضعة أيام اخرى، و لكي يتقرب إلى قلوب الناس، لأن ماضيه الذي لا يحسد عليه ليس فيه ميزة أو خصلة تجذب الجماهير إليه، كما أنه لم يسجل و لا موقفا واحدا في عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله‏يجعله ذا بال أو ممن يشار إليه بالبنان، بل إنه كان و أبوه من رؤوس الكفر و الإلحاد، لذا لم يجد له ما يقربه إلى قلوب الناس سوى هذه الفعلة التي بقيت لعنة له و لمن تمسك به على طول التاريخ .

لقد كانت القلوب متوجهة صوب علي عليه السلام سيما بعد الثورة التي أطاحت بعثمان، و ذلك لأن فضائل علي عليه السلام و مناقبه كانت قد ملأت العيون و المشاهد و الأسماع و ثبتت في قلوب المؤمنين قبل أن تسجلها أقلامهم، لذا لم يجد معاوية بدا إلأ أن يسعى لأجل انتزاع هذا التوجه و هذه المحبة من قلوب الناس، و أن يجعل من نفسه رجلا محبوبا مقربا إلى نفوس الجماهير بشتى الوسائل و الأساليب.

نقل الشارح المعتزلي عن شيخه أبي جعفر الإسكافي (64) أنه قال:إن معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير . (65)

أقول:لكن الشمس لا تحجب بغربال، فشمس علي عليه السلام أبت إلا أن تخرج من الظلام الذي اصطنعه النواصب على مدى التاريخ، و بقيت أشعة فضائله و مناقبه عليه السلام تشرق على الدنيا في كل العصور لتغطيها بمكارم الأخلاق، و لعل المقارنة بين قبره عليه السلام و قبر معاوية خير شاهد على ما نقول.

و سنشير إلى نماذج من الأخبار الموضوعة من قبل معاوية و أتباعه لنتبين من خلالها على مظلومية أمير المؤمنين علي عليه السلام.

جملة من الوضاعين و أخبارهم

ما رواه أبو هريرة

روى أبو هريرة الحديث الذي معناه أن عليا عليه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله، فأسخطه، فخطب على المنبر، و قال:«لاها الله!لا تجتمع ابنة ولي الله، و ابنة عدو الله أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيه، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي و ليفعل ما يريد؟!»أو كلاما هذا معناه. (66)

عن الأعمش، قال:لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرار، و قال:يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله و على رسوله، و أحرق نفسي بالنار!و الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«إن لكل نبي حرم، و إن حرمي بالمدينة، ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين»و أشهد بالله أن عليا أحدث فيه، فلما بلغ معاوية قوله أجازه و أكرمه، و ولاه إمارة المدينة. (67)

قال الشارح المعتزلي:فأما قول أبي هريرة:إن عليا عليه السلام (أحدث في المدينة) فحاش لله!كان علي عليه السلام أتقى لله من ذلك، و الله لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له إلا مثله. (68)

و قال أبو جعفر الإسكافي:أبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، ضربه عمر بن الخطاب بالدرة، و قال:قد أكثرت من الرواية و أحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه و آله (69) .

رواية عمرو بن العاص

قال عمرو:سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله و صالح المؤمنين»! (70)

رواية عروة بن الزبير

روى الزهري أن عروة بن الزبير قال:حدثتني عائشة، قالت:كنت عند رسول الله صلى الله عليه و آله إذ أقبل العباس و علي عليه السلام، فقال صلى الله عليه و آله:«يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملتي ـ أو قال:على غير ديني»؟! (71) .

رواية عليه السلام سمرة بن جندب

قال أبو جعفر الاسكافي:و قد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: (و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو ألد الخصام و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد) . (72)

و أن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، و هي قوله تعالى: (و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) (73) ، فلم يقبل، فبذل مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له ثلثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل. (74)

و قد صارت ـ أي سبة أمير المؤمنين عليه السلام ـ سنة جارية، و كانت في أيام‏الامويين سبعون ألف منبر يلعن عليها أمير المؤمنين عليه السلام (75) و اتخذوا ذلك كعقيدة راسخة، أو فريضة ثابتة، أو سنة متبعة يرغب فيها بكل شوق و توق حتى أن عمر بن عبد العزيز لما منع عنها لحكمة عملية أو لسياسة وقتية، حسبوه كأنه جاء بطامة كبرى أو اقترف إثما عظيما.

روى ابن الأثير في (اسد الغابة) عن شهر بن حوشب، أنه قال:أقام فلان خطباء يشتمون عليا عليه السلام و يقعون فيه حتى كان آخرهم رجل من الأنصار أو غيرهم، يقال له:أنيس، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال:إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل و شتمه، و إني اقسم بالله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:«إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر و شجر»و أقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه، أفترون شفاعته تصل إليكم و تعجز عن أهل بيته؟!. (76)

سبب منع عمر بن عبد العزيز عن سب علي عليه السلام

قال الشارح المعتزلي:فأما عمر بن عبد العزيز فإنه قال:كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمر بي يوما و أنا ألعب مع الصبيان، و نحن نلعن علي، فكره ذلك و دخل المسجد، فتركت الصبيان و جئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى و أطال في الصلاة ـ شبه المعرض عني ـ حتى أحسست منه بذلك، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له:ما بال الشيخ؟فقال لي:يا بني، أنت اللاعن عليا منذ اليوم؟!قلت:نعم.

قال:فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟فقلت:يا أبت، و هل كان علي عليه السلام من أهل بدر؟

فقال:ويحك!و هل كانت بدر كلها إلا له.فقلت:لا أعود.فقال:و الله إنك لا تعود!قلت:نعم، فلم ألعنه بعدها.ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة و أبي يخطب يوم الجمعة، و هو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه، حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجم، و يعرض له من الفهاهة و الحصر ما الله عالم به، فكنت أعجت من ذلك، فقلت له يوما:يا أبت، أنت أفصح الناس و أخطبهم، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل، صرت ألكن عييا؟!

فقال:يا بني، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام و غيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد، فوقرت كلمته في صدري، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري، فأعطيت الله عهد، لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لاغيرنه، فلما من الله علي بالخلافة أسقطت ذلك و جعلت مكانه (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون) (77) و كتبت به إلى الآفاق فصار سنة. (78)

وصيته بإخفاء قبره

و كفى في مظلوميته عليه السلام وصيته بإخفاء قبره عن الناس حذرا من أن يهتك الخوارج لعنهم الله حرمته مع كونه أمير المؤمنين و سيد الوصيين، و لم يزل مخفيا إلى زمان هارون العباسي حيث دل عليه أهل البيت عليهم السلام.

 

تعليقات:

1.تفسير الدر المنثور للسيوطي، ج 2، ص .298

2.التاريخ الكبير، ج 1، قسم 2، ص .174

3.المستدرك للحاكم، ج 3، ص .142

4.المصدر السابق، ج 3، ص .143

5.قال رسول الله صلى الله عليه و آله في خبر:«يا علي، اتق الضغائن التي في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتي، اولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون»ثم بكى النبي صلى الله عليه و آله فقيل:مم بكاؤك يا رسول الله؟قال:«أخبرني جبرئيل أنهم يظلمونه و يمنعونه حقه، و يقاتلونه، و يقتلون ولده، و يظلمونهم بعده»، بحار الأنوار، ج 28، ص .45

6.شرح ابن أبي الحديد، ج 13، ص .300

7.نهج البلاغة، ص 83، الخطبة 26، العلقم:شجر بالغ المرارة، و يطلق عند العرب على كل مر.

8.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .21

9.المصدر السابق، ج 2، ص .60

10.المصدر السابق ج 2 ص .60

11.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .45

12.شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص 11 ـ  .12

13.شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص .13

14.راجع العقد الفريد، ج 4، ص .259

15.المصدر السابق.

16.قنفذ:رجل فظ غليظ، جاف، من الطلقاء، أحد بني عدي بن كعب ـ كتاب سليم بن قيس، ص .35

17.الإمامة و السياسة، ج 1، ص .13

18.راجع كتاب الغدير للشيخ الأميني، و كتاب إحراق بيت فاطمة عليها السلام للشيخ حسين غيب غلامي الذي يحتوي على دراسة مفصلة في مصادر و اسناد قضية احراق بيت الزهراء عليها السلام من الكتب المعتبرة عند أهل السنة.

19.الخطبة المعروفة بالشقشقية، نهج البلاغة، الخطبة .3

20.الذفر:الرائحة الخبيثة.

21.شرح ابن أبي الحديد، ج 20، ص .326

22.نهج البلاغة، الكتاب .9

23.احتقب الاثم:جمعه، و احتقب الشي:حمله خلفه.

24.وجم وجما و وجوما:سكت على غيظ.

25.الدعابة بالضم:المزاح و اللعب.

26.من أراد تفصيل الحديث فليلاحظه في شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص .185

27.أنعم له:إذا قال مجيبا«نعم».

28.منشم بكسر الشين:اسم أمرأة كانت بمكة عطارة، و كانت خزاعة و جرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبه، و كانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال:أشأم من عطر منشم، فصار مثلا.

29.شرح ابن أبي الحديد، ج 1، ص 188، و راجع الكامل في التاريخ، ج 2، ص 219، و تاريخ الطبري، ج 3، ص .292

30.من هرير الفرسان بعضهم على بعض كما تهر السباع، و هو صوت دون النباح.

31.شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .206

32.المصدر السابق، ج 2، ص .209

33.المجنبة بكسر النون المشددة:ميمنة الجيش أو ميسرته.

34.المصدر السابق، ج 2، ص .211

35.المصدر السابق، ج 2، ص .212

36.المصدر السابق، ج 2، ص .216

37.عرض:بلد بين تدمر و رصافة الشام.

38.راجع المصدر السابق، ج 2، ص .228

39.و تفصيلها في شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص 232، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 389، تاريخ الطبري، ج 3، ص .562

40.راجع تاريخ الطبري، ج 4، ص 94، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 394، شرح ابن أبي الحديد، ج 2، ص .244

41.مروج الذهب، ج 2، ص .409

42.المصدر السابق، ج 2، ص .408

43.المصدر السابق، ج 2، ص .410

44.نهج البلاغة، الخطبة .35

45.المصدر السابق، الخطبة .96

46.شنت عليكم الغارات:فرقت.

47.المسالح:جمع مسلحة و هي كالثغر و المرقب.

48.المعاهدة:الذمية.

49.الحجل:الخلخال.

50.القلب:السوار المصمت.

51.أي بقولها:إنا لله و إنا إليه راجعون.

52.الكلم:الجراح.

53.يسبح عنا الحر:يخف.

54.يسبح عنا الحر:يخف.

55.صبارة الشتاء:شدة برده.

56.القر:البرد.

57.ربات الحجال:النساء.

58.نهج البلاغة، الخطبة .27

59.شرح ابن أبي الحديد ج 2، ص 85 الى .87

60.سيظهر عليكم:سيغلب.

61.رحب البلعوم، واسعه.

62.مندحق البطن:عظيم البطن، بارزه.

63.نهج البلاغة، الخطبة .56

64.من متكلمي المعتزلة و أحد أئمتهم.

65.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص .63

66.المصدر السابق، ص .64

67.المصدر السابق، ص .67

68.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص .67

69.المصدر السابق، ص .68

70.المصدر السابق، ص .64

71.المصدر السابق، ص .63

72.البقرة، 204 و .205

73.البقرة،  .207

74.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص .73

75.راجع الغدير، ج 2، ص 103 و .102

76.اسد الغابة، ج 1، ص .134

77.النحل،  .90

78.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص .58

78.شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص .58