شهادته عليه السلام كلمة في تاريخ شهادته عليه السلام و عمره المبارك

من الوقائع المسلمة تاريخي، أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في محراب الصلاة بمسجد الكوفة، و كان عليه السلام صائما يصلي الصبح، مما أدى إلى شق هامته عليه السلام، و قد التحقت روحه المقدسة بالرفيق الأعلى، إلى جوار الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله بعد يومين من الضربة.

قال ابن الأثير:و في هذه السنة (سنة 40) قتل علي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، و قيل :لإحدى عشرة، و قيل:لثلاث عشرة بقيت منه، و قيل:في شهر ربيع الآخر سنة أربعين، و الأول أصح . (1)

و روى الطبري بسنده عن محمد بن عمر قال:قتل علي عليه السلام و هو ابن ثلاث و ستين سنة، صبيحة ليلة خلت من شهر رمضان سنة (40) ، و دفن عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة. (2)

و روى ابن عساكر الشافعي، عن محمد بن عثمان، قال:قال أبي:و ولي علي بن أبي طالب خمس سنين، و قبض هو ابن سبع و خمسين، قال أبي:و أهل بيته يقولون:قبض و هو ابن ثلاث و ستين. (3)

و روى الكليني في الكافي، ج 1، ص 452:ولد أمير المؤمنين عليه السلام بعد عام الفيل بثلاثين سنة، و قتل في شهر رمضان لتسع بقين منه، ليلة الأحد و قيل:الجمعة سنةأربعين من الهجرة، و هو ابن ثلاث و ستين سنة، بقي بعد قبض النبي صلى الله عليه و آله ثلاثين سنة، و امه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

و روى الشيخ المفيد في الارشاد الفصل 2 من باب 2، ص 13:و كانت وفاة أمير المؤمنين عليه السلام قبل الفجر ليلة الجمعة إحدى و عشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة و مضى عليه السلام قتيلا بالسيف، قتله ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة، و قد خرج عليه السلام يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تاسع عشر من شهر رمضان، و قد كان ارتصده من أول الليل لذلك، فلما مر به في المسجد و هو مستخف بأمره، مماكر بإظهار النوم في جملة النيام، ثار إليه فضربه على ام رأسه بالسيف و كان مسموم، فمكث يوم تسعة عشر و ليلة عشرين و يومها و ليلة إحدى و عشرين إلى نحو الثلث الأول من الليل، ثم قضى نحبه عليه السلام شهيدا و لقي ربه تعالى مظولم، و قد كان عليه السلام يعلم ذلك قبل أوانه، و يخبر به الناس قبل زمانه، و تولى غسله و تكفينه و دفنه ابناه الحسن و الحسين عليهما السلام بأمره، و حملاه إلى الغري من نجف الكوفة، فدفناه هناك، و عفيا موضع قبره بوصية كانت منه إليهما في ذلك، لما كان يعلمه من دولة بني امية بعده.

مداراته ابن ملجم قبل شهادته عليه السلام

روى الحافظ ابن عبد البر المالكي، في (الاستيعاب) عن ابن سيرين بن عبيدة، قال:كان علي عليه السلام إذا رأى ابن ملجم، قال:

«اريد حياته و يريد قتلي‏ *** عذيرك من خليلك من مراد»

و كان علي عليه السلام:كثيرا ما يقول:«ما يمنع أشقاه ـ أو ما ينتظر أشقاه ـ أن يخضب هذه من دم هذا».يقول:«و الله لتخضبن هذه من دم هذا»و يشير إلى لحيته و رأسه (4) .

و روى فيه عن سكين بن عبد العزيز العبدي، أنه سمع أباه يقول:جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليا عليه السلام فحمله، ثم قال:

«اريد حياته و يريد قتلي‏ *** عذيرك من خليلك من مراد

أما إن هذا قاتلي»، قيل:فما يمنعك منه؟قال:«إنه لم يقتلني بعد». (5)

قال:و أتى علي عليه السلام فقيل له:إن ابن ملجم يسم سيفه، و يقول:إنه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب، فبعث علي عليه السلام إليه، فقال له:«لم تسم سيفك؟»قال:لعدوي و عدوك، فخلى عنه و قال:«ما قتلني بعد».

ما جاء في سبب قتله عليه السلام

في سنة أربعين من الهجرة اجتمع بمكة جماعة من الخوارج فتذاكروا الناس، و ما هم فيه من الحرب و القتل و الفتنة، فعابوا ذاك على ولاتهم، ثم أنهم ذكروا أهل النهروان و ترحموا عليهم، فقال بعضهم لبعض:ما نصنع بالحياة بعدهم، اولئك كانوا دعاة الناس إلى ربهم لا يخافون في الله لومة لائم!فلو شرينا أنفسنا قاتلنا أئمة الضلال، فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد و العباد، و ثأرنا بهم إخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء الحج.

فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله:أنا أكفيكم عليا.و قال البرك ابن عبد الله التميمي :أنا أكفيكم معاوية.و قال عمرو بن بكر التميمي:أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا و تعاقدوا و تواثقوا على الوفاء، و ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فاتعدوا بينهم ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، فأخذوا سيوفهم فشحذوه، ثم سقوها السم، و توجه كل واحد منهم إلى جهة صاحبه الذي تكفل به، و تواعدوا على أن يكون و ثوبهم عليهم في‏ليلة واحدة. (6)

تواطؤ ابن ملجم و قطام

روى أبو الفرج في المقاتل:فأقبل ابن ملجم حتى قدم الكوفة، فلقي بها جماعة من أصحابه ـ أهل النهروان ـ و كتمهم أمره، و طوى عنهم ما تعاقد هو و أصحابه عليه بمكة من قتل امراء المسلمين، مخافة أن ينشر منه شي‏ء، و إنه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب، فصادف عنده قطام بنت الأخضر بن شجنة من تيم الرباب، و كان علي عليه السلام قتل أباها و أخاها بالنهروان، و كانت من أجمل نساء أهل زمانه، فلما رآها ابن ملجم لعنه الله شغف بها و اشتد إعجابه، فخبر خبرها فخطبه، فقالت له:ما الذي تسمي لي من الصداق؟فقال لها:احتكمي ما بدالك، فقالت:أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم، و وصيفا و خادم، و قتل علي بن أبي طالب!!

فقال لها:لك جميع ما سألت، فأما قتل علي بن أبي طالب، فأنى لي بذلك؟فقالت:تلتمس غرته، فإن أنت قتلته شفيت نفسي و هنأك العيش معي، و إن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا؟! (7) .

و في الفصول المهمة:فمر في بعض الأيام بدار من دور الكوفة فيها عرس، فخرج منها نسوة، فرأى فيهن امرأة جميلة فائقة في حسنه، يقال لها:قطام بنت الأصبغ التميمي لعنها الله، فهواها و وقعت في قلبه محبته، فقال لها:يا جارية، أيم أنت أم ذات بعل؟فقالت:بل أيم.فقال لها :هل لك في زوج لا تذم خلائقه، فقالت:نعم، و لكن لي أولياء اشاورهم.فتبعها فدخلت دارا ثم خرجت إليه، فقالت:يا هذ، إن أوليائي أبوا أن يزوجوني إلا على ثلاثة آلاف درهم و عبد وقينة . (8) قال:لك ذلك.

قالت:و شريطة اخرى.قال:و ما هي؟قالت:قتل علي بن أبي طالب، فإنه قتل أبي و أخي يوم النهروان !!قال:ويحك و من يقدر على قتل علي و هو فارس الفرسان و واحد الشجعان!فقالت:لا تكثر، فذلك أحب إلينا من المال، إن كنت تفعل ذلك و تقدر عليه، و إلا فاذهب إلى سبيلك؟

فقال لها:أما علي بن أبي طالب عليه السلام فل، و لكن إن رضيتي ضربته بسيفي ضربة واحدة و انظري ماذا يكون؟

قالت:رضيت، و لكن التمس غرته لضربتك، فإن أصبته، انتفعت بنفسك و بي، و إن هلكت، فما عند الله خير و أبقى من الدنيا و زينة أهلها؟!

فقال لها:و الله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب!!

قالت:فإذا كان الأمر على ما ذكرت، دعني أطلب لك من يشد ظهرك و يساعدك؟فقال لها:افعلي .

فبعثت إلى رجل من أهلها يقال له:وردان، من تيم الرباب، فكلمته فأجابه، و خرج ابن ملجم من عندها و هو يقول:

ثلاثة آلاف و عبد وقينة *** و قتل علي بالحسام المصمم‏ 
فلا مهر أغلى من علي و إن غلا *** و لا فتك إلا دون فتك ابن ملجم (9)

و جاء ابن ملجم إلى رجل من أشجع، يقال له:شبيب بن بجرة من الخوارج، فقال له:هل لك في شرف الدنيا و الآخرة؟قال:و كيف ذلك، قال:قتل علي بن أبي طالب، فقال له:ثكلتك امك لقد جئت شيئا إد، كيف تقدر على ذلك؟

قال:أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجينا شفينا أنفسنا و أدركنا ثأرن، و إن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا و ما فيه، و لنا أسوة في أصحابنا الذين سبقونا.

فقال له:ويحك لو كان غير علي، و قد عرفت بلاءه في الإسلام و سابقته مع النبي صلى الله عليه و آله، و ما أجد نفسي تنشرح لقتله.

قال:ألم تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد المصلين؟قال بلى، قال:فنقتله بمن قتل من إخوانن، فأجابه إلى ذلك، فجاءوا إلى قطام و هي في المسجد الأعظم معتكفة، و كان ذلك في شهر رمضان، فقالوا لها:قد صممن، أجمع رأينا على قتل علي بن أبي طالب. (10)

قال أبو الفرج:فقالت قطام لهما:فإذا أردتما ذلك فالقياني في هذا الموضع، فانصرفا من عندها فلبثا أيام، ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين. (11)

و قال المسعودي في تاريخه:فدعت قطام لهما بحرير فعصبتهم، و أخذوا أسيافهم و قعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي عليه السلام للمسجد، و كان علي عليه السلام يخرج كل غداة أول الأذان يوقظ الناس للصلاة، و كان ابن ملجم مر به الأشعث و هو في المسجد، فقال له:فضحك الصبح، فسمعها حجر ابن عدي، فقال:قتلته يا أعور قتلك الله. (12)

و في (شرح ابن أبي الحديد) عن أبي مخنف، عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال:إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر، كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره، إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من‏السدة قياما و قعود، و ركوع، و سجود، ما يسأمون، إذ خرج عليهم علي بن أبي طالب عليه السلام الفجر، فأقبل ينادي:«الصلاة الصلاة»، فرأيت بريق السيف، و سمعت قائلا يقول:الحكم لله يا علي لا لك.ثم رأيت بريق سيف آخر، و سمعت صوت علي عليه السلام يقول:«لا يفوتنكم الرجل». (13)

فزت و رب الكعبة

روى كثير من المؤرخين أنه عليه السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله قال:«فزت و رب الكعبة» .

قال ابن عبد البر ـ في حديث ـ قال:فضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه عليه السلام و قال :الحكم لله يا علي، لا لك، و لا لأصحابك.فقال علي عليه السلام:«فزت و رب الكعبة، لا يفوتنكم الكلب»فشد الناس من كل جانب فأخذوه. (14)

و عن ابن عساكر و ابن الأثير، بسندهما عن هارون بن أبي يحيى، عن شيخ من قريش:أن عليا عليه السلام لما ضربه ابن ملجم قال:«فزت و رب الكعبة». (15)

و عن الدينوري في (الإمامة و السياسة) قال:و ضربه على قرنه بالسيف، فقال علي عليه السلام«فزت و رب الكعبة». (16)

وصية علي عليه السلام بالرفق بقاتله

في (شرح ابن أبي الحديد) و (مقاتل الطالبيين) باسناده عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال :فلما دخل ابن ملجم على أمير المؤمنين عليه السلام، نظر إليه ثم قال:«النفس‏بالنفس، فإن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، و إن أنا عشت رأيت فيه رأيي».

فقال ابن ملجم لعنه الله:و الله و الله لقد ابتعته ـ يعني سيفه ـ بألف، و سممته بألف، فإن خانني فأبعده الله.

قال:و نادته ام كلثوم:يا عدو الله، قتلت أمير المؤمنين؟قال:إنما قتلت أباك.

قالت:يا عدو الله، إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس، قال لها:فأراك إنما تبكين علي إذن؟لقد و الله ضربته ضربة لو قسمت على أهل الأرض لأهلكتهم. (17)

قال أبو الفرج:و أخرج ابن ملجم من بين يديه عليه السلام و انصرف الناس من صلاة الصبح، فأحدقوا بابن ملجم، ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع، و هم يقولون:يا عدو الله، ماذا فعلت؟أهلكت أمة محمد، و قتلت خير الناس، و إنه لصامت ما ينطق، فذهب به إلى الحبس؟. (18)

و روى ابن الصباغ المالكي:قال علي عليه السلام للحسن:«يا حسن، أبصروا ضاربي، أطعموه من طعامي، و اسقوه من شرابي، فإن أنا عشت فأنا أولى بحقي و إن مت فاضربوه ضربة، و لا تمثلوا به، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور» .

ثم قال:«يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تريقون دماء المسلمين بعدي، تقولون:قتلتم أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي»ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض. (19)

وصيته للحسن عليهما السلام

روى ابن عساكر الشافعي، بسنده عن عقبة بن أبي الصهباء، قال:لما ضرب ابن‏ملجم عليا عليه السلام دخل عليه الحسن و هو باك، فقال له:«ما يبكيك، يا بني؟»قال:«و مالي لا أبكي و أنت في أول يوم من الآخرة، و آخر يوم من الدنيا».

فقال:«يا بني احفظ أربعا و أربع، لا يضرك ما عملت معهن».

قال:«و ما هن، يا أبه؟».

قال:«إن أغنى العقل، و أكبر الفقر الحمق، و أوحش الوحشة العجب، و أكرم الحسب الكرم (و) حسن الخلق».

قال الحسن:«قلت:يا أبه، هذه الأربع، فأعطني الأربع الاخر».

قال:«إياك و مصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، و إياك و مصادقة الكذاب، فإنه يقرب إليك البعيد، و يبعد عليك القريب، و إياك و مصادقة البخيل، فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، و إياك و مصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه». (20)

مع الطبيب المعالج

أخرج أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبين) بإسناده عن أبي مخنف، قال:حدثني عطية بن الحرب، عن عمر بن تميم، و عمرو بن أبي بكار، قالا:إن عليا عليه السلام لما ضرب جمع له أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو ابن هاني السكوني، و كان متطببا صاحب كرسي يعالج الجراحات، و كان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، و إن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام، دعا برئة شاة حارة، و استخرج عرقا منها فأدخله في الجرح، ثم استخرجه، فإذا عليه بياض الدماغ، فقال له:يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك، فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى ام رأسك، فدعا علي عليه السلام عند ذلك بصحيفة و دواة و كتب وصيته (21) .

آخر وصيته عليه السلام

فيما يلي آخر وصية كتبها أمير المؤمنين عليه السلام قبل شهادته، و قد ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) و كذا الطبري في (تأريخه) و ثقة الإسلام الكليني (رحمة الله عليه) في (الكافي) مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه، و نحن نذكر عين ما رواه أبو الفرج في (مقاتل الطالبيين) :

«بسم الله الرحمن الرحيم:هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، صلوات الله و بركاته عليه، إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له، و بذلك امرت و أنا أول المسلمين.

اوصيك يا حسن، و جميع ولدي و أهل بيتي، و من بلغه كتابي هذ، بتقوى الله ربنا و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون، و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقو، فإني سمعت رسول الله يقول :إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام، و إن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم بجفوتكم.

و الله الله في جيرانكم، فإنها وصية رسول الله صلى الله عليه و آله، فما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.

و الله الله في القرآن، فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.

و الله الله في الصلاة، فإنها عماد دينكم.

و الله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظرو، و إنه إن خلا منكم لم تنظروا.

و الله الله في صيام شهر رمضان، فإنه جنة من النار.

و الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم.

و الله الله في زكاة أموالكم، فإنها تطفى‏ء غضب ربكم.

و الله الله في امة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم.

و الله الله في أصحاب (امة) نبيكم، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله أوصى بهم.

و الله الله في الفقراء و المساكين، فأشركوهم في معائشكم.

و الله الله في ما ملكت أيمانكم، فإنها كانت آخر وصية رسول الله صلى الله عليه و آله إذ قال:اوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم».

ثم قال:«الصلاة الصلاة، لا تخافوا في الله لومة لائم، فإنه يكفيكم من بغى عليكم و أرادكم بسوء، قولوا للناس حسنا كما أمركم الله، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيولي الأمر عنكم (22) و تدعون فلا يستجاب لكم، عليكم بالتواضع و التباذل و التبار، و إياكم و التقاطع و التفرق و التدابر (و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله إن الله شديد العقاب) . (23)

حفظكم الله من أهل بيت و حفظ فيكم نبيه، استودعكم الله خير مستودع، و أقرأ عليكم سلام الله و رحمته». (24)

في الآية التي ظهرت صباح شهادته عليه السلام

في (فرائد السمطين) بسنده عن ابن شهاب، قال:قدمت دمشق و أنا اريد الغزو، فأتيت عبد الملك بن مروان لاسلم عليه، قال:فوجدته في قبة على عرش يقرب القائم ـ أو يفوق القائم ـ و الناس تحته سماطين، فسلمت ثم جلست، فقال لي:يا ابن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب عليه السلام؟

فقلت:نعم، فقال:هلم، فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة فحول إلي‏وجهه فأحنى (25) علي، فقال:ما كان؟فقلت:لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم!!فقال:لم يبق أحد يعلم هذا غيري و غيرك و لا يسمعن منك أحد (26) .

و روى في مستدرك الصحيحين بسنده عن ابن شهاب مثله إلا أنه زاد في ذيله فما حدثت به حتى توفي (27) .

و في (تاريخ دمشق) روى هذا الحديث مع اختلاف في اللفظ (28) .

و في (فرائد السمطين) أيضا بسنده عن الزهري:أن أسماء الأنصارية قالت:ما رفع حجر بإيلي ـ يعني حين قتل علي بن أبي طالب ـ إلا وجد تحته دم عبيط (29) .

معاوية يشهد بفضله عليه السلام

في (تاريخ دمشق) عن المغيرة، قال:جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية، و هو نائم مع امرأته فاختة بنت قرظة، فقعد باكيا مسترجعا!!!فقالت له فاختة:أنت بالأمس تطعن عليه و اليوم تبكي عليه؟فقال:ويحك أنا أبكي لما فقد الناس من حلمه و علمه!! (30) .

و فيه أيضا عن المغيرة قال:لما جي‏ء معاوية بنعي علي عليه السلام و هو قائل مع امرأته بنت قرظة في يوم صائف قال:إنا لله و إنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم و الحلم و الفضل و الفقه، فقالت امرأته:أنت بالأمس تطعن في عينيه، و تسترجع اليوم عليه؟قال:ويلك لا تدرين ماذا فقدوا من علمه و فضله و سوابقه (31) .

في رثاؤه عليه السلام

قالت سودة بنت عمارة في رثاء مولاها أمير المؤمنين عليه السلام:

صلى الإله على جسم تضمنه*قبر فأصبح فيه الجود مدفوناقد حالف الحق لا يبغي به بدلا*فصار بالحق و الإيمان مقرونا (32)

و ممن رثاه في ذلك الوقت أبو الأسود الدؤلي، قال:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*فلا قرت عيون الشامتيناأفي شهر الصيام فجعتمونا*بخير الناس طرا أجمعيناقتلتم خير من ركب المطايا*و ذللها و من ركب السفيناو من لبس النعال و من حذاها*و من قرأ المثاني و المبيناإذا استقبلت وجه أبي حسين*رأيت النور فوق الناظرينالقد علمت قريش حيث كانت*بأنك خيرهم حسبا و دينا (33)

في كيفيته قتل ابن ملجم

في تاريخ الطبري، و كذا الكامل في التاريخ:فلما قبض أمير المؤمنين عليه السلام، بعث الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن:هل لك في خصلة؟إني و الله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم (34) أن أقتل عليا و معاوية، أو أموت دونهم، فإن شئت خليت بيني و بينه، و لك الله علي إن لم أقتله أوقتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك، فقال له الحسن:«أما و الله حتى تعاين النار، فلا»، ثم قدمه فقتله (35) .

خطبة الحسن عليه السلام بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام

روى ابن عساكر عن عمرو بن حبشي، قال:خطبنا الحسن بن علي عليه السلام بعد قتل علي عليه السلام، فقال:«لقد فارقكم رجل بالأمس ما سبقه الأولون بعلم، و لا أدركه الآخرون، إن كان‏[رسول الله صلى الله عليه و آله‏]ليبعثه و يعطيه الراية فلا ينصرف حتى يفتح له، ما ترك من صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم، فضلت من عطائه، كان يرصدها لخادم لأهله». (36)

و عنه أيضا:عن هبيرة بن يريم مثله، إلا أنه قال:«و إن جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله، ما ترك صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما». (37)

قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) :إنه ثبت عن الحسن بن علي عليه السلام من وجوه، أنه عليه السلام قال:«لم يترك أبي إلا ثمانمائة درهم ـ أو سبعمائة درهم ـ فضلت من عطائه، كان يعدها لخادم يشتريه لأهله». (38)

و قال المسعودي في (تاريخه) :قال الحسن عليه السلام:«و الله لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، و لا يدركه الآخرون، و إن رسول الله صلى الله عليه و آله كان يبعثه المبعث فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه». (39) ثم قال المسعودي:و لم يترك صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما لأهله.

و قال بعضهم:ترك لأهله مائتين و خمسين درهما و مصحفه و سيفه. (40)

و روى أبو الفرج الأصفهاني في (المقاتل) ، قال:خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقال:«لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، و لا يدركه الآخرون بعمل، و لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه و آله فيقيه بنفسه، و لقد كان يوجهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، و لقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، و لقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله»ثم خنقته العبرة فبكى، و بكى الناس معه، ثم قال:«أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه و آله أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عز و جل بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهير، و الذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت». (41)

قال أبو مخنف عن رجاله:ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له و قالوا:ما أحبه إلينا و أحقه بالخلافة فبايعوه، ثم نزل عن المنبر.

 

تعليقات:

1.الكامل في التاريخ، ج 2، ص .433

2.تاريخ الطبري، ج 4، ص .116

3.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 318، ح .1429

4.الاستيعاب بهامش الاصابة، ج 2، ص .10

5.المصدر السابق.

6.انظر الكامل في التاريخ، ج 2، ص 434، تاريخ الطبري، ج 4، ص 110، مروج الذهب للمسعودي، ج 2، ص 423، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 132، مقاتل الطالبيين، ص 17، شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص .113

7.مقاتل الطالبيين، ص 19، رواه عنه ابن أبي الحديد في الشرح، ج 6، ص .115

8.القينة:الأمة.

9.البيتان في مروج الذهب، ج 2، ص .423

10.الفصول المهمة، ص .133

11.مقاتل الطالبيين، ص .19

12.مروج الذهب، ج 2، ص .424

13.شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص .117

14.الاستيعاب لابن عبد البر المالكي بهامش الاصابة، ج 3، ص .59

15.اسد الغابة، ج 4، ص 38، ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص .303

16.الامامة و السياسة، ج 1، ص .160

17.شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص 118، مقاتل الطالبيين، ص .22

18.مقاتل الطالبيين، ص .22

19.الفصول المهمة، ص .136

20.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 304، ح .1404

21.مقاتل الطالبيين ص 23، و شرح ابن أبي الحديد ج 6، ص 119 مع اختلاف يسير.

22.في تاريخ الطبري«فيولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم».

23.المائدة،  .2

24.مقاتل الطالبيين، ص 24، تاريخ الطبري، ج 4، ص 113، شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص .120

25.في بعض النسخ (فانحنى) .

26.فرائد السمطين، ج 1، ص 389، رقم .325

27.مستدرك الصحيحين، ج 3، ص .113

28.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج، ص 316، رقم .1424

29.فرائد السمطين، ج 1، ص 389، رقم .336

30.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 336، ح .1483

31.المصدر السابق، ج 3، ص 339، رقم .1484

32.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 345، رقم .1053

33.تاريخ مروج الذهب، ج 2، ص 428، روى في الكامل في التاريخ، ج 2، ص 438، و تاريخ الطبري، ج 4، ص 116 نحوه.

34.الحطيم:جدار حجر الكعبة، و قيل:ما بين الركن و زمزم و المقام، سمي بذلك لانحطام الناس عليه، أي لازدحامهم.

35.تاريخ الطبري، ج 4، ص 114، الكامل في التاريخ، ج 2، ص .436

36.ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ج 3، ص 330، رقم .1474

37.المصدر السابق، ص 331، رقم .1475

38.الاستيعاب لابن عبد البر المالكي بهامش الإصابة، ج 3، ص .48

39.مروج الذهب، ج 2، ص .426

40.المصدر السابق.

41.مقاتل الطالبيين، ص .32

41.مقاتل الطالبيين، ص .32