الإهداء

أهدي بحثي هذا إلى سيّدي ومولاي أمير المؤمنين أوّل السابقين وقائد المتّقين يوم القيامة، إمام العدل والفصاحة ورائد الحرّية .

الذي عرفته سوح القتال، وبيوت العبادة ودور الأيتام والمساكين .

الهاجر للدنيا وقصورها وأموالها والساعي للآخرة ويقينها .

ذلك البطل الهمام والعالم المقدام الذي عجزت الأقلام عن وصفه .

راجياً من الله تعالى القبول إنّه نعم المولى ونعم الوكيل .

نجاح الطائي

المقدّمة

قدَّم الله سبحانه وتعالى نموذجاً للبشريّة صالح الأعمال ووزيراً لخاتم الأنبياء وسيّداً للأوصياء ومناراً للناس، ورأساً للحضارة، وقدوةً للمدنيّة يكون بعد محمّد (صلى الله عليه وآله) في العلم الأوّل، وفي البطولة الأوحد، وفي البلاغة المؤسّس، وفي الأخلاق الأُستاذ، وفي الإسلام الأوّل .

فكان علي (عليه السلام) الأوّل في مجالات الحياة كافّة فقال الله تعالى في حقّه: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ) .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقّه أحاديثاً كثيرة لم يقلها في غيره وانتخبه بأمر من الله تعالى وزيراً ووصيّاً ووارثاً وخليفةً وصهراً .

وعيّنه قسيماً للنار والجنّة .

وحدّد الإيمان في حبّه وبغضه .

فجعله الله تعالى امتحاناً للمسلمين يفرزهم فيه بين الحقّ والباطل .

وقال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): « علي سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين »[1].

وقال النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) فيه قولا رائعاً أحببت ذكره: « لو أنّ الرياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حساب، والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب »[2].

إذ كان النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) يذكر مناقب الإمام علي (عليه السلام) في ليله ونهاره وفي حضره وسفره، وفي مكّة والمدينة .

لذا انتشرت فضائل الإمام (عليه السلام) في كلّ مكان وبأسانيد صحيحة .

وكان ثلث القرآن في علي وأهل البيت (عليهم السلام) فسعينا لتتبّع هذه الآيات النازلة في علي (عليه السلام) في باب واحد ليطّلع عليها القارئ اللبيب، ويكون على بيّنة في موضوع الاحترام الإلهي لعلي (عليه السلام) .

ويتدبّر في الودّ الكبير الذي يكنّه الله تعالى لعبده الزاهد والعابد والمطيع علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

ويتدبّر في آيات الله تعالى النازلة في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) التي تظهر المكانة العالية له عند الباري عزّوجلّ .

وكثرة هذه الآيات وبيانها الرائع تحثّ المطالع على إدامة البحث والتقصّي في شخصية الإمام العظيمة وسبر أغوارها للوصول إلى كنهها وجوهرها .

والكتاب هذا يأخذ بيد القارئ إلى هذه المواضيع الواحد بعد الآخر فيمكّن المطالع من الحصول على ثروة علميّة وأخلاقيّة جيّدة في ساحة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

وينتقل القارئ إلى مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله) في جولة تفقّدية فاحصة، لتلك المدينة الحضارية التي بابها أمير المؤمنين، فالنبي (صلى الله عليه وآله) هو القائل:

« أنا مدينة العلم وعلي بابها »[3].

وسعة هذه المدينة العلمية الراقية مكّنت علياً (عليه السلام) من القول المدهش:

«اسألوني قبل أن تفقدوني، فوالله إنّي أعلم طرق السماوات والأرض »[4].

فالكتاب أخذ على عاتقه سبر أغوار العلوم التي وهبها الله تعالى لأمير المؤمنين (عليه السلام) وحباها به فكان رأس العلم وأُسّه الأساس حتّى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « لو قسِّم العلم إلى عشرة أقسام لحصل علي بن أبي طالب على تسعة أقسامه ولشارك الناس في القسم العاشر »[5].

واهتمّ الكتاب بموضوع صفات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأظهرها على حقيقتها بعيداً عن حقد بني أُميّة والمنافقين .

فكان الله سبحانه وتعالى قد أرسل علياً (عليه السلام) بصفات عيسى (عليه السلام) في جماله وموسى (عليه السلام) في قوّته . وقال النبي (صلى الله عليه وآله): « ياعلي مثلك في أُمّتي مثل المسيح عيسى بن مريم »[6].

فكان علي (عليه السلام) آية في الجمال والكمال الممنوحين من الباري عزّوجلّ ويُضرب به المثل في هذا المجال .

ولمّا وصل معاوية بن أبي سفيان إلى السلطة حاول الاساءة إلى شخص الإمام (عليه السلام) في كلّ شيء ومن هذه الأُمور شكل الإمام (عليه السلام) فوصف جسمه بكلّ قبيح إبرازاً لحقده عليه .

فكانت افتراءات الأمويين غريبة ومدهشة تنمّ عن كفرهم ونفاقهم وبعدهم عن الأخلاق والمدنيّة الإنسانية .

والعجيب أنّهم أخذوا كلّ قبيح في أجسام رجال السقيفة فوصموه بها، امتثالا لأوامر معاوية بن هند، الساعي للفرار من ماضيه وماضي أبيه وأُمّه والانتقام من الإمام (عليه السلام) قاتل أخيه وخاله وجدّه الكفرة.

فبيّن هذا الكتاب ولأوّل مرّة تلك الأعمال الأموية المخزية بحقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضحها .

وبيَّن أكاذيب هذه الطغمة الفاسدة البعيدة عن الدين والأخلاق .

وفضح الكتاب علماء السوء ورواة الجور وكتّاب السلاطين الذين اقترفوا الآثام الكبيرة طاعة لبني أُميّة، عبودية منهم للدنيا الفانية .

فيسجّل الكتاب سبقاً تاريخياً في هذا المجال في كذب وزيف الألفاظ الأموية الموضوعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) مثل:

الأنزع البطين ، والأصلع ، أبو تراب .

وبيّن الكذب الفاجر في نقل لقب الأنزع البطين من معاوية ولصقه بالإمام علي (عليه السلام) .

بينما كان معاوية معروفاً بالانزع البطين في التاريخ، وهو لقب نبوي قائم على دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه قائلا: « اللهمّ لا تشبع بطنه » .

وسوف ترى في هذا الباب العجب العجاب في غفلة البعض عن العلم وقبول الاسانيد الموضوعة المخالفة للقرآن والحديث والعقل، وعدم تحقيقهم في سند الأحاديث. واعتماد الكثير من العلماء على الرواة الضعفاء .

وأشدّ ما أدهشني موافقة البعض على الأحاديث المزيّفة المخالفة للعقل، والقبول بالأحاديث الكاذبة المخالفة لألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرته مع خليفته والمؤمنين .

فبينما دعا النبي (صلى الله عليه وآله) على معاوية في بطنه واستجاب الله تعالى دعاءه فأصبح معاوية بطيناً، ذكر بعض العلماء (غير المطّلعين على دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) على معاوية) لقب البطين لأمير المؤمنين (عليه السلام) .

وهذا جهل بالسيرة النبوية وعدم الإطّلاع الكافي على أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله)وأدعيته .

وهو عدم المعرفة بتراجم الصحابة بصورة ممتازة، فضيّعوا دعاء خاتم الأنبياء على معاوية واستجابة الباري ذلك .

ولم يطّلعوا على سيرة معاوية وابتلائه ببطنه التي كان يجلسها على فخذيه كما جاء في الروايات .ودهشت أيضاً من الخلط التاريخي بين الروايات الصحيحة والروايات السقيمة المختلَقة .

فوضعوا عبارة الأنزع البطين أمام بعض الأحاديث الصحيحة في مدح أمير المؤمنين .

وكلّ هذا نبع عن منع تدوين الحديث مدّة مائة عام بأمر رجال السقيفة رغبة منهم في طمس فضائل أمير المؤمنين وباقي أفراد أهل البيت (عليهم السلام) .

ثمّ أحرق الطغاة في التاريخ الكتب الصحيحة وقتلوا العلماء والرواة المخلصين .

ومن ضمن أبحاث الكتاب الجديدة أيضاً البحث الخاصّ بمقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) .

فأثبتنا بالدليل القاطع مصرع الإمام علي (عليه السلام) بمؤامرة أموية خطّط لها معاوية وابن العاص والأشعث ونفّذها ابن ملجم .

وبيّنا هذا الموضوع بشكل علمي بأدلّة كافية واستقصاءات شافية ترضي العلماء وتفنّد آراء الجهلاء .

وفي هذا الكتاب أبحاث جديدة كثيرة نرجوا من القارئ الحريص والعالم اللبيب مطالعتها والاستفادة منها .

وكان سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) حريصاً على الحضارة الإسلامية والأخلاق الإنسانية والألفاظ الراقية .

وكان سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) مهتمّاً ببيان حال المؤمنين المتّقين وصفات الفاسقين الهالكين .

فكان الإمام علي (عليه السلام) كاتباً للوحي وإمام المتّقين[7] وسيّد الزاهدين وباب مدينة علم ربّ العالمين .

فأراد معاوية خلط الصحيح بالمنبوذ من الحديث وسرقة الأوصاف الراقية للإمام (عليه السلام) ووضعها لنفسه ولباقي رجال السقيفة، والسعي لوصم الصالحين بأوصاف الفاسقين ولأجل هذا العمل الشيطاني أسّس معاوية جيشاً كبيراً من القصّاصين بعدد مساجد المسلمين في العالم آنذاك يقومون بتلك الأعمال الإبليسية ويلعنون أمير المؤمنين (عليه السلام) فنرجوا من الله تعالى التوفيق لنا ولقرّائنا واعطائنا البصر والبصيرة للوصول إلى الحقّ واتّباعه، وأن يرزقنا شفاعة الإمام علي (عليه السلام) ويضوينا تحت قيادته يوم القيامة .

يوم لا يدخل الجنّة إلاّ علي وشيعته « وأنّ من شيعته لإبراهيم »[8].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

نجاح الطائي

 

 

القسم الأوّل: الإمام علي في مكّة

الباب الأوّل: أحداث مكّة قبل البعثة

الفصل الأوّل: قبائل مكّة وأحوالها ودينها

 

أهالي مكة:

لمّا نزلت قبيلة جرهم في مكّة بقيت بجانب ذريّة إسماعيل (عليه السلام) إلى أن بغوا وظلموا زوّار بيت الله تعالى، وسرقوا مال الكعبة[9].

وكانت في مكّة بضع وعشرون قبيلة تعيش جنباً إلى جنب، في منافسة حادّة على الرئاسة والجاه والشرف . وولّد ذلك التنافس حسداً عميقاً بينها حتى وُصِفت قريش بأنّها أحسد الناس .

وكادت الحرب أن تقع بين قبائلها عدَّة مرَّات بسبب ذلك التنافس على أسباب الرئاسة والشرف والجاه، والمتمثّلة بلواء الحرب والرفادة والسقاية والقيادة .

ثم تنافس القرشيّون في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود، وكادت الحرب تقع بينهم، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)[10].

ولمّا بعث النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في مكّة رفض طغاة مكة التسليم له بالنبوّة حسداً لرئاسته الدينية والدنيوية عليهم، بالرغم من يقينهم بدينه ورسالته السماوية .

وقد وصف هذه الحالة أبو جهل وصفاً كاملاً مبيّناً رأيه بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله)وإنكاره لها حسداً لأنّها تعني تفوّق وتقدّم بني هاشم على بني مخزوم !

وتبعاً لهذا الاعتقاد الخاطئ والجهل المركّب فقد أعلن زعماء قبائل قريش أمام أبي طالب زعيم بني هاشم وقريش استعدادهم لإرضاء محمّد (صلى الله عليه وآله) بالمال والشرف والرئاسة حتى يصبح أكثرهم مالاً، مقابل تراجعه عن الديانة الجديدة !

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمّه أبي طالب: « والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أُقتل دونه » .

وكان رجال مكّة من دهاة الناس يتنافسون على أسباب الدنيا تنافساً حادّاً دفعهم إلى اغتيال الآخرين، وإقامة جسور العلاقة مع الحكومتين الرومية والفارسية .

واستخدموا وسيلة تبنّي العبيد والحلفاء لزيادة القدرة البشرية لقبائلهم وعوائلهم ومنع اضمحلالها وانقطاع نسلها، فتبنّى عبد شمس عبده أُميّة[11].

وتبنّى بنو أسد العوّامَ القبطي[12] والد الزبير وتبنّى الأسود الكندي حليفه المقداد، وتبنّى العاص بن وائل عمراً[13].

وتنافسوا على اللقطاء مثل عمرو بن العاص وطلحة بن عبدالله وزياد بن أبيه تنافساً حادّاً[14].

وتسبّبت التجارة الصيفية إلى الشام والشتوية إلى اليمن والحبشة ورحلاتهم إلى بلاد كسرى في زيادة اطّلاع القرشيين على الأُمم والحضارات الأُخرى، وسعة أُفقهم واطّلاعهم على المهارات اللازمة في السياسة والادارة والحرب والاقتصاد وغيرها .

وزيارة الناس لبيت الله الحرام من بلاد ومدن مختلفة أكسبتهم معارفَ كثيرة وأموالاً عظيمة . وتسبّبت هذه الأُمور واستقلال مكة في اكتساب القرشيين مهارة إدارة أنفسهم ومدينتهم والاعتداد بأنفسهم . فاهتمّ أهالي مكّة اهتماماً خاصّاً بالدهاء السياسي والاجتماعي ورعوا الدهاة عناية فائقة، فبرز دهاة عديدون وماكرون كثيرون لا يتورّعون عن استخدام الوسائل الباطلة للوصول الى الهدف .

وبرزت هذه الحالة في سفراء قريش إلى ملك الحبشة عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وعبدالله بن أبي ربيعة فنافس عمارة بن الوليد عمرو بن العاص في زوجته فخانه بها، وألقاه في مياه البحر الأحمر، واستمرّ عمارة الداهية في مغامراته النسائية حتى بلغ مخدع ملك الحبشة الزوجي[15]!

فوشى به عمرو بن العاص عند ملك الحبشة الذي مكر به مكراً عجيباً بنفخ السواحر في إحليله فهام مع الوحوش الكاسرة في تلك البلاد[16]!

وقصص المكر السياسي والاجتماعي في صفوف القرشيين كثيرة ومنها برزت قصّة المكر القبلي لاغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكّة وحرب الأحزاب (الخندق)، وقضيّة حجّة الوداع (بمنعهم الرسول (صلى الله عليه وآله) من تبليغ رسالة الثقلين القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) إلى المسلمين)[17]، وقضية السقيفة .

ثم توَّجوا أمرهم في قبول معاوية بقتل الجماهير عثمان بن عفان ليصبح ولي الدم ويحارب باسمه، ثم حوَّل الدولة إلى ملكيّة وراثيّة .

فعادت الزعامة إلى بني أُميَّة في زمن عثمان كما كانت في زمن حرب أُحد والخندق برئاسة أبي سفيان ! فقال أبو سفيان: تلقّفوها يابني أُميَّة تلقّف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار[18].

وطغاة قريش المكرة هم الذين حرَّفوا الحديث النبوي: « الخلفاء من بعدي إثنا عشر كلّهم من أهل بيتي »[19] إلى: الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش[20].

ومنهج قريش في رفض اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم واضح نطقه عمر بن الخطّاب عالياً[21] إذ أعلن عمر بن الخطّاب تلك النظرية أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الخميس برفضه ثقل أهل البيت (عليهم السلام) قائلا: حسبنا كتاب الله[22].

ولمّا فعلت قبيلة جرهم الظلم صمَّمت قبيلتا بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة على إخراجهم من مكّة، فتمكّنتا من إلحاق الهزيمة العسكرية بها وإخراجها إلى اليمن، فدفن عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم قبل ذهابه إلى اليمن[23].

ثم ساد على مكّة عمرو بن لحي الذي فرض عبادة الأصنام عليها[24]، وكان فهر اسمه قريشاً وإليه تنتهي وتجتمع قبائل قريش وما فوقه كناني .

وسمّي قريشاً لأنه كان يقرّش أي يفتّش عن حاجة المحتاج فيسدّها بماله، وقيل كان بنوه يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم[25] والنضر بن كنانة أبو قريش[26].

ولما استقرّ الأمر في خزاعة تزوّج قصيّ منهم، وأزاح يد خزاعة وولي أمر مكّة وشرفها، فكان بيده السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة فحصل عبدالدار على اللواء والحجابة ودار الندوة[27].

واختلفوا بعد موت عبدالمطّلب فكانوا جماعتين:

الجماعة الأُولى: حلف المطيّبين الذين غمسوا أيديهم في الطيب، وهم خمس قبائل: بنو هاشم، وبنو زهرة، وبنو تيم بن مرّة، وبنو الحرث بن فهر وبنو أسد[28].

وجماعة لعقة الدم وهم: بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب وبنو أُمية الذين أخرجوا جفنة مملوءة دماً من دم جزور نحروها ووضعوا أيديهم فيها ولعقوا منها .

واصطلحوا على أن تكون الرفادة والقيادة والسقاية لبني عبد مناف، والحجابة واللواء لبني عبدالدار، ودار الندوة بينهم بالأشتراك .

ثم أُعطيت القيادة وهي أمارة الركب لبني أُمية بعد ظهور الإسلام لذلك كانت قيادة الجيش لبني أُميَّة في معركة بدر وبيد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان أبو سفيان قائد الجيش في الحروب اللاحقة .

وأُعطيت الرفادة والسقاية لهاشم، ثم لعبدالمطّلب، ثم لأبي طالب ثم للعبّاس واختلف بنو عبد مناف إذ اغتصب نوفل بن عبد مناف أفنية ودوراً لابن أخيه عبدالمطّلب، فأجبرته بنو النجار بالمدينة على إرجاعها إلى عبدالمطّلب فنشأ حلف بين نوفل وبنوه مع عبد شمس وبنيه .

وتأسّس مقابله حلف بني هاشم وبني المطّلب وخزاعة على بني نوفل وبني عبد شمس[29] فشارك بنو المطّلب عبيدة والطفيل ومسطح بن أُثاثة بن عبّاد بن المطّلب وحصين بنو الحارث في حرب بدر إلى جانب النبي (صلى الله عليه وآله)[30].

وكانت خزاعة تنقل أخبار قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله) .

ووقف بنو نوفل إلى جانب الكفّار ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل الذين قُتلا يوم بدر كافرين، وأضحت فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل امرأة معاوية بن أبي سفيان .

وأوّل عداوة وقعت بين هاشم وأُميَّة بن عبد شمس سببها أنّ هاشماً ساد قومه بعد أبيه عبد مناف فحسده أُميَّة، فتكلّف أن يصنع ما يصنعه هاشم فعجز فعيّرته قريش .

فدعا أُميَّة هاشماً للمنافرة، فرفض هاشم ذلك أوّلاً ثم قَبِل المنافرة على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكّة والجلاء عن مكّة عشر سنين فرضي أُميَّة بذلك، وحكَّما الكاهن الخزاعي بعسفان فقال الكاهن:

لقد سبق هاشم أُميَّة إلى المفاخر، فنفر هاشم على أُميَّة، فعاد هاشم إلى مكّة ونحر الإبل وأطعم الناس، وخرج أُميَّة إلى الشام مدّة عشر سنين، فبدأت العداوة بين الجانبين[31].

فأطعم هاشم الناس في المجاعة، وهشم الخبز والكعك ونحر جزراً، وجعل ذلك ثريداً فأطعم الناس حتّى أشبعهم فسمّي هاشماً، فقالوا له: أبو البطحاء وسيد البطحاء، ولم تزل مائدته منصوبة في السرّاء والضرّاء .

وانتقل نور النبوّة من عبد مناف إلى هاشم فكان يتوقّد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، لا يراه حبر إلاّ قبَّل يده، ولا يمرُّ بشيء إلاّ خضع له تفدوا إليه قبائل العرب ووفود الأحبار يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوّج بهنّ .

حتّى بعث إليه هرقل ملك الروم قائلاً: إنَّ لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها ولا أبهى وجهاً فأقدم إليَّ حتى أزوّجكها فقد بلغني جودك وكرمك، وإنّما أراد بذلك نور المصطفى (صلى الله عليه وآله) الموصوف عندهم في الانجيل .

فأبى هاشم ذلك، وكان هاشم يحمل ابن السبيل، ويؤدّي الحق، ويؤمن الخائف[32]، ومات بغزة من أرض فلسطين[33].

وكان عبدالمطّلب بن هاشم من حلماء قريش وحكمائها، مجاب الدعوة، محرِّماً الخمر على نفسه، وهو أوّل من تحنَّث بحراء، والتحنّث تعبّد الليالي ذوات العدد، فإذا دخل رمضان صعده (للصوم) وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلّي عن الناس والتفكّر في جلال الله وعظمته، فيرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال، فقالوا له مطعم الطير والفياض، فكان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأُمور، وشريفهم وسيدهم كمالاً وفعالاً، وعاش مائة وأربعين سنة[34].

ورفض عبدالمطّلب عبادة الأصنام ووحَّد الله تعالى، ويؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان وكانت قريش تستسقي به ويسمّى سيد قريش[35].

ولمّا هجم إبرهة الحبشي على مكّة قال عبدالمطّلب: لا يصل إلى هدم البيت لأنّ لهذا البيت ربَّاً يحميه ويحفظه[36].

ولمّا أراد ذبح ابنه عبدالله لنذر نذره لله تعالى ضرب بالقداح وقال: ياربِّ أنت الملك المحمود، وأنت ربّي الملك المعبود، من عندك الطارف والتليد .

وغضب على حرب بن أُميَّة لقتله يهودياً جاراً له، فاضطر حرب لارضائه بدفع مائة ناقة ديّة ذلك اليهودي[37].

وبلغت شجاعة وكرم وشرف وهيبة وعفّة وعبادة وشهامة بني هاشم حدّاً لم يبلغه قبله أحد، فأطعموا الفقير وأجاروا الخائف .

إذ أجار عبدالمطّلب رجلاً تميميّاً خائفاً من حرب بن أُمية، ولمّا دخل التميمي الكعبة لطمه حرب فعدا عليه الزبير بن عبدالمطّلب بالسيف، ففرّ حرب بن أُميّة إلى دار عبدالمطّلب، فأجاره عبدالمطّلب وأكفأ عليه جفنة، وسبعة من بني عبدالمطّلب على الباب يريدون قتله، فأخرجه عبدالمطّلب واضعاً عليه رداءه دليل الإجارة .

ولمّا افتخر معاوية بن أبي سفيان بحرب بن أُميَّة ردّ عليه عبدالله بن عباس قائلاً: من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه ؟ فسكت معاوية[38].

لذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « يُبعث جدّي عبدالمطّلب في زيِّ الملوكِ وأُبّهة الأشراف »[39].

وقد أخذ عبدالمطّلب مبادئ وأخلاق دين إبراهيم (عليه السلام) من هاشم الذي أخذها من عبد مناف وأعطاها أبا طالب .

 

بطون قريش

كانت قريش خمسة وعشرين بطناً وهم: بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطّلب بن عبد مناف، وبنو الحارث بن عبدالمطّلب، وبنو أُميَّة بن عبد شمس، وبنو نوفل بن عبد مناف، وبنو الحارث بن فهر، وبنو أسد بن عبد العُزَّى، وبنو عبدالدار بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة وبنو مخزوم، وبنو يقظة ، وبنو مرّة ، وبنو عدي بن كعب، وبنو سهم، وبنو جُمَح وهم قريش البطاح .

وقريش الظواهر هم: بنو مالك بن حنبل، وبنو معيط بن عامر بن لؤي، وبنو نزار بن عامر بن لؤي، وبنو الأدرم، وهم تيم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وبنو الحارث بن عبدالله بن كنانة، وبنو عائذة وهو خزيمة بن لؤي، وبنو نباتة وهو سعد بن لؤي[40].

 

موضوع النسب

كان النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل الناس نسباً فهو من أولاد الأنبياء ومن نسل الساجدين بنصّ القرآن الكريم، ورأيه (صلى الله عليه وآله) في علم النسب: إنَّه دعا الى تعلّم الأنساب بشكل يتناسب مع حفظ الأخلاق الإسلامية في خدمة الأقرباء قائلاً: « تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم »[41].

وكان عقيل بن أبي طالب أعلم الناس بالأنساب فأخذ منه ذلك محمد بن الكلبي من طريق أبي صالح، وأخذ هشام بن الكلبي ذلك من أبيه .

فأعلم الناس بعلم الأنساب عقيل بن أبي طالب، ثم محمد بن الكلبي، ثم هشام بن محمد بن الكلبي ومن هؤلاء أخذت الناس .

فكان عقيل يعلِّم الناس أنسابهم في المسجد النبوي، ويقال لمجلسه طنفسة أبي يزيد[42].

واهتمّ معاوية بتعليم إبنه يزيد علم الأنساب لتفريق الناس، وتحكيم سياسته ، فطلب من دغفل بن حنظلة تعليمه ذلك[43].

ولمّا تعلَّم يزيد بن معاوية مثالب الناس دون مثالبه صدمه الناس في مرّات عديدة ! إذ لم يعلّمه المعلّمون أنَّ جدته لأبيه هي حمامة إحدى بغايا مكّة، ولم يعلِّموه نسبه العائد الى أُمية غير العربي الذي تبنَّاه عبد شمس[44]!

 

نسب النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام)

نقل ابن سعد عن هشام بن محمد بن الكلبي نسب النبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً:

محمّد الطيّب المبارك ابن عبدالله بن عبدالمطّلب واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وإلى فهر تسمّى قريش وفوق فهر لا يقال له قرشي بل كناني[45].

وعن هشام بن محمد الكلبي صاحب النسب: أُمّ الرسول (صلى الله عليه وآله) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة، وأُمّها بَرّة بنت عبدالعزّى بن عثمان بن عبدالدار بن قصى بن كلاب، وأُمّها أُمّ حبيب بنت أسد بن عبدالعزّى بن قصي بن كلاب وأُمّها برّة بنت عوف بن عبيد بن عويج[46]. وينتسب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) .

وقال هشام بن محمد الكلبي: كتبت للنبي (صلى الله عليه وآله) خمسمائة أُمّ فما وجدت فيهنَّ سفاحاً، ولا شيئاً ممّا كان من أمر الجاهلية[47].

وأوجب الأمر أن يكون الأنبياء والأوصياء جميعاً أفضل الناس نسباً وشرفاً ولأجل ذلك ساد الناس محمّدٌ (صلى الله عليه وآله) ثم الإمام علي (عليه السلام) ثم أبناء الإمام علي من أهل البيت (عليهم السلام) . وآخرهم المهدي (عليه السلام) الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً .

قال رسول (صلى الله عليه وآله): « ما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللهُ في خيرهما فأُخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت إلى أبي وأُمّي، فأنا خيركم نسباً وخيركم أباً »[48].

والدليل القرآني على طهارة نسب النبي (صلى الله عليه وآله) قوله تعالى: (الذي يَرَاك حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ)[49].

فهي تدلّ باتّفاق المفسّرين على كون آبائه من الساجدين الطاهرين المطهّرين .

وقد سار عبدالمطّلب على خطى آبائه فحرَّم نساء الآباء على الأبناء[50].

لكنّ البعض حاول الطعن في شرف آباء النبي (صلى الله عليه وآله) ومنزلتهم مثل أبي سفيان الذي قال: محمّد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط التبن .

فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: « إنَّ الله عزَّوجلَّ خلق السماوات سبعاً فاختار العلى منها فأسكنها من شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم »[51].

وصرَّح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ; قال لي جبريل: « قلّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد أحداً أفضل من محمّد، وقلّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم »[52].

وذكر ابن سعد في طبقاته نسب النبي وآبائه وأُمّهاته بشكل جيّد وموسَّع[53].

لكنّ عمر بن الخطّاب وصحبه كَرَّرُوا في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ما قاله أبو سفيان ! فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأراد (صلى الله عليه وآله) أنْ يذكر أنسابهم الواقعيّة، فقام عمر وقبَّل رجلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعاد الشهادة ثانيةً بلا إله إلاّ الله محمّد رسول الله !

وبرك عمر على ركبتيه قائلاً: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً ، أُعف عنَّا عفا الله عنك إغفر لنا غفر الله لك، احلم عنَّا حلم الله عنك .

ولشدّة الإعتداء على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغضبه وضع المسلمون رؤوسهم في ثيابهم يبكون خجلاً وحياءً من الله ورسوله[54].

 

بئر زمزم

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « خير بئر للناس زمزم وشر بئر برهوت »[55].

وقد نبعت زمزم تحت قدمي إسماعيل (عليه السلام) ثم دفنت خمسمائة سنة لا يعرف مكانها وسمّيت زمزم لأنها زمت بالتراب أو لزمزمة الماء فيها[56] ودفنتها جرهم حين فرّوا من مكّة . وعمد رئيسهم عمرو بن الحارث الجرهمي قبل فراره الى نفائس فجعلها في زمزم وبالغ في طمّها وفرّ إلى اليمن بقومه .

فلم تزل زمزم من ذلك اليوم مجهولة إلى أن رفعت الحجب برؤيا رآها عبدالمطّلب دلَّته على مكانها حينما كان نائماً في حجر إسماعيل (عليه السلام)، إذ أُمِرَ بحفر زمزم يوم كان عبدالمطّلب رئيساً لمكّة[57].

ولمّا حفر عبدالمطّلب ووصل إلى بئر زمزم كبّر فعرفت قريش أنه أدرك حاجته فطالبوه بإشراكهم فيها فرفض، فاتّفقوا على تحكيم كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت باشراف الشام، ولمّا ذهبوا إليها فنى ماء عبدالمطّلب وأصحابه فظمئوا حتّى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنّا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، ولمّا ركب عبدالمطّلب راحلته إنبعثت (انفجرت) من تحت خفّها عين ماء عذب، فكبَّر عبدالمطّلب وكبَّر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش قائلاً: هلم إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: والله قُضي لك علينا ياعبدالمطّلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً إنّ الذي سقاك الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً[58]. وورث أبو طالب الرياسة والسقاية والرفادة من أبيه عبدالمطّلب .

وكان عبدالمطّلب قد عثر على أسياف وغزالين من الذهب في زمزم فجعل الأسياف باباً للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب فكان أوّل ذهب حلّيت به الكعبة[59].

 

بنو أُميّة وأصلهم الردي

كانت العرب في الجاهلية تعتق عبيدها إن أرادت وتزوّجهم من كرام العرب ثم تُلحقهم بها .

فكان أُمية من الروم استلحقه عبد شمس اذ جاء: أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف وإنّما هو عبد من الروم، وأُميّة تصغير أمة فنسب إليه[60].

فبنو أُمية كلّهم ليسوا من صميم قريش وإنّما يلحقون بهم ويصدق ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا كتب له معاوية: إنّما نحن وأنتم بنو عبد مناف .

فكان جواب الإمام علي (عليه السلام) له: « ليس المهاجر كالطليق وليس الصريح كاللصيق »[61].

فهذه شهادة من الإمام علي (عليه السلام) إنّ بني أُمية لصّاق وليسوا صحيحي النسب إلى عبد مناف وأيّد معاوية ذلك ولم ينكره .

وقال البهائي صاحب الكامل: إنّ أُمية كان غلاماً روميّاً لعبد شمس فلمّا ألفاه كيِّساً فطناً أعتقه وتبنَّاه فقيل أُمية بن عبد شمس . كانوا يعملون بذلك قبل نزول الآية المحرّمة .

لذا روي عن الصادقين (عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى: (الم * غُلِبَتْ الرُّومُ) إنّهم

بنوأُميّة .

فظهر هنا نسب عثمان ومعاوية وحسبهما غير العربي[62].

وقال ابن قتيبة الدينوري: كان أبو سفيان أعور العين من أصل غير عربي[63].

فلم يكن لعبد شمس ابن يأخذ بضعه ويرفع من قدره ويزيد في ذكره ولهاشم عبدالمطّلب سيّد الوادي غير مدافع أجمل الناس جمالاً وأظهرهم جوداً وأكملهم كمالاً وهو صاحب الفيل والطير والأبابيل وصاحب زمزم وساقي الحجيج[64].

وأجمعت الرواة على أنّ من أخذ الإيلاف لقريش هاشم بن عبد مناف، فلمّا مات قام أخوه المطّلب مقامه[65].

وكان هاشم رجلاً كثير السفر والتجارة يسافر في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن والشام نحو العباهلة باليمن واليكسوم من بلاد الحبشة ونحو ملوك الروم بالشام فجعل لهم معه ربحاً فيما يربح وساق لهم إبلاً مع إبله فكفاهم مؤونة الأسفار على أن يكفوه مؤونة الأعداء في طريقه ومنصرفه، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين[66].

وقال سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله): أُمّ أُميّة الزرقاء وكانت في الجاهلية من صواحب الرايات[67] وكان أُميّة ممّن اشتهر بالزنا وكذلك كان ابنه حرب[68].

وقال معاوية إنّي أُحبّ أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سنّ وقد رأى الناس يخبرنا عمّا رأى .

فقال بعض جلسائه: ذلك رجل بحضرموت . فأرسل إليه، فأُتي به، فقال له : ما اسمك ؟

قال: أمد .

قال: ابن مَن ؟

قال: ابن أبد .

قال: ما أتى عليك من السِنّ ؟

قال: ستّون وثلاث مئة .

قال: كذبت .

ثمّ إنّ معاوية تشاغل عنه، ثم أقبل عليه ما اسمك ؟

قال: أمَد .

قال: ابن مَن ؟

قال: ابن أبد .

قال: كم أتى عليك من السنّ ؟

قال: ثلاث مئة وستّون سنة .

قال: فأخبرنا عمّا رأيتَ من الأزمان، أين زماننا هذا من ذلك ؟

قال: وكيف تسأل من تُكَذِّب ؟

قال: إنّي ما كذّبتُك، ولكنّي أحببت أن أعلم كيف عقلك .

قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، يموت ميّت، ويولد مولود، فلولا من يموت لم تَسعْهُم الأرض، ولولا من يُولد لم يبق أحد على وجه الأرض .

قال معاوية: فأخبرني هل رأيت هاشِماً ؟

قال: نعم رأيته رجلاً طُوالاً، حسنَ الوجه، يقال، إنّ بين عينيه بركة أو غُرَّة بركة .

قال معاوية: فهل رأيت أُميّة ؟

قال: نعم، رأيته رجلا قصيراً أعمى، يقال: إنّ في وجهه لشرّاً أو شُؤماً .

قال معاوية: فهل رأيت محمّداً ؟ قال: مَنْ محمّدٌ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: نعم .

قال: ويحك، ألا فَخَّمتَه كما فَخَّمهُ الله ؟ فقلتَ: رسول الله .

قال معاوية: فأخبرني، ما كانت صناعتك ؟

قال: كنت رجلاً تاجراً .

قال معاوية: فما بلغت تجارتك ؟

قال: كنت لا أشتري عَيْباً ولا أردُّ ربحاً .

قال له معاوية: سَلْني .

قال: أسألك أن تدخلني الجنّة .

قال معاوية: ليس ذلك بيدي، ولا أقدر عليه .

قال: أسألك أن ترُدَّ عليّ شبابي .

قال معاوية: ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه .

قال: لا أرى بيديك شيئاً من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة .

قال: فرُدَّني من حيث جئت .

قال معاوية: أمّا هذا فنعم .

ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون[69].

 

عظَّم الأمويون الكفرة وحقَّروا المؤمنين

حاول الحزب القرشي زعزعة الثقة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وصحبه الأخيار بكل الوسائل المتاحة، فوصموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأشوه صورهم حسداً وحقداً منهم على الإسلام والمسلمين وشمّروا سواعدهم لتحجيم شخصية أبي طالب زعيم بني هاشم وقريش الذي ورث قيادة مكّة من أبيه وجدّه وبما وهبه الله تعالى من إمكانات فذّة .

ويذكر أنَّ قيادة مكّة كانت له دون منازع والفرق بينه وبين المنافسين له شاسع ولمّا أسلم أبو طالب ودافع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين حاولوا القضاء عليهم أجمعين[70].

ثم تعرّض رسول الله وأبو طالب لأبشع هجمة من قبل الأمويين حتّى بلغ بهم الأمر أن وصموا أبا طالب بالكفر ووصفوا أبا سفيان وصفوان بن أُميّة بالإسلام[71].

وتجاهلوا تضحيات أبي طالب العظيمة للإسلام وموته في سبيل الله تعالى وسار على خطّهم الكتّاب والمحدِّثون المغرضون وأشاعوا كلّ الأكاذيب اللاّأخلاقية .

وكان عمر بن الخطّاب قد هيّأ الأجواء للمجيء بمعاوية إلى سدّة الزعامة عندما عيّنه والياً عامّاً على الشام، وعيّن أبا موسى الأشعري على البصرة، والمغيرة بن شعبة على الكوفة (الذي يشبه الشيطان فهو دميم المنظر أعور العين)[72] وظهر الشيطان بصورته في دار الندوة وعمرو بن العاص على أفريقيا، وأبا هريرة والياً على البحرين[73]. وعبدالله بن أبي ربيعة على اليمن والوليد بن عقبة على الجزيرة[74]وأغلبهم حاربوا الإسلام وتراثه في مكّة والمدينة في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)ومماته وأوجدوا هذه الفتن العظيمة التي ما زلنا نعاني منها مِن لا عدالة اجتماعية وماليّة وأنقسامات طائفيّة وقوميّة وفوضى سياسيّة[75].

وتلك المجموعة هي التي أرادت قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكّة وفي المدينة وفي أثناء حملة تبوك[76].

والسؤال هو لماذا جاء عمر بهذه المجموعة الماكرة إلى سدّة الحكم في حياته وأوصى إليهم بعد مماته، وفي هؤلاء سفراء قريش إلى الحبشة وقادة الكفّار في معركة بدر وفيهم أبو هريرة الذي وصمه عمر بالسرقة والكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)[77]! وترك أصحاب بيعة العقبة والثابتين في معركتي بدر وأُحد ؟!

إنّ هذه العصابة القرشية أصبحت حاكمة على سياسة وتراث الأُمّة بعد اغتيال أبي بكر، وعظم دورها بوصول الأُمويين إلى السلطة في زمن عثمان ومعاوية وسائر الأُسرة الأموية .

فحاول الحزب القرشي ووليده الحزب الأموي تعظيم شخصية الكفرة الذين ماتوا على الكفر والآخرين الذين ماتوا على النفاق .

ولمّا أجبر بعض رجال العرب جواريهم على الزنا انتشر الفساد ورفعت رايات الفحش لحمامة جدّة معاوية وأُمّ عمرو بن العاص وأُمّ طلحة بن عبدالله وأُمّ الضحّاك بن قيس .

واستمرّت بعض الزانيات في عملها في الإسلام ومنهنّ فريعة بنت همام أُمّ الحجّاج بن يوسف الثقفي وهي التي قالت شعراً خليعاً:

ياليت شعري عن نفسي ازاهقه *** منّي ولم أقضي ما فيها من الحاج

ألا سبيل إلى خمر فأشربها *** أم سبيل إلى نصر بن حجّاج

إلى فتى ماجد الأخلاق ذي كرم *** سهل المحيّا كريم غير فجفاج

وكان نصر بن حجّاج شابّاً جميلاً فضربها عمر بالدّرة ضربات[78].

وحاول معاوية بن أبي سفيان تعظيم صورة أشخاص من قبائل العرب مقابل رجالات بني هاشم . ومن هؤلاء الرجال عبدالله بن جدعان .

وقد وصفه السهيلي قائلاً: كان ابن جدعان في بدء أمره صعلوكاً تَرِب اليدين ، وكان مع ذلك شرِّيراً فاتكاً لا يزال يجني الجنايات، فَيعقِل عنه أبوه وقومه ، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف ألاَّ يؤويه أبداً لما أثقله به من الغرم وحمله من الديات[79].

فوضعوا له رواية مزيّفة مفادها مناداته من قبل ثعبان مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، فشاهد وسط بيت كوماً عظيماً من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزَّبرجد في وسط جبل[80]!

بينما ذكر هشام بن الكلبي حقيقة عمله كسمسار للبغايا، والمتمثّل في ملكيّة مجموعة من الإماء فيعرضهنّ على الرجال ليبيع الأطفال من آبائهم أو الغرباء[81]! فكانت أمواله من أُجور الزنا !

وقد قال تعالى: (وَلاَ تُكرِهُوا فَتَياتِكُم على البِغاءِ)[82].

وكان طغاة قريش يفعلون ذلك لكسب الأموال !!

وحاول القصّاصون تعظيم عبدالله بن جدعان ففشلوا ! وأين ابن جدعان من هاشم وعبدالمطّلب وأبي طالب هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإسلام وخاتم الأنبياء وعموم الناس .

وابن جدعان كان يملك صهيباً فادّعا القصّاصون زيفاً ملكيّة أبي بكر له ! فكان صهيب ابن هذه المؤسّسة .

وكانت مهنة ابن جدعان أقذر مهنة في مكّة ألا وهي شراء الإماء وعرضهنّ على الرجال ومن ثمّ بيع الأطفال إلى الناس[83] أي مشروع زنا جماعي .

وهو مشروع جاهلي أبطله الإسلام، فداره أقبح منزل لا أخلاقي في بلاد العرب .

ولكنّ الحزب القرشي حاول تعظيم ابن جدعان كشخصية راقية زيفاً ودجلاً فجعل بيته مقرّاً لإنعقاد حلف الفضول[84]! لتشويه حلف الفضول .

وبعدما صنعوا كلّ ذلك الزيف للتستّر على مهنة ابن جدعان في السمسرة بالنساء الممنوعة شرعيّاً والمرفوضة أخلاقيّاً تقدّموا أكثر لإهانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقالوا بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يستظل بجفنة (طعام) عبدالله بن جدعان[85].

وكذبوا أيضاً: ابن جدعان من كثرة كرمه منعه قومه من العطاء ! فأخذ يضرب الناس كذباً حتى يعطوهم ديّاتهم من ماله[86]، وغيرها من أكاذيب بينما مات ابن جدعان كافراً فاجراً .

وكان أبو قحافة من عبيد عبدالله بن جدعان ينادي على طعامه وعاملاً من عمّاله في مشروعه الجاهلي السيّىء الصيت لذلك قال الشاعر:

كفينا بني تيم بن مرّة ما جنت *** وما التيمُ إلاّ أعبُدٌ وإماء[87]

وقالوا في حقّ ابن جدعان من الشعر:

له داع بمكّة مشمعل *** وآخر فوق دارته ينادي

فالمشمعل هو سفيان بن عبدالأسد والآخر هو أبو قحافة والإثنان من عبيد عبدالله بن جدعان .

وقال هشام بن الكلبي: كانت أُمّ سفيان بن عبدالأسد أمة لابن جدعان[88]، وله مئة مملوك آخر[89]، لذلك قال سعد بن عبادة لأبي بكر: ليس عندك حسب كريم[90].

وقال عمر لأبي بكر نفس العبارة بشكل آخر: وا لهفاه على ضئيل بني تيم[91].

وقال أبو سفيان عن تيم: إنّها أذلّ قبيلة في قريش[92].

وحاول الحزب القرشي تعظيم شخصية صفوان بن أُميّة الذي حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكّة والمدينة وأرسل شخصاً لقتله في المدينة فنجّاه الله تعالى فاعترف المأمور عمير بن وهب الجمحي بذلك وأسلم[93] إلى أن أُجبر صفوان على دخول الإسلام في فتح مكّة .

وسعى الحزب الأموي لإعلاء شأن الوليد بن المغيرة المخزومي فإليه نسبوا قضيّة هدم وبناء الكعبة لأنّه من أعمدة الحزب الكافر المحارب لله ورسوله الذي قال فيه الباري عزّوجلّ: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[94]. وقتله الله تعالى شرّ قتلة[95].

ومجّد الحزب القرشي أبا لهب الذي نزلت في حقّه سورة المسد مدّعين اشارته ببناء الكعبة من المال الحلال الذي ليس فيه مهر بغي، ولا مال ربا ولا ظلم ولا سرقة[96]! في حين كان أبو لهب هو الذي سرق مال الكعبة[97]! وحارب الإسلام بكلّ إمكاناته وقدراته، واشترك في محاولة قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)[98].

وانطلق كفرة قريش وبني أُميّة لتنزيه صورة حكيم بن حزام فادّعوا أنّ ولادته في الكعبة الشريفة[99] في حين لم يوفّق الله تعالى شخصاً للولادة في بيته الحرام سوى الإمام علي بن أبي طالب[100] والذي دفعهم لذلك موبقات هذا الرجل الكثيرة: مشاركته مع أبيه في حرب الفجّار، وقبل إسلامه في محاربته للرسول (صلى الله عليه وآله) وهزيمته بالمسلمين في حنين بعد إسلامه الصوري في فتح مكّة، ودفاعه المستميت عن بني أُميّة في ملوكيّتهم . واحتكاره المال بعد فتح مكّة، وامتناعه من مبايعة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) بعد بيعته وغيرها من المثالب[101].

وحاول معاوية تمجيد حرب بن أُميّة فروى له جنوده بأنّه أوّل من أدخل الكتابة الى مكّة[102]. بينما كان النبي إسماعيل (عليه السلام) هو أوّل من أدخل الكتابة إلى مكّة[103].

وكذبوا في ادّعائهم إطعام حرب للحجيج في حين كان يستحوذ على أموال الغرباء وشارك في سرقة مال الكعبة[104].

وحاولوا تنزيهه عن المشاركة في حرب الفجّار في حين كان حرب بن أُميّة قائدها[105].

 

المنافسة بين قبائل قريش

عُرِفَ عبدالمطّلب سيّد قريش والمسمّى بإبراهيم الثاني بحسد قومه لبني هاشم وسعيهم للنيل منهم وكأنَّه أخذ ذلك عن إسماعيل وإبراهيم (عليه السلام) فقال قبل موته :

لتنفسني قريش غداً الشرف العظيم والبناء الكريم والعزّ الباقي والسناء العالي إلى آخر الدهر ويوم الحشر[106].

فخاف عبدالمطّلب العالم بالدين والأُمور الاجتماعية والسياسية في مكّة من حسد قريش للنبي ورفضهم للإسلام .

ويقصد عبدالمطّلب حسدهم للنبوّة العظيمة والرسالة الجليلة، وقد قال ملك اليمن ابن ذي يزن نفس الكلام لعبدالمطّلب .

وبعد موت عبدالمطّلب حصل أبو طالب على منصب رئاسة قريش ونافسه حرب بن أُميّة دون جدارة فلم يتمكّن من تحقيق أغراضه .

وفي زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسالته استمرّت تلك المنزلة الاجتماعية لأبي طالب لجدارته وأخلاقة، فاستطاع بها الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وبعد استمراره في الدفاع عن ابن أخيه في تبليغه الدين الجديد وحطّه من آلهة قريش استنكر زعماء قريش زعامته وحاصروه في شعبه مع قومه .

وفي أثناء تلك الفترة ظهرت القيادة الجديدة لقريش والمتمثّلة في أبي سفيان وأبي جهل وعتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة المخزومي وعبدالله بن جدعان .

واستمرّ هذا المنحى في المنافسة على الزعامة فنافس أبو جهل المخزومي وأبو سفيان وعتبة وشيبة الأمويون محمّداً (صلى الله عليه وآله) ونافس أبو بكر التيمي وعمر العدوي وأبو عبيدة الفهري وعثمان الأموي الإمام علياً (عليه السلام) !

فسار أبو بكر التيمي على خطى ابن جدعان التيمي، وسار خالد بن الوليد المخزومي على خطى الوليد المخزومي، وسار أبو سفيان وعثمان ومعاوية الأمويون على خطى أُميَّة وحرب بن أُميّة .

ولكنّ ابن جدعان الصعلوك والوليد الحدّاد لم تكن عندهما المكانة القبليّة والاعتبارية والشخصية والنسبية التي كانت عند أبي طالب فبقي هو السيّد والزعيم الأوّل في مكّة مثل أبيه عبدالمطّلب .

وخلعت قريش زعامته قبل حصار بني هاشم في الشعب عندما تيقّنوا بإسلامه فهو مثل مؤمن بني فرعون الذي ذكره الله تعالى في كتابه قائلاً:

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)[107].

ولمّا عرفت قريش بحقيقة قصّة أبي طالب دسّت هي أيضاً مجموعة من دهاتها في صفوف المسلمين مدّعين الإسلام فحاولوا مراراً قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم ينجحوا وأفلحوا أخيراً، وهم الذين سيطروا على خلافة المسلمين بالتعاون مع زعماء قريش أبي سفيان ومعاوية وعكرمة بن أبي جهل وحكيم بن حزام .

وكان الحزب القرشي الماكر قد أرسل شياطين متعدّدين إلى صفوف المسلمين افتضح أمرهم لاحقاً مثل عمرو بن العاص .

 

الفصل الثاني: أجداد النبي ودين الأنبياء

هاشم بن عبد مناف

كان هاشم شخصيّة شهيرة في مكّة وجزيرة العرب معروفاً عند الدول المجاورة المتمثّلة بدول الروم والفرس والحبشة واليمن . فقد أكرمه سيف بن ذي يزن في اليمن إكراماً مشهوداً .

وقد تولّى في زمنه الرِّفادة والسِّقاية، وكان رجلاً موسراً فإذا حضر موسم الحجّ قام في قريش قائلاً:

« يامعشر قريش إنّكم جيران الله سبحانه، وأهل بيته، وإنّه يأتيكم في هذا الموسم زُوّارُ الله وحُجَّاج بيته، وهم ضيف الله سبحانه، وأحقّ الضَّيف بالكرامة ضَيْفُه فأجْمَعُوا لهم ما تصنعون لهم به طعاماً أيّامهم هذه التي لابدّ لهم من الإقامة بها، فإنّه ـ والله ـ لو كان مالي يسع لذلك ما كلَّفْتُكُمُوهُ » . فيخرجون لذلك خرجاً من أموالهم كلّ امرئ بقدر ما عنده فيُصنع به للحجّاج طعامٌ حتى يصدروا منها[108].

وهو أوّل من أطعم الثريد للحجّاج بمكّة وإنّما كان اسمه عَمراً فما سمّي هاشماً إلاّ بِهَشْمه الخبز بمكّة لقومه فقال شاعر من قريش:

عَمْرو الذي هَشَم الثريد لقومه *** قوم بمكّة مُسْنِتِينَ عِجَافِ

سُنَّت إليه الرحلتان كلاهما *** سَفَرُ الشتاءِ ورِحلةُ الايلاف[109]

وكان هاشم بعد أبيه على الزعامة والسقاية والرفادة، فكان يعمل الطعام للحجّاج يأكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد، وتسمّى الرفادة .

ثم ولي الزعامة والسقاية والرفادة بعده أخوه المطّلب بن عبد مناف ثم تولاّها بعده شيبة بن هاشم المسمّى بعبدالمطّلب[110].

وكان هاشم أوّل من سنَّ الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف .

 

عبد المطّلب بن هاشم

واسمه شيبة بن هاشم وله عشرة أبناء، وهو الذي سجد له الفيل الأعظم وعليه قصّة أصحاب الفيل، وبرز نور النبوّة في أسارير عبدالمطّلب، وببركته (صلى الله عليه وآله)دفع الله تعالى شرَّ إبرهة الحبشي، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، وببركته (صلى الله عليه وآله) أمر عبدالمطّلب أولاده بترك الظلم والبغي، وحثّهم على مكارم الأخلاق، ونهاهم عن دنيّات الأُمور .

وكان شابّاً شجاعاً لم يفرّ من مكّة بفرار قريش بل بقي فيها قائلاً: والله لا أخرُج من حرم الله أَبتغي العزَّ في غيره فجلس عند البيت قائلاً:

« اللهمّ إنَّ المرءَ يمنعُ رَحْله فامنَعْ حلالك »[111].

فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله تعالى الفيل وأصحابه فرجعت قريش وقد عَظُمَ فيهم لصبره، وتعظيمه محارِمَ الله تعالى، فأُتي عبدالمطُلب في منامِه في الحجر فقيل له: إحفر زمزم[112].

وكانت عين زمزم قد نبعت عند قدوم إسماعيل وأُمّه هاجر إلى مكّة بدعاء النبي إبراهيم (عليه السلام) الذي قال: (ربَّنا إنِّي أسكَنتُ من ذُرِّيتي بِوَاد غَيرِ ذِي زَرع عِندَ بيتِكَ المحرَّم)[113] فنبعت عين زمزم من فحص إسماعيل (عليه السلام) برجله فيها، فنبت الشجر واستقرّت جرهم هناك[114].

وبعد موت عبدالله اهتمّ عبدالمطّلب بحفيده محمد (صلى الله عليه وآله) اهتماماً خاصّاً، لإيمانه بالله تعالى والآخرة والأنبياء ولمعرفته وإيمانه بنبوّته (صلى الله عليه وآله) . أوّلاً وكونه حفيده ثانياً، وثالثاً إنّه صبيٌ يتيم الأبوين .

وقبل موته عهد عبدالمطّلب بمحمّد (صلى الله عليه وآله) إلى أفضل أبنائه (أبي طالب) فكان عند حسن ظنّه وسار أبو طالب على خطى عبدالمطّلب في الاهتمام بالدين الإلهي والرحم، فاعتنى برسول الله (صلى الله عليه وآله) عناية خاصة وفائقة .

وسمّت قريش عبدالمطّلب بإبراهيم الثاني[115].

 

السير على دين إبراهيم (عليه السلام)

وكان عبدالمطّلب بن هاشم من حلماء قريش وحكمائها، مجاب الدعوة، محرِّماً الخمر على نفسه، وهو أوّل من تحنَّث بحراء، والتحنّث تعبّد الليالي ذوات العدد، فإذا دخل رمضان صعده (للصوم) وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلّي عن الناس والتفكّر في جلال الله وعظمته، فيرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال، فقالوا له مطعم الطير والفياض، فكان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأُمور، وشريفهم وسيدهم كمالاً وفعالاً، وعاش مائة وأربعين سنة[116].

ورفض عبدالمطّلب عبادة الأصنام ووحَّد الله تعالى، ويؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان وكانت قريش تستسقي به ويسمّى سيّد قريش[117].

واستمرّ عبدالمطّلب وأبو طالب وبعض أبناء عبدالمطّلب في السير على الدين الحنيف، وكانت عرب الجاهلية قد إنحرفت عن دين إبراهيم الخليل (عليه السلام) إنحرافاً بيّناً وممقوتاً ومن تلك الانحرافات ما فعلوه في قضية الكعبة والحجّ:

ترك العرب الوقوف على عرفة والافاضة منها[118].

وكانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويسمّون بالحُمس ولا يقفون بعرفات، في حين كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقف بعرفات قبل البعثة[119].

وحرّم الكفرة طعام الحل في الحرم[120]. وأبعدوا مقام إبراهيم عن مكانه .

والإنحراف الخطير تمثّل في التعرّي . وقد أبطل الإسلام هذه العادات الجاهلية السيّئة إذ جاء في الكتاب العزيز: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا)[121]. والزينة هي الثياب .

وجاء أيضاً: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً)[122]. فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق[123].

 

إيمان آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام)

إدَّعت الشيعة الإماميّة إيمان آباء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آدم رغم إنَّ بعضهم لم يعلن الإسلام لظروف خاصّة به[124].

فقد أعلن أبو حيّان الأندلسي: « ذهبت الرافضة إلى أنّ آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا مؤمنين »[125].

وحاول غير الإمامية إعلان كفر آباء النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ البعض منهم .

وتلك الأغلبية سعت بكل الوسائل إلى إثبات ذلك الأمر، وهدفهم من ذلك الحطّ من منزلتهم، بل إنّهم حاولوا إثبات كفر أبي طالب الذي سعى بكل الوسائل لدعم الإسلام والمسلمين وضحّى بكلّ ما عنده في هذا السبيل . وقد صرَّح المسعودي واليعقوبي والسيوطي والرازي بإيمان أبي طالب[126].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « لم يزل ينقلني اللهُ من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات، حتى أخرجني في عالمكم، ولم يدنّسني بدنس الجاهلية »[127].

ومن دلائل إيمان أجداد النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّ عبدالمطّلب كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثّهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأُمور .

وكان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى يُنتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أهل الشام لم تصبه عقوبة فقيل لعبدالمطّلب في ذلك فقال: والله إنَّ وراء هذه الدار داراً أُخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب المسئ بإساءته، أي أنَّ العقوبة معدّة له في الآخرة .

ورفض عبادة الأصنام ووحَّد اللهَ سبحانه وتعالى وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة بها، منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان[128].

وهذا أفضل دليل على إيمان آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وردّ شبهات الكفّار والمنافقين .

جاء في كتاب البحار: إعتقادنا في آباء النبي (صلى الله عليه وآله) أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبدالله، وأنّ أبا طالب كان مسلماً، وآمنة بنت وهب كانت مسلمة ; واتّفقت الإمامية على أنَّ والديّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وكلّ أجداده إلى آدم (عليه السلام) كانوا مسلمين، بل كانوا من الصدّيقين[129].

وقال فخر الدين الرازي إنَّ قوله تعالى: (إِنَّما المُشرِكُونَ نَجَسٌ)[130].

وجب أنْ لا يكون أحد من أجداده (صلى الله عليه وآله) مشركاً[131].

وقال الحلبي: أحيا الله تعالى أبويه فآمنا به[132] كما آمن به أجداده وباقي الأنبياء وبشّروا به .

وكانت قريش تستسقي بعبدالمطّلب فيسقيهم الله تعالى ببركة ذلك النور[133].

واعترف الحزب القرشي برفض جماعة قرشية عبادة الأصنام وهم ورقة بن نوفل الأسدي وعبيدالله بن جحش (زوج أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان) وعثمان بن الحويرث الأسدي وزيد بن عمرو بن نفيل العدوي فتنصّر ثلاثة وبقي زيد بن عمرو بن نفيل على الحنيفية[134].

لكنّ الحزب القرشي وأتباعه من العلماء أنكروا إيمان آباء وأجداد النبي (صلى الله عليه وآله)حسداً لهم وحقداً عليهم وأدخلوهم جهنّم زيفاً، مثلما أدخلوهم في شعب أبي طالب في مكّة ظلماً !

قال أبو طالب: أنبأني أبي عبدالمطّلب إنَّ محمّداً هو النبي (صلى الله عليه وآله) المبعوث وأمرني أن أستر ذلك لئلاّ يغري به الأعادي[135].

وقال بنو مدلج: إنّ قدم محمد (صلى الله عليه وآله) تشابه قدم إبراهيم (عليه السلام) فقال عبدالمطّلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظ به[136].

وقال عبدالمطّلب عن محمّد (صلى الله عليه وآله) إنّ المَلِكَ قد أتاه[137].

 

مَن كفَّر أجداد النبي (صلى الله عليه وآله) ووالديه وأبا طالب

سعى علماء العصبيّة وأتباع البلاط بكل السبل لتكفير آباء وأجداد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتكفير عمّه أبي طالب وأُمّه آمنة وإدخالهم النار بكل السبل المتاحة، ورفض الروايات الصحيحة في إيمانهم وتوحيدهم قبل المبعث وبعده ! ممّا يثير علامات استفهام وشكوكاً كثيرة !!

فمن الأكاذيب: جاء عنهم قوله (صلى الله عليه وآله): إنّي أتيت قبر أُمّي فسألت ربّي الشفاعة أو استأذنته في الإستغفار لها فأبى عليَّ ـ يعني لها ـ فمنعنيها[138].

وإنّه نزل حينها: (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)[139].

ومن الأكاذيب: في رواية سأله أعرابي: يا رسول الله أين أبوك ؟

قال (صلى الله عليه وآله): حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنار[140].

وقالوا كذباً قوله (صلى الله عليه وآله): أُشهدكم أنّي بريء من آمنة كما تبرّأ إبراهيم من أبيه[141]. وهذا القياس باطل لأنّ أبا إبراهيم كان حيّاً في زمن تبليغ إبراهيم (عليه السلام) لدينه على عكس والديّ النبي (صلى الله عليه وآله) فكيف يحكمون بكفرهم بدين لم يسمعوا به ! في حين آمن آباء وأجداد النبي (صلى الله عليه وآله) بدين إبراهيم (عليه السلام) وبرسالة محمّد (صلى الله عليه وآله) التي سيأتي بها .

وقال ابن كثير: إنَّ عبدالمطّلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافاً لفرقة الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب[142].

وقال البيهقي في كتابه دلائل النبوّة: وكيف لا يكون أبواه وجدّه عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة ـ أي من أهل الجحيم ـ وقد كانوا يعبدون الوثن حتّى ماتوا[143].

وروى ابن كثير نزول آية: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) فيهم[144].

ورووا كذباً أيضاً قوله (صلى الله عليه وآله): هو (أبو طالب) في ضحضاح من نار[145].

وقوله (صلى الله عليه وآله): أهون أهل النار عذاباً أبو طالب[146].

ولم تنجُ خديجة من ذلك التعصّب، فرووا قوله (صلى الله عليه وآله) فيها: بشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب[147].

وقسّم ابن كثير الرأي في أجداد النبي وأبيه وأُمّه إلى قسمين:

القسم الأول: السُنَّة كفّروهم وحكموا بدخولهم النار .

والقسم الثاني: وهم الشيعة أعلنوا إيمانهم وتوحيدهم وحكموا بدخولهم الجنّة .

ولو دقّقنا البحث في الموضوع لوجدنا أنَّ الكثير من علماء السنّة قد حكموا بإيمان والدي النبي (صلى الله عليه وآله) وأجداده .

ذكر ابن الجوزي: قال قوم من بني مدلج لعبدالمطّلب: احتفظ به فإنّا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في المقام منه . فقال عبدالمطّلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفط به[148].

وقال اليعقوبي: رفض عبدالمطّلب عبادة الأصنام ووحَّد الله عزَّوجلَّ فكانت قريش تقول: عبدالمطّلب إبراهيم الثاني[149].

وقال عبدالمطّلب برواية أبي طالب: إنَّ محمّداً النبي المبعوث وأمرني أن أستر ذلك لئلاّ يغري به الأعادي[150].

والصحيح كان عبدالمطّلب يصعد غار حراء في شهر رمضان ويطعم المساكين جميع الشهر[151].

وفي رواية: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سأل ربّه أن يحيي أبويه، فأحياهما وآمنا به[152].

ولقد جاء في الروايات الصحيحة إيمان والدي محمّد (صلى الله عليه وآله) بدين إبراهيم، ورفضهم عبادة الأصنام هذا قبل البعثة النبويّة .

وآمن به أبو طالب وخديجة ودافعا عنه وماتا في هذا الطريق . وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « ما نالت منِّي قريش شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب »[153].

وجاء: لمّا تقارب من أبي طالب الموت نظر العبّاس إليه يحرّك شفتيه، فأصغى إليه بإذنه فقال: ياابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها[154].

ودعا أبو طالب بني عبدالمطّلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد وما اتّبعتم أمره فاتّبعوه وأعينوه تَرْشُدوا[155].

ولقد شمَّر المؤرخون المتعصّبون سواعدهم ومنهم ابن كثير لتكفير والدي الرسول (صلى الله عليه وآله) وأجداده وأبي طالب !

فكذَّبوا الروايات الصحيحة في إيمانهم وصحَّحوا الروايات الأموية السقيمة في كفرهم !

ولقد صحّح محمد حسنين هيكل إيمان أبي طالب في طبعة كتابه الأولى (محمّد رسول الله) وعاد تحت ضغط المال إلى صفوف ابن كثير الأموي في طبعته الثانية !!

فأصبحت قضيّة تكفير والدي النبي (صلى الله عليه وآله) وأجداده، وأبي طالب، وإدخالهم النار ركناً من أركان الحزب القرشي والعامّة وركنهم الثاني إثبات عدالة الصحابة كافّة وإدخالهم الجنّة !

ولمّا كان غار حراء مكاناً مخصّصاً لعبادة أجداد وآباء النبي (صلى الله عليه وآله) حاول الأمويون سرقة تلك الفضيلة وإلصاقها بقريش ! إذ جاء: كانت قريش إذا دخل رمضان خرج من يريد التحنّث منها إلى حراء فيقيم فيه شهراً، ويطعم من يأتيه من المساكين، حتّى إذا رأوا هلال شوال، لم يدخل الرجل على أهله حتى يطوف بالبيت اسبوعاً، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك[156].

والمدهش أنّهم أدخلوا ورقة بن نوفل الجنّة لأنّه آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة ولم يسلم[157]، وأدخلوا آباءه (صلى الله عليه وآله) وأُمّهاته وأجداده النار رغم إيمانهم به قبل المبعث !

وقد سعى عروة بن الزبير بن العوّام لإدخال ورقة بن نوفل الجنّة بكلّ ما أُوتي من قوّة على الكذب لأنّه أسدي من قبيلته رغم موته على الشرك[158]!

 

هل آمن أبو طالب بن عبد المطّلب ؟

قال أبو طالب:

لعمري لو كلِّفتُ وجداً بأحمد *** وأجبته حبّ الحبيب المواصلِ

وجُدتُ بنفسي دونه وحميته *** ودارأت عنه بالذُّرى والكلاكلِ

فما زال في الدنيا جمالا لأهلها *** وشيناً لمن عادى وزَين المحافلِ

حليماً رشيداً حازماً غير طائش *** يوالي إله الخلق ليس بماحلِ

فأيّده ربّ العباد بنصره *** وأظهر ديناً حقّه غير باطلِ[159]

وهو عبد مناف بن عبدالمطّلب ترأّس قبيلة بني هاشم بعد أبيه عبدالمطّلب، وسار على وصية أبيه في الاهتمام بمحمد (صلى الله عليه وآله) اهتماماً خاصّاً[160]. فكان يحبّه أكثر من أبنائه إلى درجة السعي للتضحية بأبنائه في سبيل الدفاع عنه .

وظهر ذلك في شعب أبي طالب يوم كان يضع أحد أبنائه في فراش النبي (صلى الله عليه وآله)ليلاً لإنقاذه من أي شرّ محدق به !!

وتمثّل اهتمام أبي طالب برسول الله (صلى الله عليه وآله) في عدم مفارقته له، بأخذه معه إلى الشام للتجارة وهناك إلتقى بحبر من أحبار اليهود في تيماء، فقال لأبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟

قال: هو ابن أخي . قال: أشفيقٌ أنت عليه .

قال: نعم . قال: فوالله لئن قَدِمْتَ به الشام لا تصل به إلى أهلك أبداً لَتَقْتُلَنَّه اليهودُ، إنَّ هذا عدُّوهم فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة[161]. والظاهر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلتقى بالرهبان في أطراف الشام .

واهتمّت فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب بمحمّد (صلى الله عليه وآله) واهتمامها نابع من اعتقادها الديني الراسخ بدين إسماعيل وإبراهيم فقال (صلى الله عليه وآله) في وصف رعايتها يوم ماتت:

اليوم ماتت أُمّي، وكفّنها بقميصه، ونزل في قبرها، واضطجع فيه، وصنع ما لم يصنعه مع مسلم قبلها، وقال لمن سأله عنها: « إنّها كانت أُمّي تجيع أولادها وتطعمني وتشعثهم وتدهنني، وما أحسست باليتم منذ أن التجأت إليها » .

وأسلم أبو طالب سرّاً وهذا أمرٌ مؤكّد، وممّا يدلّ على إسلامه:

1 ـ قوله لرسول الله (صلى الله عليه وآله): والله لا يخلص إليك أحد بشيء تكرهه ما بقيت[162].

2 ـ وذكروا أنّه قال لعلّي: أي بُني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟

فقال: ياأبت آمنت برسول الله، وصدّقت بما جاء به، وصلّيت معه لله واتّبعته .

فقال أبو طالب له: أما إنّه لم يدعك إلاَّ إلى خير فالزمه[163].

3 ـ ولمّا أظهرت قريش عداوتها، حدب عليه أبو طالب عمّه ونصره ومنعه[164] وقال:

والله لَنْ يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أُغَيَّبَ في الترابِ دَفينا

ودَعَوتني وزَعمتَ أنَّكَ ناصحٌ *** وَلَقدْ صَدَقتَ وكنتَ ثمَّ أَمينا

وعرضتَ ديناً قَدْ عَلمتُ بأنَّهُ *** من خَيْرِ أديانِ البريّةِ دينَا[165]

4 ـ وقال ابن اسحاق: كان أحبّ الناس إلى أبي طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله)[166].

5 ـ وقد أجمع أهل البيت (عليهم السلام) على إيمان أبي طالب[167]، بل جاء أنّه من الأوصياء[168].

وقال العلاّمة الأميني: إنَّ بعض العلماء من أهل السنّة صرّحوا بإيمان أبي طالب مثل الإسكافي والبلخي والتلمساني والشعراني وسبط ابن الجوزي والقرطبي والسبكي والسيوطي[169].

6 ـ وقال ابن الأثير: ما أسلم من أعمام النبي (صلى الله عليه وآله) غير حمزة والعبّاس وأبي طالب عند أهل البيت[170].

7 ـ واستدلّ سبط بن الجوزي على إيمانه بأنّه لو كان أبو علي كافراً لكان شنّع عليه معاوية وحزبه والزبيريون وأعوانهم وسائر أعدائه (عليه السلام) مع أنَّه (عليه السلام) كان يذمّهم ويزري عليهم بكفر الآباء والأُمّهات ورذالة النسب[171].

8 ـ جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوده وهو شيخ أعمى يوم فتح مكّة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه ؟

قال: أردت أن يؤجره الله تعالى لأنّي كنت بإسلام أبي طالب أشدّ فرحاً منّي بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرّة عينك[172].

9 ـ وقال عماد الدين أبو الفداء: أسلم أبو طالب قبل موته[173]، وذكر شعره .

ودعوتني وعلمت أنّك صادق *** ولقد صدقت وكنت ثم أميناً

ولقد علمت بأنّ دين محمّد *** مِن خير أديان البرية ديناً

واللهِ لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتّى أُوسّد في الترابِ دفيناً[174]

10 ـ وقال المعتزلي: روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العبّاس بن عبدالمطّلب، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أنَّ أبا طالب ما مات حتّى قال: لا إله إلاَّ الله، محمّد رسول الله[175].

وجمع أبو طالب قريشاً قبل موته فقال لهم: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد، وما اتّبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا، فلم يقبلوا منه قوله، ولمّا مات أبو طالب اشتدّت قريش على النبي (صلى الله عليه وآله) ونالت منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياته[176].

11 ـ وقد ترحّم واستغفر النبي (صلى الله عليه وآله) على أبي طالب بعد موته على المنبر[177]، في حين لم يترحّم على من مات كافراً[178].

12 ـ وسُئِل الإمام السجاد (عليه السلام) عن إيمان أبي طالب فقال: « وا عجبا إنَّ الله نهى رسولَه أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر » .

وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات »[179].

13 ـ وقال الصادق (عليه السلام): « إنَّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرُّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله تعالى أجرهم مرّتين »[180].

لقد حاول معظم أتباع الخطّ القرشي إثبات كفر أبي طالب بشتّى الوسائل والطرق غير المشروعة بغضاً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقّه: « ياعلي لا يحبّك إلاَّ مؤمن ولا يبغضك إلاَّ منافق »[181].

وأعتقد بأنّ إسلام أبي طالب أصبح علنيّاً في الشعب . فأبغضه الكفّار وأحبّوا أبا سفيان وصفوان بن أُميّة والحكم بن أبي العاص وأدخلوهم الجنّة زيفاً، لأنّ منهجيّتهم عكس منهجيّة أبي طالب .

وهل من الإنصاف إدخال أبي سفيان وهند الجنّة وإحراق أبي طالب في النار ؟

وقد ضحّى أبو طالب بكلّ شيء في سبيل الإسلام واستخدم زعامته لقريش في سبيل الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإسلام لذلك لم تصل قريش بأذى للنبي (صلى الله عليه وآله)في حياته فهو سيّد قريش الأوّل فقالت أُخت عمرو بن عبد ود عن قاتل أخيها علي (عليه السلام):

لكنّ قاتله من لا يُعاب به *** أبوه مَن كان يُدعى سيّد البلد[182]

 

أهل الكتاب يعرفون نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) وإمامة علي (عليه السلام) قبل الإسلام

كان النصارى يسكنون أطراف جزيرة العرب مثل الحيرة وبلاد الشام، والبعض منهم في منطقة نجران، وكانوا يبشِّرون وينذرون بظهور النبي (صلى الله عليه وآله) . إذ قالت حليمة: بينما نحن سائرون إذ مررنا على أربعين راهباً من نصارى نجران، وإذا بواحد يصف لهم النبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً: إنَّه (صلى الله عليه وآله) يظهر في هذا الزمان، وقد ظهر بمكّة مولود من صفاته كذا وكذا، يكون على يده خراب دياركم وقطع آثاركم .

وإذا إبليس قد تصوّر لهم في صورة إنسان، وقال لهم: الذي تذكرونه مع هذه المرأة التي مرّت بكم، فقاموا إليه ونظروا وإذا النور يخرج من وجهه، ثم زعق الشيطان وقال لهم: اقتلوه، فشهروا سيوفهم وقصدوني، فرفع ولدي محمّد رأسه إلى السماء فإذا هم بداهية عظيمة كالرعد العاصف نزلت إلى الأرض، وفتحت أبواب السماء ونزلت منها نيران .

قالت حليمة: فعاينت ناراً قد نزلت فخفت على ولدي منها، فنزلت على واديهم فأحرقته[183].

وكان بمرّ الظهران راهب يدعى عيضاً من أهل الشام يدخل مكّة في كلّ سنة فيقول: يوشك أن يولد فيكم مولود ياأهل مكّة يدين له العرب، ويملك العجم هذا زمانه، ومن أدركه واتّبعه أصاب حاجته، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته[184].

(يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[185].

وقالت اليهود لأهالي المدينة: إنّا ننتظر نبيّاً يبعث الآن يقتلكم قتل عاد وثمود ، فنتّبعه ونظهر عليكم معه[186].

وقالوا: ليخرجنّ نبي فيكسرن أصنامكم، فلمّا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفروا به[187]! وكذَّبوا آياته .

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)[188].

وبشَّر كعب جدّ رسول الله قريشاً به (صلى الله عليه وآله)[189] وبشّر به (صلى الله عليه وآله) جدّه النضر بن كنانة قائلاً: قد آن خروج نبي من مكّة يدعى أحمد يدعو إلى الله وإلى البرّ والإحسان ومكارم الأخلاق فاتّبعوه[190].

وجاءت بشارات بولادة الإمام علي (عليه السلام) إذ قال عيسى (عليه السلام) في الإنجيل: إنَّ الإليا متوقّع أنْ يأتي[191].

وإليا هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصي محمد (صلى الله عليه وآله) .

 

الفصل الثالث: ولادة علي (عليه السلام) وصباه وتربيته

ولادة الإمام علي (عليه السلام) في الكعبة كيف ومتى ؟

الأسئلة التي تفرض نفسها على كلّ شخص في الدنيا هو: لماذا جعل الله تعالى ولادة الإمام علي (عليه السلام) في الكعبة ؟

ولماذا لم يولد فيها أحد سواه ؟

ولماذا أجاز الله تعالى ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة المقدّسة ولم يسمح لعيسى (عليه السلام)بالولادة في بيت المقدس ؟

وإليك متن حديث الولادة المباركة عن لسان الصحابي سعيد بن جبير عن يزيد بن قعنب مرفوعاً:

كنتُ جالساً مع العبّاس بن عبدالمطّلب وفريق من بني عبدالعزّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد ـ أُمّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ وكانت حاملةً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق فقالت:

ربّ، إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ النبيّ الّذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الّذي في بطني لما يسّرت عليَّ ولادتي .

قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أنَّ ذلك أمرٌ من أمر الله عزَّوجلَّ .

ثمَّ خرجت في اليوم الرّابع وبيدها أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ثمَّ قالت:

إنّي فُضِّلتُ على مَن تقدَّمني من النساء، لأنَّ آسية بنت مزاحم عبدت الله عزَّوجلَّ سرّاً في موضع لا يحبُّ أن يُعبد الله فيه إلاّ اضطراراً .

وأنَّ مريم بنت عمران هزَّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً ، فإنّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنّة وأوراقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف:

سمّيه علياً فهو علي يقول تعالى: « شققت اسمه من اسمي وادّبته بأدبي ووقّفته على غامض علمي »[192].

قال العلاّمة الحّليُّ (رحمه الله): وأمّا حال ولادته فإنَّه (عليه السلام) ولد يوم الجمعة الثّالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة ; ولم يولد فيها أحد سواه لا قبله ولا بعده ; وكان عمر النَّبيِّ (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة، فأحبَّه وربّاه، وكان يطهِّره في وقت غسله، ويجرِّعه الّلبن عند شربه، ويحرِّك مهده عند نومه ... ويقول:

« هذا أخي وولييِّ وذخري وناصري وصفيِّي وكهفي وصهري ووصيِّي وأميني وخليفتي » وكان يحمله دائماً ويطوف به جبال مكّة وشعابها وأوديتها[193].

وقال برهان الدين الحلبيّ: فلم يزل عليٌّ (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)[194].

وللسيد الحميري المتوفّى سنة173 قصيدة منها:

ولدته في حرم الإله وأمنه *** والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت وطاب وليدها والمولدُ

فى ليلة غابت نحوس نجومها *** وبدت مع القمر المنير الأسعد

ما لُفّ في خرق القوابل مثله *** إلاّ ابن آمنة النبي (محمّد) (صلى الله عليه وآله)

وللعلاّمة الشيخ حسين نجف المتوفّى سنة1252 قصيدة نقطف منها محل الحاجة:

جعل الله بيته لعلي *** مولداً ياله علاً لا يضاهى

لم يشاركه في الولادة فيه *** سيّد الرُّسل لا ولا أنبياها

علم الله شوقها لعلي *** علمه بالذي به مَن هواها

إذا تمنّت لقاءه وتمنّى *** فأراها حبيبه ورآها

ما ادّعى مدّع لذلك كلاّ *** من ترى في الورى يدوم ادّعاها

فاكتست مكّة بذلك افتخاراً *** وكذا المشعران بعد مناها

بل به الأرض قد علت إذ حوته *** فغدت أرضها مطاف سماها

أو ما تنظر الكواكب ليلاً *** ونهاراً تطوف حول حماها

وإلى الحشر في الطواف عليه *** وبذاك الطواف دام بقاها

وقال السيّد الحميري المتوفّى سنة 173هجرية:

ولدته في حرم الإله وأمنه *** والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها *** وبدت مع القمر المنير الأسعد

ما لفّ في خرق القوابل مثله *** إلاّ ابن آمنة النبي محمّد

لقد حصلت معجزات كثيرة في العصر النبوي الشريف على رأسها مقتل أصحاب الفيل القادمين لهدم الكعبة، والمعاجز التي رافقت ولادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلامه وبركته وولادة وصيّه الإمام علي (عليه السلام) في جوف الكعبة والصفات الإنسانية الراقية التي وهبها له الله تعالى، وأعقب ذلك انتصار الإسلام ودخول الناس في الدين أفواجاً .

فكان الإمام علي (عليه السلام) والكعبة معجزتان من معاجز الله سبحانه فقد انشقّ جدار الكعبة احتراماً لعلي (عليه السلام) وبعد ثلاثين سنة صعد الإمام علي (عليه السلام) على كتف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحطّم أصنام الكعبة[195].

ولد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد ولادة النبي (صلى الله عليه وآله) بثلاثين سنة أي قبل البعثة النبوية بعشر سنوات وهو المشهور[196].

وقد ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) من شيخ الأبطح أبي طالب وفاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف .

وقال العلماء لم يولد أحد في جوف الكعبة قبل الإسلام وبعده غير الإمام علي (عليه السلام)[197].

وعندما جاءها المخاض أرسل الله لها صوتاً بالذهاب الى الكعبة ولمّا طافت بها انشقّ لها جدار الكعبة فدخلت في جوفها وولدت عليا (عليه السلام) .

ذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين: وقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في جوف الكعبة[198].

وقال الشبلنجي وابن الصبّاغ المالكي والكنجي الشافعي: (ولد علي (عليه السلام) بمكّة داخل البيت الحرام يوم الجمعة ثالث عشر من رجب (13 رجب) الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل، قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقيل بخمس وعشرين سنة، وقبل المبعث باثنتى عشرة سنة، وقيل بعشر سنين .

ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه)[199].

وقال أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي الشهير بشاه ولي الله والد عبدالعزيز الدهلوي مصنِّف التحفة الاثنى عشرية في كتابه إزالة الخفاء:

تواترت الأخبار أنَّ فاطمة بنت أسد وَلَدت أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) في جوف الكعبة فإنَّه ولد في يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يولد فيها أحدٌ سواه قبله ولا بعده[200].

ومن الذين ذكروا ولادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكعبة: المسعودي[201] وابن الجوزي في التذكرة[202]، والحلبي[203]، وعلي الحنفي[204]، وابن الأثير[205]، وعبدالرحمن الصفوري الشافعي[206]، ومحمد مؤمن الشبلنجي[207]، وحبيب الله الشنقيطي[208].

ومن الشيعة: الحسن بن محمد بن الحسن القمّي في تاريخ قم، والشريف المرتضى في خصائص الأئمّة، والشيخ المفيد في مسار الشيعة 51، ومئات المصادر الأُخرى .

وقال عدد من العلماء: لم يولد في الكعبة أحد سواه[209].

وقد حاول الزبير بن بكّار (حسداً لمنزلة الإمام علي (عليه السلام) في ولادته في جوف الكعبة) إيجاد منقبة لأحد الصحابة توازي منزلة الإمام علي (عليه السلام) تلك على خطى معاوية بن أبي سفيان، للانتقام من وصي المصطفى فانتخب عدوّاً لبني هاشم ألا وهو حكيم بن حزام الطليق ابن عمّه، الذي تلكّأ عن بيعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)مع مجموعة زيد بن ثابت ومحمد بن مَسْلَمة) وكان عثمانيّاً متصلّباً[210]. فاختلق له فضيلة الولادة في الكعبة[211]!

وآل الزبير من المحاربين لأهل البيت (عليهم السلام) وكان عبدالله بن الزبير قد همَّ بإحراق بني هاشم جميعاً أثناء حكمه للحجاز[212] فحصر بني هاشم في بيت وجعل الحطب حوله بمستوى جداره وخيّرهم بين الموت بالنار والبيعة له ! ولم يتورّع عن إحراقهم في داخل الحرم المكّي[213].

ويشارك حكيم بن حزام بني الزبير في حقدهم على أهل البيت (عليهم السلام) .

وبلغت عداوة حكيم بن حزام لبني هاشم درجة عالية إذ جاء: لمّا كان يوم بدر جمعت قريش بني هاشم وحلفاءهم في قبّة وخافوهم، فوكّلوا بهم من يحفظهم ويشدّد عليهم منهم حكيم بن حزام[214]!

وقد خرج حكيم بن حزام وأبو سفيان وصفوان بن أُميّة وعبدالله بن أبي ربيعة إلى معركة حنين لا لنصر الإسلام بل كما قال الواقدي: ينظرون لمن تكون الدائرة واضطربوا خلف الناس والناس يقتتلون[215].

أي تسبّبوا في هزيمة المسلمين، فكانوا من المنافقين إلى نهاية عمرهم .

وبنو الزبير وحكيم بن حزام من قبيلة بني عبد العزّى القرشية فأراد الزبيريون رفع شأن قبيلتهم وفقاً لأعراف الجاهلية .

والذي يقرأ مصادر هذه الحادثة يجد أنّه لم يولد في الكعبة أحد سوى علي (عليه السلام) ، ومن البعيد أن يجمع الله تعالى هذه الفضيلة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعدوّه الطليق حكيم بن حزام المحارب لله ورسوله المستمر على النفاق .

والله هو القائل على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله): « ياعلي لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق »[216].

و: « اللهمّ والي من والاه وعادي من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله »[217].

وتجتمع في حكيم بن حزام صفات الطليق الكافر الذي أُكره على دخول الإسلام، وأبوه حزام بن خويلد ممّن قُتِل في حرب الفجّار الآخر[218].

وكان عثمانيّاً متصلّباً، ومن المنحرفين عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن قبيلة الزبير بن العوّام وابن عمّه[219].

وقد انفرد بتلك الرواية المزيّفة الزبير بن بكّار وعمّه مصعب بن عبدالله وهما من أبناء عبدالله بن الزبير بن العوّام المعادين لأهل البيت (عليهم السلام) .

وقال أحمد بن علي السليماني: إنّ الزبير بن بكّار كان من عداد من يضع الحديث .

وقال مرّة عنه: منكر الحديث[220].

ومات حكيم بالمدينة سنة أربع وخمسين، وبلغ ثراؤه أنّه باع داراً له (دار الندوة) من معاوية بستّين ألف دينار[221]!

وكان هذا المبلغ عظيماً بحيث أنّ معاوية عندما اشترى بيت حويطب بن عبدالعزّى في المدينة بأربعين ألف دينار استشرف لذلك الناس[222].

ولمّا استعظم الناسُ ذلك قال لهم معاوية: وما أربعون ألف دينار لرجل له خمس من العيال[223].

واستنقص عبدالله بن الزبير حكيم بن حزام لبيعه دار الندوة من معاوية[224].

وحبّ حكيم بن حزام للمال دفعه إلى احتكار الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)[225].

وبينما جاهد الأنصار والمهاجرون طيلة سنوات عديدة بقي معظمهم يعيشون حالة الفقر والعوز، في حين كان رجال مكّة يجمعون الأموال ويدعمون الكفر !

وفي حنين أوّل معركة لطلقاء مكَّة بعد إكراههم على دخول الإسلام ورغم انهزامهم من ساحة القتال، بقيت أعينهم تصبوا للاستحواذ على الغنائم ! وعلى رأس هؤلاء أبو سفيان وأبناؤه وحكيم بن حزام .

فقد قال حكيم بن حزام: سألت النبي (صلى الله عليه وآله) بحنين مئة من الأبل فأعطانيها، ثم سألته مئة فأعطانيها[226]!

الظاهر أنّ كثرة أمواله مثيرة للشكّ فنسبوا بعضها كذباً إلى عطايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كي يسكت الناس !

بينما عاد الأنصار إلى المدينة بأيد خالية ! وهم مسرورون بصحبتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وفي أيّام خلافة عثمان عندما أصبحت قضية الحصول على الأموال الطائلة أسهل من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر تحوَّل حكيم بن حزام إلى المدينة والتفّ حول عثمان فكنز أموالاً طائلة بلا ورع ولا تقوى .

وقد جاء: وهو أحد النفر الذين حملوا عثمان بن عفّان ودفنوه ليلاً[227].

ثم ذهب حكيم بن حزام إلى معاوية بن أبي سفيان رفيقه القديم في مكّة أيّام العمل سويّة ضد محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله) ! فاعتنى معاوية والأمويون به عناية خاصّة وبمجموعة الأربعة أشخاص الذين دفنوا عثمان[228].

وكان أمويّاً مخلصاً للخطّ الأموي مثلما كان مخلصاً لخطّ قريش في الجاهلية، وتلك الأعمال والصفات تكفي لإعطائه امتيازات الأمويين وأموالهم ! أليس كذلك ؟

وكيف لا، وهو الذي حارب الحق في الفجار وبدر وأُحد والخندق وحنين وناصر حرب بن أُميّة في الفجار وحفيده معاوية في صفّين .

وبعد فترة زمنيّة عرفت سرّ حب قريش لأُمّ حكيم أكثر من غيرها والمتمثّل في كونها المحاربة والأسيرة الوحيدة في معركة بدر[229].

وجاءت بشارات بولادة الإمام علي (عليه السلام) في الإنجيل إذ قال عيسى (عليه السلام): « إنَّ الإليا متوقّع أنْ يأتي »[230].

وإليا هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصي محمد (صلى الله عليه وآله) .

 

الفرق بين ولادة فاطمة ومريم ؟

دعا الله تعالى فاطمة بنت أسد من بيتها الى الكعبة المقدّسة للولادة فيه ولم تكن سدنة الكعبة تسمح لأحد بالنوم فى جوف الكعبة ولا الدخول إليها إلاّ في أوقات محدّدة . ولمّا انشقّ جدار الكعبة دخلته فاطمة بنت أسد وانغلق الجدار وباءت محاولات السدنة لفتحه بالفشل والخيبة .

وحاولت الحكومات عبر التاريخ رأب صدع جدار الكعبة الواقع في الباب اليماني فلم تتمكّن أبداً !

وبقيت الكعبة مغلقة ثلاثة أيّام لا يقوى على فتحها أحد .

ثم فتح الجدار مرّة أُخرى فجاءت فاطمة بنت أسد بوليدها (عليه السلام) واجتمع الناس .

أمّا مريم الطاهرة فلم يسمح الباري تعالى بولادتها فى بيت المقدس وكانت فيه وطلب تعالى منها الخروج فولدته في أطراف المدينة:

(فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الَْمخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً)[231].

ثم عادت مريم بوليدها الى مدينة القدس .

 

مَن سمَّاه عليّاً النبي أم أبو طالب ؟

جاء في كتاب خصائص العشرة للزمخشريّ: أنَّ النَّبيِّ (صلى الله عليه وآله) تولّى تسميته بعليٍّ ، وتغذيته أيّاماً من ريقه المبارك، يمصّه لسانه، فعن فاطمة بنت أسد أمِّ عليٍّ (عليه السلام)قالت : لمّا ولدته سمّاه (صلى الله عليه وآله) عليّاً، وبصق في فيه، ثمَّ إنّه ألقمه لسانه، فما زال يمصّه حتّى نام »[232].

 

ولادة فاطمة

جاء في تاريخ ولادة أُمّ الحسنين (عليهم السلام) إنّها ولدت في السنة الخامسة بعد البعثة النبوية الشريفة، وقد انعقدت نطفتها من ثمر الجنّة الذي جاء به جبرائيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الإسراء والمعراج[233]، وكانت تحدّث أُمَّها من بطنها[234].

وقد أحبّ الله تعالى ابنة النبي الوحيدة فاطمة (عليها السلام) وفضّلها على باقي نساء الأُمّة .

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): « إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها »[235].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة »[236].

وإذا سافر رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان آخر عهده بفاطمة، وإذا رجع بدأ ببيت فاطمة (عليها السلام) أيضاً[237].

وكانت فاطمة نور من الله تعالى في الارض إذ قالت عائشة:

كنَّا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة سلام الله عليها[238].

 

صبا الإمام علي (عليه السلام) ورضاعه

قال الإمام (عليه السلام) تعريفاً بنفسه: « ولقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة ; وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره ، ويكفني في فراشه يمسّني جسده ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشّيء ثمَّ يلقمنيه ; وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتَّبعه اتّباع الفصيل إثر أُمّه، يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به ; ولقد كان يجاور في كلِّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجةُ، وأنا ثالثهما ; أرى نور الوحي والرِّسالة، وأشمّ ريح النّبوَّة، ولقد سمعت رنَّة الشَّيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله ! ما هذه الرَّنَّة ؟

فقال: هذا الشَّيطان قد آيس من عبادته ; إنَّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى ، إلاّ أنَّك لست بنبيٍّ ولكنَّك لوزير، وإنَك لعلى خير »[239].

قال ابن أبي الحديد: وروي عن جعفر بن محمّد الصّادق (عليهما السلام) قال: « كان عليُّ (عليه السلام) يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الرسالة الضّوء، ويسمع الصّوت ; وقال (صلى الله عليه وآله)له : لولا أنِّي خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النّبوَّة، فإن لا تكن نبيّاً فإنَّك وصيّ نبيٍّ ووارثه ، بل أنت سيِّد الأوصياء وإمام الأتقياء »[240].

وعاش الإمام علي (عليه السلام) في كنف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صباه مثلما عاش النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) في كنف عمّه أبي طالب .

فكان علي (عليه السلام) يهتدي بهدى رسول الله و يتربّى بتربيته المعصومة عن الخطأ ويتخلّق بأخلاقه فكان علي (عليه السلام) كما أراد محمد (صلى الله عليه وآله) في كل شيء .

إضافة إلى أنّهما كانا من نور واحد كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): « كنت أنا وعلي نوراً واحداً قبل أن يخلق الله تعالى آدم فلمّا خلق الله تعالى آدم انقسم ذلك النور إلى قسمين فقسم أنا وقسم علي »[241].

 

التربية النبويّة لعلي (عليه السلام)

لقد تعلّق أبو طالب برسول الله (صلى الله عليه وآله) فاعتنى به عناية خاصّة ليس لها نظير في عالم العرب فقد أصرّ على أخذه إلى الشام وعمره (صلى الله عليه وآله) تسع سنين خوفاً عليه واهتماماً به ثمّ اعتنى به وحامى عنه وعن دينه بجاهه وأولاده بجسمه وروحه اللذان أعطاهما في هذا السبيل، فعاش رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع عمّه الصدّيق إثنين وأربعين عاماً في حماية كاملة ودعم تامّ .

وتبعاً لتلك التربية السليمة الهادفة فقد أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً من عمّه أبي طالب فربّاه في حجره الشريف وغذّاه بيده الشريفة وهذّبه بنفسه الزكيّة وعلّمه علمه السماوي وزوّجه ابنته فاطمة (عليها السلام) سيّدة نساء العالمين .

قال محمد بن إسحاق عن تربية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): كان ممّا أنعم اللهُ عليه أن كان في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الإسلام وذلك أنَّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعبّاس عمّه، (وكان من أيسر بني هاشم): ياعبّاس إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه لنخفّف من عياله، آخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكفهما عنه[242].

قال العبّاس: نعم . فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه .

فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما عقيلاً وطالباً فاصنعا ما شئتما .

فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) فضمّه إليه، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إليه، فلم يزل الإمام علي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعثه الله تعالى نبيّاً فاتّبعه الإمام علي (عليه السلام) وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه[243].

فكان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) تلميذاً مخلصاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تعلّم منه أخلاقه وآدابه وعلمه، وأصبح ختنه ووصيّه وخليفته ووزيره .

وأضحى منه مثل هارون من موسى (عليه السلام) لا يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نصّ ولا يعارضه في أمر .

فقال فيه النبي (صلى الله عليه وآله): « علي إمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين يوم القيامة »[244].

فمنزلة الإمام علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) تختلف عن منزلة سائر الأصحاب ; ففي طول مدّة حياة الإمام علي (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والممتدة لثلاثة وثلاثين سنة كان فيها الإمام علي (عليه السلام) يعيش في كنف أُستاذ البشريّة محمد (صلى الله عليه وآله) ويستقي من علومه ويتهذّب بسلوكه وأخلاقه .

 

 

الهوامش:

[1] مستدرك الحاكم 3 / 137، مجمع الزوائد 9 / 102 .

[2] شرح النهج 2 / 429، عمدة الطالب، ابن عنبة 379، الصواعق المحرقة 72 .

[3] الجامع الصغير، السيوطي 1 / 415، كنز العمّال 13 / 148، فيض القدير، المناوي 1 / 49، كشف الخفاء، العجلوني 1 / 203، تاريخ بغداد 11 / 49، اللآلئ المصنوعة 1 / 334، فضائل الخمسة في الصحاح الستّة 2 / 281 ـ 283، شواهد التنزيل، الحسكاني 1 / 104، وصحيح الحاكم النيسابوري 3 / 327، مسند أبي يعلى 2 / 58 صحيح البخاري، المغازي ، باب غزوة تبوك 4416، صحيح مسلم 2404، صحيح الترمذي في المناقب 3731، المعجم الكبير 11 / 55 .

[4] البحار 4 / 60، 43 / 290، 53 / 49، الصراط المستقيم 2 / 11، مناقب ابن شهر آشوب 1 / 319، الارشاد، المفيد 1 / 229 .

[5] شرح الأخبار، القاضي النعمان 2 / 313، ينابيع المودّة 2 / 303 .

[6] المناقب، الخوارزمي 317، مائة منقبة 103 .

[7] مستدرك الحاكم 3 / 137، مجمع الزوائد 9 / 102 .

[8] نصّت على هذا الروايات الشيعية والسنّية .

[9] فتح الباري 6 / 286، 111، الديباج على مسلم، السيوطي 3 / 353، مسند أبي داود 18، المصنّف، عبد الرزاق 5 / 107 .

[10] الثقات، ابن حبان 1 / 221، المجموع، النووي 19/ 381، البحر الرائق، ابن نجيم المصري 9 /284 .

[11] راجع كتاب المثالب لهشام بن الكلبي ص50 .

[12] المصدر السابق .

[13] التذكرة 117، السيرة الحلبية 1/47، العقد الفريد 1/164، المثالب، الكلبي 127 .

[14] المثالب، الكلبي 129، التذكرة 117، السيرة الحلبية 1 / 47 .

[15] شرح النهج، المعتزلي 6 / 291 .

[16] تاريخ الطبري 2 / 30، شرح النهج، المعتزلي 6 / 291 .

[17] راجع موضوع حجّة الوداع في هذا الكتاب .

[18] تاريخ الطبري 11 / 357، النزاع والتخاصم 56، الأغاني 6 / 351 ـ 356 .

[19] حلية الاولياء 1 / 86، الكافي 1 / 179، 534 .

[20] مسند أحمد 5 / 87، 94، 97، 99، 100 .

[21] تاريخ الطبري 3 / 288 .

[22] صحيح البخاري 1 / 37، الملل والنحل، الشهرستاني 1 / 23 .

[23] الروض الأنف، السهيلي 2 / 10، 11، 12، 17، البدء والتاريخ، البلخي 2 / 40 ـ 42 .

[24] مروج الذهب 2 / 227 .

[25] السيرة النبوية، دحلان 1 / 16 .

[26] المعارف، ابن قتيبة 67 .

[27] طبقات ابن سعد 1 / 68، تاريخ اليعقوبي 1 / 239، البداية والنهاية 2 / 236 .

[28] السيرة الحلبية 1 / 128، الروض الأنف 2 / 71 .

[29] السيرة النبوية، دحلان 1 / 18، 19 .

[30] النسب، ابن سلام 203 .

[31] السيرة النبوية، دحلان 1 / 19 ـ 20 .

[32] السيرة النبوية، دحلان 1 / 20، 21، 22 .

[33] المعارف، 71 .

[34] السيرة النبوية، دحلان 1 / 21، 22 .

[35] السيرة النبوية، دحلان 1 / 23، تاريخ ابن الوردي 1 / 92 .

[36] المصدر السابق .

[37] الكامل في التاريخ 2 / 15، تاريخ ابن الوردي 1 / 92 .

[38] السيرة النبوية، دحلان 1 / 24 .

[39] المصدر السابق .

[40] مروج الذهب، المسعودي 2 / 269 .

[41] التراتيب الادارية 2 / 301 ـ 331 .

[42] أُسد الغابة 4 / 64 .

[43] بحوث في تاريخ السنّة المشرّفة 168 .

[44] شرح النهج للمعتزلي 3 / 466 هاشم وأُميّة، شرف الدين 270، النزاع والتخاصم 22 .

[45] الطبقات، ابن سعد 1 / 55، مروج الذهب، المسعودي 2 / 265 ـ 266، مختصر تاريخ ابن عساكر 2 / 16، تاريخ أبي زرعة 22، تهذيب التهذيب 6 / 98، تاريخ البخاري 9 / 76 .

[46] الطبقات 1 / 55 ـ 60، مختصر تاريخ ابن عساكر 2 / 27 .

[47] الطبقات 1 / 60، السنن الكبرى، البيهقي 7 / 160، دلائل النبوّة، أبو نعيم 1 / 11، البداية والنهاية 2 / 256، تاريخ جرجان 361 .

[48] مختصر تاريخ ابن عساكر 1 / 349، 2 / 16، الدرّ المنثور 3 / 294، 5 / 98 .

[49] سورة الشعراء 218، 219 .

[50] بحار الأنوار 15 / 127 .

[51] تاريخ ابن الوردي 1 / 95 .

[52] عيون الأثر، ابن سيد الناس 1 / 34، تاريخ ابن الوردي 1 / 95، الطبقات، ابن سعد 1 / 55 .

[53] سنن الترمذي 5 / 243، 245، مختصر تاريخ دمشق 4 / 73، تفسير ابن كثير 2 / 175، راجع نظريات الخليفتين للمؤلف 1 / 34 .

[54] راجع نظريات الخليفتين، المؤلف 1 / 34 ـ 41، تذكرة الفقهاء 2 / 470، تفسير ابن كثير 2 / 175، مجمع الزوائد 7 / 188، صحيح مسلم 3 / 167، صحيح البخاري 8 / 94 .

[55] الدرّ المنثور 6 / 43 .

[56] والمعنى اللغوي لها هو الماء الوسط بين العذوبة والملوحة .

[57] تاريخ الخميس 178، البداية والنهاية 3 / 33 .

[58] تاريخ الخميس 1 / 179 .

[59] تاريخ الخميس 1 / 181 .

[60] الزام الناصب 104 ـ 105، شرح النهج 15 / 198 ـ 295 .

[61] البحار 31 / 543، 544، 33 / 107 .

[62] البحار 31 / 544 .

[63] المعارف، ابن قتيبة 586 .

[64] شرح النهج 15 / 202 .

[65] المصدر السابق .

[66] شرح النهج 15 / 202 .

[67] الروض الأنف 5 / 186، الأمثال، الأصبهاني .

[68] شرح النهج 3 / 456، المثالب، هشام بن الكلبي 63 .

[69] السجستاني (المعمّرون والوصايا) 108، مختصر تاريخ دمشق 5 / 31، 32 .

[70] شرح النهج 13 / 256، 14 / 64، البداية والنهاية 3 / 84 .

[71] البداية والنهاية 2 / 342 .

[72] تاريخ ابن شبة 3 / 1138، المناقب، ابن الدمشقي 2 / 220، بيت الأحزان 63، تفسير نور الثقلين 3 / 269، الخصال، الصدوق 366، شرح الأخبار، النعمان المغربي 356، الاختصاص، المفيد 165، حلية الأبرار، البحراني 361، البحار 19 / 46، 33 / 318 ،38 / 169، 44 / 94 .

[73] التي كانت تشمل القسم الشرقي من شبه جزيرة العرب .

[74] الأرض المحصورة بين نهري دجلة وفرات .

[75] راجع كتاب نظريات الخليفتين للمؤلّف .

[76] المحلّى، ابن حزم 11 / 225 .

[77] البداية والنهاية 8 / 116 ـ 117 .

[78] الروض الأنف 2 / 305، 306 .

[79] الروض الأنف، السهيلي 2 / 78، 79 .

[80] الروض الأنف السهيلي 2 / 80 .

[81] المثالب، هشام بن الكلبي ص70 .

[82] النور 33 .

[83] مختصر تاريخ دمشق 5 / 254، المعارف 576 .

[84] سيرة ابن هشام 1 / 87 .

[85] تاريخ الخميس 1 / 256 .

[86] الروض الأنف 2 / 81 .

[87] مختصر تاريخ دمشق 9 / 305، التعازي والمراثي للمبرّد بتحقيق محمد الديباجي 257، تاريخ ابن الاثير 3 / 252، تاريخ الطبري 3 / 531 .

[88] المثالب، هشام بن الكلبي 139، معجم البلدان، الحموي 2 / 242، 5 / 185، السيرة النبويّة، ابن كثير 1 / 117 .

[89] المعارف 576 طبعة دار الكتب 1960، مختصر تاريخ دمشق 5 / 254 .

[90] البحار 29 / 167 .

[91] شرح النهج 2 / 31 ـ 34 .

[92] أنساب الأشراف 1 / 588 .

[93] سيرة ابن هشام 2 / 316 ـ 319، التبيان في تفسير القرآن 3 / 463، حلية الإبرار، البحراني 1 / 113 .

[94] الحجر 95 .

[95] الخصال، الصدوق 279، الخرائج والجرائح، الراوندي 1 / 63 .

[96] الروض الأنف 2 / 279 .

[97] تاريخ ابن الأثير 2 / 44 .

[98] طبقات ابن سعد 1 / 227، 228 .

[99] قاموس الرجال 3 / 387 .

[100] نور الأبصار 76، الفصول المهمّة، ابن الصبّاغ 29 .

[101] قاموس الرجال 3 / 387، شرح النهج 20 / 147، مروج الذهب 30 / 86، طبقات ابن سعد 4 / 11 .

[102] تاريخ القرآن الكريم، محمد طاهر الكردي 132 .

[103] السيرة الحلبية 1 / 118 .

[104] تاريخ ابن الأثير 2 / 15، تاريخ ابن الوردي 1 / 92 .

[105] تاريخ اليعقوبي 2 / 15، تاريخ الخميس 1 / 255، شواهد التنزيل، الحسكاني 2 / 173، السيرة الحلبية 1 / 127، الدرّ المنثور 4 / 84 .

[106] تاريخ اليعقوبي 2 / 12 .

[107] غافر 28 .

[108] الروض الأنف، السهيلي 2 / 64، 65 .

[109] الروض الأنف 2 / 65 .

[110] الروض الأنف 2 / 65، 66 .

[111] سيرة ابن هشام 1 / 33، تاريخ اليعقوبي 1 / 253، تاريخ الطبري 1 / 554 .

[112] مختصر تاريخ ابن عساكر 2 / 85 ـ 87، سيرة ابن اسحاق 23 .

[113] إبراهيم 37 .

[114] البدء والتاريخ 1 / 239، 240 .

[115] لإيمانه وأخلاقه والتوفيق الإلهي له، تاريخ اليعقوبى 2 / 12 .

[116] السيرة النبوية، دحلان 1 / 21، 22 .

[117] السيرة النبوية، دحلان 1 / 23، تاريخ ابن الوردي 1 / 92 .

[118] الروض الأنف 2 / 283 .

[119] الروض الأنف 2 / 294 .

[120] المصدر السابق .

[121] الأعراف 30 .

[122] الأنفال 36 .

[123] الروض الأنف 2 / 293 .

[124] البحار 15 / 117، تاريخ الخميس 1 / 234 .

[125] تفسير البحر المحيط 7 / 47 .

[126] التعظيم والمنّة في أنّ أبوي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجنّة، السيوطي، السبل الجليّة في الآباء العليّة، السيوطي، السيرة الحلبية 1 / 43، وقد سعى سعيد بن المسيّب لإثبات كفر أبي طالب فرواية البخاري في إثبات كفر أبي طالب جاءت من طريقه ! وقد سعيت جهدي لمعرفة علّة حركة المسيّب تلك ووصلت إلى ذلك . فأبو طالب والد عقيل، وعقيل صاحب النسب في قريش، وهو الذي فضح جدَّة سعيد بن المسيب بأنّها صاحبة راية من رايات الفحش في مكّة ، وقد رفعت القضيّة إلى عمر بن الخطّاب فشهد عقيل ومخرمة بن نوفل وأبو جهم بن حذيفة بأنّها من فاحشات الجاهلية، أنساب الاشراف، البلاذري 74 . وهؤلاء الثلاثة على التسلسل علماء الأنساب عند العرب، راجع جمهرة أنساب العرب، ابن حزم ص4 .

[127] تفسير الرازي 24، الدرّ المنثور 5 / 98، مجمع البيان 4 / 322، البحار 15 / 117، 118، تاريخ الخميس 1 / 234 تفسير البحر المحيط 7 / 47 .

[128] السيرة الحلبية 1 / 4، نقل الحلبي ذلك عن سبط بن الجوزي .

[129] البحار، المجلسي 15 / 117 .

[130] التوبة 28 .

[131] البحار 15 / 119 .

[132] السيرة الحلبية 1 / 50 .

[133] السيرة الحلبية 1 / 59 .

[134] الروض الأنف 2 / 247 ـ 250 . وأُم زيد بن العدوي (ابن عمّ عمر) هي الحيداء بنت خالد الفهمية وهي جدّة نفيل ولدت له الخطاب فهو أخو الخطاب لأُمّه وابن أخيه، الروض الأنف 2 / 356 .

[135] تاريخ اليعقوبي 2 / 14 .

[136] الطبقات لابن سعد 1 / 118 .

[137] أُصول الكافي 1 / 372 .

[138] البداية والنهاية 2 / 340، 341، مسند أحمد 5 / 357، دلائل النبوّة 1 / 189 .

[139] سورة التوبة 113 .

[140] البداية والنهاية 2 / 342 .

[141] الوفا 116 .

[142] المصدر السابق .

[143] المصدر السابق .

[144] القصص 56، البداية والنهاية 3 / 342، 343 .

[145] البداية والنهاية 3 / 154 .

[146] المصدر السابق .

[147] سنن البخاري 63، فتح الباري 7 / 133، البداية والنهاية 3 / 156، 157، سنن مسلم، باب فضائل الصحابة .

[148] الوفا 117 .

[149] تاريخ اليعقوبي 2 / 12 .

[150] تاريخ اليعقوبي: 2 / 14 .

[151] تاريخ ابن الأثير 2 / 15 .

[152] البداية والنهاية 2 / 332 .

[153] البداية والنهاية 3 / 151، الطبقات، ابن سعد 1 / 124 .

[154] البداية والنهاية 3 / 152 .

[155] الطبقات، ابن سعد 1 / 123 .

[156] الطبقات 1 / 190 ـ 195 ويطوف بالبيت اسبوعاً أي سبع مرّات .

[157] الروض الأنف 2 / 249 .

[158] الروض الأنف 2 / 249 .

[159] كتاب إيمان أبي طالب، الشيخ المفيد .

وقد أُشير إلى هذا الكتاب في رجال النجاشي 284، ومعالم العلماء 102، الذريعة وذيل كشف الظنون 1 / 160، وهدية العارفين 2 / 62 ويراجع في قصيدة أبي طالب: أسنى المطالب 18 ـ 19، الإصابة 4 / 115، البداية والنهاية 3 / 53 ـ 57، الدرجات الرفيعة 54 ـ 55، وشرح نهج البلاغة 3 / 315 .

[160] تاريخ أبي زرعة 22 .

[161] دلائل النبوّة، البيهقي 1 / 89 .

[162] عيون الأثر 1 / 126، تاريخ ابن الأثير 2 / 58، تاريخ الطبري 2 / 58، 59 .

[163] عيون الأثر 1 / 126، الكامل، ابن الأثير 2 / 58، تاريخ الطبري 2 / 58، 59 .

[164] أُسد الغابة 1 / 19 .

[165] تاريخ اليعقوبي 2 / 31 .

[166] سيرة ابن اسحاق 155 .

[167] شرح النهج، المعتزلي 14 / 165، البحار 35 / 135، أوائل المقالات 13، التبيان، الطوسي 2 / 398، مجمع البيان 2 / 287 .

[168] الغدير 7 / 389 وألّف البعض كتباً في إيمان أبي طالب، منها منية الراغب في إيمان أبي طالب للطبسي، وأبو طالب مؤمن قريش للخنيزي .

[169] الغدير 7 / 369 .

[170] الغدير 7 / 369، البحار 3 / 139 .

[171] راجع كتاب أبو طالب مؤمن قريش .

[172] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، شرح النهج، المعتزلي 14 / 69، الإصابة 4 / 116 .

[173] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، شرح النهج، المعتزلي 14 / 69، الإصابة 4 / 116 .تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .

[174] تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .

[175] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .شرح النهج، المعتزلي 14 / 69 ،171، الإصابة 4 / 116، البداية والنهاية 3 / 123، السيرة الحلبية 1 / 372، تاريخ أبي الفداء 1 / 120، سيرة ابن هشام 2 / 87 .

[176] سيرة ابن دحلان 1 / 227 .

[177] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .شرح النهج، المعتزلي 14 / 69 ،171، الإصابة 4 / 116، البداية والنهاية 3 / 123، السيرة الحلبية 1 / 372، تاريخ أبي الفداء 1 / 120، سيرة ابن هشام 2 / 87 .عيون الأنباء 705 .

[178] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .شرح النهج، المعتزلي 14 / 69 ،171، الإصابة 4 / 116، البداية والنهاية 3 / 123، السيرة الحلبية 1 / 372، تاريخ أبي الفداء 1 / 120، سيرة ابن هشام 2 / 87 .عيون الأنباء 705 .السيرة الحلبية 3 / 205 .

[179] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .شرح النهج، المعتزلي 14 / 69 ،171، الإصابة 4 / 116، البداية والنهاية 3 / 123، السيرة الحلبية 1 / 372، تاريخ أبي الفداء 1 / 120، سيرة ابن هشام 2 / 87 .عيون الأنباء 705 .السيرة الحلبية 3 / 205 .الغدير 7 / 381، 389، الدرجات الرفيعة، كتاب الحجة 24 .

[180] حياة الصحابة 2 / 344، مجمع الزوائد 6 / 174، تاريخ أبي الفداء 1 / 179 .شرح النهج، المعتزلي 14 / 69 ،70 ،171، الإصابة 4 / 116، البداية والنهاية 3 / 123، السيرة الحلبية 1 / 372، تاريخ أبي الفداء 1 / 120، سيرة ابن هشام 2 / 87 .عيون الأنباء 705 .السيرة الحلبية 3 / 205 .الغدير 7 / 381، 389، الدرجات الرفيعة، كتاب الحجة 24 ، البحار 35 / 111، أمالي الصدوق 551، أُصول الكافي 1 / 373، روضة الواعظين 139 .

[181] صحيح مسلم، كتاب الايمان 1 / 120 ح131، سنن النسائي 5 / 137 ح8485، سنن ابن ماجة 1 / 42 ح114 .

[182] تاريخ الخميس 1 / 488 .

[183] البحار 15 / 375 .

[184] البداية والنهاية 2 / 331 .

[185] سورة البقرة 146 .

[186] الثقات، ابن حيان 1 / 90 .

[187] سيرة مغلطاي 7 .

[188] سورة النمل 14 .

[189] السيرة الحلبية 1 / 15 .

[190] السيرة الحلبية 1 / 16 .

[191] البحار 15 / 211 .

[192] أمالي الصدوق 9 / 114، ومعاني الأخبار 10 / 62 .

[193] الحلّي، كشف الحق ونهج الصدق ص109، طب بغداد، المظفّر، دلائل الصدق 1 / 506 .

[194] الحلبي، السيرة الحلبية 1 / 268، السيرة النبوية لزيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبية .

[195] راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 58 ـ 61، المستدرك 3 / 6 .

[196] الطبقات 3 / 21، الكافي 1 / 376، اعلام الورى 153، تاريخ الخميس 1 / 286 الإرشاد المفيد 9، مناقب آل أبي طالب 2 / 78، تاريخ الخلفاء 166، الفصول المهمّة، ابن الصبّاغ 12، الإستيعاب 3 / 30، سيرة ابن هشام 1 / 262 المستدرك، الحاكم 3 / 111، المناقب الخوارزمي 17، ذخائر العقبى، البداية والنهاية 3 / 26، البحار 35 / 7 .

واختلف الآخرون في سنة ولادته (عليه السلام) منهم من قال ولد قبل البعثة بسبع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة أو أكثر، التهذيب 7/336، تاريخ الخميس 1/279، المعارف، ابن قتيبة 51، ذخائر العقبى 58تاريخ بغداد 1/134، سنن البيهقي 6/206، أسد الغابة 4/16 ـ 18 مجمع الزوائد 9/102نهاية الإرب 8/181، فتح الباري 7/57.

[197] المستدرك، الحاكم 3 / 483، كفاية الطالب، الكنجي الشافعي 406، 407، أُسد الغابة 4 / 31، نزهة المجالس 2 / 204، الآلوسي في شرح الخريدة الغيبية 15، شرح الشفا 1 / 151، حياة أمير المؤمنين، محمد صادق الصدر 30، الفصول المهمة، ابن الصباغ 12، مناقب الإمام أمير المؤمنين، ابن المغازلي 7، السيرة الحلبية 1 / 139، تذكرة الخواص 10، مروج الذهب 2 / 2، المناقب، محمد صالح الترمذي، آئينة تصوف 1311 .

[198] المستدرك 3 / 550 ح6044 .

[199] نور الإبصار، الشبلنجي 76، الفصول المهمة، ابن الصبّاغ 29، كفاية الطالب، الكنجي الشافعي 407 .

[200] وأخرج الرواية أيضاً محمود الآلوسي صاحب التفسير الكبير في كتاب سرح الخريدة في شرح القصيدة العينيَّة لعبدالباقي أفندي العمري 15 .

[201] مروج الذهب 2 / 2 .

[202] تذكرة خواص الأُمّة 10 .

[203] السيرة النبوية 1 / 150 .

[204] شرح الشفا 1 / 151 .

[205] أُسد الغابة 4 / 31 .

[206] نزهة المجالس 2 / 204 .

[207] نور الأبصار 76 .

[208] كفاية الطالب 37 .

[209] نور الابصار، الشبلنجي 76، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ 12، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي 406، ومستدرك الحاكم 3 / 483، وتلخيصه للذهبي، ومناقب الإمام أمير المؤمنين لابن المغازلي 7 .

[210] قاموس الرجال 3 / 387 .

[211] تهذيب التهذيب، ابن حجر 2 / 384 .

[212] شرح النهج 20 / 147، مروج الذهب 3 / 86 طبع الميمنية .

[213] مروج الذهب 3 / 86 طبع الميمنية، البدء والتاريخ، البلخي 2 / 247، شرح النهج 20 / 147 .

[214] طبقات ابن سعد 4 / 11 .

[215] مغازي الواقدي 2 / 895 .

[216] مسند أحمد بن حنبل 1 / 84، 3 / 349، صحيح مسلم 1 / 61، سنن النسائي 8 / 116 .

[217] سنن الترمذي 2 / 298، سنن ابن ماجة 12، المستدرك، الحاكم 3 / 109، 533، سنن النسائي 5 / 130 ح8464، مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 503، المعجم الكبير، الطبراني 5 / 166 ح4969، مجمع الزوائد 9 / 104، تاريخ اليعقوبي 2 / 112، أُسد الغابة 4 / 108، تفسير الرازي 12 / 49، الدر المنثور 3 / 117، الإمامة والسياسة 1 / 97، البداية والنهاية 5 / 231، المناقب، الخوارزمي 160، 190، مسند أحمد بن حنبل 4 / 281، الكافي، الكليني 1 / 294، دعائم الإسلام، النعماني 1 / 16 .

[218] تهذيب الكمال 7 / 172 .

[219] الإصابة، ابن حجر 1 / 349، الإستيعاب 1 / 320 هامش الإصابة .

[220] ميزان الاعتدال، الذهبي 2 / 66 .

[221] المعارف، ابن قتيبة 311 .

[222] استَشْرَفَهُ حقّه: ظلمه، أقرب الموارد 1 / 585 .

[223] الاستيعاب، ابن عبدالبر، بهامش الإصابة 1 / 384 .

[224] الإصابة 2 / 45 .

[225] وسائل الشيعة، كتاب التجارة 316 .

[226] مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 7 / 237، طبقات ابن سعد 2 / 152، مغازي الواقدي 2 / 945 .

[227] مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 7 / 238، طبقات ابن سعد 3 / 78، 79 .

[228] طبقات ابن سعد 3 / 78، 79 .

[229] السيرة النبويّة أبو حاتم 1 / 179 .

[230] البحار 15 / 211 .

[231] مريم 22 ـ 25 .

[232] الحلبي، السيرة الحلبية 1 / 268، السيرة النبويّة لزيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبية .

[233] كشف الغمّة 2 / 75، البحار 43 / 1 ـ 10، تاريخ الخميس 1 / 278، ذخائر العقبى 52، المستدرك 3 / 156، الدرّ المنثور 4 / 153، تاريخ بغداد 5 / 87، لسان الميزان 1 / 134 .

[234] تذكرة الخواص، ابن الجوزي 306، 307، خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، النسائي 114، المناقب، ابن شهر آشوب 3 / 345 .

[235] سنن البخاري 3 / 1361 ح3510، سنن مسلم 5 / 54، سنن الترمذي 5 / 656 ح3869، سنن النسائي 5 / 97 ح8370، 8371، المستدرك، الحاكم 3 / 173 ح4751 .

[236] سنن البخاري 3 / 1326 ح3426 و 5 / 2317 ح5928، سنن مسلم 5 / 56 ح98، سنن ابن ماجة 1 / 518 ح1621، خصائص النسائي 5 / 96 ح8386، مسند أحمد 7 / 401 ح25874، أُسد الغابة 7 / 223 .

[237] مسند أحمد 5 / 375، ذخائر العقبى 37 .

[238] أخبار الدول وآثار الأُول، الدمشقي القرماني 87 .

[239] نهج البلاغة، الخطبة 190 .

[240] الأميني، الغدير 6 / 37 .

[241] كشف الغطاء 1 / 10، الثاقب في المناقب، الطوسي 288، المناقب، ابن شهر آشوب 2 / 278، فضائل الصحابة، ابن حنبل 2 / 662، العمدة، ابن بطريق 209، الطرائف، ابن طاووس 16 .

[242] عيون الأثر 1 / 124، 125، الكامل، ابن الأثير 2 / 59، تاريخ الطبري 2 / 57 .

[243] عيون الأثر 1 / 124، 125، الكامل، ابن الأثير 2 / 59، تاريخ الطبري 2 / 57 .

[244] مستدرك الحاكم 3 / 137، مجمع الزوائد 9 / 102 .