الفصل الثالث: غزوة بني النضير

أمر النبي (صلى الله عليه وآله) يهود بني النضير بالرحيل من المدينة في السنة الرابعة للهجرة بسبب نقضهم للصلح أوّلا ومحاولتهم قتل النبي (صلى الله عليه وآله) لكنّ أهل النفاق ثبَّتوهم، فقويت نفوسهم واستكبر حي بن أخطب واليهود ونقضوا عهودهم مع الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحربهم والسير إليهم، فسار بالناس حتّى نزَلَ بهم فتحصّنوا منه في الحصون .

وحاصرهم المسلمون خمسة عشر يوماً[760] فدخل في نفوس اليهود الرعب .

(وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ)[761].

وكان اللواء بيد الإمام علي (عليه السلام)[762] وفي أثناء الحصار رمى يهودى قبّة النبي (صلى الله عليه وآله) بسهم فلاحقه الإمام علي (عليه السلام) وقتله .

وجاء في سورة الحشر عن الواقعة: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ)[763].

واللينة: النخلة ما لم تكن عجوة أو برنية . فإن كانت من الألوان فهي الرديئة فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكن غيظ اليهود أشدّ[764]. وكان نخلهم في منطقة البويرة فقطع المسلمون بعض نخيلهم لتسهيل حركة الجيش .

قال قتادة والضحّاك: إنّهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ستّ نخلات .

وقال محمّد بن إسحاق: إنّهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة[765]، لإيجاد سعة في المكان ليسهل القتال[766].

وشقّ ذلك على اليهود فقالوا: يامحمّد ألست تزعم أنّك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر ... فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أنّ قطعه وتركه بإذن الله فأجابهم الله تعالى بأنّ قطعها قد حصل ليخزي به الفاسقين[767].

وكان سعد بن عبادة يبعث بالتمر إلى المسلمين أثناء حصارهم لبني النضير[768].

وفي تلك الواقعة صاحت نخلة بأُخرى: هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « إنّما سمّي نخل المدينة (أي هذا النوع) صيحانيّاً لأنّه صاح بفضلي »[769].

 

إخراج اليهود:

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد حاصرهم حتّى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءَهم وأن يخرجهم من أرضيهم وأوطانهم، وأن يسيِّرهم إلى خيبر وفدك وأذرعات الشام[770].

وأنا أستبعد خروجهم إلى أذرعات الشام لأنّها كانت بيد الروم المعارضين لتواجد اليهود في الشام[771]. وقد بدأت هجرة اليهود إلى الشام في زمن عمر بعد إسلام كعب الأحبار وطلبه ذلك[772].

فاتّفق معهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أنّ لهم ما حملت الإبل دون الذهب والفضّة والسلاح[773].

وأسلم من بني النضير رجلان هما يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب أحرزا أموالهما .

وكانت عند بني النضير أموال كثيرة وسلاح متمثّل في خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفاً[774].

وذهب سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحي بن أخطب والآخرون إلى خيبر، ولأنَّهم سادة بني النضير فقد سادوا خيبراً .

واستقبلتهم يهود خيبر بما فيهم النساء والأطفال، والقيان تعزف بالدفوف والمزامير خلفهم[775].

وحملوا على ستمائة بعير، وكان بعض الأنصار تهّودوا بواسطة أُمّهاتهم اللاتي نذرن ذلك إن عاشوا، فلمّا أُخليت بنو النضير قال آباء أُولئك: لا ندع أبناءنا وأنزل الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .

وبقيت النخيل والمزارع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصّة فقسّمها بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار وأعطى سهل بن حنيف وأبا دجانة والحارث بن الصمة من الأنصار لفقرهم . وتلك الأموال ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فهي له ولكنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاها للمسلمين، والظاهر بأنّهم لم يقاتلوا، فلو قاتلوا لأصبحت أموالهم غنائم لكلّ المسلمين . وكان (صلى الله عليه وآله) ينفق على أهله منها نفقة سنة[776].

وقال الكلبي: قسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أموال بني النضير إلاّ سبعة حوائط منها أمسكها ولم يقسّمها[777].

ولمّا قسّم الأراضي على المهاجرين أمرهم بردّ أراضي الأنصار التي أعطوها لهم[778].

وحزن المنافقون على بني النضير حزناً شديداً[779] وانضمّ إليهم حسّان بن ثابت ومدح بني النضير في كرمهم وسقيهم الناس الخمر[780].

والملاحظ بأنّ الله سبحانه قد سلب هؤلاء اليهود عقولهم فأصبحوا حمقى لابتعادهم عن الحق فضاعت دنياهم بعدما ضيّعوا بأنفسهم آخرتهم، وقد لفت سلام بن مشكم نظرهم إلى ذلك بوجوب اتّباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكنّهم رفضوا ذلك .

وكان بنو النضير ألف رجل وهم من بني هارون وسادة يهود المنطقة، وكان النضيري إذا قتل يهودياً قريظيا يدفع نصف الدية، بينما إذا قتل قريظي نضيرياً يدفع الدية كاملة[781].

وجاء في سورة الحشر التي نزلت في بني النضير: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللهِ فَأَتَاهُمْ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الاَْبْصَارِ)[782].

والغدر اليهودي بالمسلمين والنصارى من الأُمور المشهورة كما في حوادث غدرهم بالأسبان الأمر الذى تسبّب في طردهم من هناك فآوتهم الدولة العثمانية وأسكنتهم في مدينة سالونيك فغدروا بالمسلمين إذ قام كمال أتاتورك اليهودي بمحاربة الإسلام في محاولة منه للقضاء عليه في البلاد التركية[783]!

 

الفصل الرابع: معركة الخندق

إسلام سلمان الفارسي:

كان سلمان الفارسي من عائلة فارسية غنيّة في رامهرمز، والناس في بلده على دين المجوسية، وتعرّف على تعاليم النصرانية فتنصّر .

وذكر الصنعاني أنّ إسلامه كان عن طريق راهب نصراني، وبعدها أخرج أهل سلمان ذلك الراهب فسافر سلمان معه إلى مدينة الموصل .

وروى أصحاب الأخبار أنّ سلمان التقى بعيسى بن مريم (عليه السلام)[784] فبشّره بظهور النبي (صلى الله عليه وآله) قريباً في الحجاز . وفي طريقه إلى المدينة أخذه اللصوص وباعوه فجعله اليهود الذين ابتاعوه في حائط (بستان) لهم .

وقد أخبره الراهب أنّ النبي محمّداً (صلى الله عليه وآله) لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوّة وأمره باتّباعه[785]. ولمّا وفّق الله تعالى سلمان في الوصول إلى المدينة بصورة عبد مملوك حاول التثبّت من صفاته (صلى الله عليه وآله).

في المرّة الأُولى من لقاءاته جاء إليه برطب صدقة فأبى النبي (صلى الله عليه وآله) الأكل منه وأعطاه أصحابه فحصلت عنده صفة من صفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وفي المرّة الثانية جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) برطب هدية فأكل النبي (صلى الله عليه وآله) منه، فحصلت الصفة الثانية .

وبقي سلمان متشوّقاً للتثبّت من الصفة الثالثة . وفي تشييع جنازة في بقيع الغرقد استدار سلمان الفارسي خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرؤية خاتم النبوّة، فعرف النبي (صلى الله عليه وآله) رغبته فكشف له النبي عن خاتمه، فحصلت عند سلمان صفة النبي (صلى الله عليه وآله)الثالثة فانكبّ عليه يقبّله ويبكي ثمّ أسلم وحكى قصّته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين . وأعانه سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) على أداء ما عليه فحرّره، ثمّ شارك المسلمين في معركة الخندق[786].

وبلغ إخلاص وإيمان وأخلاق سلمان درجة أن رغب فيه المهاجرون والأنصار إلاّ أنّه كان الى الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته أقرب منه إلى سواهم فقال سيّد البشر (صلى الله عليه وآله): « سلمان منّا أهل البيت » . وكان من شيعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)وروى سلمان أحاديثاً كثيرة منها حديث: « إنّ أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثر جوعاً في الآخرة »[787].

وكان سلمان معادياً لأبي بكر وعمر وزمرتهما .

 

التحضير للحرب

ووقعت معركة الخندق في السنة الخامسة للهجرة بقول محمد بن إسحاق والواقدي والبلاذري[788]، وهو الصحيح .

وقد اختلفوا في تاريخها إذ قال موسى بن عقبة وأيّده البخاري[789]، سنة أربع للهجرة .

وقال اليعقوبي: سنة ستّ للهجرة[790].

والذي حزّب الأحزاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري وهوذة بن قيس الوائلي . إذ قدموا مكّة فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن يكونوا معهم حتّى يستأصلوه .

فقالت لهم قريش: إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد أفديننا خيرٌ أم دينه ؟

قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحقّ منه فأنزل تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا)[791].

فلمّا قالوا ذلك لقريش سرّهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله فأجمعوا لذلك واتَّعدوا له، ثمّ خرج أُولئك النفر من اليهود حتّى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)[792].

فأخبر جبريل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر قريش، وقيل: إنّ قبيلة خزاعة هي التي أخبرت رسول الله بذلك[793].

وقال الواقدي: إنّ اليهود واعدوا غطفان تمر خيبر سنة إنْ حاربوا المسلمين وانتصروا عليهم[794].

وكانت قبائل غطفان وأسلم وتميم وأسلم مرتزقة .

وتمكّن زعماء يهود بني النضير وخيبر من إقناع يهود قريظة في دخول الحرب إذ سمع كعب بن أسد زعيم يهود قريظة صوت حي بن أخطب فلم يفتح له الباب قائلاً: ويحك ياحي إنّك رجل مشؤوم إنّي قد عاهدت محمّداً (صلى الله عليه وآله) ولست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلاّ وفاءً وصدقاً .

فقال حي: جئتك بقريش بقيادتها وسادتها وغطفان على سادتها وقادتها قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتّى يستأصلوا محمّداً ومن معه .

فقال كعب: جئتني والله بذلّ الدهر .

فلم يزل حي بكعب حتّى سمح له بأن أعطاه عهداً وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمّداً أن أدخل معك في حصنك .

فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث سعد بن معاذ سيّد الأوس وسعد بن عبادة سيّد الخزرج ومعهما عبدالله بن رواحة وخوات ابن جبير قائلاً: انطلقوا حتّى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّاً فالحنوا لنا لحناً نعرفه ولا تفتّوا أعضاد الناس . وإن كانوا على الوفاء فأجهروا به للناس .

وخرجوا حتّى أتوهم فوجدوهم على أخبث ممّا بلغهم عنهم إذ قالوا: لا عهد بيننا وبين محمّد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإنّ ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة .

ثم أقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه أصحاب الرجيع .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر أبشروا يامعشر المسلمين[795] ثمّ رمى العرفة سعد بن معاذ بسهم في كاحله فمات شهيداً بعد وقعة بني قريظة .

وعمل نعيم بن مسعود الأشجعي بالخدعة بين اليهود وسائر الأحزاب حين طلب من بني قريظة أن تأخذ رهناً من أشراف قريش وغطفان كي لا ينسحبوا ويتركوهم لوحدهم، ومن جهة أُخرى أخبر قريشاً وغطفان بخيانة بني قريظة ورغبتها في أخذ زعماء قريش وغطفان كرهاً وإعطائهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ليقتلهم[796]فأفقد الجانبين ثقتهم ببعضهم .

ثمّ روي عن الزهري عرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلث تمر المدينة على عيينة بن الحصين ليخذل الأحزاب ويرجع بالناس فأبى إلاّ النصف فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: إن كنت امرت بشيء فامض له، وإلاّ فإنّا لا نرضى أن نعطيهم إلاّ السيف .

قال (صلى الله عليه وآله): فنعم إذن[797].

والزهري من أعضاء البلاط الأموي، ويستحيل تنازل النبي (صلى الله عليه وآله) لقبيلة عيينة الضعيفة بذلك الشكل مع تعجّب ابن معاذ وابن عبادة .

 

محاصرة المدينة

وكان سكّان المدينة حوالي ستة آلاف نفر فيهم الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وفيهم منافقون ! وشعار المسلمين حم لا ينصرون[798]. وجاءت الكفّار بقياداتها قريش وقائدها أبو سفيان وغطفان وقائدها عيينة بن حصين والحرث بن عوف في بني مرّة، ومسعر بن جبلة الأشجعي في قبيلة أشجع وطليحة بن خويلد الأسدي في أسد وأبو الأعور الأسلمي في قبيلة أسلم[799].

وعن الخيل والإبل فقد جاء ذكر لبعض أرقامها مثل ألف بعير لغطفان وفزارة[800] وألف فرس مجموع الخيل ثلاث مئة مع غطفان وثلاث مئة مع قريش[801].

وحامل لواء قريش عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وقائدهم أبو سفيان والتحق يهود قريظة بالأحزاب بطلب من حي بن أخطب فنقض زعيمهم كعب بن أسد عهده مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووقف أبو الأعور الأسلمي في السقيفة مع أبي بكر وحارب مع معاوية في صفّين[802].

 

لماذا حفروا الخندق والمسلم يعادل عشرة ؟

ولمّا حفر المسلمون خندقهم جاءت قريش في أربعة وعشرين ألف رجل من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة، وغطفان ومن تابعهم من أهل نجد، ويهود خيبر، في حملة الأحزاب[803].

وقال ابن شهر آشوب ثمانية عشر ألف رجل[804].

وقال الواقدى والذهبى والقمّي: كانوا إثني عشر ألفاً[805].

وقالوا: عشرة آلاف رجل[806].

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ..)[807].

ولأنّ جيش المسلمين في الخندق أقلّ من ألف مقاتل فيكون الكفّار 15 ضعفاً ، لذا حفر النبي (صلى الله عليه وآله) الخندق .

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يبعث الحرس إلى المدينة لحماية النساء والأطفال من يهود بني قريظة[808].

 

بطل العرب والعجم

وعندما اجتمعت الأحزاب لحرب المسلمين في معركة الخندق كانت الكفّار تتوقّع نصراً أسهل من انتصارهم في معركة أُحد .

وجاءت قريش في هذه المرّة ببطل العرب عمرو بن عبد ودّ العامري، المعادل لألف فارس في حساباتهم ...!

وكان لوجود هذا البطل المغوار في صفوف قريش الأثر القوي في زيادة معنويات الكفّار وضعف معنويات بعض المسلمين، ويسمّى بفارس ياليل لأنّه هزم فوارس وادي ياليل العائدين لقبيلة بني بكر الذين تصدّوا له ولصحبه في أثناء طريقهم للمدينة[809].

وشاءت الصدف أن يتمكَّن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ العامري وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطّاب الفهري ونوفل بن عبدالله المخزومي . من عبور الخندق، وهنا ازداد الرعب في نفوس بعض المسلمين ...

وبسبب الشهرة المطبقة للآفاق لهذا الفارس المغوار، فقد جبن المسلمون عن منازلته القتال حين طلب ذلك، وكان أبو بكر وعثمان وعمر بن الخطّاب من جملة الخائفين والممتنعين من البراز إليه .

فقد ذكر البيهقي في دلائل النبوّة، عن ابن إسحاق قائلا: خرج عمرو بن عبد ودّ ، وهو مقنّع بالحديد، فنادى: من يبارز ؟

فقام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أنا له يانبي الله . فقال: إنّه عمرو، اجلس .

ثمّ نادى عمرو: ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنّبهم ويقول: أين جنَّتكم التي تزعمون أنَّه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إليَّ رجلا ؟

فقام الإمام علي (عليه السلام) فقال: أنا يارسول الله ؟ فقال: اجلس . ثمّ نادى الثالثة، فقال:

ولقد بُحِحتُ من النداء *** بجمعكم هلْ من مُبارز

ووقفتُ إذ جَبُنَ المشيَّعُ *** موقفَ القِرنِ المناجز

ولذاك إنّي لم أزلْ *** متسرِّعاً قَبْلَ الهَزائز

إنَّ الشجاعةَ في الفتى *** والجود من خَيرِ الغرائز

فقام عليّ (عليه السلام) قائلاً: يارسول الله أنا . فقال: إنّه عمرو، فقال وإن كان عمراً . فأذِن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمشى إليه، حتّى أتى وهو يقول:

لا تَعْجَلنَّ فقد أتاك *** مجيبُ صوتِك غيرُ عاجِز

في نيَّة وبصيرة *** والصدقُ مَنجَى كلّ فائز

إنّي لأرجو أن أُقيمَ *** عليكَ نائحةَ الجنائز

من ضربة نجلاءَ *** يبقى ذكرها عندَ الهزائز

فقال له عمرو: مَن أنت ؟

قال: أنا علي .

قال: ابن عبد مناف ؟

قال: أنا علي بن أبي طالب .

فقال: ياابن أخي مِن أعمامك مَن هو أسنّ منك فإنّي أكره أن أُريق دمك[810]؟

فقال له الإمام علي: لكنِّي والله لا أكره أن أُريق دمك .

فغضب وسلّ سيفه كأنَّه شعلة نار، ثم أقبل نحو الإمام علي (عليه السلام) مغضباً واستقبله عليُّ (عليه السلام) بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدَّها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه، وضربه عليٌّ (عليه السلام) على حبل عاتقه فسقط، وثار العجاج وسمع رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) التكبير، فعرفنا أنَّ علياً (عليه السلام) قد قتله .

وكان سنّ الإمام (عليه السلام) يومها 28 سنة وسنّ النبي الأعظم 58 سنة .

والرواية الصحيحة: ذكر الواقدي وقد خاف عمرو منازلة الإمام علي (عليه السلام)فقال: كان أبوك لي نديماً، فارجع فأنت غلام حدث[811]. وبلغ ذلّه وخزيه حدّاً أن كشف سوأته في أرض المعركة أمام الكفّار والمسلمين واليهود[812] خوفاً من سيف الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناسياً أنّه بطل العرب ! ولمَّا أعلن الإمام علي (عليه السلام) عن استعداده للبراز إليه تعجَّب عمر بن الخطّاب، وذكر بطولة من بطولات عمرو في الجاهلية في قتله مجموعة من قطَّاع الطرق لوحده !

وبعد براز الإمام علي (عليه السلام) لعمرو وقتله، قال الرسول (صلى الله عليه وآله): « قتل علي لعمرو بن عبد ودّ أفضل من عبادة الثقلين »[813].

وكانت قريش تلحّ لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وحمزة، وتمتنع عن قتل أبي بكر وعمر وعثمان ... لماذا ؟

ولقد تخوّف عمر وأبو بكر وعثمان وغيرهم من منازلة أبطال المشركين عثمان بن طلحة في أُحد وعمرو بن عبد ودّ في الخندق ومرحب اليهودي في خيبر، بل امتنعوا عن محاربة الكفّار واليهود وعاملهم هؤلاء بالمثل .

وفي رواية ثمّ حمل ضرار بن الخطّاب (الفهري) وهبيرة بن أبي وهب على الإمام علي كرَّم الله وجهه، فأقبل الإمام علي (عليه السلام) عليهما، فأمّا ضرار فولّى هارباً ولم يثبت، وأمّا هبيرة فثبت ثم ألقى درعه وهرب، وكان فارس قريش وشاعرها .

وعرضت قريش شراء جيفة عمرو بن عبد ودّ بعشرة آلاف درهم .

فقال (صلى الله عليه وآله): « لا نأكل ثمن الموتى » !

فكان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد سدَّ الثغرة التي عبر منها أبطال قريش ، وقتل عمراً وابنه حسل، ونوفل بن عبدالله المخزومي، ولولا ذلك لعبر جيش الأحزاب (الكفّار واليهود) إلى قلب المدينة . وكانت قريش لا تقتل جواسيسها في صفوف المسلمين والمعروفين بالمنافقين من المهاجرين والأنصار !!

وذكر أنّ ضرار بن الخطّاب لمّا هرب تبعه عمر بن الخطّاب، وصار يشتدّ في أثره، فكرَّ ضرار راجعاً، وحمل على عمر بالرمح ليطعنه ثم أمسك . وقال: ياعمر هذه نعمة مشكورة أثبتها عليك، ويدٌ لي عندك غير مجزى بها فاحفظها . ووقع له مثل هذا مع عمر في أُحد، فإنّه التقى معه فضرب عمرَ بالقناة، ثم رفعها عنه، وقال له : ما كنت لأقتلك ياابن الخطّاب[814].

ولم يقتله خالد بن الوليد في أُحد حين تمكّن منه[815]! فالظاهر معرفتهما بحال عمر وحقيقته !

وكان الإمام علي (عليه السلام) قد قال عند عبور فوارس قريش الخندق:

أعَلَيَّ تقتحم الفوارس هكذا *** عنِّي وعنهم أخِّروا أصحابي[816]

وروي أنّ علياً (عليه السلام) لمّا قتل عمراً لم يسلبه فجاءت أُخت عمرو حتّى قامت عليه، فلمّا رأته غير مسلوب سلبه[817]، قالت: ما قتله إلاّ كفؤ كريم، ثم سألت عن قاتله . قالوا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأنشأت هذين البيتين:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله *** لكنت أبكي عليه آخِرَ الأبدِ

لكنّ قاتِلَه من لا يعاب به *** أبوه من كان يدعى سيّد البلد[818]

 

النصر الإلهي في معركة الخندق

بقيت قوّات الأحزاب على أبواب الخندق بضعة وعشرين يوماً والترامي بينهم مستمر بالنبل والحجارة .

ونزلت في الخندق سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الاَْبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيداً)[819].

فظنّ المنافقون أنّ المسلمين يُستأصلون وظنّ المؤمنون أنّهم يبتلون .

فأرسل الله تعالى ريح الصبا على جيش الأحزاب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « نصرت بالصبا وأُهلكت عاد بالدبور . فقد بعث الله تعالى عليهم ريحاً باردة في ليلة شاتية مع ألف من الملائكة فسفت التراب في وجوههم وقلعت الملائكة الأوتاد، وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها على بعض وقُذف في قلوبهم الرعب وأظلمت الدنيا » .

وحدث الإختلاف بين قوّات الأحزاب فاليهود لم يوافقوا على الحرب يوم السبت، وقريش لم توافق على إعطاء يهود قريظة رهناً مقابل دخولها الحرب . وأرسل الله سبحانه عليهم ريحاً شديدة قتلت ماشيتهم وآذتهم .

وقتل الإمام علي (عليه السلام) أبطال الكفّار عمرو بن عبد ودّ وابنه حسل ونوفل بن عبدالله وعندها قرّر أبو سفيان العودة إلى مكّة وقطع ذلك الحصار الذي دام نيفاً وعشرين يوماً .

فقال أبو سفيان: والله ليست بدار مقام، لقد هلك الخف والكراع، وأجدب الجناب، وأخلفنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقد لقينا من الريح ما ترون، والله ما يثبت لنا بناء، ولا تطمئن لنا قدر، فارتحلوا فإنّي مرتحل[820].

وقتل من المسلمين ستّة ومن المشركين ثمانية .

ولمّا عادت قوّات قريش وجدت غطفان مكان قريش خالياً فتراجعت إلى مساكنها[821].

وبقي يهود قريظة وحدهم في الميدان مقابل قوّات رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخاب سعيهم ومكرهم وقد قال تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[822].

وكان نتيجة ذلك الحصار إنتصار المسلمين في دفاعهم المذكور عن أنفسهم ومدينتهم، بعد أن نجحوا في حفر خندق عظيم يحول بين الغزاة وبينهم في مدّة قصيرة .

وأثبتت القيادة الحكيمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حنكتها وصبرها وإدارتها الرائعة لدفّة الأحداث .

وكان لإنتصار فارس الإسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام) على فرسان قريش بقيادة عمرو بن عبد ودّ العامري الأثر القوي في دحر معنويات قريش وإجبارها على الفرار من أرض المعركة .

 

الفصل الخامس: غدر بني قريظة

كانت قريظة في عهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يفي لهم بعهوده فمضت خمس سنوات على ذلك وعهوده لهم ترسخ وتقوى وإطمئنانهم إلى عدله يزداد .

لكنّهم غدروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ونقضوا معاهدتهم معه وحاربوه في معركة الأحزاب طمعاً في القضاء عليه وعلى دينه وعلى المسلمين .

وبعد انسحاب الأحزاب من المدينة إلى مساكنهم بقيت قريظة وحدها بلا عهد ولا صلح بل على حرب الله ورسوله .

فلمّا كان الظهر، أتى جبريلُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله)، معتجراً[823] بعمامة من إستبرق[824]، على بغلة عليها رحال[825]، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوَقد وضعت السلاح يارسول الله ؟

قال: نعم .

فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلاّ من طلب القوم، إنّ الله عزّوجلّ يأمرك يامحمّد بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم .

فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤذّناً، فأذّن في الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلّين العصر إلاّ ببني قريظة . واستعمل على المدينة ابن أُمّ مكتوم .

قال ابن إسحاق: وقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناسُ . فسار الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حتّى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فرجع حتّى لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالطريق، فقال: يارسول الله، عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث .

قال: لِمَ أظنّك سمعت منهم لي أذى ؟

قال: نعم، يارسول الله .

قال (صلى الله عليه وآله): لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً . فلمّا دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حصونهم . قال: ياإخوان القِردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟

قالوا: ياأبا القاسم، ما كنت جهولا .

ومرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفر من أصحابه بالصورين[826] قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: هل مرّ بكم أحد ؟

قالوا: يارسول الله، قد مرّ بنا دحيّة بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء تحتها قطيفة ديباج .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذلك جبريل، بُعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم .

ولمّا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني قريظة، نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم ، يقال لها بئر أنا[827].

وتلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلّوا العصر، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يصلّين أحد العصر إلاّ ببني قريظة، فشغلهم ما لم يكن لهم منه بدٌّ في حربهم، وأبوا أن يصلّوا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): حتّى تأتوا بني قريظة .

وحاصرهم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) خمساً وعشرين ليلة، حتّى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب .

وقد كان حُي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه . وحي بن أخطب من زعماء بني النضير الذين هجّرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لغدرهم إلى خيبر ولم يقتلهم، فنراه هنا يخون المسلمين مرّة أُخرى في حرب الخندق بتأليب الكفّار واليهود عليهم .

فلمّا أيقنوا بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم: يامعشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثاً، فخذوا أيّها شئتم . قالوا: وما هي ؟

قال: نتابع هذا الرجل ونصدّقه، فوالله لقد تبيّن لكم أنّه لنبي مرسل، وأنّه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم .

قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره[828].

قال: فإذا أبيتم عَلَيَّ هذه، فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد، فإن نهْلك نهْلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدنّ النساء والأبناء .

قالوا: نقتل هؤلاء المساكين ! فما خير في العيش بعدهم ؟

قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإنّ الليلة ليلة السبت، وإنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلّنا نُصيب من محمّد وأصحابه غرّة .

قالوا: نُفسد سبتنا علينا، ونُحدث فيه ما لم يحدث مَن كان قبلنا إلاّ من قد علمت، فأصابهم ما لم يخف عليك من المسخ ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أُمّه ليلة واحدة من الدهر حازماً .ثم دخلوا الحرب بشدّة وكانوا قد أخبروا أبا سفيان أن أثبتوا فإنّا سنغير على بيضة الإسلام[829].

 

رواية أبي لبابة المختَلَقة

إنّهم بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن إبعث إلينا أبا لُبابة بن عبدالمنذر، أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حُلفاء الأوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله)إليهم . فلمّا رأوه، قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، وقالوا له: ياأبا لُبابة ! أترى أن ننزل على حكم محمّد ؟

قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنّه الذبح . قال أبو لبابة: فوالله ما زلّت قدماي مِن مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنتُ اللهَ ورسولَه (صلى الله عليه وآله) . ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته .

وقال: لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب الله عَلَيّ ممّا صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بني قريظة أبداً، ولا أُرى في بلد خنت اللهَ ورسولَه فيه أبداً . وأنزل الله تعالى في أبي لبابة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[830].

فلمّا بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما إنّه لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتّى يتوب الله عليه . ونزلت توبة أبي لُبابة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السحر، وهو في بيت أُمّ سلمة فقالت أُمّ سلمة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في السحر وهو يضحك .

فقلت: ممّ تضحك يارسول الله ؟ أضحك الله سنّك .

قال (صلى الله عليه وآله): تِيبَ على أبي لُبابة . قلت: أفلا أُبشّره يارسول الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله): بلى، إن شئت، فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يُضرب عليهنّ الحجاب .

فقالت: ياأبا لبابة ; أبشر فقد تاب الله عليك . فثار الناس إليه ليُطلقوه . فقال : لا والله حتّى يكون رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي يطلقني بيده، فلمّا مرّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه[831]. وأقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ستَّ ليال ، تأتيه امرأته في كلّ وقت صلاة، فتحلّه للصلاة، ثمّ يعود فيرتبط بالجذع، والآية التي نزلت في توبته: (وآخرونَ اعتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَمَلا صالِحاً وآخَرَ سيّئاً عَسَى اللهُ أنْ يتوبَ عليهم إنّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ)[832].

والصحيح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين امتنعوا عن الكلام مع أبي لبابة وأصحابه لتخلّفهم عن حملة تبوك مع المنافقين فربط أبو لبابة نفسه بعمود مستغفراً الله تعالى، فغفر الله سبحانه ذنبه[833].

والأمويون اختلقوا الرواية الأُولى لإثبات مظلومية اليهود ومقتلهم أسرى بيد النبي (صلى الله عليه وآله) .

 

انتصار علي (عليه السلام) على جيش بني قريظة

وعندها قرّر اليهود الحرب وعدم التسليم واستمرّوا مع رئيسهم كعب بن أسد في سبّ النبي (صلى الله عليه وآله)، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجيوش الإسلامية إليهم بقيادة أكابر الصحابة ففرّوا[834].

فاستعان النبي (صلى الله عليه وآله) ببطل المسلمين الإمام علي (عليه السلام) .

فجاءهم الإمام علي (عليه السلام) وحاربهم وانتصر عليهم انتصاراً ساحقاً فقتل بعضهم وأسر الآخرين[835].

وأنزلهم على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم، بعد خمس وعشرين ليلة من الحصار والحرب[836].

وقد غيَّر الطغاة سيرة معركة بني قريظة اعتداءً منهم على الإسلام والمسلمين ، فقالوا بنزول اليهود من حصونهم دون حرب، وإقدام المسلمين على قتلهم .

في حين أثبتت الروايات الصحيحة استسلامهم أثر الهزيمة التي حلّت بساحتهم .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) في بني قريظة: « إنّ علياً إمامكم وخليفتي فيكم، بذلك أوصاني جبرئيل عن ربي، ألا وإنّ أهل بيتي الوارثون لأمري القائمون بأمر أُمّتي ، اللهمّ مَن حفظ فيهم وصيّتي فاحشره في زمرتي، ومَن ضيّع فيهم وصيّتي فاحرمه الجنّة »[837].

وقُتِل إثنان من المسلمين في الحصار والحرب فقط[838].

 

هل قتل النبي (صلى الله عليه وآله) أسرى بني قريظة ؟

رواية مختلقة لتمجيد زعيم المنافقين وتشويه سمعة الرسول (صلى الله عليه وآله) لمّا جيء بالأسرى تواثبت الأوس فقالوا: يارسول الله، إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت . وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد حاصر بني قينقاع قبل بني قريظة، وهم حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إيّاهم عبدالله بن أبي سلول فوهبهم له[839].

فلمّا كلّمته الأوس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا ترضون يامعشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا: بلى . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فذاك إلى سعد بن معاذ .

فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم لما حكمتُ ؟

قالوا: نعم . قال: وعلى من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم . فحكم سعد بن معاذ بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال واقتسام الأموال والأراضي .

 

الصحيح في القضية

لم يقتل النبي (صلى الله عليه وآله) أسرى بني قريظة:

1 ـ إذ حكم فيهم بالجلاء عن المدينة والخروج إلى خيبر وتبقى أرضهم وأموالهم للمهاجرين دون الأنصار وتترك أسلحتهم للمسلمين .

وأيّد الحسن البصري حشر (إخراج) يهود بني قريظة إلى خيبر ونزول الآية القرآنية التالية في حقّهم: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ)[840].

2 ـ ولم يقتل النبي (صلى الله عليه وآله) الأسرى في معاركه جميعاً ; بدر وأُحد وبني النضير والخندق وبني قريظة وخيبر وفتح مكّة وحنين وباقي المعارك، فلماذا هذا الافتراء على سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) الذي جاء رحمة للعالمين ؟

3 ـ وقضية أبي لبابة محرّفة عن الحقيقة والواقع كالتالي: امتنع أبو لبابة من الالتحاق بحملة تبوك إلى الشام فوبّخه النبي (صلى الله عليه وآله) مثلما وبّخ كعب بن مالك بعد عودته (صلى الله عليه وآله) من الشام إذ أمر المسلمين بعدم التحدّث مع العاصين، فربط أبو لبابة نفسه بسارية طلباً للتوبة، فنزلت التوبة عليه من الله سبحانه وتعالى[841].

إذن موضوع إشارة أبي لبابة ليهود بني قريظة بذبح النبي (صلى الله عليه وآله) لهم أن نزلوا على حكمه من المختلقات الأموية التي وفّقنا الله سبحانه لكشفها مع باقي المختلقات . وهذا يفضح المؤامرة الأموية الهادفة لاتّهام النبي (صلى الله عليه وآله) وسعد بن معاذ الأنصاري بقتل الأسرى !

4 ـ حكم سعد بن معاذ بقتل حي بن أخطب زعيم بني النضير الذي حرّره النبي (صلى الله عليه وآله) سابقاً من الأسر في معركة بني النضير لكنّه ألّب يهود بني قريظة وقريشاً في معركة الخندق (الأحزاب) على المسلمين، فلم ينفع معه إلاّ القتل فقتل . فلمّا جيء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل نظرإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنّه من يخذِل اللهَ يُخذَل ثمّ جلس فضربت عنقه .

فحرّف الحزب القرشي الواقعة وقالوا: أقدم الرسول (صلى الله عليه وآله) على قتل جميع أسرى بني قريظة !

5 ـ وكان تعامل النبي (صلى الله عليه وآله) مع اليهود في المعارك كالآتي:

في معركة المسلمين مع بني قينقاع أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بإجلائهم وغنّم الله عزّوجلّ رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال، ولم تكن لهم أرضون إنّما كانوا صاغة، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم سلاحاً كثيراً وآلة صياغتهم[842].

واختلق الحزب القرشي والمنافقون رواية اجبار ابن أُبي للرسول (صلى الله عليه وآله) بتحرير أسرى بني قينقاع .

في حين كانت نظرية النبي (صلى الله عليه وآله) في الأسرى قائمة على إطلاق سراح الكفّار منهم وأصحاب الكتاب[843].

وفي معركة بني النضير كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد حاصرهم حتّى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أراضيهم وأوطانهم، وأن يسيِّرهم إلى خيبر وفدك وأذرعات الشام[844]، على أنّ لهم ما حملت الإبل دون الذهب والفضّة والسلاح[845].

وفي معركة خيبر فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعض الحصون عنوةً، وبعضهاجنح أهلها إلى الصلح أي الوطيح والسلالم فصالح رسول الله (صلى الله عليه وآله) اليهود على أن تحقن دماؤهم ولهم ما حملت ركابهم وللنبي (صلى الله عليه وآله) الصفراء والبيضاء والسلاح ويخرجهم، وشرطوا أن لا يكتموه شيئاً فإن فعلوا لا ذمّة لهم ولا عهد، فلمّا وجد الرسول (صلى الله عليه وآله)المال الذي غيّبوه في مسك الجمل غلبهم على الأرض والنخل[846]، وقتل ابن أبي الحقيق الذي غيّب الكنز فدلّه الله تعالى عليه[847]، وبقي الرجال اليهود يعملون في الأرض على نصف الحاصل .

إذن لم يقتل النبي (صلى الله عليه وآله) أسرى اليهود في معاركه جميعاً فأبقى البعض منهم يعملون في الأرض ورحّل آخرين إلى خيبر .

 

الدلائل والعبر في معركة الخندق

كان من المسلمين الصبر والدعاء والاخلاص في العمل والاستعداد للجهاد فأجابهم الله تعالى بالنصر والعزّة لهم والهزيمة لأعدائهم والنصر الإلهي تمثّل في الريح والرعب والخوف والبرد ونفاد القوت وانقطاع المدد وتشتت الأحزاب وانقسامهم على أنفسهم ومقتل زعمائهم بيد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

ومن القضايا الأخلاقية والفقهية المستفيدة من حرب الخندق عدم جواز النظر إلى العورة كما فعل الإمام علي (عليه السلام) مع عمرو بن عبد ودّ الذي كشف عورته بعدما ضربه الإمام علي (عليه السلام) .

ويستفاد أيضاً عدم جواز بيع جثث القتلى إذ رفض النبي (صلى الله عليه وآله) استلام مال مقابل جثّة عمرو وجثّة نوفل .

واستفدنا أيضاً عدم إقدام الإمام علي (عليه السلام) على سلب القتلى ثيابهم وهذا من أخلاق الأوصياء والأنبياء .

وتعلّمنا إقدام محمّد (صلى الله عليه وآله) (58) سنة والإمام علي (عليه السلام) وعمره (28) سنة على الاشتراك في العمل والجهاد إلى جنب سائر المسلمين واطّلعنا على رغبة قريش في قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر المسلمين وعدم رغبتها في قتل عمر بن الخطاب !

وكان الكفّار عارفين بهوية المسلمين والمنافقين .

والدلائل والعبر من وقعة بني قريظة تتمثّل في هزيمة وخذلان كل من يمكر برسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين ويخونهم وأنّ الدين يجوِّز قتال من نقض العهد مع المسلمين مثل بني قريظة الذين نقضوا العهد وأعلنوا الحرب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)والمسلمين، والدين يجوّز حصارهم .

ودلّت الواقعة على ندم كعب بن أسد اليهودي وإيمانه برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أنّه أصرّ على المذهبية الدينية المشابهة للعصبية القومية والإقليمية والحزبية .

إنّ غدر اليهود المستمر في التاريخ يؤيّده القرآن الكريم وتثبته الأحداث الكثيرة فلقد جبلت نفوسهم على الغدر والعصيان . وقد وصف الله تعالى الغادرين بقوله: (إِنَّهُم يَكِيدُونَ كيداً وَأَكيد كيداً فَمَهّلِ الكافِرِينَ أَمهِلهُم رُوَيدَاً)[848].

وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ريحانة اليهودية زوجة له[849].

 

عمر: لولا سيف علي لما قام عمود الإسلام

وقال عمر بن الخطّاب: لولا سيفه لما قام عمود الإسلام[850].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « لمبارزة علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعمرو بن ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة »[851].

 

الفصل السادس: واقعة الحديبية

التوجّه للحديبية:

الحديبية قرية متوسطة، سمّيت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحتها، وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم، وقيل كلّها في الحرم ، وأهلها ألف وخمسمائة[852].

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) رأى في المنام أنّه دخل البيت وحلق رأسه وأخذ المفتاح وسمّيت هذه السنة بسنة الاستئناس، وخلف على المدينة ابن أُمّ مكتوم . وأحرم (صلى الله عليه وآله)من ذي الحليفة[853] وقيل: أحرم من المدينة ليعلم الناس أنّه لا يريد حرباً، وأجمعت قريش على صدّه عن البيت الحرام .

وفي صلح الحديبية جاء الرسول (صلى الله عليه وآله) مع سبعمائة رجل وسبعين بدنة كل بدنة عن عشرة نفر فيهم مئتا فارس إلى منطقة الحديبية[854].

وذلك في شهر ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة، وهدفه (صلى الله عليه وآله) العمرة فساق معه الهدي، ولم يخرج بسلاح إلاّ سلاح المسافر السيوف في القرب[855]، ولضعف العدد والعدّة فقد رغبت قريش وجواسيسها الموجودين في الجيش الإسلامي في الحرب .

وكان اللواء بيد الإمام علي بن أبي طالب[856].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « كان الإمام علي لي كالعصا السحرية لموسى (عليه السلام) »[857].

وقال (صلى الله عليه وآله): « ياعلي لو قاتلك أهل الشرق والغرب لقتلتهم أجمعين »[858].

ولمّا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عمرة الحديبية نزل الجحفة فلم يجد بها ماءً، فبعث سعد بن مالك (سعد بن أبي وقّاص) بالرَّوايا حتّى إذا كان غير بعيد رجع بالرَّوايا قائلا: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أستطيع أن أمضي لقد وقفت قدماي رُعباً من القوم .

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اجلس .

ثم بعث رجلاً آخر[859] فخرج بالروايا حتّى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الأوّل رجع فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): لِمَ رجعتَ ؟

فقال: والذي بعثك بالحقّ ما استطعت أن أمضي رُعباً .

فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأرسله بالروايا وخرج السقاة وهم لا يشكّون في رجوعه لما رأوا من رجوع مَن تقدّمه . وجاءت الأحابيش وثقيف مع قريش . فخرج الإمام علي (عليه السلام) بالروايا حتّى ورد الحرار فاستقى ثمّ أقبل بها إلى النبي (عليه السلام) ولها زجل (صوت) فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله) ودعا له بخير[860].

 

رغبة قريش في الحرب

فلمَّا كان النبي (صلى الله عليه وآله) بذي الحليفة قلَّد الهدي، وأحرم هو وأصحابه منها، ليأمن الناس حربه . ولمَّا وصل جيشه إلى قرب جيش خالد بن الوليد أمر خيله بالوقوف في إزاء جيش خالد . وشاهد المسلمون غلظة وخشونة من قبل المشركين، فأبدوا لهم مثل ذلك، كما قال الله سبحانه: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءامَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَليَجِدُوا فِيكُم غِلظَةً)[861].

ولمّا خرج عكرمة بن أبي جهل في خيله، ناوشه المسلمون، ورموهم بالحجارة، حتَّى أدخلوهم مكَّة ... وعلى أثر ذلك ازداد الرعب في صفوف المشركين ، وانخلعت أفئدتهم خوفاً من جيش المسلمين الرابض على أبواب مكّة .

وقال (صلى الله عليه وآله): ياويح قريش، نهكتهم الحرب، فماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين العرب، فإنْ هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وافرين، وإن أبوا قاتلوني وبهم قوّة ؟ فما تظن قريش، فوالله الذي لا إله إلاّ هو، لا أزال أُجاهد على الذي بعثني به ربِّي، حتَّى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة[862].

وقال (صلى الله عليه وآله): « والذي نفس محمّد بيده، لا تدعوني اليوم قريش إلى خطَّة يسألوني فيها صلة رحم إلاّ أعطيتهم إيّاها » .

ويظهر من قول الرسول (صلى الله عليه وآله)، رغبته في الصلح مع قريش، للإنفراد بسائر العرب في الجزيرة، فيسهل عليه نشر الإسلام بينهم .

وحاول الرسول (صلى الله عليه وآله) عدم الاصطدام بجيش الكفّار فسلك أرضاً جرداء ليس فيها ماء .

وكانت قريش تعرف بمسير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجيشه إلى مكّة فأرسلوا له خالد بن الوليد في جيش فحاول إثارة جيش المسلمين فصدّوه دون قتال . وتقدّم الطاغية خالد لاستقبال جيش المسلمين في ذي طوس، فسلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير الطريق التي هم بها وسلك ذات اليمنى على مهبط الحديبية فبركت به ناقته وقال (صلى الله عليه وآله): حبسها حابس الفيل[863].

 

الآيات الباهرة

وفي السنة السادسة للهجرة أجدب الناس فاستسقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شهر رمضان فسقاه الله تعالى[864].

وعطش المسلمون في الحديبية ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين يديه ركوة يتوضّأ فيها فأقبل الناس نحوه فقال (صلى الله عليه وآله): ما لكم ما لكم .

قالوا: ليس عندنا ماء نشرب ولا نتوضّأ منه إلاّ ما في ركوتك .

فوضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده في الركوة[865] فجعل الماء يفور بين أصابعه أمثال العيون .

قال: فشربنا وتوضّأنا ولو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة[866].

وهجم خمسون مشركاً على أطراف المسلمين ليصيبوا لهم من أصحابهم أحداً فأخذهم المسلمون وعفا عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأطلق سراحهم[867].

وقضيّة الحرب على الماء قضيّة قديمة، فقد حاول الكافرون دائماً السيطرة على الماء ومنع المسلمين منه لقتلهم عطشاً[868]. فقد منع المشركون الماء عن عبدالمطّلب بن هاشم وصحبه لقتلهم عطشاً في صحراء الجزيرة ولمّا نبع الماء تحت قدمية لم يمنعه عبدالمطّلب من قريش .

ومنع المشركون الماء عن المسلمين في بدر بعد سيطرتهم على آبارها، ولمّا سيطر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الماء لم يمنعهم منه[869]. وسيطر الكافرون على الماء في غزوة الحديبية لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين عطشاً، فجاءهم الإمام علي (عليه السلام) بالماء في منطقة الجحفة وبارك الله تعالى لهم في عين الحديبية بدعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)[870].

ومنع طلحة بن عبدالله الماء عن عثمان بن عفّان وصحبه وأهله أثناء الثورة على عثمان وردّ شفاعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في إعطائهم الماء[871].

فسقاه الإمام (عليه السلام) الماء بواسطة ابنه الحسن (عليه السلام) .

ومنع معاوية بن أبي سفيان الماء عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وجيشه في معركة صفين ولمّا سيطر الإمام علي (عليه السلام) على الماء سمح لمعاوية وجيشه بالشرب منه[872].

وسقى الإمام الحسين (عليه السلام) جيش يزيد بن معاوية الماء في صحراء كربلاء، ولمّا سيطروا على الماء منعوا الحسين (عليه السلام) وأهله وصحبه منه فقتلوهم عطشاً[873].

 

سبب بيعة الرضوان

اعتقد زعماء قريش بأنّ الصلح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غير صالحهم، وهذا المبدأ قديم التزمت به قريش قبل وبعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة لأنّ الصلح يمكّن المسلمين من نشر الإسلام بسهولة في مدن وأراضي شبه جزيرة العرب . بل يساعدهم على نشر الدين خارج البلاد أيضاً .

ويعني الصلح الاعتراف برسالة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) ودولته في المدنية ممّا يسهل على المسلمين إقامة العلاقات المحترمة مع سائر القوى القبلية والمدنية في المنطقة .

والصلح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيمكّن المسلمين من الانتصار على باقي القوى المحالفة لقريش من الأحزاب مثل خيبر وغطفان وبني سليم وغيرها . وفعلاً حدث ذلك إذ فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيبر وحارب بني سليم، وأرسل جيشاً إلى مؤته في الشام .

وفي مدّة سنتين عظمت شوكة المسلمين وضعفت منزلة المشركين فأقبلت الناس على دخول الإسلام رغبة في الدين من البعض ورغبة في المغانم من البعض الآخر فدخل عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وخالد بن الوليد في الإسلام في تلك الفترة .

ودخلت قبيلة خزاعة في حلف مع المسلمين فتضاعفت جيوش رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وأدرك عمر بن الخطّاب ما أدركته قريش أيضاً وشاركه في ذلك عثمان بن عفّان وأبو بكر والمغيرة .

وباقي رجال الحزب القرشي من المهاجرين فعارضوا صلح الحديبية وخافوا خطره على قريش، وعرفوا نفعه للموحّدين !

وذهب عثمان إلى مكّة للعمرة بدعوة من أبي سفيان في حين رفض الدعوة عبدالله بن أُبي زعيم المنافقين الذى قال له ابنه: كيف تطوف الكعبة ورسول الله (صلى الله عليه وآله)ممنوع من الطواف بها !

وذهاب عثمان للعمرة كان عصياناً لأمر النبي (صلى الله عليه وآله) .

واعتقد القرشيون أنّ جيش المسلمين في الحديبية لقمة سائغة فهم في عددهم قليل بلا عدّة حربية .

وأدرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) نوايا قريش من رفضهم الصلح ومحاولة قتلهم سفيره خراش بن أُميّة الخزاعي وهجمة جيشهم على المسلمين بقيادة عكرمة بن أبي جهل ، والهجوم الغادر عليهم من قبل خمسين آخرين ومحاولة خالد قتل المسلمين في الصلاة فنزلت آية: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)[874].

ولخطورة الوضع ردّ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالوسائل التالية:

إجراء بيعة الرضوان التي بايع فيها المسلمون على الموت وعدم الفرار لتخويف المشركين الداعين للحرب وإرعاب جواسيسهم في الوسط الإسلامي .

والبيعة وسيلة جماهيرية تبيّن مكانة الزعيم في صفوف الناس وتعوّد المسلمين على اتّباع هذه الطريقة دائماً، وتزيد من المحبّة بين القائد وشعبه لذلك يخاف هذه البيعة المستبدّون الظالمون .

فأدرك زعماء مكّة أنّ هذه الحرب ستكون كبدر لا كأُحد وعندها تتحطّم رؤوسهم كما تحطّم رأس عتبة وشيبة والوليد وأبي جهل وأُميّة بن خلف وعتبة بن أبي معيط في بدر .

فتلك البيعة على الموت أخافت المشركين وخلعت أفئدتهم وسلبتهم نومهم .

وهدّدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)[875] الذي قتل زعماءهم وأبطالهم في بدر وأُحد والخندق وأيّ جولة أُخرى له ستمكّنه من قتل رموزهم الآخرين مثل أبي سفيان وحكيم بن حزام وصفوان بن أُميّة وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل .

وهذا التهديد النبوي لهم ثبَّط عزائمهم ونشر الخوف في أوصالهم كيف لا والامام علي (عليه السلام) لا يقف أمامه أحد فهو منصور بالعناية الإلهية وبلغت قوّته حدّاً أجازت لأبطال العرب كشف عوراتهم أمامه للهروب من سيفه، بينما كان العرب يهتّمون بسمعتهم أكثر من أي شيء آخر .

وأطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) سراح الأسرى القرشيين الخمسين المهاجمين للمسلمين تعبيراً عن حسن النيّة[876].

 

بيعة الرضوان

ولمَّا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يحمل راية الصلح والسلام في يد، ويحمل السيف في اليد الأُخرى ،تخويفاً وتهديداً لقريش نراه جمع أصحابه للبيعة تحت شجرة، فكانت بيعة الرضوان . فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته وعلى أن لا يفرّوا، (وفيهم كهف المنافقين ابن سلول) لم يتخلّف منهم إلاّ رجل يدعى الجدّ بن قيس الأنصاري وعثمان بن عفّان[877].

وأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون في الحديبية بضعة عشر يوماً[878] ومن شدّة حبّ المسلمين لبيعة الرضوان كانوا يصلّون عند تلك الشجرة عندما يمرّون بها فأمر عمر بقطعها[879] بغضاً منه لتلك البيعة التي انتهت بهزيمة قريش وفتح مكّة .

وبعد بيعة الرجال جرت بيعة النساء، وكانت بيعة النساء لرسول الله (صلى الله عليه وآله)تتمثّل في أمره أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) في طرح ثوب للنساء ثم مسحه (صلى الله عليه وآله) بيده، فكانت مبايعتهنّ للنبي (صلى الله عليه وآله) بمسح الثوب[880].

ومثلما تعهَّد الرسول (صلى الله عليه وآله) بالصلح مع قريش، فقد وافق على شروطهم للسلام لحكمة إلهيَّة . ولأجل اعتقاد المسلمين بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، وحكمته، وأفعاله المسدّدة من الله تعالى فقد سكتوا، ورضوا بشروط الهدنة[881].

 

قول النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) في الحديبية

قال سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) في الحديبية عن علي (عليه السلام): « هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله »[882].

وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) في بيعة الرضوان الناس بالسلام على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين[883]، فبايعه المسلمون بذلك .

 

شروط الصلح

ولمّا اتّفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسهيل بن عمرو على وثيقة الصلح دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم .

فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهمّ .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اكتب باسمك اللهمّ هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسهيل بن عمرو .

فقال سهيل: لو شهدت إنّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم أُقاتلك، ولكن اكتب محمّد بن عبدالله . ولم يمحها الإمام علي (عليه السلام) فمحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده وقال لعلي: تدعى لمثلها فتجيب[884].

فكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبدالله وسهيل بن عمرو[885].

وكان الصلح على أن يرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه من الحديبية فإذا كان العام القابل، تخرج قريش من مكَّة، فيدخلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه، فيقيم بها ثلاثاً، وليس معه من السلاح سوى السيوف في القرب والقوس .

وأن توضع الحرب بينه وبينهم ثلاث سنين[886]، يأمن فيها الناس، ويكفُّ فيها بعضهم عن بعض .

وأنَّه مَن أحبَّ مِن العرب أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه .

وأن يكون بين الفريقين عيبة مكفوفة (أي صدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة) وإنّه لا إسلال ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة) .

وأنّه من أتى محمّداً من قريش ممَّن هو على دين محمّد بغير إذن وليِّه ردَّ إليه، ومن أتى قريشاً ممّن مع محمّد فارتدَّ عن الإسلام لا تردّه قريش إليه .

فقال المسلمون: سبحان الله كيف نردَّ للمشركين من جاءنا منهم مسلماً . وعظم عليهم هذا الشرط .

فقالوا يارسول الله: أتكتب هذا على نفسك ؟

قال: نعم إنَّه من ذهب منَّا مرتدَّاً أبعده الله، ومن جاءنا مسلماً فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً[887].

وطالب سهيل بشرط صعب ألا وهو إرجاع العبيد الفارّين إلى مالكيهم مثل بلال الحبشي وعمّار بن ياسر قائلاً: يامحمّد إنّ أرقّاءنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى تبيّن الغضب في وجهه ثمّ التفت إلى أبي بكر وعمر فقال لهما: ما تقولان ؟

قالا: صدق الرجل .

فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتفت إلى الوفد وقال (صلى الله عليه وآله): « لتنتهنّ أو ليبعث الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين » .

فقال بعض من حضر: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو بكر ذلك الرجل ؟

قال (صلى الله عليه وآله): لا .

قيل: فعمر .

قال النبي (صلى الله عليه وآله): « لا ولكنّه خاصف النعل في الحجرة فتبادر الناس ينظرون مَن الرجل ؟ فاذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) »[888].

ولو عاد بلال وعمّار وصحبهم لقتلهم المشركون بمن قتلوا في بدر وأُحد !

وكانت آراء أبي بكر وعمر وعثمان والمغيرة وصحبهم في الحديبية متطابقة تماماً مع رؤساء مكّة .

وانكشف الناس على حقيقتهم في تلك الحادثة الغير حربيّة فظهر المسلمون في الصفّ القرشي وبرز المنافقون في الجانب الإسلامي .

فذهب عثمان إلى مكّة للعمرة ملبّياً دعوة أبي سفيان في معارضة عملية للمسلمين .

وأفصح عمر عن معارضة لفظيّة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) محتجّاً مراراً عليه فغضب عليه سيّد الرسل وهجره .

فقال عمر: خفت نزول قرآن فيَّ وقال عمر: ما شككت إلاّ يومئذ[889].

 

الفصل السابع: معركة خيبر

حركة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى خيبر:

خيبر واحة في طريق الشام بينها وبين المدينة إثنان وثلاثون فرسخاً أي ستّة وتسعون ميلاً[890]، ومشي ثلاثة أيّام إلى جهة الشام[891]. وخيبر بلسان اليهود الحصن ، وقيل سمّيت بإسم خيبر بن قانية[892] وفيها مزارع وأربعون ألف نخلة .

وكان الله تعالى قد وعد النبي (صلى الله عليه وآله) إيّاها وهو في الحديبية، في قوله تعالى: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)[893].

(وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)[894] فارس والروم[895].

فبعد اتّفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع قريش على صلح الحديبية تفرّغ لحرب يهود خيبر الذين جهّزوا جيوش الأحزاب ضدّه واستمرّوا في حربه منذ وصوله المدينة .

ولقد عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحديبية في شهر ذي الحجّة سنة ست فأقام فيها ذا الحجة والمحرّم ثمّ ذهب إلى حرب يهود خيبر في محرّم سنة سبع[896] وأخذ معه أُمّ سلمة واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة[897].

ولمّا أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالتهيّؤ للغزو جاء المخلَّفون رجاء الغنيمة وقد تخلّفوا عن الحديبية قائلين: نخرج معك إلى خيبر إنّها ريف الحجاز طعاماً وودكاً وأموالا[898].

فقال الرسول (صلى الله عليه وآله): لا تخرجوا معي إلاّ راغبين في الجهاد فأمّا الغنيمة فلا . فشقّ ذلك على يهود المدينة الموادعين للرسول (صلى الله عليه وآله) لأنَّهم خافوا هلاك خيبر فلم يبق لأحد من اليهود حقّ على أحد من المسلمين إلاّ لَزِمَه .

وأرسل عبدالله بن أُبي إلى يهود خيبر أنْ خذوا حذركم وأدخلوا أموالكم حصونكم واخرجوا إلى قتاله ولا تخافوا منه إنّ عددكم كثير وقوم محمّد شرذمة قليلون عزّل لا سلاح معهم إلاّ قليل[899].

وقطع النبي (صلى الله عليه وآله) المسافة بين المدينة وخيبر بثلاثة أيّام ولمّا دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)من خيبر قال للناس: قِفوا فوقف الناس فرفع يديه إلى السماء وقال: « اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن وربَّ الأرضين السبع وما أقللن وربَّ الشياطين وما أضْلَلْنَ، أسألك خير هذه القرية وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها »[900] ولم تكن خيبر مختصّة بأهل الحديبية[901] فقط بل الشرط في الغزوة أن يكون الهدف الجهاد في سبيل الله تعالى وليس الغنائم .

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا غزا قوماً لم يُغِرْ عليهم حتّى يُصبح فإن سمع أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار[902].

وكان يهود خيبر لا يظنّون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغزوهم لمنعتهم في حصونهم وسلاحهم وعددهم، فكانوا يخرجون كلّ يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفاً ثمّ يقولون: محمّد يغزونا ؟ هيهات، هيهات .

وقال يهود المدينة للمسلمين: ما أمنع والله خيبر منكم ! لو رأيتم خيبر وحصونها ورجالها لرجعتم قبل أن تصلوا إليهم، حصون شامخات في ذُرى الجبال، والماء فيها واتن[903]. وكانت خيبر أرضاً وخيمة شديدة الحر فجهد المسلمون جهداً شديداً[904].

وخرج الرسول (صلى الله عليه وآله) في ألف وستّمائة من المسلمين، وأعطى الراية لحاملها في حروبه كلّها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)[905]. ومعه مائتا فارس، ونزل عليهم ليلاً وفي الصباح شاهدهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: محمّد والخميس أي الجيش .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): الله أكبر إنّا إذا نزلنا بساحة قوم (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ)[906].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمسلمين لا يحلّ إتيان الحبالى من السبايا، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتّى يستبرئها، ولا يحلّ لامرىء أن يبيع مغنماً حتّى يقسّم[907].

قال اليهود: إنَّ بخيبر لألف دارع ما كانت أسدٌ وغطفان يمتنعون من العرب قاطبة إلاّ بهم، فأنتم تطيقون خيبر ؟

قال المسلمون لهم: وعد اللهُ تعالى نبيَّه أن يُغنمه إيّاها[908].

 

استعداد اليهود للحرب

واختلف اليهود بينهم في طريقة محاربة المسلمين فقال الحارث أبو زينب اليهودي: نعسكر خارج الحصون ونحاربهم .

وقال آخرون: نحاربهم من داخل الحصون[909].

وكان يهود خيبر مرعوبين وجلين من المسلمين وقريش مسرورة بهذه الحرب لمعرفتها بقدرة وعظمة حصون خيبر وكثرة مقاتليها وقالوا: إن ظفر محمّد فهو ذُلّ الدهر .

ودعا كنانة بن أبي الحقيق غطفان لنصرهم ولهم نصف تمر خيبر سنة . فلمّا سمعت قبيلة غطفان بمجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيبر جمعوا له ثمّ خرجوا ليعاونوا اليهود عليه، حتّى إذا ساروا مرحلة سمعوا خَلفهم في أموالهم وأهليهم حسّاً، فظنّوا أنّ القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلّوا بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين خيبر[910].

والظاهر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتعل عملية عسكرية أخافت قبيلة غطفان وأرجعتهم من خيبر، تتمثّل في مسيره في طريق يصل إلى مساكن غطفان ونزل بالرجيع فارتفعت الأصوات والصياح في مساكنهم، فخافت هذه القبيلة وفضّلت أولادها ونساءها على تمر خيبر[911]!

ولمّا وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيبر قال: الله أكبر خُربت خيبر وابتنى مسجداً هناك، وشعار المسلمين: يامنصور أَمِتْ[912].

وأدخل اليهود نساءهم وذراريهم وأموالهم حصن الوطيع والسلالم، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم، ودخلت المقاتلة حصن نطاة وكان حصن القموص أمنع حصون خيبر وأشدّها وهو الحصن الذي كان فيه ملكهم مرحب وحفر اليهود خندقا حول حصونهم مثل خندق المدينة والحصون في قمم الجبال ولكلّ حصن باب عظيم من حجارة طوله أربع أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع .

وجاء راعي لرجل من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليعرّفه على الإسلام فعرّفه عليه فأسلم فقال: إنّي كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي فكيف أصنع بها ؟

قال اضرب في وجهها فإنّها سترجع إلى ربّها، فضرب في وجهها بحفنة من الحصباء فخرجت مجتمعة كأنّ سائقاً يسوقها حتّى دخلت الحصن . ثم تقدّم إلى ذلك الحصن فقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله[913].

 

وقائع المعركة

وابتدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حربه بحصن المقاتلة وكانوا في منطقة مرتفعة على جيش رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالنبل يسرع إليهم[914] وحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بضع عشرة ليلة .

فقد أخرج علي بن أبي بكر الهيثمي عن ابن عباس أنَّه قال: بعث رسول الله إلى خيبر أحسبه قال: أبا بكر فرجع منهزماً ومن معه . فلمَّا كان الغد بعث عمر فرجع منهزماً يجبِّن أصحابه ويجبِّنه أصحابه[915].

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « لأعطينَّ الراية غداً رجلا يحبّ الله ورسولَه ويحبُّه الله ورسولُه، يفتح الله على يديه، كرّار ليس بفرّار، فبات الناس يخوضون ليلتهم أيّهم يعطاها فلمَّا أصبح أرسل إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أرمد فقال (عليه السلام): ما اُبصر سهلا ولا جبلا، فقال (صلى الله عليه وآله): افتح عينيك، ففتحهما، فتفل فيهما » .

قال الإمام علي (عليه السلام): « فما رمدت عيناي ولا صدعت حتّى الساعة »[916]. ثمَّ دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر، فكان أوّل من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته، فانكشف المسلمون وثبت الإمام علي (عليه السلام)، فاضطربا فقتله الإمام علي (عليه السلام)، وخرج أخوه ياسر للمبارزة فقلته الإمام علي (عليه السلام)ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا الباب عليهم وخرج مرحب وهو ملكهم ; طويل القامة عظيم الهامة[917] والظاهر أنّه أصبح ملكاً عليهم بعد مقتل حي بن أخطب[918] وهو يقول:

قد علمت خيبرُ أنِّي مرحبُ *** شاكي السلاح بطل مجرَّبُ

أطعنُ أحياناً وحينا أَضرِب

فقال عليٌ (عليه السلام):

أنا الذي سمَّتني أُمِّي حيدره *** أُكيلكم بالسيف كيل السندره

ليثٌ بغابات شديدٌ قسوره

فاختلفا ضربتين فبدره عليٌ (عليه السلام) فضربه بسيفه ذي الفقار، فقدَّ الحجر والمغفر ورأسه، حتَّى وقع في الأضراس، وسمع أهل العسكر صوت ضربته وأخذ المدينة، وقد قَتَل الإمام علي (عليه السلام) الأُخوة الثلاثة مرحباً والحارث وياسراً الَّذَيْن طلبوا المبارزة على التوالي[919].

وكان للجوّ النفسي الذي وضعه اليهود حول قوّة جيشهم في خيبر وما عرف به مرحب وأخواه من شجاعة ; الأثر القوي في فرار أبي بكر وعمر ...

وذكر الذهبي رواية البكائي عن ابن إسحاق، وهى رواية جابر بن عبدالله الأنصاري:

أنّ علياً حمل باب خيبر، حتّى صعد المسلمون عليه، فافتتحوها، وأنّه خرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا[920]، وقيل حمل الباب على ظهره حتّى صعد المسلمون عليه ودخلوا الحصن .

وكان الباب من حجارة طوله أربع أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع فاقتلعه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورماه خلفه ودخل الحصن ودخله المسلمون[921] وكان اليهود قد حفروا خندقاً حول الحصن فجعل الإمام علي (عليه السلام)الباب الذي رفعه قنطرة على الخندق واجتاز المسلمون عليه إلى أبنية الحصن بعد أن قتل قائدهم الحارث بن أبي زينب .

وقال الإمام علي (عليه السلام): « ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانية ولكن بقوّة إلهية »[922].

وقد وصف الأُستاذ عبدالرحمن الشرقاوي في (كتابه محمّد رسول الحرية) معركة خيبر ومواقف الإمام علي فيها والإنتصارات الحاسمة التي حقّقها خلال ساعات قلائل بعد محاولات استمرّت عدّة أيّام من قبل المسلمين لم تغن عنهم شيئاً .

ورأى محمّد (صلى الله عليه وآله) أن يحشّد كلّ قواه الضاربة لفتح هذا الحصن فاجتماع اليهود فيه يجعلهم أقدر على الفتك بالمسلمين .

وجمع محمّد (صلى الله عليه وآله) جيشه وأمرهم أن يقتحموا الحصن وسلّم أبا بكر راية الجيش، ولكنّ أبا بكر لم يستطع أن يصنع شيئاً ولا أن يقتحم الحصن، وفي اليوم التالي جعل القيادة لعمر بن الخطّاب، وحارب عمر يومه كلّه ولكنّه لم يستطع أن يقتحم الحصن وظلّ اليهود على مواقفهم المنيعة يسدّدون ضرباتهم دون أن يخرج منهم رجل واحد للقتال في السهل المكشوف[923].

وكانت هذه الحصون والأعداد العسكرية الهائلة يسندها المال والسلاح والشهرة القتالية والمكر اليهودي .

وبسبب ذلك فقد فرَّ جيش المسلمين في الحملتين الأُولى والثانية على خيبر، والقائدان المهزومان هما أبو بكر وعمر .

فلم تقتصر هزيمة عمر على فراره في أُحد، وذعره من منازلة عمرو بن عبد ودّ العامري في الخندق، بل فرَّ أمام اليهود في خيبر .

وكانت كتائب اليهود قد خرجت يتقدمهم ياسر فكشف الأنصار حتّى انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في موقفه فاشتدّ ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمسى مهموماً[924].

فدعا محمّد (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال له خذ هذه الراية، فتح الله عليك وخلع الإمام علي عنه الدرع ليكون خفيف الحركة وطالب رجاله أن يتخفّفوا من الدروع التي تثقلهم ليكونوا خفافاً، وانصرف وفي ذهنه وصيّة محمّد: إنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام فإن لم يطيعوا فقاتلهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم .

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) حين وصف علياً (عليه السلام) قائلا: « كرّار ليس بفرّار »[925] يعرّض بأبي بكر وعمر الذين فرَّا من اليهود .

وكانا قد فرَّا في حرب المشركين في أُحد ! ثم فرَّا في حرب حنين !

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): « قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها » .

وتقدّم الإمام علي فدعاهم إلى الإسلام ولكنّهم سخروا منه فطالبهم أن يحاربوا المسلمين رجلا لرجل ويبعثوا إليه شجعانهم ليبارزهم هو بنفسه الواحد تلو الآخر وخرج إليه الحارث أحد شجعانهم فصرعه الإمام علي (عليه السلام)، وخرج إليه رجل آخر فصرعه أيضاً .

وإذ ذاك تعالت من المسلمين صيحات السخرية بقوّة شجعانهم، وسأل الإمام علي (عليه السلام) شجعان خيبر أن يبعثوا إليه برجل يثبت في المعركة[926]، فخرج إليه زعيمهم مرحب وكان هو حقّاً سيّد فرسان خيبر، ولكنّه خرج إلى الإمام علي بطيئاً في كبرياء وثقة مطمئنة مهيباً ضخماً بيده حربة ذات ثلاثة رؤوس وكلّ جسده الفارع الشاهق في الزرد، والحديد يغطّي رأسه وساقيه وليس في كلّ بدنه ثغرة ينفذ منها سيف .

وتقدّم إليه الإمام علي بقامته المعتدلة بلا درع وفي يده السيف وحده وتوقّع المسلمون واليهود جميعاً أنّها نهاية الإمام علي (عليه السلام)، ولكنّ علياً إستطاع أن يحسن الإستفادة من تخفّفه من الدرع والزرد، وترك مرحباً يتقدّم بدرعه وزرده وحربته حتّى إذا أوشك سنّ الحربة أن يمسّ صدر الإمام علي (عليه السلام) تراجع الإمام علي فجأة ثمّ قفز في الهواء متفادياً حربة مرحب، ثمّ اقتحم وأهوى بكلّ قوّته على رأس مرحب بالسيف، فانفلق الحديد من على رأس مرحب وسقط سيف الإمام علي (عليه السلام) على الجمجمة فشقّها نصفين، وهوى مرحب وسط ذعر اليهود وعجبهم وصيحات النصر ترتفع من معسكر المسلمين .

واندفع الإمام علي إلى باب الحصن هو ورجاله يدكّونه بكلّ طاقاتهم حتّى اقتحموه، واليهود الذين أذهلهم موت مرحب يفرّون فزعين إلى حصن آخر .

وروى السيّد مرتضى الفيروزآبادي في كتابه فضائل الخمسة في المجلّد الثاني حديث الراية في خيبر بكامله عن صحيحي البخاري ومسلم، وعن أحمد بن حنبل والنسائي والإستيعاب وكنز العمّال والرياض النضرة والترمذي وابن ماجه وغيرهم .

وفي معركة خيبر اختلفت الأحداث عن حرب بدر، إذ واجه المسلمون حصوناً منيعة، وكثرة محاربين ملحوظة، فقد ذكرت الروايات وجود عشرة آلاف مقاتل يهودي في خيبر . وذكر بريدة الأسلمي: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطى اللواء عمر بن الخطاب (فنهض معه من نهض من الناس)[927]. فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُجَبِّنُه أصحابه ويُجَبِّنهُمُ .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « لأعطينّ اللواء غداً رجلا يحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله فلمَّا كان الغد تصدر لها أبو بكر وعمر، فدعا علياً وهو أرمد، فتفل في عينه، وأعطاه اللواء »[928].

ثمَّ قال (صلى الله عليه وآله): « اللهمّ اكْفِهِ الحرَّ والبرد، فما وجد بعد ذلك حرّاً ولا برداً »[929].

وذكر البيهقي الرواية في قتل الإمام علي (عليه السلام) لمرحب قائلا: فاختلفا ضربتين، فبدره الإمام علي بضربة فقدَّ الحجر والمغفر ورأسه، ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة .

وبه جزم مسلم وابن الأثير وسائر رجال السيرة[930].

وحصن ناعم هو أوّل حصن فتح من حصون النطاة على يد الإمام علي كرَّم الله وجهه، ثمّ فتح الإمام علي كرَّم الله وجهه حصن القموص، وكان منيعاً حاصره المسلمون عشرين ليلة، ومنه سبيت صفية .

وفي رواية حذف الناشر اسمي المنهزمين من معركة خيبر أبي بكر وعمر، ووضع بدلهما فلاناً ورجلا إذ جاء: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ الراية، فهزَّها، ثم قال: من يأخذها بحقّها ؟

فجاء فلان فقال: أنا، فقال امض، ثم جاء رجل آخر، فقال: امض ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): « والذي كرَّم وجه محمّد لاعطينَّها رجلا لا يفرّ، فقال: هاك ياعلي، فانطلق حتّى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها وقديدها »[931].

فالناشر لم يرض بذكر اسمي أبي بكر وعمر كمنهزمين في معركة خيبر فقال جاء فلان وجاء رجل ليثبت قدرته على تغيير الحقائق والروايات مثلما يحبّ ويهوى !

ولم يحاول الرواة والنسّاخ والناشرون حذف أسماء الفارّين من قيادات الحزب القرشي فقط، بل حاولوا سلب مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لصالح هؤلاء ! خيانة لله ورسوله لتنطبق عليهم صفة المنافقين .

قال ابن عرفة: إنَّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة، إفتعلت في أيّام بني أُميَّة، تقرُّباً إليهم، بما يظنُّون أنَّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم[932].

ومن هذا التحريف: روى الزهري الأموي[933] أنَّ الذي قتل مرحباً هو محمد بن مَسْلمة حسداً لعلي (عليه السلام) . وسبب تفضيل محمد بن مسلمة أنّه يهودي الأصل ومن المتشدّدين في محاربة أهل البيت (عليهم السلام) والأنصار فقد اشترك في الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام)[934]، وقتل سعد بن عبادة زعيم الأنصار[935].

لذلك أحبّه الأمويون كثيراً وكيف لا يحبّونه وهو يشترك معهم في كره أهل البيت (عليهم السلام) والأنصار فلم يبايع لأمير المؤمنين (عليه السلام) في خلافته[936].

والمدهش أنّ محمد بن مسلمة أخو مرحب فأراد الأمويون طمس ذلك وإخفائه فجعلوه قاتله . إذ قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في سبب عدم مبايعة محمد بن مسلمة له: وذنبي إلى محمد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم خيبر مرحب اليهودي[937].

وبقيت في قلوب المشركين حسرة عدم انتصار اليهود على المسلمين فحاولوا تمجيد اليهود ودعمهم مثل كعب الأحبار ومحمد بن مسلمة وعبدالله بن سلام وزيد بن ثابت .

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .

وأعطى الأمويون دوراً لكعب بن مالك لأنّه تخلّف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معركة تبوك وناصر عثمان ولم يبايع علياً (عليه السلام) في خلافته[938].

وهكذا روى ابن كثير الأموي كذباً: أنَّ محمداً قطع رجلي مرحب فقال له اجهز عَلَيَّ، فقال: ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة، فمرَّ به الإمام علي وقطع رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته[939].

فلم يكتف الأمويون وأنصارهم بسلب منقبة من مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بل حوَّلوها إلى مذمَّة له بتصويره رجلا يطالب بسلب قتيل غيره ! فيحكم النبي (صلى الله عليه وآله) لغير صالحه !

والحقّ أنّ علياً (عليه السلام) قتل مرحباً اليهودي وكانت عادة الإمام علي (عليه السلام) أن لا يسلب قتيله[940] مثلما فعل مع عمرو بن عبد ودّ العامري وحملة لواء قريش في بدر وأُحد وتُحدّثنا السيرة، بأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) (عميد أهل البيت (عليهم السلام)) رفض تَسَلُّمَ إثني عشر ألف درهم ثمناً لجثّة نوفل بن عبدالله المخزومي، الذي قتله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة الخندق، قائلا: « لا خير في جسده ولا في ثمنه »[941].

فلمّا قتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عمرو بن عبد ودّ العامري في معركة الخندق قال له عمر بن الخطّاب: هلاَّ استلبته درعه، فإنّه ليس للعرب درع خير منها ؟

قال (عليه السلام): ضربته فاتّقاني بسوءته، فاستحييت أن أسلبه[942].

وجاء أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) رفض أيضاً تسلُّم إثني عشر ألف درهم ثمناً لجثّة عمرو بن عبد ودّ العامري المقتول بيد الإمام علي (عليه السلام) .

لقد قتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبطال وفرسان الأعداء في بدر وأُحد والخندق وخيبر وحنين ولكنّ المنافقين من أعداء أهل البيت حاولوا تحريف تلك الأخبار، وإعطاء تلك المناقب لرجال آخرين حسداً منهم لولي المسلمين وسيّد العرب ووصي المصطفى (عليه السلام) وكان من طبيعة الإمام علي (عليه السلام) أن لا يسلب قتيله[943]. ولا يقتل جريحاً ولا يلحق فارّاً .

قال عمر: لقد أُعطي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحبُّ إلىّ من أن أُعطى حمر النعم تزوُّجَهُ بفاطمة (عليها السلام) وسكناه المسجد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحلّ له ما يحلّ له والراية يوم خيبر »[944].

وقال الحلبي: كانت حصون اليهود: النطاة والشقّ والصعب والقموص والوطيح والسلالم، والحصون الأربعة الأُولى فتحت عنوة والخامس والسادس فتحا صلحاً .

ولقد تزوّج النبي (صلى الله عليه وآله) بصفيّة في الصهباء المكان الذي رُدّت فيه الشمس لعلي (عليه السلام) بعدما غربت[945]. فحدثت لعلي (عليه السلام) في خيبر كرامتان:

الأُولى: قتل ملك اليهود وأبطالهم وسحق جيشهم خارج الحصون ثم رفع بابهم العظيمة وجعلها جسراً فوق خندقهم لدخول حصنهم وفتحه وفتح الحصون الأُخرى .

والثانية: ردّت الشمس إليه بعدما غربت[946].

 

نتيجة المعركة

وبعد فراغ المسلمين من خيبر قدم جعفر بن أبي طالب وصحبه من الحبشة فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « والله ما أدري بأي الأمرين أنا أشدّ فرحاً بفتح خيبر أو قدوم جعفر » ثمّ قام إليه فقبّل ما بين عينيه[947]، وكان معه ستّة عشر رجلاً[948] والظاهر بأنّ جعفراً قد بقى هذه المدّة الطويلة في الحبشة لنشر الإسلام في افريقيا بعد أن عاد معظم المهاجرين إلى المدينة إثر وصول النبي (صلى الله عليه وآله) إليها .

لقد فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعض الحصون عنوة، وبعضها جنح أهلها إلى الصلح أي الوطيح والسلالم فصالح رسول الله (صلى الله عليه وآله) اليهود على أن تحقن دماؤهم ولهم ما حملت ركابهم وللنبي (صلى الله عليه وآله) الصفراء والبيضاء والسلاح ويخرجهم وشرطوا أن لا يكتموه شيئاً فإن فعلوا لا ذمّة لهم ولا عهد . فلمّا وجد المال الذي غيّبوه في مسك الجمل[949] غلبهم على الأرض والنخل . وقسَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيبر على ألف وثمانمائة سهم . وكان الرجال بها ألف وأربعمائة والفرسان مائتي فارس، فقسّم للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهماً له وللراجل سهماً . وقسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله)خيبر على مَن شهد الحديبية فأعطى جابر بن عبدالله الأنصاري رغم غيابه عن خيبر[950] وأعطى النسوة اللاتي رافقنه لمداواة الجرحى من الفيء .

وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) صفيّة بنت حي بن أخطب في سهمه وأعتقها وتزوّجها[951]. وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليمة صفيّة التمر والأط والسمن[952]. وكانت قد روت لزوجها ابن أبي الحقيق أنّها رأت الشمس سقطت على صدرها فضربها على وجهها قائلاً: تتمنّي ملك العرب .

وأعرس بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن طهرت من الحيض[953].

وحصل المسلمون على كنز حي بن أخطب وقتلوا ابن أبي الحقيق الذي غيَّبه فدلّه الله تعالى عليه[954] وكان كنانة بن الربيع قد غيّب كنز بني النضير في خربة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك ؟

قال: نعم .

فلمّا وجد المسلمون الكنز قتلوه[955].

ثمّ دفع لهم الأرض يعملون فيها على الشطر قائلاً: أُقرّكم ما أقرّكم الله[956].

ولم يطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إخراج اليهود إلى الشام لذلك لم يخرجهم في أيّام حكمه الممتدّة أربع سنوات بعد فتح خيبر .

ولم يخرجهم أبو بكر عن خيبر بل سار على النهج النبوي ولم يخرجهم عمر في السنوات الأُولى لحكمه والممتدّة أربع سنوات، وبعد إسلام كعب الأحبار طلب من عمر إعادة اليهود إلى فلسطين التي أُخرجوا منها، فوافق عمر .

ولأنّ القضية خطيرة ولا يوافق عليها المسلمون، فقد صنعوا حديثاً على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفاده توصيته بإخراج اليهود إلى الشام وذكر ذلك الحديث الزهري الأموي الميول والهوى[957].

وقُتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً، وقُتِل من المسلمين ستة عشر شخصاً[958].

ورووا كذباً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرّم المتعة وحرّم أكل لحوم الحمر الأهلية في خيبر[959].

 

ردّ الشمس بين الشيعة والناصبة

ردّت الشمس للإمام علي (عليه السلام) في موطنين أحدهما في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة خيبر والثاني بعد رجوعه من معركة النهروان[960]. وحديث ردّ الشمس يكاد يكون متواتراً، وألّف فيه الكثير من العلماء كتباً خاصّة وعلى رأس هؤلاء السيوطي .

وقال الديار بكري: وفي هذه السنة طلعت الشمس بعد ما غربت لعلي (عليه السلام)على ما أورده الطحاوي في مشكلات الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين:

أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي (صلى الله عليه وآله) ولم يصلِّ العصر حتّى غربت الشمس فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أصلّيت ياعلي ؟

قال: لا .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « اللهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس » .

قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الجبل وذلك في الصهباء في خيبر »[961].

وفي المنتقى قال أحمد بن صالح: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء لأنّه من علامات النبوّة[962].

وبحث هذا الموضوع العلاّمة الأميني في كتابه الغدير بشكل رائع[963].

والمؤيّدون لصحّة الحديث من علماء السنّة: أبو بكر الوراق[964] والحافظ الخطيب البغدادي المترجم ذكره في تلخيص المتشابه[965]. والحافظ أبو زكريا الأصبهاني الشهير بابن مندة في كتابه المعرفة والحافظ القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 548 . وأخطب خوارزم في كتابه المناقب[966]، والحافظ أبو الفتح النطنزي في كتابه الخصائص العلوية والحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه[967].

والحاكم ابن شاهين في مسنده الكبير والحاكم النيسابوري والحافظ ابن مردويه الأصبهاني وأبو إسحاق[968] البغدادي الشهير بالماوردي في كتابه أعلام النبوّة[969].

والحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل[970]. والحافظ محمد الطحاوي في كتابه مشكل الآثار قائلاً: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات[971].

وذكرالحديث وصحّحه العلاّمة سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص[972].

وصحّحه الحافظ أحمد زيني دحلان في كتابه السيرة النبوية[973].

وأورد الحديث الحافظ الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب[974].

وصحّح الحديث شيخ الإسلام الحموئي في كتابه فرائد السمطين[975] والحافظ أبو زرعة العراقي في كتاب الطبراني الكبير[976].

وصحّح الحديث الإمام السبتي في كتابه شفاء الصدور والحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري[977] والإمام العيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري[978].

والحافظ السيوطي رواه في جمع الجوامع كما في ترتيبه[979] عن الإمام علي (عليه السلام)في عدّ معجزات النبي (عليه السلام) وقال في الخصائص الكبرى[980] أُتي يوشع حبس الشمس حين قاتل الجبّارين وقد حبست لنبيّنا (صلى الله عليه وآله) في الإسراء، وأعجب من ذلك ردّ الشمس حين فات عصر الإمام علي (عليه السلام) ورواه السيوطى في اللآليء المصنوعة[981]عن أمير المؤمنين وأبي هريرة وجابر الأنصاري وأسماء بنت عميس من طريق ابن مندة والطحاوي والطبراني وابن أبي شيبة والخطيب والعقيلي والدولابي وابن شاهين وابن عقدة .

وأيّد صحّة الحديث الحافظ السمهودي في وفاء الوفا فقال: كان ذلك بالصهباء في خيبر[982].

وأيّد صحّة الحديث الحافظ القسطلاني في المواهب اللدنية[983].

والحافظ ابن حجر الهيثمي إذ عدّه في الصواعق المحرقة كرامة باهرة لأمير المؤمنين (عليه السلام)[984]. والحلبي الشافعي في السيرة الحلبية[985].

وجاء في الأحاديث الصحيحة أنّ الشمس لم ترجع إلاّ ليوشع بن نون والإمام علي . والإمام علي (عليه السلام) أفضل من يوشع إذ ورد أنّه لم تردّ الشمس لأحد من خلق الله تعالى إلاّ ليوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) ولأمير المؤمنين (عليه السلام) وكان آخر قتالهم له يوم الجمعة إلى أن غربت الشمس وقد ظهر على المنافقين أصحاب يوشع (عليه السلام)، وقال قاتلوهم فقد غلبتموهم بإذن الله .

فقالوا: لا نقاتل وقد دخل السبت .

فإنفرد يوشع (عليه السلام) فتلا أسفاراً من صحف إبراهيم (عليه السلام) ومن التوراة، وسأل الله عزّوجلّ بِرَدِّ الشمس عليهم حتّى لا يحتجّ المارقون، فقال يوشع (عليه السلام): قاتلوا .

قالوا: لا نقاتل لأنّ السبت قد دخل، قال: هذا لا من السبت ولا من الجمعة ، وإنّنى سألت الله عزّوجلّ ردّ الشمس لتظهروا على أعدائكم ولا يظهروا عليكم . فقاتلوهم فغلبوهم وملكوهم وغربت الشمس .

وكانت صفراء ابنة شعيب النبي (عليه السلام) زوجة موسى بن عمران (عليه السلام) تقاتل يوشع بن نون (عليه السلام) مع المارقين من بني إسرائيل على زرافة كما قاتلت عائشة ابنة أبي بكر زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المارقين من أُمّته على جمل[986].

وقد ردّت الشمس ليوشع مرّة وقد ردّت لأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاث مرّات وسلّمت عليه بالبقيع[987].

وبعد أن انتهى الإمام علي (عليه السلام) من قتل الخوارج وقطع أرض بابل[988]. حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل الناس، قال الإمام علي (عليه السلام): أيّها الناس إنّ هذه الأرض ملعونة قد عذّبت في الدهر ثلاث مرّات وهي إحدى المؤتفكات[989] وأوّل أرض عبد فيها وثن، وإنّه لا يحلّ لنبي ولا لوصي نبي أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ، فمال الناس عن جنبي الطريق يصلّون .

وركب هو (عليه السلام) بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومضى، قال جويرية فقلت: والله لأتّبعن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولأُقلّدنه صلاتي اليوم، فمضيت خلفه فوالله ما جزنا جسر سوراء[990] حتّى غابت الشمس فشككت، فالتفت إليّ الإمام علي (عليه السلام) وقال: ياجويرية أشككت ؟

فقلت: نعم ياأمير المؤمنين .

فنزل (عليه السلام) ناحية فتوضّأ ثم نطق بكلام لا أُحسنه كأنّه بالعبراني، ثمّ نادى الصلاة فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من جبلين لها صرير[991] فصلّى العصر وصلّيت معه، فلمّا فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان فالتفت إليّ (عليه السلام) وقال: ياجويرية بن مسهر الله عزّوجلّ يقول: (فَسَبِّحْ بِسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) .

وإنّي سألت الله عزّوجلّ باسمه العظيم فردّ عَلَيَّ الشمس .

فقال جويرية لمّا رأى ذلك: أنت وصي نبي وربّ الكعبة[992].

وجاء أيضاً أنّ الشمس كانت قد ردَّت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في وقعة بني النضير حيث صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستّ ليال بأيّامها في مسجد هناك يعرف بمسجد الفضيخ[993].

وهذا نبي الله سليمان بن داود (عليه السلام) أمر بأن تعرض عليه خيله حتّى أعجب بها وفتنته إلى أن غربت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فذكر أنّه لم يصلّ صلاة العصر فأمر بردّ خيله واعتاقها كفّارة لما فوّتته صلاة العصر ولم تردّ الشمس له، كما ردّت لأمير المؤمنين (عليه السلام) والفضل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأمير المؤمنين لأنّه أفضل الوصيين والأئمّة الراشدين . وقد قصّ الله خبر سليمان (عليه السلام) فقال تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالاَْعْنَاقِ)[994].

والمخالفون للحديث هم ابن كثير، وابن تيمية وابن الجوزي وابن حزم[995].

وقد ردّ سبط بن الجوزي قول جدّه في تضعيف الحديث لمكانة ابن عقدة لأنّه رافضي فقال: وابن عقدة مشهور بالعدالة[996].

 

فدك

كان رجال فدك اليهود قد شاركوا مع رجال خيبر في حرب الأحزاب فحاصروا المدينة وأخافوا أهلها ورموها بالنبل .

ولمّا دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خيبر بعث محيصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوّفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر ويحلّ بساحتهم فجاءهم محيصة وأقام عندهم يومين فقالوا: بالنطاة عامر وياسر وأسير والحارث وسيد اليهود مرحب ما نرى محمّداً يقرب حراهم[997]، إنّ بها عشرة آلاف مقاتل .

قال محيصة: فلمّا رأيت خبثهم أردت أرحل راجعاً فقالوا نحن نرسل معك رجالاً يأخذون لنا الصلح، ويظنّون أنّ اليهود تمتنع .

فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم خبر قتل أهل حصن ناعم وأهل النجدة منهم، ففتَّ ذلك أعضادهم وقالوا لمحيصة: أُكتم عنَّا ما قلنا لك ولك هذا الحلي وكان كثيراً .

فقال محيصة: بل أخبر رسول الله بالذي سمعت منكم . فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بما قالوا .

وقدم معه رجل من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من اليهود، صالحوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحقن دماءهم ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) نصف الأرض وبقوا يعملون في النصف الثاني من الأرض على نصف الحاصل[998].

والرواية الأصح: لمّا سمع يهود فدك بهزيمة يهود خيبر أمام المسلمين بعثوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من يفاوضه على تنازلهم عن الأرض وما يملكون مقابل حقنه (صلى الله عليه وآله)دمائهم، واتّفقوا معه على بقائهم في الأرض يعملون فيها بنصف الناتج[999].

فأصبحت خيبر المفتوحة عنوة للمسلمين، وأضحت فدكاً للرسول (صلى الله عليه وآله) لأنّها أُخذت دون حرب . فأعطاها الرسول (صلى الله عليه وآله) ابنته فاطمة (عليها السلام)[1000].

وقال الإمام علي (عليه السلام) في خلافته: « بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحَكَم الله تعالى »[1001].

ولمّا جاء أبو بكر إلى السلطة انتزع فدكاً من فاطمة (عليها السلام) بحديث أنكره صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومفاده قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث[1002].

والقرآن يكذِّب هذا الحديث بقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُودَ)[1003].

ورغم ذلك الحديث الكاذب فقد كتب أبو بكر كتاباً في إرجاع فدك لفاطمة (عليها السلام) فرفض عمر ومزَّق ذلك الكتاب .

وأعطى عثمان فدكاً لمروان بن الحكم[1004].

وأعطاها مروان لابنه عبدالعزيز ووهبها عبدالعزيز لابنه عمر ولمّا وصل عمر بن عبدالعزيز إلى الخلافة ردّها إلى أهلها الشرعيين فسلّمها للإمام علي بن الحسين (عليه السلام) الذي وزّع ناتجها على ذرّية فاطمة (عليها السلام) .

ثمّ اغتصبها يزيد بن عبدالملك وبقيت بيد الدولة إلى أن ردّها أبو العباس السفاح .

ثمّ اغتصبها المنصور بعد ثورة عبدالله بن الحسن، ثمّ أرجعها المهدي العباسي لأهل البيت وأخذها منهم موسى بن المهدي العباسي ثمّ أعادها المأمون ثمّ اغتصبها المتوكّل[1005].

وبيَّنت معركة خيبر هزيمة الغدر وانتصار الحقّ ولكن بشروط:

ألا وهي حبّ المسلم لله ورسوله وحبّ الله ورسوله له .

والاندفاع في سبيل الله تعالى دون خوف من الموت وجعل الإسلام فوق القومية والقبلية وغيرها .

ومن القضايا الأخلاقية استمرار رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الاعتراف بهم كأصحاب دين سماوي رغم ما فعله اليهود من موبقات إذ أبقاهم في أراضيهم يزرعون على النصف بناءً على طلبهم . أي أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) أموالهم وأرضهم ولم يأخذ نساءهم وأطفالهم .

وما أوجدوه لاحقاً من وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإخراج اليهود إلى الشام ما هو إلاّ رواية زائفة أوجدها زعيم اليهود كعب الأحبار[1006].

وأظهرت معركة خيبر فرح قريش بانتصار اليهود المزعوم وهزيمة المسلمين ! وتكرّرت هذه الواقعة في معركة حنين، رغم إسلام قريش الظاهري فإنّهم كانوا يتمنّون انتصار هوازن على المسلمين إذ قال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر[1007].

 

الهوامش:

[760] مغازي الواقدي 1 / 374، تاريخ الطبري 2 / 225 طبقات ابن سعد 2 / 58 .

[761] الحشر 2 .

[762] الثقات 1 / 242 .

[763] الحشر 5 .

[764] تفسير الفخر الرازي 10 / 505، تفسير الزمخشري 4 / 500 .

[765] تفسير القرطبي 18 / 6 .

[766] تفسير الزمخشري 4 / 500، تفسير الرازي 10 / 505، تفسير القرطبي 18 / 6، تاريخ الخميس 1 / 461 .

[767] تفسير الطوسي 9 / 561، تفسير الطبرسي 5 / 258 .

[768] السيرة الحلبية 2 / 265 .

[769] السيرة الحلبية 2 / 265 .

[770] دلائل النبوّة، البيهقي 3 / 354 ـ 359، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت، تاريخ الطبري 2 / 223، 224 طبعة الأعلمي ـ بيروت، الثقات 1 / 243، سيرة مغلطاي 53، التنبيه والاشراف 213، الدرّ المنثور 6 / 188، مرآة الجنان 1 / 9، تاريخ الاسلام، الذهبي، المغازي 233 .

[771] راجع كتاب نظريات الخليفتين 2 / 383 ـ 400 للمؤلّف .

[772] راجع كتاب نظريات الخليفتين، المؤلّف 2 / 387 .

[773] تاريخ اليعقوبي 2 / 49 .

[774] المغازي، الواقدي 1 / 377، السيرة الحلبية 2 / 368 .

[775] تاريخ الخميس 1 / 461، السيرة الحلبية 2 / 267، تاريخ اليعقوبي 2 / 49 .

[776] تاريخ الخميس 1 / 461، الطبقات الكبرى 2 / 58، سيرة ابن دحلان 1 / 261، دلائل النبوّة، أبو نعيم 429، تاريخ الطبري 2 / 553، فتح القدير 5 / 275، الجامع لأحكام القرآن 3 / 280، 18 / 11 .

[777] الخراج، القرشي 36 .

[778] السيرة الحلبية 2 / 268، أحكام القرآن، ابن العربي 4 / 1776، الكشّاف 4 / 505، ارشاد الساري 5 / 210 .

[779] الطبقات، ابن سعد 2 / 57، مغازي الواقدي 1 / 376 .

[780] السيرة الحلبية 2 / 204، واستمرّ حسّان منحرف العقيدة فلم يبايع الإمام علياً (عليه السلام) في خلافته !

[781] تفسير جامع البيان 6 / 154، 157، 164، 165، فتح القدير 2 / 43، 44، البحار 2 / 166، 168، تفسير القمّي 1 / 168، 169 تفسير البرهان 1 / 472 .

[782] الحشر 2 .

[783] راجع كتاب الفكر القومي اسلامياً وتاريخياً للمؤلّف .

[784] البحار 51 / 205 .

[785] المصنّف، الصنعاني 8 / 418 .

[786] الإصابة 2 / 62 .

[787] البحار 70 / 99 .

[788] سيرة ابن هشام 3 / 224، تاريخ ابن الأثير 2 / 177، المغازي، الواقدي 1 / 441، تاريخ الطبري 2 / 233، البدء والتاريخ، البلخي 2 / 89، مروج الذهب 2 / 289، جمل من أنساب الاشراف 1 / 427 .

[789] سيرة ابن دحلان 1 / 432 .

[790] تاريخ اليعقوبي 2 / 50 .

[791] النساء 51 .

[792] تاريخ الطبري 2 / 233، 234 .

[793] البحار 20 / 244 .

[794] مغازي الواقدي 1 / 530 .

[795] تفسير الطبرسي 43 / 340 .

[796] تفسير الطبرسي 4 / 344 .

[797] جمل من أنساب الاشراف 1 / 431، مغازي الزهري 79 .

[798] مغازي الواقدي 2 / 474، الكافي 5 / 47، سيرة ابن هشام 3 / 237 .

[799] تفسير الطبرسي 4 / 340، تفسير الكشّاف، الزمخشري تفسير آية الأحزاب 9 ـ 11، 3 / 533 .

[800] نهاية الإرب 17 / 167 .

[801] المغازي، الواقدي 1 / 455، مغازي الذهبي 233، عيون الأثر 2 / 56، تاريخ الخميس 1 / 480 .

[802] البحار 20 / 217 .

[803] التنبيه والاشراف، المسعودي 216 .

[804] البحار 20 / 272، مناقب آل أبي طالب 1 / 197 .

[805] مغازي الواقدي 2 / 444، وفاء الوفاء 1 / 301، مغازي الذهبي 233، تفسير القمّي 2 / 177 .

[806] تاريخ الطبرى 2 / 236، تاريخ ابن الأثير 2 / 180، فتح الباري 7 / 307 .

[807] الانفال 65 .

[808] السيرة الحلبية 2 / 315، سيرة ابن دحلان 2 / 4، تاريخ الخميس 1 / 483، عيون الأثر 2 / 58 .

[809] تفسير الطبرسي 2 / 340 .

[810] كان علي (عليه السلام) رجلاً معروفاً في مكّة والمدينة وهو الذي قتل أبطال المشركين في بدر وأُحد . قال الجزري: كانت ضربات علي (عليه السلام) مبتكرات لا عوناً أي أنّ ضربته كانت بكراً يقتل بواحدة لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانية، سفينة البحار 1 / أ، ح345 .

[811] مغازي الواقدي 1 / 471 .

[812] البداية والنهاية 4 / 122، دلائل النبوّة، البيهقي 3 / 438، 439، السيرة النبويّة، ابن كثير 3 / 203، 204 .

[813] السيرة الحلبية 2 / 320 .

[814] السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي 2 / 321 .

[815] مغازي الواقدي 1 / 237 .

[816] البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 122، دلائل النبوّة 3 / 422، سيرة ابن هشام 3 / 265، طبقات ابن سعد 2 / 68 .

[817] وكان عرب الجاهلية يسلب قاتلهم قتيلهم لباسه ويتركه مكشوف العورة في أرض المعركة !!

[818] تاريخ الخميس، الديار بكري 1 / 488 .

[819] الأحزاب 9 ـ 11 .

[820] مغازي الواقدي 2 / 490 .

[821] راجع سيرة ابن هشام 2 / 244، تاريخ الطبري 2 / 240، تاريخ اليعقوبي 2 / 50، 51، المغازي، الواقدي 1 / 440 ـ 449 .

[822] الانفال 30 .

[823] الاعتجار: أن يتعمّم الرجل دون تلحّ، أي لا يلقي شيئاً تحت لحيته .

[824] الإستبرق: ضرب من الديباج غليظ .

[825] الرحالة: السرج .

[826] الصورين: موضع قرب المدينة (عن معجم البلدان) .

[827] أنا (كهنا أو كحتّى أو بكسر النون المشدّدة ; ويروى بموحّدة بدل النون): من آبار بني قريظة . (راجع الروض وشرح المواهب ومعجم البلدان) .

[828] منازل بني قريظة تقع جنوب المدينة شرق مسجد قباء وتبعد عنها ميلين ويهود بنى قريظة حاولوا قتل الرسول قبل معركة الخندق فأنقذه الله تعالى، التبيان، الطوسي 3 / 463 .

[829] كنز العمّال 10 / 459 .

[830] الانفال 27 .

[831] سيرة ابن هشام 2 / 248 .

[832] التوبة 102 .

[833] المصنّف، عبدالرزاق الصنعاني 9 / 74 .

[834] امتنع الامام الحسن (عليه السلام) عن ذكر أسمائهم وكنّى عن أبي بكر وعمر بتلك العبارة ولو كان غيرهما لذكر أسماءهم .

[835] شرح النهج، المعتزلي 6 / 289 .

[836] شرح النهج، المعتزلي 6 / 289 . وقريظة ونضير كاهنان من أولاد كوهن بن هارون (عليه السلام) .

[837] الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي 2 / 80 .

[838] سيرة ابن هشام 3 / 248 ـ 250، تاريخ الطبري 2 / 245 ـ 248، تاريخ اليعقوبي 2 / 52، المغازي، الواقدي 1 / 530 .

[839] تاريخ الطبري 2 / 172 ـ 174، تاريخ ابن الأثير 2 / 137، 138 .

[840] حكاه الثعلبي في تفسيره، تفسير القرطبي 18 / 3 .

[841] المصنّف، عبدالرزاق الصنعاني 9 / 74، وأخرجه صاحب كتاب الاستيعاب .

[842] تاريخ الطبري 2 / 172 ـ 174، تاريخ ابن الأثير 2 / 137 ـ 138 .

[843] راجع أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) في أسرى بدر وخيبر وحنين في هذا الكتاب .

[844] دلائل النبوّة، البيهقي 3 / 345 ـ 359، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت، تاريخ الطبري 2 / 223، 224 طبعة الأعلمي ـ بيروت، الثقات 1 / 243، سيرة مغلطاي 53، التنبيه والإشراف 213، الدرّ المنثور 6 / 188، مرآة الجنان 1 / 9، تاريخ الإسلام، الذهبي، المغازي 233 .

[845] تاريخ اليعقوبي 2 / 49 .

[846] أي جلداً وضع فيه الحلي .

[847] المنتظم 3 / 294 .

[848] الطارق 15 ـ 17 .

[849] تاريخ اليعقوبي 1 / 50، البدء والتاريخ 2 / 90، تفسير الطبرسي 4 / 340، تفسير الزمخشري 3 / 532 ـ 536 .

[850] شرح النهج المعتزلي 3 / 115 .

[851] المستدرك على الصحيحين 3 / 34 / 4327، تاريخ بغداد 13 / 19 / 6978، التفسير الكبير للفخر الرازي 32 / 31، كنز العمّال 11 / 623 / 33035 .

[852] معجم البلدان 2 / 265 .

[853] تاريخ اليعقوبي 1 / 50، التنبيه والاشراف 220، تاريخ ابن خلدون 2 / 447، مغازي الواقدي 1 / 572، تاريخ الخميس 2 / 16 .

[854] وهي بئر أو شجرة أو قرية على بعد تسعة أميال من مكَّة أكثر أرضها في الحرم .

[855] مغازي الواقدي 1 / 614، تاريخ الخميس 2 / 16، السيرة الحلبية 3 / 8، تاريخ الطبري 2 / 271، تاريخ خليفة 36، وقال ابن اسحاق عددهم سبعمائة رجل بسبعين بدنة فكلّ بدنة عن عشرة نفر، وقيل عددهم 1300 رجل، وقيل 1400 رجل قاله الزهري وابن سعد، وقيل عددهم 1500 رجل عن جابر الانصاري وقيل عددهم 1600 .

عيون الأثر 2 / 113، 114، تاريخ ابن الأثير 2 / 200، مغازي الواقدي 1 / 574.

[856] الارشاد، المفيد 1 / 119 .

[857] الفهرست، ابن النديم 11 .

[858] تفسير القمّي 2 / 268 .

[859] تعبير رجل موضوع خاصّة لابي بكر أو عمر .

[860] الإصابة 3 / 199، مناقب آل أبي طالب 2 / 88، البحار 20 / 359، مغازي الواقدي 1 / 578، السيرة الحلبية 3 / 10 .

[861] التوبة 123 .

[862] وهي صفحة العنق كناية عن قتله .

[863] تاريخ الخميس 2 / 390، السيرة الحلبية 3 / 10 ـ 14، سيرة ابن حبّان 1 / 281 ـ 282، تاريخ ابن الأثير 2 / 200، تاريخ اليعقوبي 2 / 54 .

[864] التنبيه والاشراف 221، مروج الذهب 2 / 289 .

[865] اناء صغير يشرب فيه الماء .

[866] عيون الأثر 2 / 114 .

[867] عيون الأثر 2 / 118، تاريخ ابن خلدون 2 / 447 .

[868] راجع موضوع الماء كسلاح في الحروب .

[869] البحار 32 / 447 .

[870] البحار 41 / 68 .

[871] بحار الانوار 31 / 287 .

[872] صفّين 160 ـ 166، تاريخ أبي مخنف 1 / 159 ـ 162 .

[873] الاخبار الطوال 248، تاريخ ابن عساكر في ترجمة الامام الحسين 447 .

[874] النساء 102، البداية والنهاية 4 / 190 ـ 195، تاريخ الطبري 2 / 175 ـ 185، سيرة ابن دحلان 1 / 483 .

[875] المستدرك للحاكم 4 / 298 .

[876] عيون الأثر 2 / 123، 127، تاريخ الطبري 2 / 279 ـ 283، سيرة ابن دحلان 1 / 490 ـ 495، البداية والنهاية 4 / 190 ـ 194 .

[877] راجع البداية والنهاية 4 / 31، 32، السيرة الحلبية 2 / 9، السيرة النبويّة، دحلان، المرفقة بسيرة الحلبي 2 / 165 ـ 183 .

[878] عيون الأثر 2 / 125 .

[879] عيون الأثر 2 / 125 .

[880] الارشاد 1 / 119 .

[881] راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 55، والسيرة الحلبية 2 / 19 .

[882] مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر 17 / 356 .

[883] الأمالي، المفيد 331 .

[884] وفعلا طلب الطاغية عمرو بن العاص محو لقب أمير المؤمنين في التحكيم فأجاب الإمام (عليه السلام) . وكان ابن العاص في الحادثتين مع الكافرين والقاسطين .

[885] الارشاد 1 / 120 ـ 122، سيرة ابن حبّان 1 / 281 ـ 284 .

[886] قال اليعقوبي ثلاث سنين 1 / 54، وقال موسى بن عقبة سنتين، عيون الأثر 2 / 128، وقالوا عشر سنين السيرة الحلبية 3 / 12 ـ 20 .

[887] تاريخ ابن الأثير 2 / 205، التنبيه والاشراف 221، عيون الأثر 2 / 120، البداية والنهاية 201 ـ 205 .

[888] اعلام الورى 191، الارشاد 1 / 123، المستدرك، الحاكم 4 / 298، تاريخ بغداد 1 / 133 ، البحار 20 / 360، مصباح الانوار 121، سنن الترمذي ج2 / 229، كنز العمّال 6 / 407، خصائص النسائي 11، فضائل الخمسة في الصحاح الستّة 2 / 337 .

[889] صحيح البخاري، آخر كتاب الشروط، مغازي الواقدي 1 / 607، مغازي الذهبي 371 .

[890] التنبيه والإشراف 222، السيرة الحلبية 3 / 30 .

[891] تاريخ الخميس 2 / 43 .

[892] معجم البلدان 2 / 467 .

[893] عيون الأثر 2 / 133، 141، الفتح: 18 .

[894] الفتح 21 .

[895] عيون الأثر 2 / 133، 141 .

[896] مغازي الواقدي 2 / 634 تاريخ اليعقوبي 2 / 56، وقال ابن إسحاق خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)في محرم، سيرة ابن هشام 3 / 342، تاريخ خليفة 37، مغازي الذهبي 403، عيون الأثر 2 / 133، وقال مالك وابن حزم: إنّ معركة خيبر في سنة ست للهجرة وقال أبو حامد في سنة خمس للهجرة، السيرة الحلبية 3 / 31 .

[897] مغازي الواقدي 2 / 636، سيرة أبي حاتم 1 / 300 .

[898] الودك دسم اللحم ودهنه، النهاية 4 / 202 .

[899] السيرة الحلبية 3 / 33، تاريخ الخميس 2 / 43 .

[900] الارشاد، المفيد 1 / 124، سيرة ابن هشام 3 / 343، مجمع البيان 9 / 119، البحار 21 / 14 .

[901] مغازي الواقدي 2 / 684 .

[902] الروض الأنف 6 / 501، عيون الأثر 2 / 134 .

[903] وتن الماء أي دائم ولم ينقطع، الصحاح 2 / 221 .

[904] تاريخ الخميس 2 / 47 .

[905] سيرة ابن هشام 3 / 342 ـ 350، ذخائر العقبى 75، تاريخ الخميس 1 / 434، المنتظم 3 / 293، الروض الأنف 6 / 499، عيون الأثر 2 / 144 .

[906] سورة الصافات 177، عيون الأثر 2 / 135 .

[907] الروض الأنف 6 / 504، عيون الأثر 2 / 137 .

[908] الروض الأنف 6 / 504، عيون الأثر 2 / 137، مغازي الواقدي 2 / 936 .

[909] مغازي الواقدي 2 / 636، البداية والنهاية 4 / 206، 207، تاريخ الطبري 2 / 298 .

[910] سيرة ابن هشام 3 / 344 .

[911] تاريخ ابن الأثير 2 / 216 .

[912] راجع مغازي الواقدي 2 / 650 ـ 654، تاريخ الطبري 2 / 298، مغازي الذهبي 406، تاريخ الخميس 2 / 34 .

[913] عيون الأثر 3 / 148 .

[914] السيرة الحلبية 3 / 33 .

[915] مجمع الزوائد 9 / 124، تلخيص المستدرك 3 / 37، مستدرك الحاكم 3 / 37، صحيح البخاري 4 / 465 ح1155 ط دار القلم، مغازي الذهبي 312 .

[916] مغازي الذهبي 413 .

[917] أمالي المفيد 3، السيرة الحلبية 3 / 32 .

[918] مغازي الواقدي2 / 706 .

[919] عيون الأثر 2 / 140، مغازي الذهبي 411، أمالي الطوسي 3، المنتظم 3 / 296 . مغازي الواقدي 2 / 654، سيرة ابن هشام 3 / 349، تاريخ الطبري 2 / 300، السيرة الحلبية 3 / 37 ، 38 .

[920] تاريخ الذهبي، المغازي 412، تاريخ ابن الوردي 1 / 120، الارشاد 1 / 126، دلائل النبوّة ، البيهقي 4 / 212، مجمع البيان 9 / 121، مناقب ابن شهر آشوب 2 / 293، تاريخ الطبري 3 / 13، تاريخ اليعقوبي 2 / 56، الروض الأنف 6 / 508، تاريخ الخميس 2 / 51، سيرة ابن دحلان 2 / 11 .

[921] تاريخ اليعقوبي 2 / 56 .

[922] تاريخ الخميس 2 / 51 .

[923] أقول من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) أنّهما لا يدعوان أحداً للمبارزة ولكنّهما لا يردّان أحداً يطلبها .

[924] السيرة الحلبية 3 / 34 .

[925] مغازي الذهبي 407، سنن البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الاسلام، وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر 5 / 76، 77، سنن مسلم، باب فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، طبقات ابن سعد 2 / 110، 111، سيرة ابن هشام 4 / 42، نهاية الأرب 17 / 253 .

[926] أقول من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) أنهما لا يدعوان أحداً للمبارزة ولكنّهما لا يردّان أحداً يطلبها .

[927] بين القوسين رواية النسائي للحديث أمَّا في الأصل فقد ورد ونهض معه شيء من الناس .

[928] مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 10 / 328 .

[929] تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 412 .

[930] دلائل البيهقي 4 / 210 ـ 212، البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 213، ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، كتاب الجهاد باب غزوة ذي قرد 1439، السيرة الحلبية 3 / 38 .

[931] البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 212، مسند أحمد بن حنبل .

[932] فجر الإسلام، أحمد أمين 213 .

[933] قضى هشام بن عبدالملك عن الزهري سبعة آلاف دينار، تاريخ أبي زرعة الدمشقي 187 . ومقابل أكاذيبه قالت رقيّة أُخت الزهري لشخص لا تروي عن الزهري فانّه أخذ جوائز بني أُميّة وكتم فضائل آل محمّد . وشكّك الإمام علي السجاد في نسبه لابيه .

[934] شرح النهج 6 / 48، السقيفة وفدك 51، البداية والنهاية 4 / 496 .

[935] أنساب الاشراف 1 / 589، العقد الفريد 4 / 247 .

[936] الامامة والسياسة 1 / 73 .

[937] الامامة والسياسة 1 / 73 .

[938] الروض الأنف 6 / 138 .

[939] البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 215 .

[940] تاريخ الخميس 1 / 488 .

[941] مسند أحمد 1 / 248، دلائل النبوة، البيهقي 3 / 440، البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 122 ، 123 .

[942] البداية والنهاية، ابن كثير 4 / 122، دلائل النبوّة، البيهقي 3 / 432، باب ما أصاب النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من محاصرة المشركين إيّاهم من البلاء، السيرة النبويّة ابن كثير 3 / 205 ، 206 .

[943] تاريخ الخميس، الديار بكري 1 / 488، دلائل النبوّة، البيهقي 3 / 432 .

[944] مستدرك الحاكم 3 / 135 .

[945] السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي 3 / 39، 40، 41، 44 .

[946] السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي 3 / 39، 40، 41، 44 .

[947] المنتظم 3 / 294 .

[948] عيون الأثر 2 / 145 .

[949] أي جلداً وضع فيه الحلي .

[950] الروض الأنف 6 / 524، السيرة الحلبية 3 / 31 .

[951] وقيل بقيت في ملكه .

[952] المنتظم 3 / 297 .

[953] السيرة الحلبية 3 / 44، تاريخ الطبري 2 / 302 .

[954] المنتظم 3 / 294 .

[955] الروض الأنف 6 / 510، تاريخ الخميس 2 / 47 .

[956] المنتظم، ابن الجوزي 3 / 294 . جمل من أنساب الاشراف 1 / 443، التنبيه والاشراف 222 .

[957] الروض الأنف 6 / 528، تاريخ الخميس 2 / 56 .

[958] المنتظم 3 / 294، مغازي الذهبي 430، الروض الأنف 6 / 519 .

[959] سنن البخاري 2 / 604، 606، سيرة أبي حاتم 1 / 304 .

[960] الذريعة 3 / 173، مصنّف أبي بكر الوراق .

[961] تاريخ الخميس 2 / 58، مشكل الاثار 2 / 11 .

[962] تاريخ الخميس 2 / 58، الكافي 4 / 562، من لا يحضره الفقيه 1 / 203 .

[963] كتاب الغدير 3 / 127، 184 .

[964] مناقب آل أبي طالب 2 / 353 .

[965] الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 548 .

[966] المناقب 306 ح301 .

[967] المعجم الكبير 24 / 145 ح382 .

[968] الثعلبي في تفسيره عرائس المجالس: 249 .

[969] أعلام النبوة 132 .

[970] ذكر في كتاب فيض القدير للمناوي .

[971] مشكل الآثار 2 / 11 .

[972] تذكرة الخواص 53 .

[973] السيرة النبوية 1 / 201 .

[974] كفاية الطالب 381، 388 .

[975] فرائد السمطين 1 / 183 ح146 .

[976] معجم الطبراني الكبير 24 / 145 .

[977] فتح الباري 6 / 222 .

[978] عمدة القاري 15 / 43 .

[979] كنز العمال 12 / 348 ح35353 .

[980] الخصائص الكبرى 2 / 310 .

[981] اللآليء المصنوعة 1 / 336 ـ 341 .

[982] وفاء الوفاء 3 / 822 .

[983] المواهب اللدنية 2 / 528 .

[984] الصواعق المحرقة 128 .

[985] السيرة الحلبية 1 / 386 .

[986] كمال الدين، الصدوق 27، الهداية الكبرى، الخصيبي 123 .

[987] الهداية الكبرى 123 .

[988] اسم موضع بالعراق قرب الحلّة المزيدية اليوم وبالقرب منه مسجد الشمس .

[989] مدائن قوم لوط أهلكها الله تعالى بالخسف .

[990] سورى وسوراء بلدة بأرض بابل وبها نهر يقال له نهر سوراء وفي القاموس سورى موضع بالعراق من بلد السريانيين وموضع من أعمال بغداد .

[991] صرير: صوت .

[992] من لا يحضره الفقيه 1 / 204، وسائل الشيعة، الحرّ العاملي 3 / 469 .

[993] من لا يحضره الفقيه 1 / 203، أي أنّها ردّت لعلي (عليه السلام) ثلاث مرّت .

[994] سورة ص 31 ـ 33، الهداية الكبرى 123 .

[995] كتاب الغدير 3 / 127، 184 .

[996] تذكرة الخواص 54 .

[997] جناب الرجل يقال إذهب فلا أراك بحرى، النهاية 1 / 222 .

[998] مغازي الواقدي 2 / 706 .

[999] شرح النووي على مسلم 12 / 82 .

[1000] فضائل الخمسة في الصحاح الستّة 3 / 136، شرح النهج، المعتزلي 4 / 37 .

[1001] شرح النهج، المعتزلي 4 / 37 .

[1002] سنن البيقهي 6 / 301 .

[1003] النمل 16 .

[1004] سنن البيهقى 6 / 301، الغدير 7 / 195 .

[1005] السقيفة، أبو بكر الجوهري 104، شرح النهج 6 / 210، فتوح البلدان 36، تاريخ الطبري 2 / 448، السيرة الحلبية 2 / 363 .

[1006] راجع كتاب، نظريات الخليفتين، للمؤلّف ج2 باب اليهود .

[1007] تاريخ اليعقوبي 2 / 47 .