الفصل الثامن: ذات السلاسل ومؤتة

غزوة ذات السلاسل:

لقد تجمّعت عدّة قبائل من شمال جزيرة العرب للهجوم على المدينة المنوّرة لقتل رسول الله والمسلمين . ويقال لواديهم الوادي اليابس أو وادي الرمل وبينه وبين المدينة عشرة أيّام وفيها قبيلة قضاعة . وقال خليفة في تاريخه عن أرضهم هي عين بأرض جذام[1008].

واستخدم الروم بني قضاعة على بادية العرب وكان لهم ملك ما بين الشام والحجاز[1009]. وفي تلك المنطقة ناس من بني عذرة وبلي وقبائل من اليمن[1010].

وكانت تلك الحادثة في السنة الثامنة للهجرة في شهر صفر وسمّيت المعركة بذات السلاسل لأنّ الإمام علياً (عليه السلام) جاء بالأسرى مربَّطين بالحبال والسلاسل . واستخلف النبي (عليه السلام) على المدينة سعد بن عبادة[1011].

فعن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً) .

قال هذه السورة نزلت في أهل وادي اليابس .

قلت له: وما كان حالهم وقصّتهم ؟

قال (عليه السلام): إن أهل وادي اليابس اجتمعوا اثني عشر ألف فارس وراجل وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على أن لا يتخلّف رجل عن رجل ولا يخذل أحد أحداً ولا يفرّ رجل عن صاحبه حتّى يموتوا كلّهم على حلف واحد أو يقتلوا محمّداً (صلى الله عليه وآله) والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

فنزل جبرئيل (عليه السلام) على محمّد (صلى الله عليه وآله) وأخبره بقصتهم وما تعاقدوا عليه وتواثقوا ، وأمره أن يبعث أبا بكر إليهم في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والأنصار .

فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « يامعشر المهاجرين والأنصار إنّ جبرئيل أخبرني أنّ أهل وادي اليابس اثنا عشر ألف فارس وراجل قد استعدّوا وتعاقدوا وتعاهدوا أن لا يغدر رجل بصاحبه ولا يفرّ عنه ولا يخذله حتّى يقتلوني وأخي الإمام علي بن أبي طالب وأمرني أنْ أُسيِّر إليهم أبا بكر في أربعة آلاف فارس فخذوا في أمركم واستعدّوا لعدوّكم وانهضوا إليهم على اسم الله وبركته في يوم الاثنين إن شاء الله تعالى » .

فأخذ المسلمون عدّتهم وتهيّئوا وأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر بأمره وكان فيما أمره به أنّه إذا رآهم أنْ يعرض عليهم الإسلام فإن تابعوه وإلاّ واقعهم فيقتل مقاتليهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم ويخرّب ضياعهم وديارهم، فمضى أبو بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار في أحسن عدّة وأحسن هيئة يسير بهم سيراً رفيقاً حتّى انتهوا إلى وادي اليابس، فلمّا بلغ القوم نزول أبي بكر وأصحابه قريباً منهم، خرج إليهم من أهل وادي اليابس مائتا رجل مدجّجين بالسلاح، فلمّا صادفوهم قالوا لهم:

مَن أنتم ومِن أين أقبلتم وإلى أين تريدون ؟ ليخرج إلينا صاحبكم حتّى نكلّمه . فخرج إليهم أبو بكر في نفر من أصحابه المسلمين فقال لهم: أنا أبو بكر صاحب رسول الله[1012].

قالوا: ما أقدمك علينا ؟

قال أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أعرض عليكم الإسلام فإن تدخلوا فيما فيه المسلمون لكم ما لهم وعليكم ما عليهم وإلاّ فالحرب بيننا وبينكم .

قالوا له: واللات والعزّى لولا رحم بيننا وقرابة قريبة لقتلناك وجميع أصحابك قتلة تكون حديثاً لمن يكون بعدكم فارجع أنت ومن معك واربحوا العافية فإنّا إنّما نريد صاحبكم بعينه وأخاه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

فقال أبو بكر لأصحابه: ياقوم ! القوم أكثر منكم أضعافاً وأعدّ منكم وقد ناءت داركم عن إخوانكم من المسلمين فارجعوا نُعلِم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحال القوم .

فقالوا له جميعاً: خالفت ياأبا بكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أمرك به فاتَّق الله وواقع القوم ولا تخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فقال: إنّي أعلم ما لا تعلمون الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فانصرف وانصرفوا أجمعون، فأخبر رسول الله بمقالة القوم وما ردّ عليهم أبو بكر .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ياأبا بكر خالفت أمري ولم تفعل ما أمرتك به وكنت لي والله عاصياً فيما أمرتك به فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يامعشر المسلمين أمرت أبا بكر أنْ يسير إلى أهل وادي اليابس وأنْ يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى الله فإن أجابوه وإلاّ واقعهم، وإنّه سار اليهم فخرج منهم مائتا رجل فلمّا سمع كلامهم وما استقبلوه به انتفخ صدره ودخله الرعب منهم وترك قولي ولم يطع أمري، وإنّ جبرئيل أمرني عن الله أنْ أبعث اليهم عمر مكانه في أصحابه في أربعة آلاف فارس فسر ياعمر على اسم الله ولا تعمل كما عمل أخوك فانّه قد عصى الله وعصاني وأمره بما أمر به الأوّل .

فخرج وخرج معه المهاجرون والأنصار الذين كانوا مع الأوّل يقتصد بهم في سيرهم حتّى شارف القوم وكان قريباً منهم بحيث يراهم ويرونه وخرج إليهم مائتا رجل فقالوا له ولأصحابه مثل مقالتهم للأوّل فانصرف الناس معه وكاد أنْ يطير قلبه ممّا رأى من عدّة القوم وجمعهم ورجع هارباً منهم .

فنزل جبرئيل (عليه السلام) فأخبر محمّداً (صلى الله عليه وآله) بما صنع هذا وإنّه قد انصرف وانصرف المسلمون معه .

فصعد النبي (صلى الله عليه وآله) المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأخبر بما صنع هذا وما كان منه وإنّه قد انصرف وانصرف المسلمون معه مخالفاً لأمري عاصياً لقولي، فقدم عليه فأخبره مثل ما أخبره به صاحبه .

فقال له: ياعمر عصيت الله في عرشه وعصيتني وخالفت قولي وعملت برأيك ألا قبّح الله رأيك[1013].

وقال معظم المؤرخين: وفي السنة الثامنة للهجرة في شهر صفر كان قد أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة[1014]. والصحيح أسلم عثمان بن طلحة في فتح مكّة .

وقد خلط العلماء بين عثمان بن أبي طلحة الذي قتله الإمام علي (عليه السلام) في معركة بدر وابن أخيه عثمان بن طلحة حاجب الكعبة عند فتح مكّة[1015].

ولمّا سيطر المسلمون على خيبر وأصبحت دولتهم غنيّة وكبيرة رغب الإنتهازيون في دخول الإسلام، إذ قال عمرو: لمّا انصرفنا مع الأحزاب (الخندق) قلت لأصحابي: إنّي أرى أمر محمّد يعلو علوّاً منكراً[1016].

وبسبب ذلك العلو والإنتصار الإلهي على يهود قريظة وخيبر وتشكيل دولة إسلامية قوّية، وتراجع قريش المتوالي فقد قرّر البعض دخول الإسلام، فكان دخولهم طمعاً في المغانم[1017].

وفي هذه السنة أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) عمرو بن العاص قائداً ورئيساً على أبي بكر وعمر وابن عوف في حملة ذات السلاسل[1018]! بعد فشلهما في الحملتين السابقتين .

إذ أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) جيشاً مدداً لجيش عمرو بن العاص بقيادة ابن الجراح فيه أبو بكر وعمر . وعندها رفض هؤلاء الثلاثة الإنضواء تحت قيادة ابن العاص الداخل في الإسلام جديداً، لكن ابن العاص حكمهم بأنّهم مدد له ليس إلاّ فرضخوا لقوله .

ومنزلتهم في هذه الحملة تبيّن منزلتهم الإجتماعية، والسياسية في ذلك الوقت والصراع على السلطة بين هؤلاء الأربعة وغيرهم من قريش كان واضحاً منذ ذلك الوقت لذا أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) عمرو بن العاص وابن الجراح ألاّ يختلفا .

لكنّهم إختلفوا مرّة بين ابن العاص وابن الجراح ومرّة بين ابن العاص وعمر بن الخطّاب .إذ أشعل عمرُ بن الخطّاب النارَ ليلا فانتهره ابن العاص[1019] وردّ عليه عمر تعبيراً عن رفض قيادته، وأسرع أبو بكر إلى تهدئة الحال بينهما[1020].

وقد قُتِل هؤلاء الأربعة بيد بعضهم البعض لاحقاً أثناء صراع الحزب القرشي على السلطة[1021].

وفي تلك الحملة كان عمرو بن العاص إماماً للصلاة يصلّي خلفه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والآخرون، وكان يصلّي بهم جنباً[1022]!

وبعد وصول عمرو بن العاص بالمسلمين إلى أرض المعركة إنهزم من الأعداء وفرَّ فراراً منكراً[1023].

ومن دلائل النبوّة للرسول أنّ عمرو بن العاص افتخر بلوائه المذكور في معركة صفّين قائلاً: هذا لواء عقده رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

قال الإمام علي (عليه السلام) عندما عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لواءه لابن العاص قال له: لا تفرّ من كافر . ولا تقاتل به مسلماً . فقد فرَّ به من الكافرين في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(ذات السلاسل)، وقد قاتل به المسلمين اليوم[1024].

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ جبرئيل (عليه السلام) قد أمرني أن أبعث الإمام علي بن أبي طالب في هؤلاء المسلمين وأخبرني أن الله يفتح عليه وعلى أصحابه .

فدعا علياً وأوصاه بما أوصى به الأوّل والثاني وأصحابه الأربعة آلاف فارس وأخبره أنّ الله سيفتح عليه وعلى أصحابه[1025].

وتعصّب الإمام علي (عليه السلام) بعصابة وكانت لعلي (عليه السلام) عصابة لا يتعصّب بها حتّى يبعثه النبي (صلى الله عليه وآله) في وجه شديد[1026].

فخرج الإمام علي (عليه السلام) ومعه المهاجرون والأنصار فسار بهم سيراً غير سير أبي بكر وعمر وذلك أنّه أعنف بهم في السير حتّى خافوا أن ينقطعوا من التعب وتحفى[1027] دوابهم .

فقال لهم: لا تخافوا إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمرني بأمر وأخبرني أنّ الله سيفتح عَلَيّ وعليكم فابشروا فإنّكم على خير وإلى خير، فطابت نفوسهم وقلوبهم وساروا على ذلك السير والتعب حتّى إذا كانوا قريباً منهم حيث يرونهم ويراهم أمر أصحابه أن ينزلوا .

وسمع أهل وادي اليابس بقدوم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأصحابه فخرجوا إليه منهم مائتا رجل شاكين بالسلاح، فلمّا رآهم الإمام علي (عليه السلام) خرج إليهم في نفر من أصحابه فقالوا له من أين أنتم ومن أين أقبلتم وأين تريدون ؟

قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخوه ورسوله إليكم، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ولكم إن آمنتم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم من خير وشرّ .

فقالوا له إيّاك أردنا وأنت طلبتنا قد سمعنا مقالتك وما عرضت علينا، هذا ما لا يوافقنا فخذ حذرك واستعدّ للحرب العوان[1028] واعلم إنّا قاتلوك وقاتلوا أصحابك والموعد فيما بيننا وبينك غداً ضحوة، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينكم .

فقال لهم (عليه السلام): ويلكم ! تهدّدوني بكثرتكم وجمعكم ! فأنا أستعين بالله وملائكته والمسلمين عليكم ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم .

فانصرفوا إلى مراكزهم وانصرف الإمام علي (عليه السلام) إلى مركزه فلمّا جنّه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى داوبهم ويقضموا ويسرجوا[1029] فلمّا انشق عمود الصبح جاء بالناس بغلس[1030] ثمّ أغار عليهم بأصحابه فلم يعلموا حتّى وطأتهم الخيل فيما أدرك آخر أصحابه حتّى قتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم وخرّب ديارهم وأقبل بالأسارى والأموال معه وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما فتح الله لعلي (عليه السلام) وجماعة المسلمين فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأخبر الناس بما فتح الله عليه للمسلمين وأعلمهم أنّه لم يصب منهم إلاّ رجلين ونزل .

فخرج يستقبل علياً (عليه السلام) في جميع أهل المدينة من المسلمين حتّى لقيه على ثلاثة أميال من المدينة .

فلمّا رآه الإمام علي (عليه السلام) مقبلاً نزل عن دابته ونزل النبي (صلى الله عليه وآله) حتّى التزمه وقبَّل ما بين عينيه، فنزل جماعة المسلمين إلى الإمام علي (عليه السلام) حين نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأقبل بالغنيمة والأسارى[1031].

فأقام المسلمون له صفّين وقال له الرسول (صلى الله عليه وآله): « ياعلي لولا أنّي أشفق أن تقول فيك طوائف ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك »[1032].

والظاهر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في الحملة وتمركز في منطقة ثمّ أرسل أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص على التوالي ثم أرسل علياً (عليه السلام) وعاد هو إلى المدينة لمعرفته بفتح المنطقة على يديه .

فلمّا نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الأسرى موثّقين بالحبال والسلاسل التفت إلى الإمام علي (عليه السلام) قائلاً: ياأبا الحسن اقطع الحبال والسلاسل فإنّي لا أستطيع أن أراهم موثّقين وإن كانوا مشركين[1033].

وقتل الإمام علي (عليه السلام) منهم مائة وعشرين رجلاً وكان رئيس الأعداء الحارث بن بشر وسبى منهم مائة وعشرين ناهداً[1034].

وقد سعى رجال الحزب القرشي إلى حذف الشطر الأوّل والأخير من رواية الغزوة والإبقاء على حملة ابن العاص !

بحيث أعطوا منقبة الفتح لابن العاص المهزوم في المعركة رغم أنّ الآية القرآنية فضحته في قوله تعالى: (إِنَّ الاِْنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)[1035].

فالكنود هو الحسود وهو عمرو بن العاص[1036].

 

غزوة مؤتة وشهادة جعفر بن أبي طالب

وقعت في جمادى الأُولى سنة 8 هجرية وسنّ جعفر 41 سنة .

وهي أوّل غزوة إسلامية للشام جاءت بعد مقتل سفير النبي (صلى الله عليه وآله) الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى جبيل بن عمرو الغساني بيد جبيل . وكان جيش مؤتة ثلاثة آلاف مسلم، والروم في مائة ألف رجل .

قال اليعقوبي: ووجّه النبي (صلى الله عليه وآله) جعفر بن أبي طالب أي أميراً وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة في جيش إلى الشام لقتال الروم سنة 8 هجرية[1037] وروى بعضهم أنّه قال: أمير الجيش زيد بن حارثة، فإن قُتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر بن أبي طالب فعبدالله بن رواحة، فإن قتل عبدالله بن رواحة فليرتضي المسلمون من أحبّوا . والصحيح كان جعفر المقدّم ثمّ زيد بن حارثة ثمّ عبدالله بن رواحة .

وصار جعفر إلى موضع يقال له مؤتة في فلسطين على مرحلتين من بيت المقدس . وقيل بأنّه وادي من الشام من البلقاء من أرض دمشق .

فأخذ الراية جعفر فحارب فقطعت يده اليمنى فقاتل باليسرى فقطعت يده اليسرى ثمّ ضرب وسطه، ثمّ أخذ زيد الراية فقاتل حتّى قُتل، ثمّ أخذها عبدالله بن رواحة فقتل .

فرفع لرسول الله كلّ خفض، وخفض له كلّ رفع حتّى رأى مصارعهم ; ونعاهم رسول الله فقال: أنبت الله لجعفر جناحين من زبرجد يطير بهما في الجنّة حيث يشاء . ولقّب بذي الجناحين لقطع يديه في معركة مؤتة[1038].

وأنكر بعضهم حديث طيران جعفر مع الملائكة في الجنّة وقال: الروح عرض لا يجوز أن يتنعّم .

وهذا لا يصحّ لأنّ الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح، ويدلّ على ذلك أنّه يخرج من البدن ويردّ إليه وهي الحساسة الفعّالة دون البدن[1039].

وجعفر ابن إحدى وأربعين سنة فهو أسنّ من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعشر سنين[1040] وكان غاية في الجود .

فقال شاعر من المسلمين رجع من معركة مؤته سالماً:

كفى حزناً أنّي رجعت وجعفر *** وزيد وعبدالله في رمس أقبر

قضوا نحبهم لمّا مضوا لسبيلهم *** وخلفت للبلوى مع المتغبّر[1041]

وقال (صلى الله عليه وآله): على جعفر فلتبك البواكي ; وتأمّر خالد بن الوليد على الجيش[1042].

قالت أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت امرأة جعفر وأُمّ ولده جميعاً: دخل عَلَيَّ رسول الله، ويدي في عجين، فقال: ياأسماء أين ولدك ؟

فأتيته بعبدالله ومحمّد وعون، فأجلسهم جميعاً في حجره وضمّهم إليه ومسح على رؤوسهم ودمعت عيناه .

فقلت: بأبي وأُمّي أنت يارسول الله ! لِمَ تفعل بولدي كما تفعل بالأيتام ؟ لعلّه بلغك عن جعفر شيء ؟

فغلبته العبرة وقال (صلى الله عليه وآله): رحم الله جعفراً !

فصحت: وا ويلاه وا سيّداه ! فقال: لا تدعي بويل ولا حرب، وكلّ ما قلت فأنتِ صادقة . فصحت: وا جعفراه ! وسمعت صوتي فاطمة بنت رسول الله، فجاءت وصاحت: وابن عمّاه ! فخرج رسول الله يجرّ رداءه ما يملك عبرته، وهو يقول على جعفر فلتبكِ البواكي .

ثمّ قال يافاطمة اصنعي لعيال جعفر طعاماً فإنّهم في شغل، فصنعت لهم طعاماً ثلاثة أيّام، فصارت سنّة في بني هاشم[1043].

ولمّا دنوا من المدينة تلقّاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولقيهم الصبيان يسرعون فقال (صلى الله عليه وآله): خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر، فأُتي بعبدالله فأخذه فحمله بين يديه .

وجعل الناس يصيحون بالجيش: يافُرَّار فررتم في سبيل الله ... فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليسوا بالفرار ولكنّهم الكرّار إن شاء الله تعالى وكان الفارق العددي بين الجيشين كثيراً جدّاً[1044].

إنّ حملة مؤتة إلى فلسطين لم تكن من باب الصدفة بل هي حركة نبوية لبيان أهميّة القدس في قاموس المسلمين . فرغب النبي (صلى الله عليه وآله) في فتحها وقدَّمها على باقي بلدان الدنيا، وسيفتحها النبي عيسى (عليه السلام) في دولة الإمام المهدي (عليه السلام) .

فقد حاول النبي (صلى الله عليه وآله) تحرير القدس قبل اليمن وعمان لأهميّتها الخاصّة عند الموحّدين باعتبارها قبلة المسلمين الأُولى .

ونبيّنا أُسوة وقدوة في أفعاله وأقواله فالأجدر بنا أن نحذوا حذوه .

ولقد كان جعفر بن أبي طالب من المسلمين القدماء من بني هاشم الذين أسلموا قبل الصحابة، وهو أمير المسلمين في الحبشة، وأمير المسلمين في مؤتة ولأنّه أخو الإمام علي (عليه السلام) فقد حسدوا إمارته !

 

الفصل التاسع: فتح مكّة عنوة

عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلح الحديبية مع قريش في سنة ستّ للهجرة على أن يزور البيت الحرام العام المقبل فأخلى له أهالي مكّة المدينة، وأزاحوا الأصنام عن الصفا والمروة ...

وفي السنة الثانية 7 هجرية زار النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون مكّة وبقوا هناك ثلاثة أيّام، وساق معه سبعين بدنةً، وأجروا مراسم العمرة . وتزوّج في مكّة بميمونة بنت الحارث الهلالية[1045].

فتمّت عمرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) المفردة بسلام وأمان طبقاً لعهد الحديبية فهو أهل الوفاء . وفي جمادى الأُولى من سنة ثمان حدثت معركة مؤتة مع الروم التي خسر فيها المسلمون وقُتِل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة .

فشجّع هذا الأمر المشركين على الغدر بمعاهدة صلح الحديبية، وفعلا اعتدت قريش وقبيلة كنانة على قبيلة خزاعة المتحالفة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد شهر ونصف من حادثة مؤتة[1046]!

خروج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى مكّة

وخرج رسول الله يوم الجمعة حين صلّى العصر لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 8هـ[1047].

وأراد الرسول أن تكون الغزوة سرّية فأسرّ (صلى الله عليه وآله) إلى كلّ رئيس منهم بما أراد وأمره أن يلقاه بموضع سمّاه له، وأن يكتم ما قال له . فأسرّ إلى خزاعي أن يلقاه بمزُينة بالروحاء وإلى عبدالله بن مالك أن يلقاه بغفار بالسُّقيا وإلى قدامة بن ثمامة أن يلقاه ببني سليم بقُديد وإلى الصعب بن جثامة أن يلقاه ببني ليث بالكديد .

ولقيته القبائل في المواضع التي سمّاها لهم، وأمر الناس فأفطروا ; وسمّى الذين لم يفطروا العُصاة[1048]. ودعا بماء فشربه، وتلقّاه العبّاس بن عبدالمطلّب في بعض الطريق . وكان المسلمون عشرة آلاف رجل[1049].

وكانت الخيل يوم الفتح أربعمائة فرس . ونزلت عليه سورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): نُعيت إليّ نفسي وأقام في مكّة تسعة عشر يوماً، وطاف بالكعبة وصلّى خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وأمر (صلى الله عليه وآله) بالمتعة ثمّ لم تحرم مطلقاً[1050].

فلمّا صار بمرّ الظهران خرج أبو سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار ومعه حكيم بن حزام، وهو يقول لحكيم: ما هذه النيران ؟

فقال حكيم: خزاعة أحمشتها الحرب .

فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ .

وسمع صوته العبّاس فناداه: ياأبا حنظلة ! فأجابه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمر بقتل أبي سفيان مع العشرة الذين أفتى بقتلهم ومنهم زوجته هند بنت عتبة ولكن الأمويين حذفوا اسمه من الرواية !

لذا أنذره عمر قائلاً: لا تَدْن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى تموت[1051]!

ولولا نصيحة عمر لقُتل أبو سفيان . والظاهر أنّ عمر تقدّم جيش النبي (صلى الله عليه وآله)وهو أمر مخالف للجندي المطيع .

وعندها أدرك أبو سفيان الخطر المحدق به فاستغاث بالعباس قائلاً: إنّي مقتول فمنعه العباس من الناس المصرِّين على قتله[1052].

وقال العباس: يارسول الله، هذا أبو سفيان قد جاء ليسلّم طائعاً . ويطلب الأمان لقريش فقال له رسول الله: قُل أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمّد رسول الله، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وجعل يمتنع من أن يقول: وإنّك رسول الله، قائلاً: والله يامحمّد إنّ في النفس من هذا لشيئاً يسيراً بعد فارجئها[1053]. وبعد الضغط قالها نفاقاً .

ثمّ سأل العبّاس رسول الله أن يجعل له شرفاً وقال إنّه يحبّ الشرف .

فقال رسول الله: من دخل دارك ياأبا سفيان فهو آمن، ومن بقي في بيته فهو آمن .

 

دخول مكّة

تمَّ فتح النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مكّة في 20 رمضان سنة 8 هجرية .

ولمّا دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة كانت عليه عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة وقال: لا إله إلاّ الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ دم أو مأثرة أو مال يُدّعى فهو تحت قدمي هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج .

وفي فتح مكّة ذلَّ كفّار قريش وسقط ما في أيديهم، وضعفت معنوياتهم وهزم مكرهم فوقفوا سماطين ينظرون إلى دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجيشه إلى مدينتهم .

وكان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزيّنة ألفاً ومعها مائة فرس وكانت أسلم أربعمائة ومعها ثلاثون فرساً وكانت جهينة ثمانمائة ومعها خمسون فرساً[1054].

 

أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بهجو قريش ومعارضة أبي سفيان وعمر وأبي بكر وعثمان ذلك

وقال النبي (عليه السلام) لصحبه: اهجوا قريشاً فإنّه أشدُّ عليها من رشق النبل[1055].

فتقدّم رجل براية كبيرة بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يقول:

خلُّوا بني الكفّار عن سبيلِهِ *** فاليوم نضربكم على تنزيلهِ

ضرباً يزيل الهام عن مقِيلِهِ *** ويذهلُ الخليل عن خليلهِ

ياربّ إنّي مؤمن بقيله

فقال عمر بن الخطّاب: أفي حرم الله وبين يدي رسول الله، تقول الشعر ؟

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): مهْ ياعمر فوالذي نفسي بيده لكلامه هذا أشدّ عليهم من وقع النبل[1056].

وكان عمر محبّاً لمجد قريش الكافرة .

وكان سعد بن عبادة على الحرس وراية الأنصار كانت بيده عند دخوله مكّة وهو يقول: ياأبا سفيان اليوم يوم الملحمة (أي يوم الحرب) اليوم تستحلّ الكعبة (أي يقتل من أهدر دمه ولو تعلّق بأستار الكعبة) وسمع مقالة سعد بن عبادة رجل من المهاجرين قيل هو عمر بن الخطّاب وقيل سمعها رجلان وهما عثمان بن عفّان وعبدالرحمن بن عوف فقال: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نأمن أن تكون لسعد صولة في قريش »[1057].

وشكاية هؤلاء على سعد في مكّة وسيرة علاقتهم به في المدينة قبل وبعد حياة النبي (صلى الله عليه وآله) تبيّن سوء العلاقة بين سعد وبينهم انتهت بقتلهم له فقتله محمد بن مسلمة (اليهودي الأصل)[1058].

وقد طالب أبو سفيان وعمر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف بعزل سعد بن عبادة عن قيادة لواء الأنصار . فكانت تلك أوّل قضية معلنة يتّحد فيها هؤلاء ضدّ زعيم الأنصار .

في حين قال أبو بكر للصحابة المؤذين أبا سفيان: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها[1059].

ومن يومها بدأ التعاون العلني والوثيق بين أبي سفيان وأبي بكر وعمر وعثمان والتعاون السرّي بين بعض المهاجرين وأبي سفيان كان معروفاً .

والقضيّة الظاهرة الثانية هي واقعة السقيفة إذ اشترك معاوية معهم فيها[1060].

أي أنّ عمر خالف الأمر النبوي بهجو قريش .

وبقي أبو بكر وعمر محبّين لقريش فبعد فتح مكّة أتاه ناس من قريش فقالوا: يامحمّد إنّا حلفاؤك وقومك، وإنّه لحقّ بك ارقاؤنا ليس لهم رغبة في الإسلام، وإنّما فرّوا من العمل فارددهم علينا !

فشاور (صلى الله عليه وآله) أبا بكر في أمرهم فقال: صدقوا يارسول الله !

فقال لعمر: ما ترى ؟ فقال مثل قول أبي بكر .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يامعشر قريش ليبعثنّ الله تعالى عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضرب رقابكم على الدين .

فقال أبو بكر: أنا هو يارسول الله ؟

قال: لا .

قال عمر: أنا هو يارسول الله ؟

قال: لا، ولكنّه خاصف النعل في المسجد، وقد كان ألقى نعله إلى الإمام علي يخصفها[1061].

فبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) في وجه قريش ومطامعها، رافضين عودة المسلمين عبيداً لقريش، وكيف يكون ذلك وقريش أنفسهم عبيد لمحمّد (صلى الله عليه وآله)حرّرهم بعد فتح مكّة قائلاً: إذهبوا فأنتم الطلقاء[1062].

وفي يوم الفتح برز أسد بن غويلم قاتل العرب فقال النبي: من يبرز إلى هذا المشرك وقتله فله الجنّة وله الإمامة من بعدي فبرز إليه علي وقتله[1063] وقال:

ضربته بالسيف وسط الهامة *** بضربة صارمة هدّامة

فبتكت من جسمه عظامه *** وبيّنت من رأسه عظامه

 

تحطيم علي (عليه السلام) للأصنام

وكانت الأصنام ودّ لكلب وسواع لهذيل ويغوث لغطفان ونسر لذي الكلاع واللات لثقيف وإساف ونائلة وهبل لأهل مكّة .

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحطّم الأصنام بعصا في يده ومنها إساف ونائلة، وهما رجل وامرأة قد زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين . فاتّخذتهما قريش يعبدونهما . وكانوا يذبحون عندهما، ويحلقون رؤوسهم إذا نسكوا، فخرج من أحدهما امرأة شمطاء سوداء تخمش وجهها عريانة ناشرة الشعر تدعو بالويل .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تلك نائلة يئست أن تعبد في بلادكم أبداً[1064].

ونادى منادي رسول الله: من كان في بيته صنم فليكسره، فكسروا

الأصنام .

وأعظم الأصنام التي حطّمها النبي هو هبل الذي كان بجانب مقام إبراهيم (عليه السلام)والأصنام ثلاثمائة وستّون بعدد أيّام السنة كلّها مثبتة بالرصاص والحديد .

وصعد الإمام علي (عليه السلام) على كتف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكسر أصنام الكعبة[1065] لأنّه لا يمكن لأحد حمل النبي (صلى الله عليه وآله) إذ قال (صلى الله عليه وآله): « لو أنّ ربيعة ومضر جهدوا على أن يحملوا منّي بضعة وأنا حي ما قدروا »[1066].

ولمّا صعد الإمام علي (عليه السلام) فوق الكعبة رمى بصنم خزاعة الذي كان من صفر فكسره فجعل أهل مكّة يتعجّبون لثقله[1067].

وقال محمّد (صلى الله عليه وآله): « لمّا ألقى الإمام علي (عليه السلام) بنفسه من فوق الكعبة إلى الأرض دون إصابة: كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمّد وأنزلك جبرئيل »[1068].

فالإمام علي (عليه السلام) أوّل من ألقى بنفسه من ظهر الكعبة وكان سالماً ممّا يبيّن قلّة وزنه وزهده وقدرته البدنية العالية .

وقال الديار بكري أنّ أحد الشعراء أشار إلى قصّة صعود الإمام علي (عليه السلام)على كتف النبي (عليه السلام) لتحطيم الأصنام وللصعود فوق ظهرها:

قيل لي قل في علي مدحاً *** ذكره يخمد ناراً مؤصدة

قلت لا أقدم في مدح امرىء *** ضلّ ذو اللبّ إلى أن عبده

والنبي المصطفى قال لنا *** ليلة المعراج لمّا صعده

وضع الله بظهري يده *** فأحسّ القلب أن قد برده

وعلي واضع أقدامه *** في محلّ وضع الله يده[1069]

وأرسل النبي (صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى نخلة وفيها العُزّى فلمّا نظرت إليه السدنة وهم حجّابها أمعنوا في الجبل وهم يقولون: ياعُزّى خبِّليه ياعُزّى عوِّريه وإلاّ فموتي برغم .

فأتاهما خالد فإذا امرأة عُريانة ناشرة شعرها تحثوا التراب على رأسها فعمّمها بالسيف حتّى قتلها[1070].

وأرسل النبي (صلى الله عليه وآله) سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في عشرين فارساً، فخرجت امرأة سوداء عُريانة ثائرة الرأس تدعو بالويل .

فقال لها السادن: مناة دونك بعض غضباتك وسعد يضربها فقتلها[1071] وأقبل إلى الصنم فهدمه ...

وأراد فضالة بن عمير الليثي قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) داخل الكعبة، فأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) بقصده وضحك منه[1072].

ولمّا قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكّة: ألا ترجع إلى دارك ؟ قال (صلى الله عليه وآله): وهل ترك عقيل لنا داراً[1073].

 

الفصل العاشر: واقعة حنين والطائف

معركة حنين:

دلّت سورة النصر التي نزلت في فتح مكّة على أنّه (صلى الله عليه وآله) نعيت إليه نفسه[1074]وقرب زمن موته بعد أن خذل الله تعالى قريشاً وبني بكر بن وائل ونصر المسلمين وحلفاءهم بني كعب (خزاعة) .

وبعد مطالعتك أخي القاريء لموضوع معركة حنين ستجد جبهة معارضة واسعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مكوّنة من هوازن وثقيف وقريش وقبائل الأعراب الملتحقة بجيش النبي (صلى الله عليه وآله) مثل أَسلم وتميم والمنافقين المنتمين للمهاجرين والأنصار، فهل حدث الاتّفاق في مكّة عبر جاسوس هوازن المقتول بيد عمر أم كان صدفة ؟ وهل كان هذا التنظيم العددي والمكاني صدفة ؟ الجواب في هذا الموضوع .

بعد فتح مكّة في 20 رمضان بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّ هوازن وثقيفاً قد جمعت بحنين جمعاً كثيراً ورئيسهم مالك بن عوف النضري وهو ابن ثلاثين سنة فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله) من مكّة في السادس منه .

والمعركة حدثت في العاشر من شوال في السنة الثامنة للهجرة[1075].

وقد اختلفت المعادلات في معركة حنين عن المعارك السابقة بزيادة عدد المحاربين المسلمين على الكفّار زيادة ملحوظة، ورغم هذا فرّوا من أرض المعركة[1076].

وكان كثير من جنود المسلمين ما زالوا حديثي العهد بالإسلام فطلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) في أثناء مسيره إلى حنين أن يجعل لهم شجرة ذات أنواط مثلما عند الكفّار يذبحون عندها ويعكفون عليها[1077].

فوصف الله تعالى حالهم بقوله: (اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)[1078].

وحنين وادي بين مكَّة والطائف، كانت فيه الوقعة والمسلمون إثنا عشر ألفاً وهو الصحيح الذين حضروا فتح مكَّة فيهم ألفان من الطلقاء وقالوا: عددهم ثمانية آلاف برواية مجاهد وقال عطاء عن ابن عباس ستّة عشر ألفاً[1079].

وتسكن هوازن في الجنوب الشرقي لمكّة وحنين من أودية تهامة وهو اسم موضع في طريق الطائف إلى جنب ذي المجاز قال الواقدي بينه وبين مكّة ثلاث ليال وقيل بضعة عشر ميلاً وكان سوقاً في الجاهلية .

وهوازن قبيلة كبيرة من العرب فيها عدّة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن الياس بن مضر[1080].

وقال زعيم هوازن: ما لاقى محمّداً قوم يحسنون القتال فأجمعوا أمركم وسيروا إليه[1081].

وشاركت في الحرب ثقيف كلّها وغابت عن هوازن كعب وكلاب وشهدها نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهوازن وثقيف عتاة مردة .

وهوازن وثقيف أربعة آلاف، فيمن ضامهم من امداد سائر العرب، فكان الجمّ الغفير، واعتقد بأنّهم أكثر من أربعة آلاف مقاتل . وقالوا: عشرون ألفاً وقالوا: ثلاثون ألفاً[1082].

وقد كانت أعداد قريش وقبائل الأعراب الموجودة في صفوف المسلمين أكثر من خمسة آلاف محارب ولو عدّ المحقّقون هذه القوّات المنافقة مع الكافرين لأصبح المسلمون في سبعة آلاف مقاتل وأصبح الكافرون في أحد عشر ألف محارب .

وقبل اللقاء قال أبو بكر: لن نُغلَب اليوم من قِلَّة . فساءت رسول الله (صلى الله عليه وآله)[1083]فعانهم أي حسدهم أبو بكر بعجبه بهم[1084]. ولمّا قال أبو بكر ذلك القول قال تعالى تعليقاً على قوله: (وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)[1085].

لقد قال أبو بكر جملة ساءت النبي (صلى الله عليه وآله) فأبدل بعض الرواة اسم أبي بكر برجل ، وهكذا فعلوا في كل الحوادث التي أساء فيها أبو بكر وعمر وعثمان للنبي (صلى الله عليه وآله) .

وحاول الزمخشري إنقاذ أبي بكر من قول المنكر بإلقاء ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) !

وحاول محاولة أُخرى تتمثّل بحذف اسم أبي بكر ووضع كلمة رجل[1086]! ولكنّ الواقدي ذكر في مغازيه بأنّ القائل هو أبو بكر[1087].

وقال الفخر الرازي في تفسيره: قال رجل من المسلمين: لن نُغلب اليوم من قلَّة، فهذه الكلمة ساءت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي المراد من قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) .

وقيل قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل قالها أبو بكر، وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعيد، لأنّه كان في أكثر الأحوال متوكّلا على الله، منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها[1088].

وجاء في سيرة الحافظ الدمياطي أنّ أبا بكر قال: لن نغلب اليوم من قلّة[1089].

لقد نظر أبو بكر إلى الحالة المادّية على أرض المعركة في كثرتهم وكونهم أضعاف أعداد المشركين .

وساء النبي (صلى الله عليه وآله) قول أبي بكر لأنَّه (صلى الله عليه وآله) طلب من المسلمين أن ينظروا إلى الحالة الغيبية للأُمور، والمتمثّلة بالنصر الإلهي، لا الحالة المادّية في كثرة أعداد المسلمين .

لقد قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ) .

فجعل عزّوجلّ المشيئة بيده يفرضها حيث أراد في خلقه وأرضه وسماواته، فيدعها فوق السنن الحياتية متى أراد سبحانه . لذا يقول المسلم حيث كان ومتى قصد عملاً إن شاء الله تعالى .

وفي معركة هوازن أعلن أبو بكر بأنّ الغلبة للمسلمين لكثرتهم على الكافرين فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذا المنطق المادّي وأنكر الله تعالى هذا المنحى عملاً فانهزم المسلمون وانتصر الكافرون وكان أبو بكر رأس الفارّين .

ذكر ابن إسحاق: ولمّا سمع بهم (هوازن) رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بعث إليهم عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي من هوازن، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم حتّى يأتيه منهم ويعلم من علمهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم، فأقام معهم حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلم أمر مالك، وأمر هوازن، وما هم عليه، ثمّ أتى رسول الله فأخبره الخبر ولقد بقي ابن أبي حدرد يومين في جيش هوازن ووصل خباء مالك بن عوف وعنده رؤساء هوازن فسمعه يقول لأصحابه: إنّ محمّداً لم يقاتل قوماً قطّ قبل هذه المرّة، وإنّما كان يلقى قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم، فإذا كان السحر فصفّوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثمّ صفّوا ثم تكون الحملة منكم واكسروا أغماد سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أنّ الغلبة لمن حمل أوّلاً[1090].

وأضاف ابن أبي حدرد قائلا: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّي انطلقت بين أيديكم حتّى طلعتُ جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيها، بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين .

فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: تلك غنيمة المسلمين غداً إنْ شاء الله[1091]. وهذا من دلائل نبوّته .

فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر بن الخطّاب فأخبره خبر ابن أبي حدرد، فقال عمرُ: كذب .

فقال ابن أبي حدرد: إنْ تكذِّبني فطالما كذَّبتَ بالحقِّ ياعمر . وكذّبت مَن هو خير منّي[1092].

فقال عمر: يارسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد ؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد كنت ضالا فهداك اللهُ ياعمر[1093].

لقد وقفت طويلا عند هذه الرواية لقول ابن أبي حدرد لعمر: طالما كذَّبت بالحقِّ ياعمر .

وقوله قد كذَّبت من هو خير منِّي أي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم يعترض رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قوله بل أيّده .

ممّا يعني أنّ معظم الناس حالياً لا يعرفون عمر مثلما يعرفة النبي وابن أبي حدرد .

فوجدت أنَّه لولا المعلومات الخطيرة التي قالها ابن أبي حدرد ولولا اعتناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بها لخسر المسلمون المعركة في وقت السحر .

والدهشة تصيب القارىء أحياناً من تقديم عبدالله بن أبي حدرد روحه في سبيل الحصول على خطط الأعداء وبرامجهم وتأييد النبي (صلى الله عليه وآله) لأقواله التي ذكرها في هوازن وفي عمر !

لقد أشار دريد بن الصمة على مالك بن عوف النضري بوضع كمين يهجم على جيش النبي (صلى الله عليه وآله) من الخلف، واجتمعت هوازن وثقيف وبنو سعد بن بكر مع مالك .

وقال دريد: إجعل كميناً يكون لك عوناً، إنْ حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، وكررت أنت عليهم . بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد[1094].

والحكمة من مجيء هوازن بدريد بن الصمة الأعمى البصر هي تجربته في الحروب فقد كان عمره مائة وأربعين سنة، فوضعوه في شجار وهو مركب من أعواد يهيّأ للنساء . وأيّد دريد الحرب في واد أوطاس واصفاً إيّاه لا حزن ضرس ولا سهل دهس وخطّأ نظرية مالك بن عوف في المجيء بالنساء والماشية لعدم فائدتها في الحرب بل تكون لقمة سائغة للعدو فوصفه بأنّه راعي ضأن ما له وللحرب[1095]!

وكانت الحرب في يوم قائظ شديد الحرّ ثم مطرت الدنيا[1096].

وقال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فأخذ المسلمون في الرجوع منهزمين لا يلوي أحد على أحد[1097].

وقد ورد أنّهم انهزموا مرّتين مرّة في بداية الحرب ومرّة عند انكباب المسلمين على الغنائم[1098].

 

المنهزمون

وروى البخاري عن أبي قتادة الأنصاري، قائلاً: وانهزم المسلمون ـ يوم حنين ـ وانهزمت معهم، فإذا عمر بن الخطّاب في الناس (المنهزمين)، فقلت له: ما شأن الناس ؟

قال عمر: أمر الله[1099].

وروى الواقدي في مغازيه فرار المسلمين وفيهم عمر: (وكانت أُمُّ الحارث الأنصارية أخذت بخطام جمل أبي الحارث زوجها، وكان جمله يسمَّى المجسار .

فقالت: ياحارث أتترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذت بخطام الجمل، والجمل يريد أن يلحق بأُلاَّفة، والناس يُولّون منهزمين . وهي لا تفارقه[1100].

وقالت أُمُّ الحارث: فمرَّ بي عمر بن الخطاب، فقلت: ياعمر ما هذا (الفرار) ؟

فقال عمر: أمْر الله .

وجعلت أُمُّ الحارث تقول: يارسول الله مَنْ جاوز بعيري فاقتله، واللهِ إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم بنا ! تعني بني سُلَيم وأهلَ مكَّة الذين انهزموا بالناس)[1101].

وأجمل ما قرأت عن هزيمة الفارِّين في معركة حنين ما ذكره أنس بن مالك: (إنَّ أُمَّ سُليم أُمِّي ابنة ملحان جعلت تقول يارسول الله، أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفرُّوا عنك وخذلوك ! لا تَعْفُ عنهم إذا أمكنك اللهُ منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين !

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ياأُمَّ سُلَيم قد كفى اللهُ، عافية الله أوسع !

ومعها يومئذ جمل أبي طلحة، قد خشيت أن يغلبها، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، وهي شادَّة وسطها ببُرْد لها، ومعها خنْجَرٌ في يدها .

فقال لها أبو طلحة: ما هذا معكِ ياأُمّ سُلَيم ؟

قالت: خَنْجَرٌ أَخذته معي، إن دنا منِّي أحدٌ من المشركين بَعَجْتُه به .

قال أبو طلحة: أما تسمع يارسول الله ما تقول أُمُّ سُلَيم)[1102].

ومقابل صمود أُمّ سليم انهزم أكابر الصحابة في يوم حنين بالرغم من كثرتهم، ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وابن الجراح والمغيرة والأشعري ومعاذ بن جبل وأُسيد بن حضير وخالد بن الوليد وطلحة وسعد بن أبي وقّاص .

وقد أيَّد هذا الفرار البخاري ومسلم وابن كثير والبلاذري والواقدي والديار بكري واليعقوبي وآخرون، وقد بايع هؤلاء النبي (صلى الله عليه وآله) في الحديبية على أن لا يفرّوا[1103]!

وجاء في تاريخ الخميس في رواية أنَّه لم يبقَ معه إلاَّ أربعة، ثلاثة من بني هاشم وهم الإمام علي (عليه السلام) والعبّاس وأبو سفيان بن الحارث وكان قد أخذ بعنان بغلته والرابع عبدالله بن مسعود، وأضاف إلى ذلك أنّ علياً والعبّاس كانا يحفظانه من قبل وجهه، وعبدالله بن مسعود يحفظه من جانبه الأيسر، وكان كلّ من يقبل على رسول الله يُقْتَل[1104].

لقد حدث الهجوم على المسلمين في الصباح الباكر . وأوّل من انهزم بنو سليم وتبعهم أهل مكّة ثم الناس[1105].

وقال عروة بن الزبير عن أهل مكّة قائلاً: خرج أهل مكّة لم يغادر منهم أحد، ركباناً ومشاة حتّى خرج النساء مشاة ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الصدمة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه وهم على غير دين[1106]!

واعترف معاوية بن أبي سفيان بفرار أبيه قائلاً: لقيت أبي منهزماً مع بني أبيه من أهل مكّة فصحت به: ياابن حرب والله ما صبرت مع ابن عمّك، ولا قاتلت عن دينك، ولا كففت هؤلاء الأعراب عن حريمك[1107].

وممّا يضحك أنّ أبا سفيان جعل يجمع في حوزته كل ترس أو سيف يسقط من الصحابة[1108].

ممّا يبيّن عدم اعتنائه بالإسلام وفراره وشدّة اهتمامه بالدنيا وبخله الشديد .

وقال الذهبي: اعتزل أبو سفيان وابنه معاوية وصفوان بن أُميّة وحكيم بن حزام وراء تلٍّ ينظرون لمن تكون الدّبْرة ! فبينما هم على ذلك حمل المشركون عليهم حملة رجل واحد فَوَلّوا مدبرين وحزر حارثة بن النعمان من بقي مع النبي (صلى الله عليه وآله) بمئة رجل[1109].

ووصلت الهزيمة إلى مكّة وسرَّ بذلك قوم وأظهروا الشماتة فقال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها وقد قُتِل محمّد وتفرّق أصحابه[1110].

وقال اليعقوبي: انهزم المسلمون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتَّى بقي في عشرة من بني هاشم وقيل تسعة وهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والعبّاس بن عبدالمطّلب، وأبو سفيان بن الحارث، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العبّاس، وعبدالله بن الزبير بن عبدالمطّلب، وقيل أيمن بن أُمّ أيمن[1111].

فقال جابر بن عبدالله الأنصاري: لم نبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الموت، إنَّما بايعناه على أن لا نَفرّ[1112].

وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الحُدَيبِيَّة ؟

قال: على الموت ولكنّ الناس انهزموا[1113]!

وقد انهزم عثمان في معركة بدر وانهزم أبو بكر وعمر وعثمان في معارك أُحد والخندق وخيبر وحنين، وعصوا النبي (صلى الله عليه وآله) في حملة أُسامة ولم يذهبوا فيها أبداً . ولم يقتلوا كافراً ولا يهودياً قطّ . وتمكّن خالد وضرار من قتل عمر في معركتي أُحد والخندق فلم يقتلاه !

وكان المنهزمون أمثال أبي بكر وعمر وعثمان يتسبّبون في هزائم الجيش الإسلامي بفرارهم .

وبعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) لم يشاركوا في أي حرب لا بصفة قائد ولا بصفة جندي ، بينما كان النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) قد حضرا في جبهات القتال وعمرهما يناهز الستّين سنة .

إذ شارك النبي (صلى الله عليه وآله) في فتح مكّة وفي حرب حنين في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون عمره الشريف ستّين سنة، وفي هذه السنّ شارك الإمام علي (عليه السلام) في معركة صفّين .

 

النصر الإلهي في حنين

لقد لقّن الله سبحانه المسلمين درساً في الحرب يتمثّل في رجوع الأمر إلى النصر الإلهي أوّلاً وإلى قوانين السنن الحياتية ثانياً .

ولمّا ثبت ذلك ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنصر اللهمّ إنّي أنشدك ما وعدتني اللهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا[1114] فقال الله تعالى: (لَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ في مواطنَ كَثِيرَة وَيَومَ حُنَين إذ أَعجَبَتكُم كَثَرتُكُم فَلَم تُغن عَنكُم شَيئاً وضاقَت عَلَيكُمُ الأرضُ بما رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعلى المؤمِنِينَ وأَنزَل جُنُوداً لم تَرَوها وَعذَّبَ الذينَ كَفَرُوا وذلِكَ جَزاءُ الكافِرين)[1115].

وحاربت الملائكة الكافرين إذ قال المشركون: أتانا رجال بيض على خيل بُلق فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى[1116].

 

دور النبي (صلى الله عليه وآله) في المعركة

كان سنّ النبي (صلى الله عليه وآله) في المعركة ستّين سنة .

وكان سنّ الإمام علي (عليه السلام) ثلاثين سنة .

ونادى النبي (صلى الله عليه وآله) مخاطباً المسلمين: أين ما عاهدتم الله عليه ؟

أنا النبي لا كَذِب *** أنا ابنُ عبدالمطّلب[1117]

وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) يناديهم: أنا ابن العواتك والفواطم، أنا ابن عبدالمطّلب، فقال (صلى الله عليه وآله): ناولني كفّاً من تراب فناولته ثمّ استقبل بها وجوههم قائلا: شاهت الوجوه، وفي رواية قال: حم لا ينصرون وفي رواية جمع بينهما، فما خلف اللهُ منهم إنساناً إلاّ ملأت عينيه وفمه، وقال: انهزَموا وربّ محمّد، فولّوا مدبرين[1118].

فكان تراب رسول الله أمضى من سلاح إثني عشر ألف مقاتل ساروا معه، وأمضى من عصا موسى (عليه السلام) !

وقال الرسول: كان علياً (عليه السلام) لي كالعصا السحرية لموسى (عليه السلام)[1119].

وأخذت عائشة ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقذفت تراباً في وجوه جيش الإمام علي (عليه السلام) في معركة الجمل قائلة شاهت الوجوه، فكانت النتيجة فرار جيشها وانتصار أعدائها[1120]!

أمّا دور الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة حنين فكان في ثباته مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين فرَّ عنه المسلمون وإقدامه على قتل حامل لواء المشركين وبطلهم في حنين أبي جرول .

وكان أبو جرول بطل هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفراً من المسلمين أكبَّ عليهم، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه من المشركين فاتّبعوه وهو يرتجز ويقول:

أنا أبو جَرول لا بَراح *** حتّى نُبيح القومَ أو نُباحَ

فصمد له أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فضرب عجز بعيره فصرعه ثم ضربه فقطّره ثم قال:

قد علم القومُ لدى الصباح *** أنّي في الهيجاء ذو نِصاح

وقتل الإمام علي (عليه السلام) أربعين رجلاً من القوم فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول بطل الكافرين[1121].

وقال اليعقوبي: ولمّا انتصرت هوازن صاح العبّاس بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله): ياأهل بيعة الرضوان، ياأصحاب سورة البقرة . ومضى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى صاحب راية هوازن فقتله، وكانت الهزيمة[1122].

وتبيّن معركة حنين أنّ النصر من قبل الله تعالى وليس بكثرة المسلمين على أعدائهم ففي تلك المعركة كان المسلمون كثيرين فلم تنفعهم كثرتهم ولا عدّتهم ففشلوا وهزموا .

ولمّا بقيت القلّة القليلة من المؤمنين بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت لواء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) جاء نصر الله تعالى فسقطت راية الكافرين وتفرّقت فلولهم وانهزمت جموعهم .

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطى العبّاس بن مرداس السلمي أربعاً من الإبل يومئذ فسخِطها وهو رئيس قومه، وأنشأ يقول:

(أتجعلُ نهبي) ونهبَ العُبيْـ *** ـدِ[1123] بين عُيَيْنة والأقرع

فما كان حِصْنٌ ولا حابِسُ *** يفوقان شَيخي في المجْمَعِ

وما كنتُ دونَ أمرىء منهما *** ومَن تضعِ اليوم لا يُرفَعِ

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): « قُم ـ ياعليّ ـ إليه فاقطع لسانه » .

فقال العبّاس بن مِرداس: فوالله لَهذه الكلِمة كانت أشدَّ عَلَيَّ من يوم خَثعَم، حين أتونا في ديارنا . فأخد بيدي عليُّ بن أبي طالب فانطلق بي، ولو أرى أحداً يُخلّصني منه لدعوته، فقلت: ياعليُّ، إنّك لقاطعٌ لساني ؟

قال الإمام علي (عليه السلام): « إنّي لمُمض فيك ما أُمرتُ » .

قال: ثمَّ مَضى بي، فقلت: ياعليُّ إنّك لقاطعٌ لساني ؟

قال الإمام علي (عليه السلام): « إنّي لممْض فيك ما أُمرتُ »، قال: فما زال بي حتّى أدخلني الحظائر، فقال لي: « أعتدّ ما بين أربع إلى مائة من الابل » .

قلتُ بأبي أنتم وأُمّي، ما أكرمكم وأحلمكم وأعلمكم !

فقال الإمام علي (عليه السلام): « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاك أربعاً وجَعَلك مع المهاجرين، فإنّ شئتَ فخُذها، وإن شئتَ فخذ المائة وكُن مع أهل المائة » .

قلتُ: أشر عَلَيَّ . قال علي (عليه السلام): « فإنّي آمرُكَ أن تأخُذَ ما أعطاك وترضى » .

قلتُ: فإنّي أفعل[1124].

ذكروا لمّا قال النبي (صلى الله عليه وآله): اقطعوا عنّي لسانه، قام عمر بن الخطّاب فأهوى إلى شفرة كانت في وسطه ليسلّها فيقطع بها لسانه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين: قم أنت فأقطع لسانه[1125].

فالناس تفهم الأقوال على قدر عقولها !

 

حصار الطائف

والطائف بلد كثير الأعناب والنخيل جنوب شرقي مكّة على قمّة جبل غزوان وارتفاعه 1630 متراً .

وأهالي الطائف من المحاربين القدماء للإسلام ومن المشاركين في حرب الأحزاب . ولم يشترك عروة بن مسعود في حرب الطائف إذ كان في جرش يتعلّم صنعة العرادة والمنجنيق والدبّابة[1126].

ولمّا قدم المنهزمون من ثقيف ومَنِ انضمّ إليهم من غيرهم إلى الطائف، وهم فلول معركة حنين أغلقوا عليهم مدينتهم واستحصروا وجمعوا ما يحتاجون إليه لسنة كاملة وقائد ثقيف كنانة بن عبد ياليل .

ثم خرج من حِصن الطائف نافع بن غيلان بن مُعتب في خَيل من ثقيف، فلقيهُ أمير المؤمنين (عليه السلام) بِبَطنَ وَجٍّ فقتله، وانهزم المشركون ولَحِق القوم الرعبُ فتوجّه منهم جماعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأسلَموا[1127].

ونزل إلى رسول الله بضعة عشر رجلاً من رقيق أهل الطائف فأعتقهم، منهم أبو بكرة بقيع بن الحارث بن كلدة، (وإنّما قيل له أبو بكرة ببكرة نزل فيها)، وغيره .

فلمّا أسلم أهل الطائف تكلّمت سادات أُولئك العبيد في أن يردّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى الرقّ .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا أفعل، أُولئك عتقاء الله .

ونزل من الطائف مالك بن عوف زعيم هوازن فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومدحهُ بشعر وأسلم فوهب له رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل بيته ومائة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه ومن حول الطائف[1128] وقد أسلم وفد هوازن بعد أن أرجع لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) السبي[1129].

وقتل علي (عليه السلام) بطل الطائف الذي طلب مبارزة المسلمين .

وهو يقول: إنّ على كلّ رئيس حقّاً أن يروى الصعدة أو يدقّا[1130].

 

الفصل الحادي عشر: غزوة تبوك

ولم يكن عدوٌّ أخوفَ عند المسلمينَ من الروم، وذلك لِما عاينوا منهم (إذ كانوا يقدمون عليهم تجّاراً) من العَدَدَ والعُدَّة والكُراع . وكان رسول الله قد غزا غزوة تبوك في حرٍّ شديد .

فبعد عودة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الطائف أقام في المدينة ما بين ذي الحجّة إلى رجب ثم أمر الناس بالتهيّؤ لغزو الروم وذلك في زمن عسرة من الناس وشدّة من الحرّ وجدب من البلاد وحين طابت الثمار وأحيت الظلال .

فالناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الشام للمطالبة بدم جعفر بن أبي طالب والرغبة في نشر الإسلام فحضَّ أهل الغنا على النفقة فأتوا بنفقات وقوّوا الضعفاء .

وسمّي هذا الجيش بجيش العسرة لقلّة النفقات وسمّيت الغزوة بغزوة الروم . وتبوك موضع بين وادي القرى والشام[1131]. والمسلمون في ثلاثين ألفاً من الناس والخيل عشرة آلاف فرس[1132].

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلّما يخرج في غزوة إلاّ كنى عنها وأخبر أنّه يريد غير الذي يصمد له إلاّ ما كان من غزوة تبوك فإنّه بيّنها للناس لبعد الشقّة وشدّة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهّب الناس لذلك، وأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنّه يريد الروم فتجهّز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه وقد عظَّموا ذكر الروم وغزوهم .

ثم إنّ رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله وهم البكّاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم فاستحملوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا أهل حاجة فقال:

(لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ)[1133] قال فبلغني أنّ يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبدالرحمن بن كعب وعبدالله بن مُغَفل وهما يبكيان فقال لهما ما يُبكيكما .

قالا جئنا رسول الله ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحاً فارتحلاه وزوّدهما من تمر فخرجا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وجاء المعذِّرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله عزّوجلّ وكانوا من بني غفار منهم خفاف بن أيماء بن رحضة ثم استتبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سفره وأجمع السير .

وخرج رسول الله يوم الخميس إلى غزوة تبوك وخرجوا في تبوك الرجلان والثلاثة على بعير وخرجوا في حرّ شديد فأصابهم يوماً عطش شديد حتّى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من الطهر وعسرة من النفقة[1134].

ثم إنّ أبا خيثمة أخا بني سالم رجع بعد أن سار رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيّاماً إلى أهله في يوم حارّ فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماءً وهيّأت له فيه طعاماً فلمّا دخل قام على باب العريشين فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في الضحِّ والرِّيح وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء في ماله مقيمٌ ما هذا بالنّصف ثم قال والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتّى ألحق برسول الله فهيّئا لي زاداً ففعلتا ثمّ قدّم ناضحه فارتحله ثمّ خرج في طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى أدركه حين نزل تبوك .

وأدرك أبو خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق بطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله)فترافقا حتّى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إنّ لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عنّي حتّى آتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل ثمّ سار حتّى إذا دنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)وهو نازل بتبوك قال الناس: يارسول الله هو والله أبو خيثمة فلمّا أناخ أقبل فسلّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله: أولى لك ياأبا خيثمة ثمّ أخبر رسول الله الخبر فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيراً ودعا له بخير[1135].

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين مرّ بالحجر (مساكن ثمود) نزلها واستقى الناس من بئرها فلمّا راحوا منها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تشربوا من مائها شيئاً ولا تتوضّأوا منها للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوا الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً .

ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة لهبوب ريح شديدة إلاّ ومعه صاحب له وقال (صلى الله عليه وآله) : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلاّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم وتقنّع (صلى الله عليه وآله) بردائه وهو على الرحل[1136].

وكانوا قد استقوا الماء من آبار ثمود فأراقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورحل بهم إلى البئر التي كانت تشرب منها الناقة[1137].

ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر يطلب بعيراً له فأمّا الذي ذهب لحاجته فإنّه خُنق على مذهبه وأمّا الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتّى طرحته في جبل طىّء فأخبر بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ألم أنهكم أن لا يخرج أحد إلاّ ومعه صاحب له ثم دعا الذي أُصيب على مذهبه فشفي وأمّا الآخر الذي وقع بجبل طيّء فإنّ طيّأ أهدته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قدم المدينة .

من دلائل النبوّة

وجاء أبو ذرّ على بعيره فلمّا أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثمّ خرج يتبع أثر رسول الله ماشياً ونزل رسول الله في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يارسول الله إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كُن أبا ذرّ فلمّا تأمّله القوم قالوا: يارسول الله هو أبو ذرّ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرحم الله أبا ذرّ يمشي وحده ويموت وحده ويُبعث وحده[1138].

ولمّا نفى عثمان أبا ذرّ إلى الربذة أصابه بها قدره ولم يكن معه أحد إلاّ امرأته وغلامه فأوصاهما أن غسّلاني وكفّناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأوّل ركب يمرّ بكم قولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه فلمّا مات فعلا ذلك به ثم وضعاه على قارعة الطريق فأقبل عبدالله بن مسعود ورهط من أهل العراق عُمّاراً فلم يرعهم إلاّ بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطأها، وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه .

فاستهلّ عبدالله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه[1139].

 

أعمال المنافقين في حملة تبوك

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة هل لك ياجد العام في جلاد بني الأصفر ؟

فقال يارسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشدّ عجباً بالنساء منّي وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهنّ .

فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال قد أذنت لك ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي)[1140] والرغبة بنفسه عن نفسه (صلى الله عليه وآله) أعظم وإنّ جهنّم لمن ورائه[1141].

وقال قائل من المنافقين لبعض لا تنفروا في الحرّ زهادة في الجهاد وشكّاً في الحقّ وإرجافاً بالرسول فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: (وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[1142].

ثمّ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جدَّ في سفره فأمر الناس بالجهاز والانكماش وخَصَّ أهل الغنى فاحتسبوا .

وتخلّف كعب بن مالك بن أبي أخو بني سلمة (وكعب بن مالك لم يبايع علياً (عليه السلام) في خلافته) ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أُميّة أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف[1143].

 

من هو بمنزلة هارون من موسى (عليهم السلام) ؟

قال أحمد بن حنبل والبلاذري واليعقوبي والبيهقي: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) غرّة رجب سنة 9 هجرية واستخلف علياً (عليه السلام) على المدينة[1144].

فكان الإمام علي (عليه السلام) خليفة محمد (صلى الله عليه وآله) كما خلّف موسى (عليه السلام) هارون (عليه السلام) عند ذهابه إلى الطور لقوله تعالى: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)[1145].

وتثبت لعلي (عليه السلام) جميع منازل هارون (عليه السلام) الثابتة في الآية سوى النبوّة ومن منازله الإمامة المراد بقوله: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) .

لمّا خلَّف النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) على المدينة قال له الإمام علي (عليه السلام): أتخلفني في النساء والأطفال ؟

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى . إلاّ أ نَّه لا نبي من بعدي ولا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي، وأنت ولي كلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي »[1146].

وكان البعض يخاف أشدَّ الخوف من وصول الإمام علي (عليه السلام) إلى خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) ، لأنَّ ذلك يعني سيطرة بني هاشم على الحكم، وحرمان قريش من الخلافة .

وعُرفت خلافة الإمام علي (عليه السلام) الإلهية أكثر عندما تركه الرسول (صلى الله عليه وآله) على المدينة المنورة خليفة له ليحفظها واصفاً إيّاه بهارون من موسى . وكان موسى (عليه السلام) قد قال: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)[1147].

(وَقَالَ مُوسَى لاَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)[1148].

من الأُمور الغريبة أنّ شياطين بني أُميّة كانوا يسعون لطمر وإخفاء فضائل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولمّا كانت تلك الفضيلة متواترة ومنتشرة في الآفاق اندفعوا لإفراغها من محتواها وتحريف دلالتها وهدفها وتزوير شواهد الموضوع وقرائنه .

أو إيجاد فضيلة مشابهة لهذه الفضيلة لشخص آخر، مثلما فعلوا في قضية سدّ أبواب المسجد إذ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسد الأبواب إلاّ بابه وباب الإمام علي (عليه السلام)فصنعوا حديثاً مزوّراً: سدّوا كلّ خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر[1149]. ونسوا خوخة عمر وعثمان !

وفي قضية غزوة تبوك صحّحوا حديث النبي (صلى الله عليه وآله) أنت مني مثل هارون من موسى إلاّ أنهم كذبوا بتولية النبي (صلى الله عليه وآله) لمحمد بن مسلمة (اليهودي السابق) أو سباع بن عرفطة[1150] على المدينة .

فالمنافقون أرادوا الطعن في قول النبي (صلى الله عليه وآله) المذكور لعلي (عليه السلام) .

 

الفصل الثاني عشر: غزوة بني طي

غزوة علي (عليه السلام) لقبيلة طي:

بعد انتشار الإسلام في مكّة والطائف بدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفكّر في نشر الإسلام في سائر مناطق جزيرة العرب، ومن هذه المناطق جبل طيء وقبيلة طيء أوّل قبيلة تعلّمت الخط العربي من الحيرة وقالوا: أوّل من تعلّم الخط العربي إسماعيل (عليه السلام) .

وفي السنة التاسعة من شهر ربيع الآخر أرسل النبي (صلى الله عليه وآله)، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في سريّة إلى ديار طيء وأمره أن يهدم صنمهم الفلس، فسار إليهم وأغار عليهم، فغنم وسبى وكسر الصنم المقلّد بسيفين يقال لأحدهما مخذم وللآخر رَسوب، فأخذهما الإمام علي (عليه السلام) وحملهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان الحارث بن أبي شمر أهدى السيفين للصنم، فعلّقا عليه . وأسر الإمام علي (عليه السلام) بنتاً لحاتم الطائي، أخذها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بالمدينة[1151].

وأمّا إسلام عدي بن حاتم فقال عدي: جاءت خيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذوا أُختي وناساً فأتوا بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فقالت أُختي: يارسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فأمنن عليَّ مَنَّ الله عليك .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ومَن وافدك ؟

قالت: عدي بن حاتم . قال النبي (صلى الله عليه وآله): الذي فرّ من الله ورسوله ! فمنّ عليها، وإلى جانبه رجل قائم وهو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سليه حُملاناً . فسألته ، فأمر لها به وكساها وأعطاها نفقة .

وكان حاتم الطائى نصرانيّاً وعرف بمكارم الأخلاق وعلى رأسها الكرم بالمال والطعام، وتربّى عدي في هذا البيت الكريم[1152].

قال عدي: كنت ملك طيء آخذ منهم المرباع وأنا نصراني، فلمّا قدمت خيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هربت إلى الشام من الإسلام وقلت أكون عند أهل ديني .

فبينا أنا بالشام إذ جاءت أُختي وأخذت تلومني قائلة: فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، ثمّ قالت لي: أرى أن تلحق بمحمّد سريعاً فإن كان نبيّاً كان للسابق فضله، وإن كان ملكاً كنت في عزّ وأنت أنت .

قال: فقدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسلّمت عليه وعرّفته نفسي، فانطلق بي إلى بيته، فلقيته امرأة ضعيفة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلّمه في حاجتها .

فقلت: ما هذا بملك، ثمّ دخلت بيته فأجلسني على وسادة وجلس على الأرض، فقلت في نفسي: ما هذا ملك[1153].

فقال لي: ياعدي إنّك تأخذ المرباع وهو لا يحلّ في دينك، ولعلّك إنّما يمنعك الإسلام ما ترى من حاجتنا وكثرة عدوّنا، والله ليفيضنّ المال فيهم حتّى لا يوجد مَن يأخذه، ووالله لتسمعنّ بالمرأة تسير من القادسية على بعيرها حتّى تزور هذا البيت لا تخاف إلاّ الله، ووالله لتسمعنّ بالقصور البيض من بابل قد فتحت .

قال عدي: فأسلمت، ورأيت القصور البيض وقد فتحت، ورأيت المرأة تخرج إلى البيت لا تخاف إلاّ الله، ووالله لتكوننّ الثالثة ليفيضنّ المال حتّى لا يقبله أحد[1154].

فأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) المتمثّلة في حديثه مع امرأة فقيرة وجلوسه على الأرض هي التي جذبت عدي بن حاتم الطائي للإسلام . وبمثل هذه الأخلاق تخلّق النبي سليمان (عليه السلام) الذي جالس الفقراء وقال: مسكين مع المساكين .

ولا ننس تأثير فعل النبي (صلى الله عليه وآله) في فكّه أسر بنت حاتم الطائي ونفقته عليها وإيصالها إلى الشام[1155].

وأصبح عدي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أتباع الإمام علي (عليه السلام) وقد أراد معاوية أيّام ملكه النيل من الإمام علي (عليه السلام) فقال لعدي أين الطرفات ؟ يعني بنيه طريفاً وطارفاً وطرفة .

قال عدي قُتلوا يوم صفّين بين يدى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

فقال معاوية: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدَّم بنيك وأخَّر بنيه .

قال عدي: بل ما أنصفت أنا علياً اذ قُتل وبقيت[1156]!

 

الفصل الثالث عشر: غزوة علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى اليمن

اليمن دولة كبيرة في شبة جزيرة العرب ولكثرة المياه فقد نشأت فيها حضارات راقية وبنيت السدود وعلى رأسها سدّ مأرب .

وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى اليمن مرّتين ; مرّة إلى قبيلة همدان في السنة الثامنة للهجرة ومرّة إلى قبيلة مذحج في السنة العاشرة للهجرة[1157].

والبعث الأوّل في أواخر سنة ثمان إلى همدان وأمّا الثاني فكان في رمضان سنة عشر إلى مذحج[1158].

الغزوة الأُولى

ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) أن يعسكر بقباء حتّى يجتمع أصحابه، فعقد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لواءه وأخذ عمامة فلفّها مثنية مربعة فجعلها في رأس رمح ثم دفعها إليه، وعمّمه عمامة ثلاثة أكوار وجعل ذراعاً بين يديه وشبراً من ورائه[1159].

وقال النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتّى يقاتلوك ، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتّى يقتلوا منكم قتيلاً، فإن قتلوا منكم قتيلاً فلا تقاتلهم، تلوّمهم ترهم أناة ثم تقول لهم:

هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلاّ الله ؟ فإن قالوا نعم فقل هل لكم أنْ تصلُّوا ؟

فإن قالوا نعم فقل: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم صدقةً تردُّونها على فقرائكم ؟

فإن قالوا نعم فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدي الله على يدك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت[1160].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) مر أصحاب خالد بن الوليد من شاء منهم يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل[1161].

وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) وخالد: إنْ التقيتما فالأمير الإمام علي (عليه السلام) .

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد بعث أوّلاً خالد بن الوليد إلى اليمن فبقي يدعوهم إلى الإسلام ستّة أشهر فلم يجيبوه[1162].

ولمّا قرأ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) لقبيلة همدان أسلموا جميعاً في يوم واحد فكتب الإمام علي (عليه السلام) بذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسجد شكراً لله[1163] وقال السلام على همدان ثلاثاً ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام .

وفي اليمن خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الناس وفيهم كعب الأحبار قائلاً: إنّ من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار وفيهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، ومن يعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة .

فسألوا كعباً فقال: من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار فهو المؤمن بالكتاب الأوّل ولا يؤمن بالكتاب الآخر وأمّا قوله منهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار فهو الذي لا يؤمن بالكتاب الأوّل ولا الآخر وأمّا قوله: من يُعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة فهو ما يقبل الله من الصدقات[1164].

وبعدما وزّع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الغنائم على المقاتلين من نساء وأموال اصطفى لنفسه جارية منهنّ .

فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليخبره بذلك ويوقع في الإمام علي (عليه السلام) ولمّا وصل بريدة إلى المدينة قال له: إمضِ لما جئت له فإنّه سيغضب لابنته ممّا صنع علي . فدخل بريدة على النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه كتاب خالد، فجعل يقرؤه ووجه رسول الله يتغيّر .

فقال بريدة: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّك إن رخّصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم .

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ويحك يابريدة أحدثت نفاقاً إنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)يحلُّ له من الفيء ما يحلُّ لي إنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) خيرُ الناس لك ولقومك، وخير من أخلف من بعدي لكافّة أُمّتي، يابريدة إحذر أن تبغض علياً فيبغضك الله .

قال بريدة: فتمنّيت أنّ الأرض إنشقّت بي فسخت فيها، وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، يارسول الله استغفر لي فلن أُبغض علياً أبداً ولا أقول فيه إلاّ خيراً، فاستغفر له النبي (صلى الله عليه وآله)[1165].

وفي الروايات الصحيحة أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم ينكح إمرأة أُخرى في حياة سيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام)، فالظاهر بأنّه (عليه السلام) أعطى الجارية لأحد المسلمين، ولكنّ خالداً أحدث نفاقاً !

وقال عمرو بن شاس الأسلمي وهو من أصحاب الحديبية: كنت مع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خيله التي بعثه فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن فجفاني الإمام علي (عليه السلام) بعض الجفاء، فوجدت في نفسي، فلمّا قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وأقبلت يوماً ورسول الله جالس، فلمّا جلست قال (صلى الله عليه وآله): إنّه والله ياعمرو بن شاس لقد آذيتني !

فقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون أعوذ بالله والإسلام أن أُوذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « مَن آذى علياً فقد آذاني »[1166].

وبعد عودة الإمام علي (عليه السلام) وجيشه من اليمن قال له بعض جنوده: أن نركب إبل الصدقة ونريح إبلنا فأبى علينا قائلاً: إنّما لكم منها سهم كما للمسلمين[1167].

وهذه العدالة الإسلامية التي أجراها الإمام علي (عليه السلام) لم ترق لبعض المسلمين المستغلّين لبيت المال . وهؤلاء هم الذين استمرّوا في بغضهم لعلي (عليه السلام) والميل نحو السائرين على أهوائهم كمعاوية بن أبي سفيان .

 

الغزوة الثانية

ولمّا عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبوك إلى المدينة قدم عليه عمرو بن معدي كرب فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أسلم ـ يا عمرو ـ يؤمنك الله من الفزع الأكبر .

فقال: يا محمّد، وما الفزع الأكبر، فإنّي لا أفزع !

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): « ياعمرو، إنّه ليس ممّا تحسب وتظنُّ إنّ الناس يصاح بهم صيحةً واحدةً، فلا يبقى ميّتٌ إلاّ نشر ولا حيٌ إلاّ مات، إلاّ ما شاء الله، ثمّ يصاح بهم صيحةً أُخرى، فينشرون ولا حيٌّ إلاّ مات، إلاّ ما شاء الله، ثمّ يصاح صيحةً أُخرى، فينشر من مات ويصفون جميعاً، وتنشقُّ السماء وتهدُّ الأرض وتخرُّ الجبال، وتزفر النيران وترمي بمثل الجبال شرراً، فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبهُ وذكر ذنبه وشغل بنفسه، إلاّ ما شاء الله، فأين أنت ـ ياعمرو ـ من هذا ؟ » .

قال عمرو: ألا إنّي أسمع أمراً عظيماً، فآمن بالله ورسوله، وآمن معه من قومه ناسٌ، ورجعوا إلى قومهم .

ثمّ إنّ عمرو بن معدي كرب نظر إلى أُبيّ بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته، ثم جاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله): أعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية » .

فانصرف عمرو مرتدّاً فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب ومضى إلى قومه، فاستدعى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأمره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب وأمره أن يقصد الجُعفي فإذا التقيا فأمير الناس الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . فسار أمير المؤمنين واستعمل على مقدّمته خالد بن سعيد بن العاص واستعمل خالدٌ على مقدّمته أبا موسى الأشعري .

فأمّا جُعفيّ فإنّها لمّا سمعت بالجيش افترقت فرقتين ; فذهبت فرقة إلى اليمن، وانضمّت الفرقة الأُخرى إلى بني زبيد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فكتب إلى خالد بن الوليد: أنْ قف حيثُ أدركك رسولي .

فلم يقف، فكتب إلى خالد بن سعيد: تعرّض له حتّى تحبسه .

فاعترض له خالد حتّى حبسه، وأدركه أمير المؤمنين (عليه السلام) فعنّفه على خلافه، ثمّ سار حتّى لَقي بني زبيد بواد يقال له كُشر[1168].

فلمّا رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت ـ ياأبا ثور ـ إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة[1169]؟

قال: سيعلم إنْ لقيني .

وخرج عمرو فقال: هل من مبارز ؟

فنهض إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقام خالد بن سعيد فقال له: دَعْني ياأبا الحسن بأبي أنت وأُمّي أُبارزه .

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كنت ترى أنّ لي عليك طاعةً فقِف مكانك فوقف، ثمّ برز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فصاح به صيحةً فانهزم عمرو وقُتل أخوه وابنُ أخيه وأُخِذت امرأتهُ رُكانةُ بنت سَلامة، وسُبيَ منهم نسوانٌ، وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلَّف على بني زُبيد خالد بن سعيد ليقبضَ صدقاتهم، ويُؤمنَ من عاد إليه من هُرّابهم مُسلماً[1170].

وجاء أيضاً: كان عمرو فارس العرب مشهوراً بالشجاعة وكان شاعراً محسناً فقال: دعوني حتّى آتي هؤلاء القوم فإنّي لم أُسمّ لأحد قط إلاّ هابني فلمّا دنا منهما نادى أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب .

فابتدره الإمام علي (عليه السلام) وخالد وكلاهما يقول لصاحبه خلِّني وإيّاه ويفديه بإبيه وأُمّه .

فقال عمرو (إذ سمع قولهما): العرب تفزع منّي وأراني لهؤلاء جزرة، فانصرف عنهما (انهزم)[1171].

فرجع عَمرو بن معدي كرب واستأذن على خالد بن سعيد، فأذن له فعاد إلى الإسلام، وكلّمه في امرأته وولده، فوهبهم له .

وقد كان عَمرو لمّا وقف بباب خالد بن سعيد وجَد جزوراً قد نُحِرَتْ، فجمع قوائمها ثمّ ضربها بسيفه فقطعها جميعاً، وكان يُسمّى سيفُه الصَمصامة .

والظاهر بأنّ الصمصامة أخذها الإمام علي (عليه السلام) من ابن معدي كرب إذ قال الإمام علي (عليه السلام) في صفّين:

أنا علي صاحب الصمصامة *** وصاحب الحوض لدى القيامة

أخو نبي الله ذي العلامة *** قد قال إذ عمّمني العمامة

أنت أخي ومعدن الكرامة *** ومن له من بعدي الإمامة[1172]

وفي المرّة الثانية في السنة العاشرة خرج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لغزو مذحج في اليمن فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أوّل خيل دخلت بلاد مذحج ومرّ على نجران فأخذ منهم ما اتّفقوا على دفعه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وفي اليمن لقى جمعاً من الناس فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا في أصحابه ثم حمل عليهم الإمام علي (عليه السلام) بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرّقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائماً، فكفّ عن طلبهم ودعاهم إلى الإسلام فسارعوا وأجابوا، وتقدّم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام قائلين: نحن على من والانا من قومنا وهذه صدقتنا فخذ منها حقّ الله[1173].

وأخذ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخمس معه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليرى فيه رأيه وعندما وصل إلى قرية قرب الطائف تسمّى الفتق تعجّل الإمام علي (عليه السلام)وخلف على أصحابه أبا رافع ليقدم على النبي (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع[1174].

فسأل أصحاب الإمام علي (عليه السلام) أبا رافع أن يكسوهم من ثياب الصدقة فكساهم ثوبين ثوبين فلمّا كانوا بالسدرة داخلين مكّة خرج الإمام علي (عليه السلام) يتلقّاهم ليقدم بهم فينزلهم فرأى على أصحابه ثوبين ثوبين، فقال لأبي رافع: ما هذا ؟

قال: كلّموني ففرقت من شكايتهم . وظننت أنّ هذا يسهل عليك، وكان من قبلك يفعل هذا بهم فقال الإمام علي (عليه السلام) رأيت إبائي عليهم ذلك وقد أعطيتهم، وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلّفت، فتعطيهم[1175]؟

 

الهوامش:

[1008] طبقات ابن سعد 2 / 131، تاريخ خليفة 51، البحار 21 / 75 .

[1009] معجم قبائل العرب، عمر كحالة 3 / 958 .

[1010] تاريخ اليعقوبي 2 / 75 .

[1011] السقيفة، أبو بكر الجوهري 48 .

[1012] تفسير القمّي 2 / 343، تفسير فرات الكوفي 592، بحار الانوار 21 / 76، الاستغاثة، أبو القاسم الكوفي 2 / 28 .

[1013] تفسير القمّي 2 / 343، تفسير فرات الكوفي 592، بحار الانوار 21 / 76، الاستغاثة، أبو القاسم الكوفي 2 / 28 .

[1014] تاريخ ابن الأثير 2 / 230، وذكر إسلام عثمان بن طلحة معهم لكنّه من أكاذيب الحزب القرشي لأنّه كان في فتح مكّة كافراً، البحار 21 / 116، تاريخ الخميس 2 / 87 .

[1015] المستدرك 3 / 428، تفسير القمّي 1 / 113 .

[1016] المصدر السابق .

[1017] وكان عمرو بن العاص دميماً قصيراً شبيهاً بأبي سفيان، شرح النهج، المعتزلي 6 / 283 محارباً عنيداً لله ورسوله لاهثاً خلف الدنيا إلى يوم مصرعه بيد معاوية بن أبي سفيان سنة 43 هجرية، أثناء صراعهما على السلطة .

[1018] تاريخ ابن الأثير 2 / 232 .

[1019] متّهماً ايّاه بتنبيه الاعداء .

[1020] أخرجه الذهبي في التلخيص .

[1021] راجع كتاب إغتيال الخليفة أبي بكر والسيدة عائشة للمؤلّف .

[1022] التنبيه والاشراف 221، عيون الأثر 2 / 174، دلائل النبوّة، البيهقي 4 / 402، البداية والنهاية 4 / 313 .

[1023] بحار الانوار 21 / 76، تفسير القمّي 2 / 435 .

[1024] الاخبار الطوال، أبو حنيفة الدينوري 174 .

[1025] الإستغاثة 2 / 28، تفسير القمّي 2 / 435 .

[1026] بحار الانوار 21 / 81 .

[1027] حفي الفرس انقشر حافره .

[1028] الحرب العوان: الحرب التي قوتل فيها مرّة بعد أُخرى .

[1029] القضم: الاكل بأطراف الاسنان شيئاً يابساً، والمعنى أن يقضوا ليلهم في رعاية الدواب وأكل الطعام اليابس ليكون له صوت عند الاكل لكي لا يهجم عليهم العدو غيلة . ويسرجوا أي يسرجوا السراج .

[1030] الغلس بالتحريك: ظلمة آخر الليل .

[1031] تفسير القمّي 2 / 437، تفسير البرهان 4 / 498، تأويل الآيات، الحسيني 2 / 844، بحار الانوار 21 / 68 ـ 74، شجرة طوبى، عبّاس القمّي 2 / 295 .

[1032] بحار الانوار 21 / 82 .

[1033] شجرة طوبى 2 / 297 .

[1034] تفسير فرات 221، 222 .

[1035] العاديات 6 .

[1036] بحار الانوار 21 / 77 .

[1037] تاريخ اليعقوبى 2 / 65 .

[1038] الجوهرة، التاهبستاني 20 .

[1039] تفسير الطبرسي 2 / 442 .

[1040] الدرجات الرفيعة 75 .

[1041] سيرة ابن هشام 3 / 839 .

[1042] تاريخ اليعقوبي 2 / 65، 66، مغازي الواقدي 2 / 755، الدرجات الرفيعة 75، ينابيع المودّة 3 / 150، مغازي الذهبي 479، نهاية الإرب 17 / 277 .

[1043] تاريخ الطبري 2 / 318 ـ 322، تاريخ اليعقوبي 2 / 65، 66، تاريخ ابن الأثير 2 / 234 ـ 238، مغازي الواقدي 2 / 755 ـ 769 .

[1044] سيرة ابن هشام 2 / 375، طبقات ابن سعد 3 / 175 .

[1045] تاريخ اليعقوبي 2 / 54، تاريخ ابن الأثير 2 / 227، وهي خالة خالد بن الوليد .

[1046] مغازي الذهبي 528، مغازي الواقدي 2 / 788 .

[1047] وقيل لعشر مضين من رمضان .

[1048] وهؤلاء العصاة نواة للسقيفة والناكثين والقاسطين والمارقين .

[1049] وقيل في اثنتي عشر ألفاً .

[1050] راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 58 ـ 61، تاريخ ابن الأثير 2 / 239 ـ 254، تاريخ الطبري 2 / 327 ـ 343، الطبقات، ابن سعد 134 ـ 144، عيون الأثر، 2 / 181 ـ 205، البداية والنهاية 4 / 334 ـ 354، 362 .

[1051] مغازي الذهبي 530 .

[1052] مغازي الذهبي 530 .

[1053] مغازي الواقدي 2 / 815 .

[1054] السيرة الحلبية، سيرة ابن دحلان 2 / 54 .

[1055] مغازي الذهبي 543، دلائل النبوّة البيهقي 5 / 50 .

[1056] سنن البيهقي 1 / 228، سنن الترمذي 4 / 217، سير أعلام النبلاء 1 / 235 .

[1057] سيرة ابن دحلان 2 / 62 .

[1058] كنز العمّال 3 / 2323، أنساب الاشراف 1 / 589 .

[1059] تاريخ ابن عساكر 11 / 84 .

[1060] راجع كتاب السقيفة للمؤلّف 196 .

[1061] المستدرك، الحاكم 2 / 138 . الظاهر بأنّ مجاميع قرشية قد طلبت ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة الحديبية وفي فتح مكّة .

[1062] سبل السلام، ابن حجر العسقلاني 4 / 45، نيل الأوطار، الشوكاني 8 / 148، فقه السنّة، سيد سابق 2 / 686 .

[1063] مناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 .

[1064] مغازي الواقدي 2 / 841 .

[1065] سيرة ابن دحلان 2 / 87، تاريخ الخميس 2 / 86، المستدرك، الحاكم 3 / 6 .

[1066] الصراط المستقيم 1 / 179 .

[1067] تاريخ الخميس 2 / 86 .

[1068] تاريخ الخميس 2 / 87، كشف اليقين، الحلّي 449 .

[1069] تاريخ الخميس 2 / 87 .

[1070] مغازي الذهبي 555 .

[1071] مغازي الذهبي 563، مغازي الواقدي 2 / 870، طبقات ابن سعد 2 / 146، تاريخ الطبري 3 / 66، عيون التواريخ 1 / 321، عيون الأثر 2 / 185 . قال الكلبي: إنّ مناة أقدم الأصنام كلّها وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلّل بقديد بين المدينة ومكّة، كتاب الأصنام 13 .

[1072] تاريخ الخميس 2 / 87 .

[1073] علل الشرائع، الصدوق 1 / 155 .

[1074] تفسير الفخر الرازي 11 / 346 .

[1075] طبقات ابن سعد 2 / 149، مغازي الواقدي 2 / 889 .

[1076] سيرة ابن دحلان 2 / 99 .

[1077] سيرة أبي حاتم 1 / 346، البداية والنهاية 4 / 372 .

[1078] الأعراف 138 .

[1079] تفسير القرطبي 8 / 98، تفسير الفخر الرازي 6 / 18، سيرة ابن هشام 4 / 83 .

[1080] سيرة ابن دحلان 2 / 96، معجم البلدان 2 / 359 .

[1081] سيرة ابن دحلان 2 / 96 .

[1082] سيرة ابن دحلان 2 / 96، 99 .

[1083] تفسير الكشّاف للزمخشري 2 / 259، تاريخ أبي الفداء 1 / 208، الارشاد 2 / 140، مغازي الذهبي 574، البداية والنهاية 4 / 369، جمل من أنساب الاشراف وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون عدد جيش المسلمين أربعة عشر ألفاً لانه (صلى الله عليه وآله) قدم بإثني عشر ألفاً، البداية والنهاية 4 / 371، تفسير الطبرسي 3 / 17 .

[1084] الإرشاد 2 / 140، وعانهم يعني حسدهم .

[1085] التوبة 25 .

[1086] تفسير الكشّاف للزمخشرى 2 / 259 .

[1087] المغازي، الواقدي 2 / 890، البداية والنهاية 4 / 369 .

[1088] تفسير الفخر الرازي 6 / 19 .

[1089] السيرة الحلبية 3 / 110، سيرة الحافظ الدمياطي .

[1090] سيرة ابن دحلان 2 / 99، المواهب اللدنية، الزرقاني، موضوع معركة حنين .

[1091] مغازي الذهبي 575 .

[1092] أي النبي (صلى الله عليه وآله) .

[1093] وذكر ذلك في شرح الزرقاني على المواهب من رواية الواقدي، تاريخ الطبري 2 / 346، مستدرك الحاكم 3 / 51 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، مغازي الذهبي 572، البداية والنهاية 4 / 371، سيرة ابن هشام 4 / 82 طبعة الحلبي ـ مصر .

[1094] سيرة ابن دحلان 2 / 99 .

[1095] المنتظم، ابن الجوزي 3 / 332 .

[1096] المنتظم 3 / 332، طبقات ابن سعد 2 / 156 .

[1097] سيرة ابن دحلان 2 / 99 .

[1098] سيرة الحلبي 3 / 108 .

[1099] صحيح البخاري 3 / 46، البداية والنهاية لابن كثير باب غزوة حنين 4 / 376، صحيح مسلم 4 / 329 .

[1100] مغازي الواقدي 2 / 904 .

[1101] مغازي الواقدي 2 / 904 .

[1102] مغازي الواقدي 2 / 904 .

[1103] جمل من أنساب الأشراف 1 / 464 .

[1104] تاريخ الخميس، للشيخ حسين الديار بكري 102، السيرة الحلبية، الشافعي 3 / 109 .

[1105] مغازي الذهبي 574 .

[1106] مغازي الذهبي 577، مغازي عروة، مغازي الواقدي 3 / 899 .

[1107] الارشاد 2 / 144 .

[1108] مغازي الذهبي 577 .

[1109] مغازي عروة، مغازي الذهبي 578 البداية والنهاية 4 / 377، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 130 .

[1110] سيرة ابن دحلان 2 / 103 .

[1111] تاريخ اليعقوبي 2 / 63، طبعة ليدن .

[1112] سنن النسائي 3 / 871 ح3877 .

[1113] سنن النسائي 3 / 872 ح3878 .

[1114] مغازي الذهبي 578 .

[1115] التوبة 25 ـ 26 .

[1116] مغازي الواقدي 3 / 892، تاريخ الطبري 3 / 82، سيرة ابن هشام 4 / 122، مغازي الذهبي 574 .

[1117] تاريخ الطبري 2 / 82 ـ 84، سيرة ابن هشام 4 / 122، الارشاد 2 / 142 .

[1118] السيرة الحلبية 3 / 110، مغازي الذهبي 581، سنن مسلم، كتاب الجهاد 76 / 1775، تاريخ البخاري 4 / 19 .

[1119] الفهرست لابن النديم 144 .

[1120] شرح النهج، المعتزلي 1 / 257، الجمل، المدني 145 .

[1121] الارشاد 2 / 142، سيرة أبي حاتم 1 / 349، سيرة ابن دحلان 2 / 102، مغازي الواقدي 2 / 902 .

[1122] تاريخ اليعقوبي 2 / 63 .

[1123] العُبيد: كزبير، فرس . (القاموس المحيط ـ عبد ـ 1 / 311) .

[1124] الارشاد 1 / 146 ـ 147، المغازي، الواقدي 3 / 945 .

[1125] الارشاد 1 / 146 ـ 147، المغازي، الواقدي 3 / 945 .

[1126] المنتظم 3 / 342 .

[1127] الإرشاد 3 / 150 ـ 153، من أنساب الاشراف 1 / 464 .

[1128] جمل من أنساب الاشراف 1 / 468 .

[1129] سيرة أبي حاتم 1 / 356، تاريخ الطبري 3 / 134، مغازي الواقدي 3 / 949، سيرة ابن هشام 3 / 26، المنتظم، ابن الجوزي 3 / 342 .

[1130] مناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 .

[1131] معجم البلدان 2 / 14 .

[1132] عيون الأثر 2 / 254 .

[1133] التوبة 92 .

[1134] طبقات ابن سعد 2 / 167، مغازي الذهبي 634 .

[1135] مغازي الذهبي 633، سيرة أبي حاتم 1 / 370، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 223 .

[1136] البداية والنهاية 5 / 14 .

[1137] البداية والنهاية 5 / 15، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 234 .

[1138] مغازى الذهبي 633، تاريخ ابن الاثير 2 / 280، تاريخ الطبري 2 / 371، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 321 .

[1139] مغازى الذهبي 633، تاريخ ابن الاثير 2 / 280، تاريخ الطبري 2 / 371، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 321 .

[1140] التوبة 49 .

[1141] تاريخ الطبري 2 / 367، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 214 .

[1142] التوبة 81 ـ 82 .

[1143] تاريخ الطبري 2 / 367، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 214 .

[1144] تاريخ اليعقوبي 2 / 67، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 212، مسند أحمد 1 / 177، كشف الغمّة ، الاربلي 1 / 38، البحار 28 / 363، مناقب الإمام علي، ابن الدمشقي 1 / 78، الإسلام، ابن حزم 7 / 982، التنبيه والاشراف، المسعودي 326 .

[1145] الاعراف 142 .

[1146] مستدرك الحاكم 3 / 144، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت، الارشاد 1 / 156 .

[1147] طه 25 ـ 32 .

[1148] الأعراف 142 .

[1149] مسند أحمد 1 / 270، الكافي 8 / 61، الاحتجاج 1 / 181 7، سنن الترمذي 5 / 270 .

[1150] تاريخ ابن الاثير 2 / 278، جمل من أنساب الاشراف 1 / 471 .

[1151] تاريخ ابن الأثير 2 / 285، تاريخ الطبري 2 / 375 ـ 377 .

[1152] تاريخ ابن الأثير 2 / 285، تاريخ الطبري 2 / 375 ـ 377 .

[1153] تاريخ ابن الأثير 2 / 285، تاريخ الطبري 2 / 375 ـ 377 .

[1154] راجع تاريخ ابن الأثير 2 / 285، تاريخ الطبري 2 / 375 ـ 377 .

[1155] تاريخ ابن الأثير 2 / 285، تاريخ الطبري 2 / 375 ـ 377 .

[1156] الكنى والألقاب لعبّاس القمّي 2 / 115 .

[1157] طبقات ابن سعد 2 / 169 .

[1158] سيرة ابن دحلان 2 / 152 . عيون الأثر 2 / 152 .

[1159] مغازي الواقدي 2 / 1079، السيرة الحلبية 3 / 206، تاريخ الخميس 2 / 144 .

[1160] مغازي الواقدي 2 / 1079 .

[1161] سيرة ابن دحلان 2 / 152 .

[1162] مغازي الذهبي 690، تاريخ ابن الاثير 2 / 300، دلائل النبوّة البيهقي 5 / 396، تاريخ الخميس 2 / 145 .

[1163] تاريخ ابن الاثير 2 / 300، صحيح البخاري، كتاب المغازي 5 / 110، دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 369، فتح الباري 8 / 65، السيرة الحلبية 3 / 206، الارشاد، المفيد 1 / 161، عيون الأثر 2 / 340 .

[1164] مغازي الواقدي 2 / 1082 .

[1165] الارشاد، المفيد 1 / 161، صحيح البخاري كتاب المغازي الحديث 3450، فتح الباري 8 / 66 ، دلائل النبوّة البيهقي 5 / 397، البداية والنهاية 5 / 120 .

[1166] دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 395 .

[1167] دلائل النبوّة، البيهقي 5 / 398 .

[1168] كُشر: بوزن زفر: من نواحي صنعاء اليمن . (معجم البلدان 4 / 462) .

[1169] الأتاوة: الخراج (لسان العرب ـ أتى ـ 14 / 17) .

[1170] مناقب آل أبي طالب 2 / 324، الفصول المختارة، المفيد 289 .

[1171] مناقب آل أبي طالب 2 / 324، الفصول المختارة، المفيد 289 .

[1172] مناقب آل أبي طالب 2 / 324، الفصول المختارة، المفيد 289 .

[1173] مغازي الواقدي 2 / 1080 .

[1174] مغازي الذهبي 691، صحيح البخاري، كتاب المغازي 5 / 110 .

[1175] مغازي الواقدي 2 / 1081، السيرة الحلبية 3 / 206، البداية والنهاية 5 / 120 .