لماذا لم يتّفق ابن العاص والأشعري على شخص ؟

الركن المهمّ في التحكيم هو نزاهة الحكمين وهذا الأمر غير موجود في قضية التحكيم في صفّين .
فعمرو بن العاص رجل فاجر محارب للإسلام قديماً وحديثاً وقد باع دينه لمعاوية مقابل ملك مصر ، وهو من المنافقين الساعين لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) في عقبة تبوك [1210]. والأشعري من المنافقين الساعين لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) في تبوك أيضاً وتاريخه أثناء ولايته البصرة والكوفة يبيّن انحرافه عن الإسلام الأصيل فاضطر الإمام (عليه السلام)إلى عزله عن ولاية الكوفة .
فهذان الحكمان لا يحكمان بالحقّ أبداً ولا يفكّران إلاّ في مصالحهما الذاتية وأهوائهما الدنيوية .والمسلمون لا يثقّون بهما أبداً !
ولو كان عندهما دين لبايعا الإمام علياً (عليه السلام) الذي بايعه النبي (صلى الله عليه وآله)في الغدير وبايعه المسلمون بعد مقتل عثمان [1211].
لكنّهما لا يبايعان الإمام (عليه السلام) إلاّ إذا أعطاهما منصباً مهمّاً في الدولة وأطلق أيديهما في بيت المال وهذا لا يحصل أبداً .
ودعا الأشعري إلى عبدالله بن عمر فرفضه ابن العاص لاتّفاقه مع معاوية على ملك مصر وراثة ويقينه بمخالفة الفريقين المتنازعين لهذا الاقتراح . وعدم اتّفاقهما على حكم معاوية يبيّن مخالفة الأشعري لهذا الاقتراح [1212] .
ولكنّ ابن العاص أطمع الأشعري في الحكم فلم يوافق ، لماذا ؟
كان معاوية حاكماً على الشام فقط والإمام علي (عليه السلام) كان حاكماً على بقية الدولة الإسلامية.،المسلمون لا يوافقون على حكم معاوية .
والإمام علي (عليه السلام)وأتباعه سوف يرفضون حكم معاوية إن حكم بها المتحاكمان لذا رفض الأشعري اقتراح ابن العاص دنيوياً لا دينياً !
والاشعرى لم يبايع علياً ارضاءاً منه لمعاوية الذى وعده بواسطة ابن العاص بالمال والمنصب ووفى له بذلك .

 

دسائس الحكمين في الخفاء !

وحينما شرعوا في كتابة بنود الاتفاق كتب الكاتب : هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان فقال معاوية بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته وقال ابن العاص : بل تكتب اسمه واسم أبيه ، ولما أصر أهل العراق على ما كتب قال أنه اميركم وليس بأميرنا ، فأعادوا الكتاب إلى أمير المؤمنين وأخبروه بذلك ، فأمر بمحوه ، فقال له الأحنف لا تمح اسم أمير المؤمنين عنك فإني أتخوف إن محوتها لا ترجع إليك أبدا ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)ما أشبه هذا اليوم بيوم الحديبية ، حين كتب الكاتب هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمر .
فقال له سهيل لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك ، وأني إذاً لظالم لك أن منعتك أن تطوف في البيت الحرام وأنت رسوله ، ولكن أكتب بدلاً من ذلك محمد بن عبد الله .
فقال لي رسول الله : يا علي إنّي لرسول الله وأنا محمد بن عبد الله ولن تمحي عني الرسالة إذا كتبت لهم محمد بن عبد الله فامح ما أرادوا محوه ، أما أن لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد .
وفي رواية ثانية أن ابن العاص رجع بالكتاب إلى معاوية وطلب من أمير المؤمنين محو ما كتبه ، فقص عليه ما كان يوم الحديبية بين رسول الله وبين المشركين وقال : إن ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبين المشركين واليوم اكتبه إلى ابنائهم كما كتبه رسول الله إلى آبائهم شبهاً ومثلاً ، فقال له ابن العاص : يا سبحان الله أتشبهنا بالمشركين ونحن مسلمون .
فقال (عليه السلام) : يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين ولياً وللمسلمين عدواً ، فقام عمرو بن العاص وهو يقول : والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم ، فقال أمير المؤمنين : والله أني لأرجو أن يظهرنا الله عليك .
وكتبت الصحيفة بين الطرفين ووقعها من كل منهما عشرة من قادتهم ووجوههم ، ويتلخص مضمونها كما يصفه الرواة بأن يقفوا عند أحكام الله ويرجعوا إلى حكم الكتاب فيما يختلفون فيه ، وإلى سنّة رسول الله فيما لم يجدوا حكمه في الكتاب .
والتزام علي ومعاوية ومن يتبعهما من المؤمنين والمسلمين بما يحكم به الحكمان ، ويصلح الحكمان بين الأمة ولا يردّاها إلى فرقة أو حرب ، وأن يجتمع الحكمان في مكان بين الشام والحجاز .
وأن لا يحضر معهما إلاّ من أرادوه وأن يعمل الطرفان على توفير الجو المناسب لهما خلال اجتماعهما وفيما بعده ، وتكاد المرويات كلها تتفق على هذا المحتوى ما عدا بعض الاختلافات البسيطة التي لا تتنافى معه .
ولم يرد في الروايات ما يشير إلى موضوع الصراع بين الطرفين بوضوح كامل في الصحيفة التي وقعها الطرفان ، في حين أن أسباب الصراع واضحة للجميع لالبس فيها ولا غموض ، لأن معاوية كان قبل معركة الجمل يطالب بمحاكمة اولئك الذين قتلوا عثمان أو بتسليمهم إليه ليتولى القصاص منهم ، وبعد تمرد عائشة وطلحة والزبير تعزز موقفه وأصبح يطالب باعادة الخلافة شورى بين المسلمين على أن يكون له ولاتباعه رأي في ذلك .
وقد رد أمير المؤمنين على طلبه الأول بأن يدخل فيما دخل فيه المسلمون ثم يحاكم القوم إليه ليقتص لعثمان من قاتليه إذا أدينوا بجريمة توجب القصاص .
ورد علي (عليه السلام)طلبه الثاني ، بأن خلافته قد تمت باجتماع أهل الحرمين الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة من قبله وبايعه بالاضافة إلى أهل الحرمين جميع أهل الأمصار ما عدا الشام ، على أن بيعة المهاجرين والأنصار وحدها تكفي لالزام الشاهد والغائب ولم يتخلف منهم سوى ثلاثة أو أربعة قد اعتزلوا الناس ولم يناصروا أحدا عليه ، وبقي على أهل الشام أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، وإلاّ كانوا من البغاة بحكم الإسلام والقرآن الذي أوجب قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله .
واهملت الصحيفة علل الصراع وعلاجها وتقول النصوص ان عزل الإمام (عليه السلام)عن الخلافة كان أمراً مفروغا منه لدى الطرفين ، ولكن خلافهما كان على البديل فقد اقترح أبوموسى الأشعري عبد الله بن عمر بن الخطاب كما نصت على ذلك الروايات ، فرد عليه ابن العاص بأن عثمان بن عفان قتل مظلوماً ومعاوية وليه ، وتلا عليه الآية ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ، هذا مع العلم بأن الولي الذي تشير إليه الآية هو وارث المقتول فإن لم يكن له وارث فوليه الحاكم الشرعي ، وعلي (عليه السلام) هو الحاكم يوم ذاك ولا احسب أحداً يجهل هذه الحقيقة في حين أن أبا موسى لم يبد أية ملاحظة حول هذه الناحية [1213]، ومضى ابن العاص يغريه بالسلطة إن هو وافق معه على أن تكون لمعاوية كما جاء ذلك في المجلد الاول من شرح النهج ، وبعد حوار طويل بين الطرفين استطاع ابن العاص أن يخدعه ويغريه بأموال ووعود معاوية فأظهر له موافقته على اقصائهما معا وترك الأمر للمسلمين يختارون لأنفسهم من يريدون ، وكان ما أراده ابن العاص فخلع أبو موسى عليا وأثبت ابن العاص معاوية وانتهت قضية التحكيم إلى فضيحة للاشعري وابن العاص ومعاوية والاشعث والخوارج .
وبعد شهادة الإمام (عليه السلام)زار الأشعري معاوية فوجد أبوابه مشرعة نحوه وأغدق عليه الأموال !!
ومضى الخوارج في غيّهم فقالوا : لقد كان الإمام (عليه السلام) للمؤمنين اميراً فلما حكم في دين الله خرج عن الايمان فليتب بعد اقراره بالكفر ، فرد عليهم ابن عباس بقوله : لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يحكم على نفسه بالكفر ، فقالوا : أنه قد حكّم في دين الله .
فقال : إن الله أمرنا بالتحكيم في قتل الصيد بقوله : يحكم به ذوا عدل منكم ، فقالوا أنه قد حكم عليه فلم يرض ، فرد عليهم بأن الحكومة كالإمامة ، ومتى فسق الإمام وجبت معصيته وكذلك الحكمان لما خالفا حكم الله فسقا ونبذت أقوالهما .
فقال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم ، فإن هذا من القوم الذين قال الله فيهم : إنهم قوم خصمون ، وقال أيضاً : وتنذر به قوماً لدا واحجموا عن مناظرته .
ورجع ابن عباس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما جرى له معهم ، فمشى إليهم بنفسه ، وقال لصعصعة بن صوحان العبدي : إئت القوم ودلني على الرجل المقدم فيهم ، فقال له : هو يزيد بن قيس الأرحبي ، ولما انتهى أمير المؤمنين إلى حروراء جعل يتخلل مضاربهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلى فيه ركعتين ، ثم خرج واتكأ على قوسه وأقبل على الناس وقال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ، والتفت إلى القوم وقال :
أنشدكم الله أعلمتم أحداً كان أكره للحكومة مني ؟
قالوا : اللهم لا .
قال : أتعلمون بأنكم اكرهتموني حتى قبلتها ، قالوا : اللهم نعم .
قال : فعلام خالفتموني ونابذتموني .
قالوا : إنّا أتينا ذنباً عظيماً فتبنا إلى الله ، فتب إلى الله منه واستغفره نعد إليك ، فقال الإمام (عليه السلام) : اني أستغفر الله من كل ذنب ، فاستجابوا إليه ورجعوا معه إلى الكوفة وكانوا بين الستة آلاف والعشرة آلاف حسب اختلاف المؤرخين ، واستقروا في الكوفة مع اخوانهم وأهلهم [1214] .

 

فتنة الأشعث وإعادته الخوارج إلى معارضتهم

بعدما رجع الإمام (عليه السلام)عن التحكيم بدأ ينتظر أن يسمن الكراع وتجبى الأموال ليعود إلى حرب معاوية وأتباعه .
اما الأشعث وأمثاله من دعاة الفتنة المتفقون مع معاوية على اثارة الفتنة بين طوائف الكوفة فلم يرضوا أن الحياة طبيعية صافية بين أهل الكوفة والإمام (عليه السلام) ، ويتفرغوا لحرب معاوية وأهل الشام بروح طيبة تحس بأن عليها أن تكفر عما كان منها ، وعند ذلك لا تبقى لعملية التحكيم نتائجها المرجوة ، فجاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)وهو في ملأ من أهل الكوفة .
وقال إنّ الناس قد تحدثوا بأنك رجعت عن الحكومة وأصبحت تراها ضلالاً وترى الاقامة عليها كفراً ومضى يشدد على أمير المؤمنين لينتزع منه تصريحاً يستفز به اولئك الذين عادوا إلى الكوفة وانسجموا مع جماعة الناس .
فقال (عليه السلام)إنّ من زعم بأني رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالاً فهو أضل .
ومضى أبو العباس في الكامل يقول أن القوم لما بلغتهم مقالة أمير المؤمنين مضوا إلى النهروان وأعلنوا العصيان والتمرد عليه .
فاعتزلوا جماعتهم بتحريض من الأشعث ومن يحمل روحه ليشغل أهل الكوفة عن التهيؤ والاستعداد لحرب معاوية ، وفي طريقهم وجدوا مسلماً ونصرانياً فقتلوا المسلم لأنه كان على خلاف ما يعتقدون واستوصوا بالنصراني خيراً ، وقال بعضهم لبعض احفظوا ذمة نبيكم .
ولقيهم عبد الله بن خباب وفي عنقه كتاب الله ومعه امرأته وهي في الشهر الاخير من حملها ، فقالوا له : إن هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك ، فقال لهم أحيوا ما أحياه القرآن وأميتوا ما أماته ، وفيما هم يحاورونه وإذا برجل منهم يتناول تمرة سقطت من نخلة ويضعها في فمه فصاحوا به فلفظها وعرض لرجل خنزير فقتله فقالوا هذا فساد الأرض وأنكروا عليه قتله .
ثم التفتوا إلى ابن خباب وقالوا : حدّثنا عن أبيك حديثاً سمعه من رسول الله ، فقال : سمعت أبي يقول :
إن رسول الله قال ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمناً ويصبح كافراً فكن عند الله المقتول ولا تكن القاتل .
فقالوا : ما تقول في أبي بكر وعمر وعلي قبل التحكيم وعثمان في السنين الست الأخيرة من خلافته ، فأثنى عليهم خيراً .
فقالوا : ما تقول في علي بعد التحكيم والحكومة ، فقال : إن عليا أعلم بالله وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة .
فقالوا : انك لا تتبع الهدى بل تتبع الهوى والرجال على اسمائهم ، ثم جروه إلى شاطئ النهر وذبحوه وجاؤوا بزوجته فبقروا بطنها وذبحوها مع ولدها إلى جانبه .
ولما بلغ الإمام (عليه السلام)ما فعلوه مع ابن خباب وزوجته وفسادهم في الأرض سار إليهم في أصحابه وكان يستعد لحرب أهل الشام ، ولما انتهى إلى مكان قريب اليهم أرسل إليهم أن يدفعوا قتلة الصحابي الجليل عبد الله بن خباب ومن قتلوه من المسلمين في طريقهم إلى النهروان .
فقالوا لرسوله كلنا قتلة ابن خباب ولو قدرنا على علي بن أبي طالب ومن معه لقتلناهم ، فمشى إليهم بنفسه وقال : أيتها العصابة اني نذير اليكم أن تصبحوا لعنة هذه الأمة غداً وأنتم صرعى في مكانكم هذا بغير برهان ولا سنّة ، ألم تعلموا بأني نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم كان مكيدة ، وأنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأني أعرف بهم منكم وهم أهل المكر والغدر فعصيتموني وأكرهتموني حتى وافقت على التحكيم بعد أن شرطت واستوثقت وأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ماأماته ، ولما خالفا حكم الكتاب والسنّة وعملا بالهوى نبذنا أمرهما وبقينا على أمرنا الأول وها أنا عائد إلى حرب معاوية وأتباعه [1215].
فقالوا : إنا حيث حكَّمنا الرجلين أخطأنا وكفرنا وقد تبنا إلى الله من ذلك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت كما تبنا فنحن معك ومنك ، وإلاّ فاعتزلنا ، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء .
فقال لهم : بعد إيماني بالله وهجرتي وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر ، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ، ويحكم بم استحللتم قتالنا والخروج عن جماعتنا ؟
فلم يجيبوه وتنادوا من كل جانب الرواح إلى الجنة وشهروا السلاح على أصحابه وأثخنوهم بالجراح ، فاستقبلهم الرماة بالنبال والسهام وشد عليهم أمير المؤمنين وأصحابه فما هي إلاّ ساعات قلائل حتى صرعهم الله كأنما قيل لهم موتوا فماتوا .
وكان الإمام (عليه السلام)قد أخبر أصحابه قبل المعركة بأنه لا يقتل منكم عشرة ولايفلت منهم عشرة ، وكان الأمر كما أخبرهم ، فلم ينج منهم إلاّ تسعة أو ثمانية ،ولم يقتل من أصحابه إلاّ تسعة كما روى ذلك أكثر المؤرخين .

 

مقتل المخدّج

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخبر أمير المؤمنين بقتل الخوارج وقتل المخدج معهم لذلك فإنه بعد انتهاء المعركة فتش عنه وألح في طلبه حتى وجده بين القتلى .
وجاء في الصحاح المتفق عليها على حد تعبير ابن أبي الحديد كما جاء في المجلد الأول من شرح النهج أن رسول الله لما شرع في تقسيم الغنائم بعد انتهائه من معركة حنين قام إليه رجل من بني تميم يدعى ذا الخويعة فقال له : اعدل يا محمد ، فقال : لقد عدلت وأعاد عليه التميمي قوله ثانية وثالثة وفي الثالثة رد عليه النبي (صلى الله عليه وآله)بقوله (صلى الله عليه وآله): سيخرج من ضئضيء هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يخرجون على حين فرقة من الناس تحقرون صلاتكم في جنب صلاتهم يقرأون القرآن فلا يتجاوز تراقيهم آيتهم رجل أسود مخدج اليدين احدى يديه كأنها ثدي امرأة وأضافت رواية عائشة إلى ذلك ، يقتله خير أمتي من بعدي [1216] .
وعن مسروق أنه قال : قالت لي عائشة انك من ولدي ومن أحبهم إلي فهل عندك علم بالمخدج فقلت نعم : قتله علي ابن أبي طالب على نهر يقال له النهروان ، فقالت : ابغني على ذلك بينة فأتيتها برجال عندهم علم بذلك ، ثم قلت لها : اسألك بصاحب القبر ، ما الذي سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)فيه .
قالت سمعته يقول : إنه شر الخلق والخليقة يقتله خير الخلق وأقربهم عند الله وسيلة .ولما بلغها أن عليا (عليه السلام) قد قتله قالت : لعن الله ابن العاص لقد كتب إليّ يخبرني أنه قتله بالاسكندرية ، إلاّ أنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله ، لقد قال يقتله خير أمتي من بعدي .
وقد أجمعت الروايات على أن أمير المؤمنين قد اهتم بالبحث عنه ، ولما عجز أصحابه عن العثور عليه خرج بنفسه وما زال يبحث عنه حتى وجده فكبر .
وكان الأشعث بن قيس لا همَّ له إلاّ التخريب وبث روح التخاذل في النفوس ، وراح يضع في أذهان الجيش إن علياً كان عليه أن يصنع مع أهل النهروان كما صنع عثمان ويتغاضى عنهم وهم قلة لا يشكلون خطراً عليه ، لقد قال الأشعث ذلك ليحدث تصدعا في صفوف الجيش وليشحن نفوس من تربطهم بأولئك القتلى أنساب وقرابات بالكراهية والعداء لعلي (عليه السلام) .
فقد جاء في كتاب علي بن أبي طالب لعبد الكريم الخطيب أن علياً (عليه السلام)خطب يوماً أصحابه وحثهم على الجهاد وأنبهم على تخاذلهم وقعودهم عنه ، وما أن انتهى من خطابه ينتظر ردهم عليه حتى انبرى له الأشعث بقوله : يا أمير المؤمنين أفهلا فعلت كما فعل عثمان ؟
فقال له الإمام : وما فعل عثمان ؟
فقال : لقد أبى أن يلقى المشاغبين عليه بالقوة وأن يردهم عنه بالسيف حتى قُتِل .
فرد عليه الإمام بقوله : ويلك وكما فعل عثمان رأيتني فعلت عائذاً بالله من شر ما تقول ، والله أن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له ولا حجة معه فكيف وأنا على بينة من ربي والحق معي ، ومضى يقول : والله أن امرأ امكن عدوه من نفسه فنهش عظمه وسفك دمه لعظيم عجزه وضعيف قلبه .
ثم قال : أنت يا بن الأشعث كن كذلك ، أما أنا فو الله دون أن اعطي ذلك ضرب بالمشرفي يطير له فراش الرأس وتطيح منه الاكف والمعاصم وتجذبه الفلاصم ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .

 

المؤامرات المستمرّة

واستمر الاشعث وشبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن في إثارة الفتنة وانتشرت مقالة الأشعث بين الناس فزادتهم تخاذلاً وتصدعا ، وأتيح لمعاوية أن يتصل بسراتهم ورؤسائهم أكثر من قبل ، تحمل كتبه لهم الوعود والأماني ، ويقدم بين يدي الوعود والأماني ، العطايا والصلات يعجل لهم ما يرغبون في عاجله وما يغري قليله المعجل بكثرة الموعود حتى اشترى ضمائرهم وأفسدهم على امامهم وجعلهم يعطونه الطاعة بأطراف ألسنتهم ويطوون قلوبهم على المعصية والخذلان .
ومجمل القول ، لقد استطاع المتآمرون من أهل العراق أن يحققوا لمعاوية كل اطماعه وأن يشلوا حركة الإمام (عليه السلام) ويخلقوا له من المصاعب والمشاكل ما يشغله عن لقاء أهل الشام مرة ثانية ، فلم تنته معركة النهروان حتى ظهرت فلولهم في أكثر من ناحية في العراق ، واثمرت معركة النهروان في أهاليهم وقبائلهم أوتارا لم يكن من السهل نسيانها ، لا سيما وأن أيدي المتآمرين ممن كانوا على صلة بمعاوية كانت تزودهم بالأموال والعتاد فيخرج الرجل ومعه المائة والمئتان ، فيضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن يرسل اليهم رجلاً من أصحابه ومعه طائفة من الجند فيقاتل المتمردين ، حتى إذا قتلهم أو شردهم عاد إلى الكوفة ، وقبل أن يستقر يخرج آخر بجماعة من المتمردين ، واستمرت الفتنة فخرج الخريت بن راشد ، وقد جاءه قبل خروجه ، وقال له : والله أني لا أطيعك ولا أصلي خلفك لأنك حكَّمت الرجال وضعفت عن الحق .
فقال له : اذن تعصي ربك وتنكث عهدك ولا تضر إلاّ نفسك ، ودعاه للمناظرة .
فقال له : أعود إليك غداً ، فقبل منه وأوصاه أن لا يؤذي أحداً من الناس ولا يعتدي على الدماء والأموال والأعراض فخرج ولم يعد ، وكان مطاعاً في قومه بني ناجية وخرج معه جماعة في ظلمة الليل والتقى في طريقه برجلين كان احدهما يهودياً والآخر مسلماً ، فقتلوا المسلم ، وعاد اليهودي إلى عامل علي على السواد فأخبره بأمرهم فكتب العامل لأمير المؤمنين فأرسل إليهم جماعة من أصحابه وأمره بردهم إلى الطاعة ومناجزتهم إن رفضوا ذلك ، وحدثت بينه وبين الخريت وجماعة مناظرة لم تجد شيئا ، فطلب منهم أصحاب أمير المؤمنين أن يسلموهم قتلة المسلم فأبوا إلاّ الحرب ، وكانت بين الطرفين معارك دامية فأرسل إليهم أمير المؤمنين قوة أخرى .
وكتب إلى عبد الله بن العباس وكان أميراً على البصرة يأمره بملاحقتهم ، والخريت مرة يدعي بأنه يطلب بدم عثمان ، وأخرى ينكر على علي (عليه السلام) التحكيم وأخيراً قُتِل الخريت وجماعة من أصحابه وأسر منهم خمسمائة قادوهم إلى الكوفة فمر بهم الجيش على مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عاملاً لعلي (عليه السلام) على بعض المقاطعات فاستغاث به الأسرى فرق لحالهم كما تزعم بعض الروايات واشتراهم من القائد على أن يسدد أثمانهم أقساطاً وأعتقهم ، وجعل يماطل في اداء ما عليه ، ولما طالبه عبد الله بن عباس باداء المبلغ أجابه :
لو طلبت هذا المبلغ وأكثر منه من عثمان ما منعني اياه ، ثم فر إلى معاوية .
فقال الإمام علي (عليه السلام)فيه : فعل فعل الأحرار وفر فرار العبيد .
بذل أبو بكر وعمر وعثمان الأموال للوجهاء والولاة دون حدود ففسدوا وأفسدوا العالم الإسلامي .
فأصبح من العسير إصلاح ما هدّمه أهل السقيفة .
وأرسل معاوية بسر بن أرطأة أحد طغاته بجيش إلى اليمن فوجد طفلين صغيرين لعبيد الله بن العباس ، فذبحهما في حضن أمهما ، فأصابها خلل في عقلها وظلت تندبهما وتبكيهما حتى ماتت غماً وكمداً .
وأرسل معاوية جيشاً آخر لغزو مصر ليحقق لابن العاص أمنيته الغالية ، وولاه قيادة ذلك الجيش ، ولما بلغ أمير المؤمنين دعا أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر فلم يستجيبوا لطلبه ، وبعد أن ألح عليهم أجابه جماعة منهم وما لبث أن جاءته الأنباء بأن ابن العاص قد تغلب عليها وقتل واليها محمد بن أبي بكر ومُثِّل به ثم أحرقه .
فانتدب مالك الأشتر وولاه عليها لانقاذها من أيدي الغزاة ، وكان كما يصفه المؤرخون حازماً قوياً مخلصاً لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول الله على حد وصف الإمام وغيره .
ولما عرف معاوية نبأ اختياره حاكماً في مصر اضطرب واشتد خوفه على أنصاره وقواته المرابطة فيها ، واستطاع بعد تفكير طويل أن يجد المخرج من تلك الأزمة التي أحاطت به ، فأغرى أحد أنصاره ممن يسكنون الطريق التي لابد للأشتر من المرور عليها بالمال لقاء اغتياله ، ولما بلغ الأشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد أعده له بناء لتخطيط معاوية ، فكانت به نهايته ، وكان ناجحا في التخلص من خصومه بهذا الاسلوب فقد قتل ابن خاله محمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والإمام أبا محمد الحسن(عليه السلام)بهذا الأسلوب ، وأحيانا كان يتباهى به ويقول : إن لله جندا من العسل ينتقم به لاوليائه .
واستمرت الفتنة في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطة أمير المؤمنين ، فلم يكن يفرغ من تمرد حتى يفاجأ بآخر ولا يسد ثغرة إلاّ فتحت له أخرى ، هذا وأصحابه بالرغم مما يجري حولهم وعلى حدود بلادهم وفي خارجها من احتلال لبعض المقاطعات وقتل ونهب ممعنون في خلافه مفرقون فيما احبوا من طلب العاقبة إذا استنفرهم لاينفرون وإذا دعاهم لا يجيبون يتعللون بالأعذار الواهية كحر الصيف وبرد الشتاء ، ولا يغضبون لحق أو دين ولا للمشردين والمستضعفين حتى كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ويبكي أحياناً على من مضى من أنصاره ويقول :
متى يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا مشيراً إلى رأسه الكريم ولحيته الشريفة ، ويتمنى لو أن معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة وأعطاه واحداً من أهل الشام .
ووطَّن نفسه أخيراً أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله وعشيرته وأنصاره فيقاتل بهم حتى يلقى الله في سبيل الحق والعدل وتحدث إليهم حديثاً لا لبس فيه وحملهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم فقال لهم كما جاء في رواية البلاذري في أنساب الأشراف .
«أما أني قد سئمت من عتابكم وخطابكم فبينوا لي ما أنتم فاعلون ، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب وما أحب ، وإن كنتم غير غافلين فاكشفوه لي عن أمركم ، فو الله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين لأدعون الله عليكم ثم لأسيرن إلى عدوكم ولو لم يكن معي إلاّ عشرة .
ومضى يقول : اجلاف أهل الشام أصبر على نصرة الضلال وأشد اجماعا على الباطل منكم على هواكم وحقكم ما بالكم وما دواؤكم أن القوم امثالكم لا ينشرون إن قتلوا إلى يوم القيامة ».
وكان على ما يبدو لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنه سيخرج بنفسه وأهله وخاصته إلى معاوية ، وسيلحقهم بذلك الخزي والعار ويصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذا الحال ، فرد عليه زعماؤهم رداً جميلاً ، وجمع كل رئيس منهم قومه وتداعوا للجهاد من كل جانب وتعاقدوا على الموت معه ، حتى أصبحت الحرب حديث الناس ، وأرسل إلى عماله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين ، وخرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة اربعين لهجرة النبي (صلى الله عليه وآله) .
وأرسل أمير المؤمنين زياد بن حفصة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه ، وبقي هو مع الجيش ينتظر انسلاخ الشهر المبارك ، وإذا بالقدر ينقض عليه وعلى أهل العراق فيكمن له اشقى الأولين والآخرين في فجر اليوم التاسع عشر من ذلك الشهر وهو في بيت الله فيضربه على رأسه الشريف وهو يصلي لربه فيخر منها في محرابه وهو يقول :فزت ورب الكعبة .

 

الحسين (عليه السلام) وصفين

قال هرثمة بن أبي مسلم : غزونا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)صفين ، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها الغداة ، ثم رفع إليه من تربتها فشمها ، ثم قال : «واها لكِ أيتها التربة ، ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب ».
فرجع هرثمة إلى زوجته ، وكانت شيعة لعلي (عليه السلام)فقال : ألا أحدثك عن وليك أبي الحسن ؟ نزل بكربلاء فصلى ، ثم رفع إليه من تربتها ، وقال واها لك أيتها التربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب ، قالت : أيها الرجل ، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلاّ حقا .
فلما قدم الحسين (عليه السلام)قال هرثمة : كنت في البعث الذين بعثهم عبيدالله [1217] بن زياد ، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث ، فجلست على بعيري ، ثم صرت إلى الحسين (عليه السلام) ، فسلمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (عليه السلام) فقال : معنا أنت أم علينا ؟
فقلت : لا معك ولا عليك ، خلفت صبية أخاف عليهم عبيد الله بن زياد .
قال : فامض حيث لاترى لنا مقتلاً ، ولا تسمع لنا صوتاً ، فو الذي نفس الحسين بيده ، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلايعيننا إلاّ كبه الله لوجهه في جنهم [1218] .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام)في خرجته إلى صفين ، لما نزل بنينوى وهو شط الفرات : بأعلى صوته : يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع ؟
قلت : ما أعرفه يا أمير المؤمنين ، فقال : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي .قال : فبكى طويلاً حتى اخضلت لحيته [1219] وسالت دموعه على صدره وبكينا معه وهو يقول : أه أه مالي ولأبي سفيان مالي ولال حرب : حزب الشيطان و أولياء الكفر ؟! صبرا يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم ، ثم دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلى ما شاء الله أن يصلي . ثم ذكر نحو كلامه الاول إلاّ أنه نعس عند انقضاء صلاته ساعة ، ثم انتبه فقال : يا ابن عباس .
فقلت :ها أناذا ، فقال : ألا اخبرك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي ؟ فقلت : نامت عيناك ورأيت خيرا يا أمير المؤمنين .
قال : رأيت كأني برجال بيض قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض ، قد تقلدوا سيوفهم وهي بيض تلمع ، وقد خطوا حول هذه الارض خطة ، ثم رأيت هذه النخيل قد ضربت بأغصانها إلى الارض ، فرأيتها تضطرب بدم عبيط ، وكأني بالحسين نجلي [1220] . وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه ، يستغيث فلا يغاث ، وكأن الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون : صبرا آل الرسول فإنكم تقتلون على أيدي شرار الناس ، وهذه الجنة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة ، ثم يعزونني ويقولون : يا أبا الحسن أبشر فقد أقر الله عينك به يوم القيامة ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ثم انتبهت . هكذا والذي نفس علي بيده لقد حدثني الصادق المصدق أبو القاسم (صلى الله عليه وآله) ، أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا وهذه أرض كرب وبلاء ، يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا كلهم من ولدي وولد فاطمة (عليها السلام) ، وأنها لفي السماوات معروفة ، تذكر أرض كرب وبلاء كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس ، ثم قال لي : يا ابن عباس اطلب لي حولها بعر الظباء ، فو الله ما كذبت قط وهي مصفرة لونها .
قال ابن عباس : فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته يا أمير المؤمنين قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي ، فقال علي (عليه السلام) : صدق الله ورسوله ثم قام يهرول إليها فحملها وشمها وقال : هي هي بعينها ، تعلم يا ابن عباس ما هذه الابعار ؟ هذه قد شمها عيسى ابن مريم (عليه السلام)وذلك أنه مرّ بها ومعه الحواريون فراى هذه الظباء مجتمعة فأقبلت إليه الظباء وهي تبكي فجلس عيسى (عليه السلام) وجلس الحواريون ، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى ، فقالوا : يا روح الله وكلمته ما يبكيك ؟
قال : أتعلمون أي أرض هذه ؟
قالوا : لا .قال (عليه السلام): هذه ارض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة [1221] البتول شبيهة امي ويلحد فيها وهي أطيب من المسك وهي طينة الفرخ المستشهد ، وهكذا تكون طينة الانبياء وأولاد الانبياء ، فهذه الظباء تكلمني وتقول : إنها ترعى في هذه الارض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك ، وزعمت أنها آمنة في هذه الارض ، ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران [1222] فشمها فقال : هذه بعر الظباء على هذه الطيب لمكان حشيشها ، اللهم أبقها أبدا حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء وسلوة . قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرت لطول زمنها هذه أرض كرب وبلاء .
وقال بأعلى صوته : يا رب عيسى بن مريم لا تبارك في قتلته والحامل عليه والمعين عليه والخاذل له . ثم بكى بكاءً طويلاً ، ثم أفاق فأخذ البعر فصرها في ردائه وأمرني أن أصرها كذلك ، ثم قال : يا ابن عباس إذا رأيتها تنفجر دما عبيطاً فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل ودفن بها .
قال ابن عباس : فو الله لقد كنت أحفظها أكثر من حفظي لبعض ما افترض الله عليّ .وأنا لا أحلها من طرف كمي ، فبينا أنا في البيت نائم إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطاً وكان كمي قد امتلات دما عبيطا ، فجلست وأنا أبكي وقلت : قتل والله الحسين والله ما كذبني علي قط في حديث حدثني ولا أخبرني بشيء قط أنه يكون إلاّ كان كذلك لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره ، ففزعت وخرجت وذلك (كان) عند الفجر فرأيت والله المدينة كأنها ضباب [1223]لا يستبين فيها أثر عين ، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها كاسفة ، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فجلست وأنا باك وقلت ، قُتل والله الحسين ، فسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول : اصبروا آل الرسول قُتِل الفرخ النحول [1224].

 

منزلة الحسين(عليه السلام)

ذكر المحبّ الطبري [1225]أن جمعاً تذاكروا أنه ما من أحد أعان على قتل الحسين (عليه السلام)إلاّ أصابه بلاء قبل أن يموت ، فقال شيخ : أنا أعنت وما أصابني شيء ، فقام ليصلح السراج فأخذته النار فجعل ينادي النار النار ، وانغمس في الفرات ومع ذلك فلم يزل به حتى مات [1226] .
وجاء فى الحديث من زار قبر الحسين عارفا بحقه كتب الله له فى عليين وحول قبر الحسين سبعين الف ملك شعثا غبراً يبكون عليه الى يوم القيامة [1227].

 

النبي (صلى الله عليه وآله) يلعن يزيدا ويخبر بقتلة الحسين (عليه السلام)

قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدّق (صلى الله عليه وآله)يقول : هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش .فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة .
فقال أبوهريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت ، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم ، قلنا : أنت أعلم» [1228] .
يقول الشارح ابن حجر العسقلاني [1229]: إن أباهريرة كان يمشي في السوق ويقول : اللهم لا تدركني سنة ستين ولا امارة الصبيان (قال الشارح) : وفي هذا اشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين ، وهو كذلك فان يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة 64 هـ فمات ثم ولي ولده معاوية ومات بعد أشهر (وقال الشارح أيضاً) : إن أول هؤلاء الغلمان يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة سنة ستين وامارة الصبيان (ثم قال الشارح) : تنبيه ، يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر انهم من ولده ، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون ، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد [1230] .

 

رسالة الحسين (عليه السلام) إلى معاوية

كتب معاوية رسالة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) فأجابه ولأهميّة الرسالتين نذكرهما :وإليك نصّ ما كتب معاوية إلى الإمام الحسين (عليه السلام): أمّا بعد ، فقد انتهت إليّ منك أُمور لم أكن أظنّك بها رغبة عنها ، وإنّ أحقّ الناس بالوفاء لمن أُعطي بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها ، فلا تنازع إلى قطيعتك ، واتّق الله ، ولا تردّن هذه الأُمّة في فتنة ، وانظر لنفسك ودينك وأُمّة محمّد ، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون .
فكتب إليه الحسين (عليه السلام): «أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أُمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها ، وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى ، وأمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي ، فإنّما رقاه الملاقون المشّاءون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ، ما أردت حرباً ولا خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلّين ، حزب الظالم ، وأعوان الشيطان الرجيم . ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة ، والعهود المؤكّدة جرأة على الله واستخفافاً بعهده . أولست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شعف الجبال . أولست المدّعي زياداً في الإسلام ، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان ، وقد قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلبهم على جذوع النخل ؟ سبحان الله يامعاوية ! لكأنّك لست من هذه الأُمّة ، وليسوا منك أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي كرّم الله وجهه ، ودين علي هو دين ابن عمّه (صلى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين ، رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم ، وقلت فيما قلت : لا تردّن هذه الأُمّة في فتنة . وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها . وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمّد . وإنّي والله ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني ، وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى . وقلت فيما قلت :
متى تكدني أكدك ، فكدني يامعاوية فيما بدا لك ، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون ، وإنّي لأرجو أن لا تضرّ ، إلاّ نفسك ولا تمحق إلاّ عملك ، فكدني ما بدا لك ، واتّق الله يامعاوية ! واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، واعلم أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعية والسلام [1231]».

 

ترجمة مروان الخطيرة

أمّا مروان بن الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد قتل طلحة بن عبيدالله في معركة الجمل بدم عثمان وقتل معاوية الثاني والوليد بن عتبة بن أبي سفيان وقبض على الحكم فلم يحكم إلاّ قليلا [1232].
إذ دام حكمه ستّة أشهر فقط وكان الإمام علي (عليه السلام) قد قال عن مروان بعدما حرّره من الأسر : إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه [1233].
وأخرج الحاكم [1234]من طريق عبدالرحمن بن عوف وصحّحه أنّه قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلاّ أتى به إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال : هو الوزغ بن الوزغ ، الملعون بن الملعون .
وذكر الدميري [1235]ولعلّ معاوية أشار إليه بقوله لمروان : يابن الوزغ لست هناك . [1236]وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال : كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)فمرّ الحكم بن أبي العاص فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : ويل لأُمّتي ممّا في صلب هذا [1237].
وقال المعتزلي [1238]: نظر علي (عليه السلام)يوماً إلى مروان فقال له : ويل لك وويل لأُمّة محمّد منك ومن بيتك إذا شاب صدغاك .
وفي لفظ ابن الأثير : ويلك وويل أُمّة محمّد منك ومن بنيك . قال أمير المؤمنين [1239]: أو لم يبايعني بعد قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته ، إنّها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته ، أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة [1240]وستلقى الأُمّة منه ومن ولده يوماً أحمر « نهج البلاغة » .
قال ابن أبي الحديد [1241]: قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب « نهج البلاغة » وهي قوله (عليه السلام)في مروان : يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه وإنّ له امرة . الخ [1242].
قال : قال علي بن أبي طالب يوماً ونظر إليه : ليحملنّ راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه ، وله امرة كلحسة الكلب أنفه .
وهذا الحديث كما ترى غير ما في « نهج البلاغة » وليس كما حسبه ابن أبي الحديد زيادة فيه ، ولا توجد تلك الزيادة في رواية السبط أيضاً في تذكرته ص45 . والله العالم .قال البلاذري [1243]: كان مروان يلقّب خيط باطل لدقّته وطوله شبه الخيط الأبيض الذي يرى في الشمس ، فقال الشاعر ويقال : إنّه عبدالرحمن بن الحكم أخوه :

لعمرك ما أدري وإنّي لسائل *** حليلة مضروب القفا كيف يصنع [1244]
لحى الله قوماً أمروا خيط باطل *** على الناس يعطي ما يشاء ويمنع [1245]

وذكر البلاذري [1246]في مقتل عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبدالملك بن مروان ليحيى بن سعيد أخي الأشدق قوله :

غدرتم بعمرو يابني خيط باطل *** ومثلكم يبني البيوت على الغدر

وذكر ابن أبي الحديد [1247] لعبدالرحمن بن الحكم في أخيه قوله :
إذن بيّن الله تعالى حكمته وعلمه للغيب لرسوله (صلى الله عليه وآله) ، وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) هذا إلى وصيّه (عليه السلام) .

 

سؤال معاوية من الإمام علي (عليه السلام) عن الغيب

كشف من كتاب لطف التدبير لمحمد بن عبد الله الخطيب قال : حكي أن معاوية بن أبي سفيان قال لجلسائه بعد الحكومة : كيف لنا أن نعلم ما تؤول إليه العاقبة في أمرنا ؟ قال جلساؤه ما نعلم لذلك وجهاً .
قال : فأنا استخرج علم ذلك من علي صلوات الله عليه فإنه لا يقول الباطل فدعا ثلاثة رجال من ثقاته وقال لهم : امضوا حتى تصيروا جميعاً من الكوفة على مرحلة ثم تواطؤا على أن تنعوني بالكوفة وليكن حديثكم واحداً في ذكر العلة واليوم والوقت وموضع القبر ومن تولى الصلاة عليّ وغير ذلك حتى لا تختلفوا في شيء ثم ليدخل أحدكم فليخبر بوفاتي ثم ليدخل الثاني فيخبر بمثله ثم [1248] ليدخل الثالث فيخبر بمثل خبر صاحبيه وانظروا ما يقول علي .
فخرجوا كما أمرهم معاوية ثم دخل أحدهم وهو راكب مغذ شاحب فقال له الناس بالكوفة : من أين جئت ؟
قال : من الشام .قالوا له : ما الخبر ؟قال : مات معاوية ، فأتوا علياً (عليه السلام)فقالوا : جاء رجل راكب من الشام يخبر من موت معاوية .
فلم يحفل علي (عليه السلام)بذلك ثم دخل الآخر من الغد وهو مغذ فقال له الناس : ما الخبر ؟فقال : مات معاوية وخبّر بمثل ما خبر صاحبه فأتوا علياً (عليه السلام) .
فقالوا : : رجل راكب يخبر بموت معاوية بمثل ما أخبر صاحبه ولم يختلف كلامهما . فأمسك علي (عليه السلام) . ثم دخل الآخر في اليوم الثالث فقال الناس : ما وراؤك ؟ قال : مات معاوية . فسألوه عما شاهد فلم يخالف قول صاحبيه فلما كثروا عليه قال علي صلوات الله عليه كلا أو تخضب هذه من هذه يعني لحيته من هامته ويتلاعب بها ابن آكلة الاكباد فرجع الخبر بذلك إلى معاوية [1249].
فعرف معاوية وأصحابه ان علياً (عليه السلام) يقتل قبل معاوية ففرحوا بذلك .
والمدهش انهم يؤمنون بأقوال الإمام علي (عليه السلام) في الغيب ايماناً كاملاً على انها من علوم الله تعالى ، ومع هذا يخالفون الإمام ويسعون لقتله والتآمر عليه !

 

الدلائل والعبر في معركة صفّين

القاسطون جاء فيهم في القرآن الكريم قوله :
(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ).
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً).
قال الفراء هم الكافرون الجائرون .
والقاسطون أتباع معاوية في صفّين لأنّهم جاروا في الحكم وبغوا عليه [1250].
فالجنّ أفصحت عن وجود القاسطين في صفوفها همّهم البغي وغايتهم الفساد في الأرض وكذلك كان أتباع معاوية وابن العاص .
وجعلهم الله سبحانه وتعالى في جهنّم حطباً لها .
وذكرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل معركة صفّين بثلاثين سنة أخذا ذلك من علوم غيب الله تعالى إذ قال لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) : ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين [1251].والتفت إلى عمّار بن ياسر قائلا ستقتلك الفئة الباغية .
فبقي المؤمنون منتظرين لهذه المعارك الحاسمة تحت راية أمير المؤمنين علي (عليه السلام)وعلى رأسهم عمّار وأبو أيّوب الأنصاري وجابر بن عبدالله الأنصاري .
وسمع هذه الأحاديث النبوية عن الناكثين والقاسطين والمارقين [1252]عائشة وحفصة وعبيدالله بن عمر ومعاوية وابن العاص فكلا الفريقين أصرّ على موقفه اعتماداً على منهجه في الحياة فعمّار شرب اللبن يوم من أيّام حرب صفّين وتذكّر قول النبي (صلى الله عليه وآله)له وآخر شربة لك من الدنيا قعباً من لبن .
فلم يهتد معاوية من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكّة ولم يراجع نفسه بعد إسلامه في فتح مكّة قهراً .
بل بقي مصرّاً على منهجية اللات والعزّى وترهات طغاة مكّة وخزعبلات المغيرة وابن العاص وكعب الأحبار .
فعاش معاوية 78 سنة في المكر والاحتيال والدهاء فلم ينقذ نفسه من الموت .ورتَّب جموعاً عظيمة من شذّاذ الآفاق وجمع كنوز الهند والعراق وايران ومصر فلم تنفعه في ظلمات القبر .
وأكل أكلا لم يأكله غيره من البشر لدعاء النبي (صلى الله عليه وآله) عليه :
«اللهم لا تشبع بطنه».
فنهم مخّ العصافير في مصارين البطّ وأكل خمسة وجبات لحوم يوميا فربّى بطناً لم يمتلكها غيره ، فكان يضعها على فخذيه في الجلوس فسمي بالبطين .
ومن دهائه اعطائه حكم المسلمين لابنه السكّير المتهوّر المعلن للفسق والفجور يزيد فتحمّل الخطب الإلهي حيّاً وميّتاً لقصور عقله وضعف حكمته .
فأصبحت مذبحة كربلاء ومجزرة الحرّة ومحرقة الكعبة الشريفة في صحيفة أعماله .والغافلون من المؤرخين يصفونه بالحلم والعقل ،فقالوا يسكته الحلم وينطقه العلم فقال الحسين بل ينطقه البطر ويسكته الحصر [1253].
ولمّا وصل حفيده معاوية بن يزيد بن معاوية إلى الحكم فضحه وفضح المعينين له في مكانه والمؤيّدين له في حركة استراتيجية عقلائية سحبت البساط من تحت أرجل الأُمويين .فقد وقف في خطبة صلاة الجمعة العظيمة يسمعه كثير من جند معاوية في صفّين (القاسطين) ووزرائه قائلا : [1254]
وهكذا سقطت نظرية معاوية في احتكار السلطة في نسله فقتل الله تعالى يزيد الظالم وقتل مروان بن الحكم معاوية الثاني وقتل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فانتقلت السلطة من بيت أبي سفيان إلى بيت طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مروان بن الحكم .
وقال معاوية الثانى فى خطبة تنازله عن السلطة: «ان هذه الخلافة حبل الله وان جدى معاوية نازع الامر أهله ومن هو أحق به منه على بن أبى طالب وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته فصار فى قبره رهينا بذنوبه ثم قلد أبى الامر وكان غير أهل له ونازع ابن بنت رسول الله فقُصف عمره وانبتر عقبه وصار فى قبره رهينا بذنوبه .ثم بكى وقال: من اعظم الامور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه وقد قتل عترة رسول الله وأباح الخمر وخرَّب الكعبة ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلد مرارتها فشأنكم أمركم ،والله لئن كانت الدنيا خيراًفقد نلنا منها حظا ولئن كانت شراًفكفى ذرية أبى سفيان ما أصابوا منها ».ولما نزل من مكانه قتله الامويون وعلى رأسهم مروان بن الحكم [1255].
فمروان الرجل المطرود من المدينة المنوّرة في زمن حكم النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر أصبح حاكماً على المسلمين السابقين يقتلهم كيفما شاء ويعذّبهم مثلما يحلو له .
وهذا ناتج عن الفتنة السياسية النابعة من مسرحية السقيفة .
فهذه اللعبة السياسية أكلت المشتركين فيها جميعاً .
فقد قُتِل أبو بكر بيد عمر وعثمان [1256].وقُتِل عمر بيد الأُمويين والمغيرة .
وقُتِل عثمان بفتوى عائشة وسيوف طلحة والزبير وثوّار المسلمين في المدينة والبصرة والكوفة ومصر .وقتل خالد بن الوليد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح وسعد بن أبي وقّاص وعمرو بن العاص وعائشة وعبدالرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله بيد رجال السقيفة أنفسهم [1257].
فسقطت نظرية أعضاء السقيفة في أبعاد السلطة عن أهل البيت (عليهم السلام)وإنحصارها لهم ولأولادهم .فقد قتل معاوية عمرو بن العاص وطرد ابنه عبدالله من السلطة بعدما تعهّد له معاوية باعطائه مصر له ولأولاده طعمة مدى الحياة [1258] .
وقتل معاوية كلّ من ينافس يزيد على الزعامة لإبقائها في نسله .
ولم يمض على موت معاوية في سنة 60هجرية إلاّ ثلاث سنوات حتّى ذهبت السلطة إلى يد أعدائهم من البيت المرواني .
وأخبر النبي(صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) علوم الغيب للمؤمنين منها مقتل عمّار في صفّين ومقتل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي بيد معاوية ورغم هذا فعل جند معاوية كلّ الموبقات عناداً منهم للباري عزّوجلّ دون الاعتبار بتجارب الماضين من الأُمم الذين أهلكهم الله تعالى بظلمهم وجورهم .
أمّا الخوارج الذين خرجوا على إمام زمانهم (عليه السلام) في صفّين وعاثوا في الأرض فساداً وقتلوا المؤمنين فقد استمرّوا في برنامجهم القائم على الفوضى .
فبيّن الإمام (عليه السلام)كيفية التعامل معهم والرفق بهم بقول الامام: ليس من طلب الحق فاخطأه كمن طلب الباطل فأدركه [1259].
ونستفيد من قضية معركة صفين الكثير من الدلائل والعبر :
الاولى خطورة الفتنة في السيرة الإسلامية فقال الله تعالى :
(الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) .
لان القتل يضمر في جوانبه قضية قتل جسدي لشخص من الاشخاص أما الفتنة فهي مشروع جاهلي خطير في تمزيق وحدة الامة واضعاف دينها وازهاق نفوسها وتخريب تراثها .
فقتل النفس عملية صغرى والفتنة عملية كبرى . والذي حدث في عصر عثمان ومعاوية تمثل في فتنة عظمى كلف العالم الإسلامي غالياً وما زالت هذه الأمة تأنّ من ضروب تلك الواقعة المرّة .
وتلك الفتنة نبعت من سقيفة بني ساعدة يوم خالف المسلمون النص النبوي على خلافة الإمام علي (عليه السلام)وبايعوا أبابكر واستمروا في نهجهم المذكور مع عمر وعثمان .فتوسعت الفتنة تدريجياً وكلما حذرهم أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) كلما توغلوا في غيهم وانحرافهم .فانتهت تلك السقيفة بثورة شعبية قتل فيها الناس عثمان ودفنوه في مقبرة اليهود .وما كان لهذه الفتنة أن تنتهي سريعاً فسارع معاوية للاستفادة منها وحلبها .فأثّرت في ثقافة الناس .
وتوسعت تأثيرات الفتنة وجرى الناس خلف اهوائهم وملذاتهم فقبل بعض الكوفيين رشوة معاوية وتقاعسوا عن الحرب .
وظهرت طائفة الخوارج البعيدة عن الدين .والموضوع الآخر تمثل في استمرار المنافقين بقبول قيادة معاوية بن أبي سفيان العدوة للإسلام .
ففي معارك الخندق حمل أبوسفيان ومعاوية راية الكفر وفي معركة صفين رفع معاوية راية الفسق والظلم مما يبين عدم تأثر هؤلاء بالحركة الاسلامية الرائدة واستمرار تبعيتهم للظلم والاستبداد الجاهلي .
ومن العبر ان حركة القراء البعيدة عن تفسير القرآن أوجدها عمر بن الخطاب في البصرة بمساعدة أبي موسى الاشعري .
فكانت حركة مشبوهة بعيدة عن العلم والاخلاق أثمرت عن مجاميع من القراء لا يفهمون الدين ولا يتخلقون باخلاقه .
وكان عمر قد منع تفسير القرآن وعاقب السائلين عنه وأبعد أهل البيت عن السياسة والدين بنظريته المعروفة : حسبنا كتاب الله [1260] .
فأصبح بعض هؤلاء القراء خوارج .
واصبح أبو موسى الاشعري (مربي القراء) حكماً من قبلهم فادخل الامة في فتنة عمياء خاصة وانه من المنافقين المعروفين في خلد الصحابة [1261].
فأثمرت مجموعة من القضايا في اضعاف الدين ، وهذه المؤثرات تتمثل في :
مسرحية السقيفة ومكيدة منع تدوين الحديث النبوي ومنع التفسير القرآني وابعاد أهل البيت عن المرجعية الدينية والسياسية .وعملية المجيء باعداء الدين إلى السلطة مثل الامويين وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعبد الله بن أبي ربيعة (والي اليمن من قبل عمر) وعبدالله بن أبي سرح (والي أفريقيا من قبل عثمان) والاشعث والي عثمان على أذربيجان [1262]وعكرمة بن أبي جهل (والي أبي بكر على عمان) .
واستمرّت مؤامرات رجال السقيفة فاغتالوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام)وباقي الصحابة فانتشر فن الاغتيال فقتلوا أبابكر وعمر وغيرهم ثم استفحل القتل فاستخدمه معاوية في اغتيال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في محراب مسجدالكوفة [1263].
ولو سمح عمر بتولية علي فى السقيفة لما حدث هذا رغم اعتراف عمر وقوله : والله لأن ولّيتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح ، والمحجّة البيضاء [1264].
وقال المستشرق « اوسليزنز » : لو أنّه سمح لعلي أن يحكم بسلام لكانت فضائله وصرامته ، وسمو خلقه هي التي خلّدت الجمهورية القديمة وأساليبها البسيطة [1265].
وجاء في كتاب « إبطال الباطل » للفضل بن روزبهان الأشعري : أنّ عمر بن الخطاب قال : « لو وليها علي حملهم على الحقّ الذي لا يطيقونه » . وإذا كان الناس لا يطيقون الحقّ فكيف أطاقوا حكم الخليفة الثاني أكثر من عشر سنين ؟! وهل تحمّل الناس حكمه وحكم معاوية ، لأنّهم يطيقون الباطل ، ولا يطيقون الحقّ ؟! [1266].
----------

الهوامش
[1210] مختصر تاريخ دمشق 6 / 253 ، كتاب المفاخرات ، الزبير بن بكار ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 103 ط دار الفكر 1388هـ ، المحلّى ، ابن حزم الأندلسي 11 / 225 .
[1211] شرح النهج ، المعتزلي 4 / 8 ، أنساب الأشراف ، البلاذري 206 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 178 ، تاريخ الطبري 2 / 451 ، البداية والنهاية 4 / 30 ، الإمامة والسياسة 1 / 66 .
[1212] تاريخ ابن الأثير 2 / 367 ، مروج الذهب 2 / 387 ، تاريخ الطبري 4 / 575 ، 5 / 10 ، 48 ، أنساب الأشراف 3 / 97 ، البداية والنهاية 7 / 261 ، العقد الفريد 3 / 332 ، الفتوح 2 / 544 ، وقعة صفّين 196 ، 202 .
[1213] لجهله الفقهى وميله الى الطغاة.
[1214] البحار 33 / 353 ،انساب الاشاف ج 1 المخطوطة الورق 193، جامع بيان العلم، ابن عبد البر 2 / 126 .
[1215] شجرة طوبى، الحائرى 2 / 350 .
[1216] الايضاح 86، شرح الاخبار، المغربى 1 / 143، البحار 33 / 340 ،المعيار والموازنة 334 .
[1217] الامالي ، الصدوق 199 ، شرع النهج 3 / 169 ، البحار 44 / 255 .
[1218] وقعة صفين 14 .
[1219] أخضلت لحيته أي ابتلّت بالدموع .
[1220] في بعض النسخ « سخلى » ، كمال الدين ، الصدوق 535 .
[1221] في بعض النسخ الخيرة الطاهرة .
[1222] جمع الصوار ـ ككتاب ـ وهو القطيع من البعر أو المسك وقال في القاموس : الصور : النخل الصغار . والصيران : المجتمع . والمراد بالصيران هنا المجتمعة من أبعار الظباء .
[1223] كمال الدين 536 .
[1224] الأمالي ، الصدوق 696 ، البحار 44 / 154 ، كمال الدين ، الصدوق 535 .
[1225] الذخائر ص145 وقال : خرّجه ابن الجراح ، وذكره ابن حجر في صواعقه 116 باختلاف في اللفظ .
[1226] تهذيب التهذيب 2 / 306 رقم 615 ، ذخائر العقبى 145 ، الصواعق المحرقة 195 ، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق 253 ح314 .
[1227] مقتل الحسين، الخوارزمى 2 / 169 .
[1228] صحيح البخاري ج9 كتاب الفتن .
[1229] فتح الباري 13 / 7 و8 .
[1230] صحيح البخاري 6 / 2589 ح6649 ، المستدرك على الصحيحين 4 / 526 ح8476 ، فتح الباري 13 / 87 .
[1231] الإمامة والسياسة 1 / 180 ، البحار 10 / 101 .
[1232] الصواعق المحرقة 224، تاريخ اليعقوبى 2 / 254 .
[1233] مجمع البحرين ، الطريحي 4 / 124 ، نهج البلاغة 1 / 122 ، البحار 32 / 225 ، شرح النهج 2 / 53 ، طبقات ابن سعد 5 / 30 ط ليدن .
[1234] المستدرك 4 / 479.
[1235] حياة الحيوان 2 / 399 ، وابن حجر في الصواعق 108 ، والحلبي في السيرة 16337
[1236] ذكره ابن أبي الحديد 2 / 56 .
[1237] أُسد الغابة 2 / 34 ، الإصابة 1 / 346 ، السيرة الحلبية 1 / 337 ، كنز العمّال 6 / 40 .
[1238] شرح ابن أبي الحديد 2 / 55 نقلا عن الاستيعاب
[1239] أُسد الغابة 4 / 348 ورواه ابن عساكر بلفظ آخر كما في كنز العمّال 6 / 91 .
[1240] هم بنو عبدالملك : الوليد ، سليمان . يزيد . هشام . كذا فسّره الناس وعند ابن أبي الحديد هم أولاد مروان : عبدالملك . بشر . محمّد . عبدالعزيز .
[1241] شرح النهج 2 / 53.
[1242] هذه الزيادة أخذها ابن أبي الحديد من ابن سعد ذكرها في طبقاته 5 / 30 ط.ليدن .
[1243] الأنساب ،البلاذرى 5 / 126.
[1244] أشار بقوله : مضروب القفا إلى ما وقع يوم الدار ، فإنّ مروان ضرب يوم ذاك على قفاه كما يأتي حديثه في الجزء التاسع إن شاء الله تعالى .
[1245] ورواهما وما قبلهما ابن الأثير في أُسد الغابة 4 / 348 .
[1246] الأنساب ،البلاذرى 5 / 144
[1247] شرح النهج 2 / 55.
[1248] رواه علي بن عيسى الإربلي (رحمه الله) في أواخر عنوان : « ذكر كراماته وما جرى على لسانه من إخباره بالمغيبات » من كتاب كشف الغمّة : 1 / 284 ط بيروت . ورواه بتفصيل أكثر المسعودي في آخر ذكره شهادة الإمام أمير المؤمنين متصلاً بعنوان : « ذكر لمع من كلامه وأخباره ... » من كتاب مروج الذهب 2 / 430 ط مصر . ورواه أيضاً عن جماعة صاحب عبقات الأنوار في الوجه 38 من قدحه في حديث : « أصحابي كالنجوم ... » من حديث الثقلين من كتاب العبقات 758 ط إصفهان .
[1249] البحار 33 / 279 .
[1250] تاج العروس ، الزبيدي 5 / 205 .
[1251] المستدرك ، الحاكم 3 / 150 ، كفاية الطالب 168 .
[1252] الفرائد ، الحمويني ، الباب 27 ، 29 ، الكفاية ، الكنجي 69 ، كنز العمال 6 / 154 ، الاستيعاب 3 / 53 ، ميزان الاعتدال ، الذهبي 2 / 263 ، مجمع الزوائد 3 / 239 ، المستدرك ، الحاكم 3 / 139 ، أُسد الغابة 4 / 114 ، تاريخ بغداد 8 / 340 ، فرائد السمطين 1 / 284 ، كفاية الطالب 169 ، البداية والنهاية 7 / 338 .
[1253] البحار 33 / 219 .
[1254] حياة الحيوان الكبرى ، الدميري 2/89 ، مروج الذهب ، المسعودي 3/72 ـ 73 ، تاريخ الخلفاء ، السيوطي ص246 ، البداية والنهاية 8/261 .
[1255] الصواعق المحرقة 224، تاريخ اليعقوبى 2 / 254 .
[1256] راجعه كتاب اغتيال ابى بكر للمؤلف .
[1257] راجع كتاب نظريات الخليفتين للمؤلّف ، باب الولاة .
[1258] الغارات 2 / 748 ، شرح النهج 2 / 70 ، ذكر أخبار أصفهان 1 / 77 ، صفين 44 ، جواهر المطالب 1 / 368 ، النجوم الزاهرة ، الأتابكي 1 / 63 .
[1259] نهج البلاغة 1 / 108 ،علل الشرائع، الصدوق 1 / 218 ،البحار 33 / 434 .
[1260] صحيح البخاري 4/490 ، صحيح مسلم 11/89 .
[1261] مختصر تاريخ دمشق 6 / 253 ، كتاب المفاخرات ، الزبير بن بكار ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 103 ط دار الفكر 1388هـ ، المحلّى ، ابن حزم الأندلسي 11 / 225 .
[1262] أُسد الغابة 1 / 118 ، المنتظم 5 / 95 ، العقد الفريد 4 / 307 .
[1263] راجع موضوع اغتيال الإمام علي (عليه السلام) في هذا الكتاب .
[1264] كتاب « السفيانية » للجاحظ ، انظر أعيان الشيعة 3 / 332 القسم الأول طبعة 1960 .
[1265] كتاب « روح الإسلام » السيد مير علي 627 .
[1266] الكافي ، الكليني 8 / 24 ، شرح النهج 1 / 28 ، تحف العقول 99 ، مكاتيب الرسول ، الأحمدي 1 / 621 ، البحار 17 / 79 .