بسم اللّه الرَّحمن الرَّحِيم

 

الباب الأوّل

الإدارة عند أمير المؤمنين

 

الفصل الأوّل : نظرية الامام الادارية

 

إدارة الإمام (عليه السلام) لشؤون الناس

 

كان الإمام علي (عليه السلام)يدير الأُمور بحزم وبنفسه ولا يرضى بوكيل كما سترى :
عن علي (عليه السلام)أنّه قال لابدّ من إمارة ورزق للأمير ، ولابدّ من عريف [1267]ورزق للعريف ، ولابدّ من حاسب ورزق للحاسب ، ولابدّ من قاض ورزق للقاضي ، وكره أن يكون رزق القاضي على الناس الذين يقضي لهم ، ولكن من بيت المال . وعن علي (عليه السلام)أنّه كان يمشي في الأسواق وبيده درّة يضرب بها من وجد من مطفّف أو غاشّ في تجارة المسلمين .
قال الأصبغ [1268]: قلت له يوماً أنا أكفيك هذا ، ياأمير المؤمنين ، واجلس في بيتك ، قال : ما نصحتني ياأصبغ ، وكان يركب [1269]بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الشهباء ويطوف في الأسواق سوقاً سوقاً فأتى يوماً طاق اللحامين ، فقال : يامعشر القصّابين لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق ، وإيّاكم والنفخ في اللحم ، ثمّ أتى إلى التمّارين فقال أظهروا من ردئ بيعكم ما تظهرون من جيّده . ثمّ أتى السمّاكين ، فقال : لا تبيعوا إلاّ طيّباً وإيّاكم وما طفا [1270]ثمّ أتى الكناسة [1271]، وفيها من أنواع التجارة من نخاس [1272]وقماط [1273]وبائع إبل وصيرفي ، وبزّاز ، وخيّاط ، فنادى بأعلى صوت : يامعشر التجّار ، إنّ أسواقكم هذه تحضرها الايمان فشوبوا [1274]أيمانكم بالصدقة ، وكفّوا عن الحلف ، فإنّ الله تبارك وتعالى لا يقدّس من حلف باسمه كاذباً . وعن أبي جعفر محمّد بن علي أنّه قال : إنّ الخصومة تمحق الدين وتدرسه وتحبط العمل وتورث النفاق . وعن أبي عبدالله جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه أوصى رجلا فقال : ما استطعت من معروف تفعله فافعله ، وإيّاك أن تدخل بين اثنين في خصومة ، إنّي لك النذير ، إنّي لك النذير ، إنّي لك النذير .

 

قوانين السجن والحكم

عن علي (عليه السلام)أنّه قال : لا حبس في تهمة إلاّ في دم والحبس بعد معرفة الحقّ ظلم .
وعنه (عليه السلام)أنه قال : من خلّد في السجن رزق من بيت المال ، ولا يخلّد في السجن إلاّ ثلاثة : الذي يمسك على الموت ، والمرأة ترتدّ إلاّ أن [1275] تتوب ، والسارق بعد قطع اليد والرجل ، يعني إذا سرق بعد ذلك في الثالثة . وعنه (عليه السلام)أنّه قال : لا حبس على معسر في الدين . وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : إذا شهد شهود على رجل بحقّ في مال ، ولم يعرف القاضي عدالتهم ، وكان في بلد آخر قاض آخر يعرف ذلك ، فإن كانت الشهادة في طلاق أو حدّ ، لم يقبل فيه كتاب قاض إلى القاضي ولا شهادة على شهادة ولا يقبل كتاب قاض إلى قاض في حدّ .
وعن علي (عليه السلام)أنّه قال : لا ينفذ كتاب قاضي أهل البغي ولا يكاتب . وعنه (عليه السلام)أنّه قال : من وكّل وكيلا حكم على وكيله ، وتجوز الوكالة بغير محضر [1276]من الخصم . وعن الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه سئل عمّن وجب عليه الحقّ فسأل التأخير : فقال أمّا الرجل الواجد الذي عليه الحقّ إنّما يريد بذلك المطل ، فلا يؤخّر ، وأمّا الذي يريد أن يكسر ماله [1277] ويبيع فإنّه ينظر بقدر ذلك .
وعنه (عليه السلام)أنّه قال : من امتنع من دفع الحقّ وكان موسراً حاضراً عنده ما وجب عليه ، فامتنع من أدائه وأبى خصمه إلاّ أن يدفع إليه حقّه ، فإنّه يضرب حتّى يقضيه ، وإن كان الذي عليه لا يحضره إلاّ في عروض ، فإنّه يعطيه كفيلا أو يحبس له إن لم يجد الكفيل إلى مقدار ما يبيع ويقضي .
وعنه (عليه السلام)أنّه كان يرى الحكم على الغائب ويترك على حجّة إن كانت له حجّة ، فإن لم يوثق بالغريم المحكوم له أخذ عليه كفيلا بما يدفع إليه من مال الغائب ، فإن كانت له حجّة ردّ [1278]إليه .
وعنه (عليه السلام)أنّه قال : إذا ترافع إلى القاضي أهل الكتاب قضى بينهم بما أنزل الله كما قال الله : (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ) . وعن علي (عليه السلام)أنه خطب الناس بالكوفة ، فقال : ياأيها الناس ، إنّ الله تبارك وتعالى جعل لي عليكم حقّاً بولايتي أمركم ومنزلتي التي أنزلني بها عزّوجلّ من بينكم . ولكم عليَّ النصيحة والعدل [1279].
فالإمام (عليه السلام)حدّد رزق القاضي على الدولة كي لا يقضي بالباطل لأجل الرشوة وكان الإمام (عليه السلام)يضرب اللصّ والغاش بنفسه لمنع الاضطراب في الأسواق وتحكيم الأمن فيها .
ورفض الإمام (عليه السلام)نصيحة الأصبغ بتعيين وكيل لهذه الأعمال ، فوظيفة الإمام حفظ النظام ورعاية الحقوق العامّة .
وعن السجون توجّه لها الإمام (عليه السلام) بعناية بالغة فرفض إيداع الناس في السجون على التهمة إلاّ في قضايا القتل وقبل الحكم .
وبعد الحكم الشرعي لا يجوز إيداع الناس في السجون في حين تمتلأ سجون الدنيا بمواطنين لم تثبت تهم في حقّهم !
ويضرب الغني الممتنع عن دفع أموال الناس حتّى يقضي ديونهم .

 

متابعة مظالم الناس

أوّل من أسّس ديوان متابعة المظالم هو الإمام علي (عليه السلام) فالإسلام جاء لرفع الظلم المتسلّط على رقاب المستضعفين وإعطائهم حقوقهم فحصل الناس على حقوقهم المهضومة في الجاهلية على أيدي طغاة الحزب القرشي وباقي أعراب جزيرة العرب.
فأينما حصل الإسلام وجد العدل المنافي للظلم والباطل لذا كان من خروج الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهذان فرعان والفرع الأوّل من هذه الفروع الصلاة وهدف ديوان المظالم الذي أسّسه الإمام علي (عليه السلام) : النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة والحكّام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ وجاروا على الرعية . وسلبوا حقوقهم المادّية والمعنوية .وطمس جور العمّال في جباية الأموال .
ومحاسبة كتّاب الدواوين لأنّهم الأُمناء على بيوت الأموال فيما يستوفونه ويوفّونه .
مراعاة إقامة الشعائر الدينية والعبادات كصلاة الجمع والأعياد والحجّ والجهاد .
النظر في مظالم الموظفين في الدولة .
ردّ ما غصبه الظالمون إلى المظلومين والمستضعفين .
إدارة الأوقاف العامّة والخاصّة .
تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاة والمحتسبين ; لأنّ والي المظالم أقوى يداً وأنفذ أمراً من غيرهم .
محاسبة العمّال وغيرهم من كبار الموظّفين إذا شذّوا في سلوكهم ، ولم يؤدّوا واجباتهم [1280].
هذه أهمّ وظائف والي المظالم ، وقد أُهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب وأخطرها ، فقد أُنيط بها تطبيق العدل وصيانة الحقوق وإقصاء الظلم عن الناس . واهمال هذا المنصب فيه ضياع لحقوق المسلمين .

 

الولاة والإدارة عند الإمام (عليه السلام)

السير على القانون أوّلا : أي تطبيق القانون الإسلامي على الجميع بحدّ سواء ولو كان النجاشي شاعر الإمام علي (عليه السلام) في صفّين .
لكن هذا الشاعر رفض هذا الأمر واستنكر اجراء الحدّ عليه لشربه الخمر فهرب إلى معاوية ومال إليه [1281].
وقال الامام (عليه السلام)لقومه عند البيعة : اعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب [1282].

 

ومراعاة الدين

رفض الإمام علي (عليه السلام)الدهاء لأنّه من أعمال الشيطان قائلا : لولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس إلاّ إنّ لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار [1283].

 

تحقيق الحقّ

قال الإمام (عليه السلام): والله لهما (نعلاي) أحبّ إليّ من أمركم هذا ، إلاّ أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلا [1284].
وقال الإمام علي (عليه السلام)لمالك الأشتر : الزم الحقّ وكن في ذلك صابراً محتسباً ، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإنّ مغبّة ذلك محمودة [1285].
وقال الإمام علي (عليه السلام): من عمل بالحقّ مال إليه الخلق [1286].
وتنظيم الإدارة واستغلال الفرص : قائلا : إيّاكم وتأخير العمل ودفع الخير فإنّ ذلك الندم [1287].
وقول الإمام (عليه السلام)في وصيّته للحسن والحسين (عليهما السلام)مشهور : عليكم بتقوى الله ونظم أمركم [1288].
وقال الإمام (عليه السلام): آفة الأعمال عجز العمّال [1289].
وقال (عليه السلام): لا تتّكل في أُمورك على كسلان [1290].
وشرط الإمام علي (عليه السلام)على ولاته ارزاق عمّالهم قائلا : ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك ، وثلموا أمانتك [1291].
التحسين والتقبيح : أي تحسين أعمال الخيرين الطيّبة وتقبيح أفعالهم الخاطئة ، إذ قال الإمام (عليه السلام)للأشتر : ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة [1292].

 

مراقبة الولاة

مراقبة الولاة ومحاسبتهم أمر في غاية الأهمية في الدولة الإسلامية سنّه النبي (صلى الله عليه وآله)وسار عليه الإمام علي (عليه السلام) .
وأهميّته نابعة من منع الظلم والحيف وتحقيق العدالة والمحافظة على أموال المسلمين .
وقد سنّ ذلك ، ووضع منهاجه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، فكان يحاسب عمّاله على ما في أيديهم وعلى ما أنفقوه ، وقد استعمل رجلا من الأزد على الصدقات فلمّا رجع حاسبه فقال الرجال :
هذا لكم ، وهذا أُهدي لي .
فأنكر النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك وقال :
« ما بال الرجل نستعمله على العمل ممّا ولاّنا الله ، فيقول : هذا لكم ، وهذا أُهدي لي ؟ أفلا قعد في بيت أُمّه وأبيه فنظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده ! لا نستعمل رجلا على العمل ممّا ولاّنا الله فيغلّ منه شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيراً له رغاء ، وإن كانت بقرةً لها خوار ، وإن كانت شاة تمغر » .
ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهمّ هل بلّغت » قالها مرّتين أو ثلاثاً [1293].
وسار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على هذا المنهج في دور حكومته فكان يراقب الولاة والعمّال ، ويمعن في محاسبتهم ، فإذا بدرت من أحدهم خيانة بادر إلى عزله ، ومصادرة ما اختلسه من الأموال ، وقد بلغه عن بعض عمّاله أنّه استأثر ببعض أموال المسلمين فكتب إليه :
«أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وعصيت إمامك ... ، بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس [1294]».
وكتب إلى زياد بن أبيه ، وهو وال من قبل عامله على البصرة عبدالله بن عباس ، يحذّره من الخيانة ، وقد جاء فيما كتبه إليه :
«وإنّي أُقسم بالله قسماً صادقاً ، لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً ، لأشدنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، ضئيل الأمر [1295]».

 

عزل من ثبتت خيانته من العمّال

الامام علي في القرآن هو الصراط المستقيم فكانت اعماله كذلك .
قال صاحب الاستيعاب : كان علي (عليه السلام) لا يخصّ بالولايات إلاّ أهل الديانات والأمانات ، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه : «قد جاءتكم موعظة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ [1296]. إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من أعمالنا حتّى نبعث إليك من يتسلّمه منك »، ثمّ يرفع طرفه إلى السماء فيقول : اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقّك .
وخطبه ومواعظه ووصاياه لعمّاله إذ كان يخرجهم إلى أعماله كثيرة مشهورة لم أرض التعرّض لذكرها ، لئلاّ يطول الكتاب ، وهي حسان كلّها [1297].
وأحضر الإمام (عليه السلام)الأشعث بن قيس ، وكان عثمان استعمله على آذربيجان ، فأصاب مائة ألف درهم ، فبعض يقول : أقطعه عثمان إيّاها ، وبعض يقول : أصابها الأشعث في عمله .
فأمره علي (عليه السلام)بإحضارها فدافعه ، وقال : ياأمير المؤمنين ، لم أُصبها في عملك . قال : والله لئن أنت لم تحضرها بيت مال المسلمين ، لأضربنّك بسيفي هذا أصاب منك ما أصاب [1298].
فأحضرها وأخذها منه وصيّرها في بيت مال المسلمين ، وتتبّع عمّال عثمان ، فأخذ منهم كلّ ما أصابه قائماً في أيديهم ، وضمّنهم ما أتلفوا [1299].

 

محاسبة الولاة

ونقل عن سودة بنت عمارة الهمدانية أنّها قدمت على معاوية بعد موت علي (عليه السلام)، «فجعل معاوية يؤنّبها على تعريضها عليه في أيّام قتال صفّين ، ثمّ إنّه قال لها : ما حاجتك ؟ فقالت : إنّ الله تعالى مسائلك عن أمرنا وما فوّض إليك من أمرنا ، ولا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمقامك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف ، ويذيقنا الحتف ، هذا بسر بن أرطاة قد قدم علينا ، فقتل رجالنا ، وأخذ أموالنا ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإن عزلته عنّا شكرناك وإلاّ فإلى الله شكوناك .
فقال معاوية : إيّاي تعنين ولي تهدّدين ! لقد هممت ياسودة أن أحملك على قتب أشوس ، فأردّك إليه فينفذ حكمه فيك . فأطرقت ثمّ أنشأت تقول :
صلّى الإله على جسم تضمّنه *** قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا *** فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
فقال معاوية : من هذا ياسودة ؟ فقالت : هذا والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائماً يريد الصلاة ، فلمّا رآني انفتل ، ثمّ أقبل عليَّ بوجه طلق ، ورحمة ورفق ، وقال :ألك حاجة ؟ فقلت : نعم ، وأخبرته بالأمر فبكى ، ثمّ قال : اللهمّ أنت شاهد أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك ، ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [1300]
وإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملك حتّى نقدم عليك من يقبضه . والسلام .
ثمّ دفع إليّ الرقعة ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولا .
فقال : اكتبوا لها بما تريد ، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية [1301].
ولمّا استدرك على ابن هرمة خيانة ، وكان على سوق الأهواز ، فكتب إلى رفاعة ـ : إذا قرأت كتابي فنحّ ابن هرمة عن السوق ، وأوقفه للناس ، واسجنه وناد عليه ، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه ، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط ، فتهلك عند الله ، وأعزلك أخبث عزلة ، وأُعيذك بالله من ذلك [1302]».

 

شرط الورع

شرط الإمام علي (عليه السلام)على ولاته انتخاب المؤمنين السابقين في الإسلام قائلا : فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة [1303].
في حين دعا عمر لاستخدام الفاجر الفاسق تحت عنوان القوي .
إذ كتب عمر لابن العاص : من عبد الله أمير المؤمنين الى العاصي ابن العاصي [1304] .وقال عمر للمغيرة بن شعبة : صدقت فأنت القوي الفاجر [1305] .
فاعترف عمر بفجور المغيرة ! [1306]
وقال لابي هريرة في سرقته أموال المسلمين : استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه [1307] . واتهم عمر أبا هريرة بالكذب في الحديث قائلا : أكثرت من الحديث وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول الله [1308] .
ورغم ذلك استخدمه عمر واليا واعتمد عليه !

 

محاسبة الولاة والعمّال

كان الامام يحاسب الناس بنفسه :إذ قال الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر : استعملهم اختباراً ثمّ تفقّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم [1309].
بينما أعاث المغيرة الفساد في ولايته أيّام عمر .

 

اعطاء الرواتب للعمّال ومحاسبتهم

أوّل عامل دافع للسرقة والحيف والميل عدم إعطاء العمّال أرزاقهم فهي حجّة لهم لاغتصاب أموال بيت المال .
لذا قال الإمام علي (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر : ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق ; فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك [1310].
وقال (عليه السلام)في عهده إلى مالك الأشتر : ثمّ انظر في أُمور عمّالك فاستعملهم اختباراً ... ثمّ تفقّد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ; فإنّ تعاهدك في السرّ لأُمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ، والرفق بالرعيّة ، وتحفّظ من الأعوان ; فإنّ أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهداً ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلّة ، ووسمته بالخيانة ، وقلّدته عار التهمة [1311].
وقال الإمام علي (عليه السلام)في كتابه إلى مالك بن كعب : «أمّا بعد ; فاستخلف على عملك ، واخرج في طائفة من أصحابك حتّى تمرّ بأرض كورة السواد [1312]، فتسأل عن عمّالي ، وتنظر في سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب [1313]، ثمّ ارجع إلى البهقباذات [1314]فتولّ معونتها ، واعمل بطاعة الله فيما ولاّك منها .
واعلم أنّ كلّ عمل ابن آدم محفوظ عليه مجزيّ به ، فاصنع خيراً صنع الله بنا وبك خيراً ، وأعلمني الصدق فيما صنعت . والسلام [1315]».
وقال (عليه السلام)في عهده إلى مالك الأشتر (في مراقبة الجنود) ـ : ثمّ لا تدع أن يكون لك عليهم عيون من أهل الأمانة والقول بالحقّ عند الناس ، فيثبتون بلاء كلّ ذي بلاء منهم ليثق أُولئك بعلمك ببلائهم [1316].

 

المحسن والمسيء في قاموس الإمام (عليه السلام)

قال الإمام علي (عليه السلام)في عهده إلى مالك الأشتر : ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ; فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة . وألزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه [1317].
وقال الإمام علي (عليه السلام)في عهده إلى مالك الأشتر : وليكن آثر رؤوس جنودك من واساهم في معونته ، وأفضل عليهم في بذله ممّن يسعهم ويسع من وراءهم من الخلوف [1318] من أهلهم ، حتّى يكون همّهم همّاً واحداً في جهاد العدوّ .
ثمّ واتر إعلامهم ذات نفسك في إيثارهم والتكرمة لهم ، والإرصاد بالتوسعة . وحقّق ذلك بحسن الفعال والأثر والعطف ; فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك [1319].

 

تربية عمّاله

وكان الإمام علي (عليه السلام)مهتمّاً بتربية عمّاله تربية إسلامية بعيدة عن الاستبداد والحيف والسرقة والتكبّر لتحيى أرواحهم بالرأفة على الناس والعطف عليهم والشفقة على الضعفاء وأخذهم باللين والأخلاق .
إذ كتب علي (عليه السلام)إلى عمر بن مسلمة الأرحبي : أمّا بعد ، فإنّ دهاقين عملك شكوا غلظتك ، ونظرت في أمرهم فما رأيت خيراً ، فلتكن منزلتك بين منزلتين : جلباب لين ، بطرف من الشدّة ، في غير ظلم ولا نقص ; فإنّهم أحيونا صاغرين ، فخذ ما لك عندهم وهم صاغرون ، ولا تتّخذ من دون الله وليّاً ، فقد قال الله عزّوجلّ : (لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالا) [1320] .
وقال جلّ وعزّ في أهل الكتاب : (لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) وقال تبارك وتعالى :
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) وقرّعهم بخراجهم ، وقابل في ورائهم ، وإيّاك ودماءهم . والسلام [1321].
وكتب الإمام علي (عليه السلام)إلى بعض عمّاله : أمّا بعد ، فإنّك ممّن استظهر به على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الأثيم ، وأسدّ به لهاة الثغر المخوف . فاستعن بالله على ما أهمّك ، واخلط الشدّة بضغث من اللين ، وارفق ما كان الرفق أرفق ، واعتزم بالشدّة حين لا تغني عنك إلاّ الشدّة . واخفض للرعيّة جناحك ، وابسط لهم وجهك ، وألن لهم جانبك . وآس بينهم في اللحظة والنظرة ، والإشارة والتحيّة ; حتّى لا يطمع العظماء في حيفك ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك . والسلام [1322].
وأين هذه الرسائل الحضارية من نظرية عثمان في أخذ الناس إلى جبهات الحرب ليحتاروا بقملهم ووسخهم ، وهي النظرية التي اتّفق عليها عثمان مع عبدالله بن عامر الأُموي ، لأنّ عثمان جاء ليحكم ويبقى في كرسي السلطنة دون رعاية للوسائل المستخدمة والأخلاق المطموسة .

 

فتنة الولاة من وراؤها ؟

ومشكلة الولاة والسلطنة أوجدها عمر بن الخطّاب كيف ؟
إذ كان والي عمر يحكم مدى الحياة فهو باق في السلطة بعد وفاة الخليفة .
بل إنّ عمر أوصى عثمان بإبقاء ولاته فأبقاهم فترة وعزلهم ، إذ عزل المغيرة والأشعري وابن العاص .
وبعدما عزلهم ثار عليه ابن العاص وضجر المغيرة والأشعري .
وأوجد عمرو بن العاص فتنة عظيمة في هذا المجال .
أمّا معاوية فلم يعزله عثمان فكان والياً في زمني حكم عمر وعثمان ومدّة حكمه قاربت العشرين سنة .
والأخطر من هذا لم يكن معاوية يعطي أموالا للحكومة المركزية بل كان ينفقها على جيشه وإدارته ويخزن الباقي له ، ممّا يعني تكدّس أموال عظيمة عنده .
وهذه الأُمور مع عقيدة معاوية الفاسدة دفعته للمطالبة بالبقاء في منصبه والتخطيط لنيل السلطة العامّة .
إذن كان عمر وعثمان هما اللذان هيّئا الأرضية لفتنة الجمل وصفّين .
ولو غيّر عمر وعثمان الولاة دورياً لما حصلت هذه الفوضى السياسية .

 

الفصل الثاني: الولاة

قدامة بن عجلان

وكتب الإمام علي (عليه السلام)إلى قدامة بن عجلان عامله على كسكر [1323]: أمّا بعد ، فاحمل ما قبلك من مال الله ; فإنّه فيء للمسلمين ، لست بأوفر حظّاً فيه من رجل منهم ، ولا تحسبنّ يابن أُمّ قدامة أنّ مال كسكر مباح لك كمال ورثته عن أبيك وأُمّك ، فعجّل حمله وأعجل في الإقبال إلينا ، إن شاء الله [1324].

 

مصقلة بن هبيرة الهارب

وكتب الإمام علي (عليه السلام)إلى مصقلة بن هبيرة : بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أتيت شيئاً إدّاً [1325]، بلغني أنّك تقسم فيء المسلمين فيمن اعتفاك وتغشّاك من أعراب بكر بن وائل !
فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، وأحاط بكلّ شيء علماً ، لئن كان ذلك حقّاً لتجدنّ بك عليّ هواناً ، فلا تستهين بحقّ ربّك ، ولا تصلحنّ دنياك بفساد دينك
ومحقه ; فتكون من (الاَْخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [1326]ـ [1327].
وكتب إلى مصقلة : أمّا بعد ، فإنّ من أعظم الخيانة خيانة الأُمّة ، وأعظم الغشّ على أهل المصر غشّ الإمام ، وعندك من حقّ المسلمين خمسمائة ألف ، فابعث بها إليّ ساعة يأتيك رسولي ، وإلاّ فأقبل حين تنظر في كتابي ; فإنّي قد تقدّمت إلى رسولي إليك ألاّ يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلاّ أن تبعث بالمال ، والسلام عليك [1328].
وعن ذهل بن الحارث : دعاني مصقلة إلى رحله ، فقدّم عشاءً فطعمنا منه ، ثمّ قال : والله إنّ أمير المؤمنين يسألني هذا المال ، ووالله لا أقدر عليه ، فقلت له : لو شئت لا يمضي عليك جمعة حتّى تجمع هذا المال . فقال : والله ما كنت لأُحمّلها قومي ، ولا أطلب فيها إلى أحد .
ثمّ قال : أما والله لو أنّ ابن هند يطالبني بها ، أو ابن عفّان لتركها ، ألم تر إلى ابن عفّان أطعم الأشعث بن قيس مائة الف درهم من خراج آذربيجان في كلّ سنة .
فقلت : إنّ هذا لا يرى ذلك الرأي ، وما هو بتارك لك شيئاً ، فسكت ساعة وسكت عنه ، فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتّى لحق بمعاوية ، فبلغ ذلك علياً (عليه السلام)فقال : ما له ؟! ترحه [1329]الله ! فعل فعل السيّد وفرّ فرار العبد ، وخان خيانة الفاجر ! أما إنّه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه ; فإن وجدنا له شيئاً أخذناه ، وإن لم نقدر له على مال تركناه ، ثمّ سار إلى داره فهدمها [1330].

 

المنذر بن الجارود

وكان من الطالحين المخالفين للشريعة الإسلامية والمراعين لأهوائهم وكتب الإمام (عليه السلام)إلى المنذر بن الجارود ، وبلغه أنّه يبسط يده في المنال ، ويصل من أتاه ، وكان على اصطخر [1331]: إنّ صلاح أبيك غرّني منك ، وظننت أنّك تتبّع هديه وفعله ، فإذا أنت فيما رقّي إليّ عنك لا تدع الانقياد لهواك وإن أزرى ذلك بدينك ، ولا تصغي إلى الناصع وإن أخلص النصح لك ، بلغني أنّك تدع عملك كثيراً وتخرج لاهياً متنزّهاً متصيّداً ، وأنّك قد بسطت يدك في مال الله لمن أتاك من أعراب قومك ، كأنّه تراثك عن أبيك وأُمّك .
وإنّي أُقسم بالله لئن كان ذلك حقّاً لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ، وأنّ اللعب واللهو لا يرضاهما الله ، وخيانة المسلمين وتضييع أعمالهم ممّا يسخط ربّك ، ومن كان كذلك فليس بأهل لأن يسدّ به الثغر ، ويجبى به الفيء ، ويؤتمن على مال المسلمين ، فأقبل حين يصل كتابي هذا إليك .
فقدم فشكاه قوم ورفعوا عليه أنّه أخذ ثلاثين ألفاً ، فسأله فجحد ، فاستحلفه فلم يحلف ، فحبسه مدّة [1332].
فكان المنذر مهتمّاً بالدنيا وأهواءها وغافلا عن الآخرة وامتحانها .

 

المسيء زياد بن أبيه

كتب الإمام علي (عليه السلام)إلى زياد بن أبيه : إنّي أُقسم بالله قسماً صادقاً ، لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً ، لأشدنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، ضئيل الأمر . والسلام [1333].
ثمّ وجّه علي (عليه السلام)إلى زياد رسولا ليأخذه لحمل ما اجتمع عنده من المال ، فحمل زياد ما كان عنده وقال للرسول : إنّ الأكراد قد كسروا من القضاء :
(وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) [1334] شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا [1335].

 

خيانة زياد

وخان زياد الامام فى المال وأخبر سفير الامام بذلك قائلا :
لا تُعلم أمير المؤمنين ذلك ، فيرى أنّه اعتلال منّي .
فقدم الرسول فأخبر علياً(عليه السلام) بما قال زياد ، فكتب إليه : قد بلّغني رسولي عنك ما أخبرته به عن الأكراد ، واستكتامك إيّاه ذلك ، وقد علمت أنّك لم تلق ذلك إليه إلاّ لتبلغني إيّاه ، وإنّي أُقسم بالله عزّوجلّ قسماً صادقاً لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً ، لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر [1336]، ثقيل الظهر . والسلام [1337].
وقال الإمام (عليه السلام)له أيضاً : أمّا بعد ، فإنّ رسولي أخبرني بعجب ، زعم أنّك قلت له فيما بينك وبينه : إنّ الأكراد هاجت بك ، فكسرت عليك كثيراً من الخراج ، وقلت له : لا تُعلم بذلك أمير المؤمنين .
يازياد ! وأقسم بالله إنّك لكاذب ، ولئن لم تبعث بخراجك لأشدّن عليك شدّة تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، إلاّ أن تكون لما كسرت من الخراج محتملا [1338].

 

نسب زياد بن أبيه وأعماله فى البصرة

وهو زياد بن عبيد الرومي ابن سميّة الزانية ولد على فراش عبيد من عدّة من الرجال الزناة منهم أبو سفيان بشهادة أبي مريم الخمّار من سماسرة الفجور في الجاهلية ، لكن معاوية ادّعاه خلافاً للحديث النبوي :
الولد للفراش وللعاهر الحجر .
وكان ابن عباس قد عيّن زياد بن أبيه وكيلا عنه في البصرة وسار إلى الكوفة . وكان معاوية قد أرسل عبدالله الحضرمي لإيجاد الفتنة في البصرة باسم الطلب بدم عثمان فأجابه بعضهم مثلما حدث في فتنة عائشة سابقاً .
وسار عبدالله الحضرمى يطوي البيداء حتّى انتهى إلى البصرة وعرض على أهلها ما طلب منهم معاوية من التمرّد على الإمام (عليه السلام) ، فأجابه جمهور غفير منهم ، فخاف زياد منهم ، وكتب إلى ابن عباس يخبره بذلك ، وبادر ابن عباس فأحاط الإمام علماً بأنّ جلّ أهل البصرة قد خلعوا يد الطاعة وفارقوا الجماعة ، فندب الإمام أهل الكوفة لمناجزة ابن الحضرمي فتكاسلوا عن إجابته ، فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ، فقال له : أنا أكفيك هذا الخطب ، فأمره بالشخوص إلى البصرة ، وزوّده بهذه الرسالة إلى زياد :
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد ، سلام عليك .
أمّا بعد ، فإنّني بعثت أعين بن ضبيعة ليفرّق قومه عن ابن الحضرمي ، فارقب ما يكون منه ، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش ، فهو ما نحبّ وإن ترامت الأُمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانبذ من أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت عليك ، وإلاّ فطاولهم وماطلهم فكأنّ كتائب المسلمين قد أطلّت عليك ، فقتل الله المفسدين الظالمين ، ونصر المؤمنين المحقّين ، والسلام .
وانتهى أعين إلى البصرة ، وعرض رسالة الإمام على زياد ، فلمّا قرأها قال : إنّي لأرجو أن يكفيني هذا الأمر ، وبادر أعين إلى قومه فحذّرهم وخوّفهم ، فاستجابوا له ، فنهض بهم إلى ابن الحضرمي ، وجرت بينهم مناوشات ومجادلات كلامية ، وأراد زياد مناجزته إلاّ أنّه عدل عن ذلك ، ورفع إلى الإمام رسالة جاء فيها :
«أمّا بعد ياأمير المؤمنين ! فإنّ أعين قدم علينا بجدّ ومناصحة وصدق يقين ، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثّهم على الطاعة ، وحذّرهم الخلاف ، ثمّ نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه ، فوافقهم عامّة النهار ، فهال أهل الخلاف تقدّمه ، وتصدّع عن ابن الحضرمي كثير ممّن كان يريد نصرته ، فكان كذلك حتّى أمسى فأتى رحله ، فبيّته نفر من هذه الخارجة المارقة فأُصيب رحمه الله تعالى فأردت أن أُناهض ابن الحضرمي فحدث أمر قد أمرت رسولي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين ، وقد رأيت أنّ رأي أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة ، فإنّه نافذ البصيرة ومطاع في العشيرة ، شديد على عدوّ أمير المؤمنين ، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله ، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته » .
ولمّا وردت الرسالة إلى الإمام دعا جارية بن قدامة ، وعرض عليه الأمر فاستجاب له ، ومضى يجدّ السير حتّى انتهى إلى البصرة ، فقام بما عهد إليه ، فاستجاب له خلق من الأزد ، وثابوا إلى الطاعة ونبذ الخلاف [1339].

 

كتابه (عليه السلام) إلى زياد

وكتب الإمام (عليه السلام)هذه الرسالة إلى زياد بعد ما بلغه أنّه يتكبّر على الناس ، ويكثر من الألوان المختلفة في طعامه ... وهذه رسالته :
أمّا بعد ، فإنّ سعداً ذكر أنّك شتمته ظلماً ، وهدّدته وجبهته [1340] تجبّراً وتكبّراً ، فما دعاك إلى التكبّر ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الكبر رداء الله ، فمن نازع الله رداءه قصمه » .
وقد أخبرني أنّك تكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد ، وتدّهن كل يوم ، فما عليك لو صمت لله أيّاماً ، وتصدّقت ببعض ما عندك محتسباً ، وأكلت طعامك قفاراً [1341]، فإنّ ذلك شعار الصالحين .
أفتطمع وأنت متمرّغ في النعيم تستأثر به على الجار والمسكين والضعيف والفقير والأرملة واليتيم أن يحسب لك أجر المتصدّقين .
وأخبرني أنّك تتكلّم بكلام الأبرار ، وتعمل عمل الخاطئين ، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت ، وعملك أحبطت ، فتب إلى ربّك يصلح لك عملك ، واقتصد في أمرك وقدّم إلى ربّك الفضل ليوم حاجتك ، وادّهن غبّاً ، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : « ادّهنوا غبّاً ولا تدّهنوا رفهاً » [1342].
بيّنت هذه الرسالة الحادّة من الإمام علي (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه تسلّطه عليه ومراقبته له في أكله ولبسه وحديثه وأفعاله وخطبه وحركاته ممّا جعله محبساً في اصبع الإمام (عليه السلام) لا يخالفه في أمر ولا يعارضه في حكم .
فكان زياد سائراً على الحقّ ظاهراً خائفاً من سوط أمير المؤمنين .
ومن جهة أُخرى أرسل معاوية رسالة إلى زياد بن أبيه يهدّده ويتوعّده طالباً منه العمل معه ومخالفة أمير المؤمنين وجاء في رسالته :
أمّا بعد فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلا كما تأوي الطير إلى وكرها وأيم الله لولا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان ذلك منّي ما قاله العبد الصالح :
(فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [1343].
تنسى أباك وقد شالت نعامته إذ تخطب الناس والوالي عمر .
ولمّا ورد ذاك الكتاب إلى زياد خطب الناس قائلا : العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهدّدني وبيني وبينه ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوج سيّدة نساء العالمين وأبو السبطين وصاحب الولاية والأخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أما والله لو تخطّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني فحشاً [1344]ضرّاباً بالسيف .
وكتب إلى الإمام (عليه السلام)يخبره برسالة معاوية إليه فبعث الإمام (عليه السلام) هذه الرسالة إليه :أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيتك ما ولّيتك وأنا أراك لذلك أهلا ، وإنّه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيّام عمر من أمانيّ التيه وكذب النفس ، لم تستوجب بها نسباً ، وإنّ معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذره ثمّ أحذره ثمّ احذره ، والسلام [1345].
في هذه الرسالة الرائعة من أمير المؤمنين (عليه السلام) حذّر الإمام (عليه السلام)زياداً من أضاليل معاوية وخداعه ، فقد حاول أن يلحق زياداً بنسبه ، وذلك شبهة لزنا أبيه بسميّة أُمّ زياد ، والقصّة يندى له جبين الإنسانية فيها فضيحة لأبي سفيان وسميّة ، ولكن معاوية لم يحفل بالعار في سبيل تدعيم أغراضه السياسية ، وبناء سلطانه ، وأخيراً استجاب زياد لمعاوية بعد شهادة الامام (عليه السلام)، وصار من أقوى أعوانه وأخذ يتتبّع شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكان بهم عالماً ، فجعل يسمل أعينهم ويقطع ألسنتهم ، ويقتلهم على الظنّة والتهمة .
ومات زياد على هذا الباطل على نهج أُمّه سميّة وأبي سفيان !!

 

شريح القاضي

شريح القاضي شخصية متزلزلة خائفة عيّنه عمر قاضياً واستمرّ في عمله في زمن عمر وعثمان .وأبقاه الإمام علي (عليه السلام) في مكانه مع مراقبة كاملة لأعماله كي لا يفعل فعلا باطلا .
روي أنّ شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين (عليه السلام) اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً ، فبلغه ذلك فاستدعى شريحاً وقال له :
بلغني أنّك ابتعت داراً بثمانين ديناراً ، وكتبت لها كتاباً ، وأشهدت فيه شهوداً ! فقال له شريح : قد كان ذلك ياأمير المؤمنين .
قال : فنظر إليه نظر مغضب ثمّ قال له : ياشريح ! أما إنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ، ولا يسألك عن بيّنتك حتّى يخرجك منها شاخصاً ، ويسلّمك إلى قبرك خالصاً . فانظر ياشريح ! لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك ، أو نقدت الثمن من غير حلالك ; فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة . أما إنّك لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت ، لكتبت لك كتاباً على هذه النسخة ، فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوق . والنسخة هذه :
«هذا ما اشترى عبد ذليل من ميّت قد أزعج للرحيل ، اشترى منه داراً من دار الغرور من جانب الفانين ، وخطّة الهالكين ، وتجمع هذه الدار حدود أربعة : الحدّ الأوّل ينتهي إلى دواعي الآفات ، والحدّ الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات ، والحدّ الثالث ينتهي إلى الهوى المردي ، والحدّ الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي ، وفيه يُشرع باب هذه الدار .اشترى هذا المغترّ بالأمل ، من هذا المزعج بالأجلّ هذه الدار بالخروج من عزّ القناعة ، والدخول في ذلّ الطلب والضراعة ; فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى منه من درك .
فعلى مبلبل أجسام الملوك ، وسالب نفوس الجبابرة ، ومزيل ملك الفراعنة ، مثل كسرى وقيصر ، وتبّع وحمير ، ومن جمع المال على المال فأكثر ، ومن بنى وشيّد وزخرف ، ونجّد [1346]وادّخر ، واعتقد ونظر بزعمه للولد ـ إشخاصهم جميعاً إلى موقف العرض والحساب [1347].
وفي سنة 36 هجرية فرّق الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عمّاله على الأمصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة وعمارة بن شهاب على الكوفة (وكانت له هجرة) وعبيدالله بن عباس على اليمن وقيس بن سعد على مصر وسهل بن حنيف على الشام [1348].
وكتب (عليه السلام)إلى معاوية وأبي موسى ، فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم ، وكتب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى قيس بن سعد وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى أن يندبوا الناس إلى أهل الشام [1349].
وقد سعى الإمام علي (عليه السلام) إلى تعيين ولاة مؤمنين لهم سابقة في الجهاد والإسلام مثل سهل بن حنيف وعثمان بن حنيف .
وكان أبو بكر وعمر وعثمان قد أبعدوا الأنصار عن الحكم إلاّ نادراً فأعاد الإمام علي (عليه السلام)إليهم مقامهم المحمود ومنزلتهم المعتبرة .
ولقد سار أبو بكر وعمر وعثمان على منطق رجال قريش في إبعاد الأنصار عن السياسة والإدارة ورفع منزلة طلقاء مكّة مع سابقتهم السيّئة وأفعالهم المرّة المعادية للإسلام .
فقد عيّن أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على قسم من الشام وعيّن عتبة بن أبي سفيان على الطائف وعيّن عكرمة بن أبي جهل على عمان .
وكذلك فعل عمر وعثمان مع الطلقاء رغم صحائفهم السوداء وتراجمهم العقيمة [1350].واحتكر رجال الندوة المجتمعون لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) قبل هجرته على مناصب الولاة في زمن أبي بكر وعمر وعثمان .

 

سهل بن حنيف والي المدينة

وسهل من المخلصين الأفذاذ والرموز القليلة التي جاهدت بنفسها ومالها في سبيل الله تعالى وهو سهل بن حنيف الأنصاري الآلوسي ، وكان من أعلام الصحابة وخيارهم ، ومن السابقين لاعتناق الإسلام ، شهد بدراً ، وثبت يوم أُحد حين انكشف الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبايع النبي على الموت ، وكان ينفح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنبل فيقول : نبّلوا سهلا فإنّه سهل .
كما شهد الخندق والمشاهد كلّها ، وقد ولاّه الإمام بعد ذلك على البصرة .
وولاة الإمام علي (عليه السلام)على المدينة بعد رحيله إلى العراق
وحينما كان والياً على المدينة بلغ الإمام (عليه السلام) أنّ عصابة من أهل المدينة التحقوا بمعاوية ، فكتب إليه الإمام (عليه السلام) هذه الرسالة :
«أمّا بعد ، فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك يتسلّلون إلى معاوية ، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ، ويذهب عنك من مددهم ، فكفى لهم غيّاً ولك منهم شافياً ، فرارهم من الهدى والحقّ ، وإيضاعهم [1351]إلى العمى والجهل ; وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها ، ومهطعون إليها وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا أنّ الناس عندنا في الحقّ أُسوة فهربوا إلى الإثرة فبعداً لهم وسحقاً [1352]».
الظاهر من رسالة الإمام (عليه السلام) لسهل أنّ سهلا حزن لفراق البعض المدينة والتحاقهم بمعاوية فراسله أمير المؤمنين مبيّناً له سوء منزلتهم وفضل فرارهم ، وتوفّي سهل في سنة 38 هجرية .

 

عثمان بن حنيف

كان عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي من رموز الصحابة شارك في المعارك الإسلامية مجاهداً فذّاً [1353].
وكان مناصراً لأهل البيت (عليهم السلام) في أيّام السقيفة وما بعدها .
وكان أخوه سهل بن حنيف من زعماء الأنصار الصالحين ولمّا رفض الناس الصلاة خلف عثمان أيّام الثورة عليه طلبوا من سهل إمامة الصلاة في المسجد النبوي فكان يصلّي بهم [1354].
ثمّ عيّنه الإمام علي (عليه السلام) والياً على البصرة لأهميّتها الاستراتيجية ولمّا دعاه أحد الناس هناك إلى وليمة كبيرة هناك وبّخه الإمام (عليه السلام)في رسالة له اليه :

 

رسالة الإمام الحضارية الأخلاقية

جاء فى تلك الرسالة :
أمّا بعد يابن حنيف فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان [1355].
وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم ، عائلهم [1356]مجفو [1357]، وغنيّهم مدعو .
فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم [1358]، فما اشتبه عليك علمه فالفظه [1359]، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه .
ألا وإنّ لكل مأموم إماماً ، يقتدي به ويستضيء بنور علمه ; ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه [1360]، ومن طعمه بقرصيه .
ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد .
فوالله ! ما كنزت من دنياكم تبراً [1361]، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً [1362]، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة [1363] مقرة [1364] بلى ! كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوس قوم [1365]، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله .
وما أصنع بفدك وغير فدك ، والنفس مظانّها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها وحفرة [1366]لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التراب المتراكم ; وإنّما هي نفسي أُروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق [1367]. ولو شئت لاهتديت الطريق ، إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ [1368].
ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ـ ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ [1369]
أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش [1370]!
فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها [1371]، تكترش من أغلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدىً ، أو أُهمل عابثاً ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة [1372]!
وكأنّي بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان » .
ألا وإنّ الشجرة البرّية أصلب عوداً ، والروائع الخضرة أرقّ جلوداً ، والنباتات البدوية أقوى وقوداً ، وأبطأ خموداً .
وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو [1373]، والذراع من العضد .
والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها . وسأجهد في أن أُطهّر الأرض من هذا الشخص المعكوس ، والجسم المركوس [1374]حتّى تخرج المدرة [1375] من بيت حبّ الحصيد .
ومن هذا الكتاب ، وهو آخره :
إليك عنّي يادنيا ! فحبلك على غاربك [1376]، قد انسللت من مخالبك [1377]وأفلت من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك .
أين القرون الذين غررتهم بمداعبك !
أين الأُمم الذين فتنتهم بزخارفك !
فهاهم رهائن القبور ، ومضامين اللحود .
والله ! لو كنت شخصاً مرئياً ، وقالباً حسّياً ، لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني ، وأُمم ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف ، وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر [1378]!
هيهات ! من وطيء دحضك زلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازورّ [1379]عن حبائلك وفّق ، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه [1380].
اعزبي عنّي ! فوالله لا أُذلّ لك فتستذلّيني ، ولا أسلس [1381] لك فتقوديني . وأيم الله ! يميناً أستثني فيها بمشيئة الله لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوماً ; ولأدعنّ مقلتي كعين ماء ، نضب معينها [1382]، مستفرغة دموعها . أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ؟ وتشبع الربيضة [1383]من عشبها فتربض ؟ ويأكل علي من زاده فيهجع [1384]! قرّت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة [1385]، والسائمة المرعية !
طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت في الليل غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى [1386]عليها افترشت أرضها ، وتوسّدت كفّها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم :
(أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ).
فاتّق الله يابن حنيف ، ولتكفف أقراصك ، ليكون من النار خلاصك [1387].
فعثمان بن حنيف رغم أخلاقه العالية وزهده في الدنيا يوبّخه الإمام (عليه السلام)ويدعوه لسلوك طريق الحقّ أكثر فأكثر لاستعداده لهذا الأمر .
وهو درس أخلاقي لنا في كيفية التعامل مع هذه الحالات .
وحالة إكرام الأغنياء وترك الفقراء قديمة ومستمرّة تشكوا منها مجتمعات العالم فالأغنياء يشكون من التخمة والمساكين يتضوّرون من الجوع .
ورسالة الإمام (عليه السلام)دعوة مخلصة لنبذ أهواء الدنيا وترك زبرجها والتوجّه نحو رحاب الله تعالى ورضاه والقناعة في الأُمور كلّها .

 

رسالة ثانية من الإمام لعثمان

وبعث الإمام (عليه السلام)رسالة إلى عثمان حينما بلغه زحف الجيش الذي تقوده عائشة والزبير وطلحة لاحتلال البصرة جاء فيها :
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف .
أمّا بعد ، فإنّ البغاة عاهدوا الله ثمّ نكثوا وتوجّهوا إلى مصرك ، وساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى الله به ، والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلا .
فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة والرجوع إلى الوفاء بالعهد والميثاق الذي فارقونا عليه .
فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك ، وإن أبوا إلاّ التمسّك بحبل النكث والخلاف فناجزهم القتال حتّى يحكم الله بينك وبينهم وهو خير الحاكمين .
وكتبت كتابي هذا إليك من الربذة ، وأنا معجّل المسير إليك إن شاء الله [1388].
ولمّا وصلت قوات عائشة إلى البصرة تعاهدت مع عثمان بن حنيف على الكفّ عن الحرب إلى حين مجيء الإمام (عليه السلام).
لكنّها غدرت ليلا بذلك وهجمت قوّاتها على بيت عثمان فأخذوه أسيراً وقتلت سبعين حارساً يحفظون بيت المال هناك .
ونهبوا بيت المال في البصرة ثمّ أمرتهم عائشة بضرب عثمان بن حنيف فضربوه ضرباً قاسياً ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وكل شعرة في وجهه ورأسه وقالت عائشة لأبان بن عثمان اخرج إليه واضرب عنقه فإنّ الأنصار قتلت أباك .
ثمّ خافوا من قتله فأخوه سهل بن حنيف والي المدينة [1389].
وهذه الحادثة تبيّن عدم معرفة عائشة بالأحكام الشرعية فإنّه حتّى لو كان معاوناً في القتل لا يقتل بل يقتل المباشر للقتل . ونست عائشة إنّها كانت الآمر بقتل عثمان بن عفّان بقولها : اقتلوا نعثلا لقد كفر [1390].
وهي المحكومة بالقتل لأمرها بقتل عثمان .

 

أبو الأسود الدؤلي والي البصرة

ظالم بن عمرو أبو الأسود الدؤلي البصري من العلماء المجاهدين والرموز المرموقين من طلاّب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) واستعمله والياً على البصرة بعد ابن عباس [1391].
أمّا بعد ، فمثلك نصح الإمام والأُمّة ، وأدّى الأمانة ، ودلّ على الحقّ ، وقد كتبت إلى صاحبك ـ يعني ابن عباس ـ فيما كتبت إليّ فيه من أمره ، ولم أُعلمه أنّك كتبت إليّ ، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح ، فإنّك بذلك جدير ، وهو حقّ واجب عليك ، والسلام [1392].
وتبيّن هذه الرسالة حرص الإمام علي (عليه السلام) على عدم مخالفة ولاته المبتعدين عن الباطل وكانت لأبي الأسود مكانة متميّزة عند ابن عباس ، وقد استخلفه على القضاء ، وممّا يجدر الإشارة إليه أنّه قضى على رجل في أمر فشكاه ، فبلغ ذلك أبا الأسود فقال :
إذا كنت مظلوماً فلا تلف راضياً *** عن القوم حتّى تأخذ النصف واغضب
وإن كنت أنت الطالب القوم فاطرح *** مقالتهم واشعب بهم كلّ مشعب
وقارب بذي عقل وباعد بجاهل *** جلوب عليك الشرّ من كلّ مجلب
ولا ترتض بالجور واصبر على التي *** بها كنت أقضي للبعيد على الأب
فإنّي امرؤ أخشى إلهي وأتّقي *** عقابي وقد جرّبت ما لم تجرّب [1393]
ولد في أيّام النبوّة وكان فقيهاً شاعراً قاضياً بالبصرة وهو أوّل من وضع النحو بأمر الإمام علي (عليه السلام)وعرضه على الإمام فقال (عليه السلام): نعم ما نحوت [1394].
وكان من أصحاب الأئمّة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهم السلام) [1395].
وأمر الإمام بعلم النحو بعد أن سمع رجلا قرأ آية : (أَنَّ اللهَ بَرِىءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) [1396].
وعندها أمر أمير المؤمنين أبا الأسود الدؤلي بتدوين علم النحو بعد أن لقّنه قواعده [1397].
إنّ الكلام يقسّم إلى اسم وفعل وحرف ونبّهه إلى اختلاف أواخر الاسم بالنصب والرفع والجرّ بأنّ كلام العرب تتغير أحكامه فالاسم معرّب والحرف مبني والفعل بعضه معرّب وبعضه مبني [1398].
وكان الدؤلي حاضر الجواب جيّد الكلام مليح البادرة حاذق .. وروى المبرد قال قال زياد لأبي الأسود الدؤلي لولا أنّك قد كبرت لأستعنا بك في بعض أُمورنا قال إن كنت تريدني للصراع فليس عندي وإن كنت تريد رأيي وعقلي فهما أوفر ما كانا .. وكان أبو الأسود حاضر الجواب جيّد الكلام مليح البادرة .. وروي عن الشعبي أنّه قال قاتل الله أبا الأسود ما كان أعف أطرافه وأحضر جوابه دخل على معاوية بالنخيلة فقال له معاوية أكنت ذكرت للحكومة .
قال : نعم قال فما كنت صانعاً قال كنت أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم وألفاً من الأنصار وأبنائهم ثمّ أقول يامعشر من حضر أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء فلعنه معاوية وقال الحمد لله الذي كفاناك .
وقد روي أنّ أبا الأسود طلب بأن يكون في الحكومة وقال لأمير المؤمنين في وقت الحكمين ياأمير المؤمنين لا ترض بأبي موسى فإنّي قد عجمت الرجل وبلوته فحلبت أشطره فوجدته قريب القعر مع أنّه يمان وما أدري ما يبلغ نصحه فابعثني فإنّه لا يحلّ عقدة إلاّ عقدت له أشدّ منها وأنّهم قد رموك بحجر الأرض فإن قيل أنّه لا صحبة لي فاجعلني ثاني اثنين فليس صاحبهم إلاّ من تعرف وكان في الخلاف عليهم كالنجم فأبى (عليه السلام)..
وروى محمّد بن يزيد النحوي أنّ أبا الأسود كان شيعياً وكانوا يرمونه بالليل فإذا أصبح شكا ذلك ، فشكاهم مرّة فقالوا ما نحن نرميك ولكن الله يرميك فقال كذبتم لو كان الله يرميني ما أخطأني [1399].
وبعد ما آلت الخلافة إلى معاوية بن هند ، وولّي ابن عامر على البصرة جفاه وأبعده لولائه للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال فيه أبو الأسود :
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر *** وما مرّ من عيشي ذكرت وما فضل
أميرين كانا صاحبيّ كلاهما *** فكلاًّ جزاه الله عنّي بما فعل
فإن كان شرّاً كان شرّاً جزاؤه *** وإن كان خيراً كان خيراً إذا عدل [1400]
ومات سنة 69 هجرية .

 

رسالة الإمام إلى أهل البصرة

وزوّد الإمام (عليه السلام)جارية بن قدامة بالرسالة التالية فقرأها على أهل البصرة وهي : من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم .
أمّا بعد ، فإنّ الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيّنة ، ولا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة ، ولكنّه يقبل التوبة ، ويستديم الأناة ، ويرضى بالإنابة ، ليكون أعظم للحجّة ، وأبلغ في المعذرة .
وقد كان من شقاق جلّكم ـ أيّها الناس ـ ما استحققتم أن تعاقبوا عليه ، فعفوت عن مجرمكم ورفعت السيف عن مدبركم ، وقبلت من مقبلكم ، وأخذت بيعتكم ، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي ، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنّة وقصد الحقّ ، وأُقم فيكم سبيل الهدى .
فوالله ! ما أعلم أنّ والياً بعد محمّد (صلى الله عليه وآله) أعلم بذلك منّي ، ولا أعمل .
أقول قولي هذا صادقاً غير ذامّ لمن مضى ، ولام منتقصاً لأعمالهم .
فإن خطت بكم الأهواء المردية ، وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي ، فها أناذا قد قرّبت جيادي ، ورحّلت ركابي [1401].
وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأُوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقة لاعق ، وإنّي لظانّ ألاّ تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا .
وقد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجّة عليكم ، ولن أكتب إليكم من بعده كتاباً إن أنتم استغششتم نصيحتي ، ونابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى ، والسلام [1402].
استفاد غواة أهل البصرة من حلم الإمام علي (عليه السلام)في معركة الجمل حيث عفى عن أسراهم وأطلق سراحهم فعادوا إلى الفتنة ثانية فنصحهم الإمام (عليه السلام)وهدّدهم بضرورة العودة إلى الحقّ .

 

رسالته (عليه السلام) إلى أحد ولاته المنحرفين

وهو المنذر بن الجارود العبدي الخائن : « أمّا بعد فإنّ صلاح أبيك غرّني منك وظننت أنّك تتبع هديه وتسلك سبيله فإذا أنت فيما رقى إليّ عنك لا تدع لهواك انقياداً ولا تبقي لآخرتك عناداً .
تعمّر دنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ولئن كان ما بلغني عنك حقّاً لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على خيانة فاقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله [1403].
ابتلى العالم الإسلامي بعد الفتوحات الإسلامية العظمى بكثرة الأموال القادمة من تلك البلدان لم تعهدها مدنهم ولم تعرفها حساباتهم ولا تستوعبها مخازنهم .
فطارت العقول الخفيفة وعظمت الحدّة المادّية وتضخمّت الناحية الدنيوية .
فخالد بن الوليد وأنس بن مالك وعكرمة بن أبي جهل وعتبة بن أبي سفيان أصبحوا من الأغنياء فجأة في زمن أبي بكر .
وأصبح زيد بن ثابت وأبو هريرة ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة من الاغنياء المترفين في زمن عمر بن الخطّاب .
وفي زمن عثمان بن عفّان انهالت الأموال الطائلة على بني أُميّة خاصّة ومن باع دينه بآخرته أمثال الأشعث بن قيس المرتدّ وكعب بن مالك المنافق وكعب الأحبار اليهودي فأصبحت الأُمور مهيّأة لطلاّب الدنيا المرتدّين على أعقابهم من أمثال الجارود العبدي وأبي الأعور الأسلمي .
وكيف لا يفتتن هؤلاء وهم يشهدون اعطاء عثمان دولة أذربيجان للأشعث الكندي وإعطاء معاوية دولة مصر لابن العاص !
أي لم يكتفِ الزعماء بإعطاء المال والدور هديّة لأعوان النظام بل راحوا يعطون الدول هدايا لأفسق الناس وأحطّهم منزلة .
فالأشعث الكندي أسلم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وعندما رفعت سجاح المنحرفة راية النبوّة أصبح مؤذّنها الخاص .
ولمّا هزمت عفا عنه أبو بكر وحقّه القتل في الإسلام .
ولمّا جاء عثمان قرّبه وأعطاه دولة آذربيجان هبة له ولأولاده من بعده .
وهذه الثقافة الخاطئة جعلت الكثير من الولاة ينحرفون عن الصراط المستقيم ويخونون المسلمين في الأموال .
فذهنهم القاصر جعلهم يعتقدون بأنّ أمصارهم هبة لهم مثلما حصل الأشعث وابن العاص على آذربيجان ومصر !

 

محاسبة عبدالله بن عبّاس

وكتب الإمام علي إلى عبدالله بن عبّاس ، وهو عامله على البصرة : فاربع أبا العبّاس ـ رحمك الله ـ فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشرّ ; فإنّا شريكان في ذلك ، وكن عند صالح ظنّي بك ، ولا يفيلنّ [1404]رأيي فيك . والسلام [1405].
وأمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وأخربت أمانتك ، وعصيت إمامك ، وخنت المسلمين .
بلغني أنّك جرّدت الأرض ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أشدّ من حساب الناس . والسلام [1406].
عبدالله بن عباس بن عبدالمطّلب من أبرز تلاميذ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)حتّى سمّي حبر الأُمّة ، أخذ عنه الفقه والتفسير . وكان حافظاً ذكيّاً مواظباً على متابعة أخذ العلوم من أمير المؤمنين (عليه السلام) .
فكان قوي الحجّة واضح البيان حاجج عمر بن الخطّاب وأبطل حججه وحاجج عائشة في البصرة وهز اطروحتها ثمّ حاجج الخوارج وأفشل آراءهم .
والملاحظ لكلامه مع عمر إسكاته له لبطلان حجج عمر في قضية السقيفة وضعف مبادئ وأقوال قريش فيها .
قال عبدالله بن عبّاس : إنّي لأُماشي عمر في سكّة من سكك المدينة ، فقال : يابن عبّاس ما أظنّ صاحبك إلاّ مظلوماً ، فقلت : ياأمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته : فانتزع يده من يدي ثمّ مرّ يهمهم ساعة ، ثمّ وقف ، فلحقته ، فوقف فقال : يابن عباس ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه فقلت : والله ما استصغره الله عزّوجلّ حين أمره بأخذ سورة براءة من أبي بكر .
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة مرّ عمر بعلي (عليه السلام) : وعنده ابن عبّاس بفناء داره فسلّم ، فسألاه أين تريد ؟ قال : مالي بينبع ، قال علي (عليه السلام): أفلا نصل جناحك ونقيم معك ؟ قال : بلى ، فقال لابن عباس : قم معه ، قال : فشبك أصابعه في أصابعي ومضى حتّى إذا خلفنا البقيع ، قال : يابن عبّاس أما والله إنّ صاحبكم هذا لأولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أنّا خفناه على اثنين . قال ابن عباس : فجاء بمنطق لم أجد بدّاً معه من مسألته عنه قلت : ما هما ؟ قال : خشيناه على حداثة السنّ وحبّه بني عبدالمطّلب .
ثمّ قال ابن أبي الحديد ، بإسناد رفعه إلى ابن عبّاس ، قال : تفرّق الناس ليلة الجابية [1407]عن عمر ، فسار كل واحد مع إلفه [1408]، ثمّ صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا ، فحادثته ، فشكا إلى تخلّف علي (عليه السلام)عنه ، فقلت : ألم يعتذر إليك ؟ قال : بلى ، قلت : فهو على ما اعتذر به ، فقال : يابن عباس إنّ أوّل من ريثكم [1409]عن هذا الأمر أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة ، قلت : لِمَ ذاك ياأمير المؤمنين ؟ ألم ننلهم خيراً ؟ قال : بلى ، ولكنّهم لو فعلوا لكنتم عليهم جحفاً [1410]ـ [1411].
ثمّ قال ابن أبي الحديد : لقى علي (عليه السلام) عمر ، فقال له علي : أُنشدك الله هل استخلفك رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال : لا ، قال : كيف تصنع أنت وصاحبك ؟ قال : أمّا صاحبي فقد مضى لسبيله ، وأمّا أنا فسأخلعها من عنقي إلى عنقك ، فقال جدع الله أنف من ينقذك منها ! ولكن جعلني الله تعالى علماً ، فإذا قمت فمن خالفني ضلّ [1412].
وشارك عبدالله بن العباس في حرب الجمل وبعد انتصار الإمام علي (عليه السلام)فيها عيّنه الإمام والياً على البصرة ، ثمّ كتب إليه :
أمّا بعد فلا يكن حظّك في ولايتك ما لا تستفيده ولا غيظاً تشقيه ولكن إماتة باطل وإحياء حقّ [1413].
وكتب إليه أيضاً :
أمّا بعد فإنّك لست بسابق أجلك ولا مرزوق ما ليس لك ، واعلم بأنّ الدهر يومان يوم لك ويوم عليك ، وإنّ الدنيا دار دول [1414]فما كان منها لك أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك [1415].
الرسالة السابقة لأمير المؤمنين تدعو إلى سكينة النفس والاطمئنان بالحياة والرضا بالقناعة ثمّ النظر إلى الأحداث والأهوال بصورة صحيحة .
ثمّ دعا الإمام علي (عليه السلام) ابن عبّاس لحرب معاوية فالتحق به في النخيلة مع أتباعه من أهل البصرة [1416].

 

اتّهامه بسرقة بيت المال

اتّهمه بعض المؤرخين بسرقة أموال البصرة استناداً إلى رسائل الإمام معه منها :
كتب الإمام (عليه السلام)هذه الرسالة لابن عباس ، وجاء فيها :
أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وعصيت إمامك ، وأخزيت أمانتك .
بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إلي حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس ، والسلام .
وقد أجابه ابن عباس نافياً عنه هذه التهمة بما يلي :
أمّا بعد فإنّ كلّ الذي بلغك باطل ، وأنا لما تحت يدي ضابط ، وعليه حافظ ، فلا تصدّق الضنين [1417].
وجواب ابن عباس صريح في براءته من تهمة الخيانة ، وأنّه قد اتّهمه بذلك بعض حسّاده وأعدائه .
وكتب الإمام (عليه السلام)إليه رسالة أُخرى يسأله فيها ما أخذه من الجزية وجاء فيها :
أمّا بعد ، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته ، وما وضعت منها وفيم وضعته ، فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه ، واسترعيتك إيّاه ، فإنّ المتاع بما أنست رازمه [1418]قليل ، وتبعاته وبيلة لا تبيد [1419] والسلام [1420].
هذه الرسالة ليس فيها تهمة بل طلب بمراعاة التقوى والورع ومن الرسائل التي حملت طابع الشدّة والصرامة على ابن عبّاس هذه الرسالة ، التي رواها عبدالله بن عبيد عن أبي الكنود ، قال : كنت من أعوان عبدالله بن عباس بالبصرة ، فلمّا كان ما كان أتيت علياً فأخبرته ، فتلا قوله تعالى :
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ) [1421].
ثمّ كتب معه هذه الرسالة إلى ابن عبّاس :
«أمّا بعد ، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك بمواساتي ومؤازرتي بأداء الأمانة ، فلمّا رأيت الزمان قد كلب على ابن عمّك [1422]، والعدو ـ يعني معاوية ـ قد حرد [1423]، وأمانة الناس قد خربت ، وهذه الأُمّة قد فتنت ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ [1424]، ففارقته مع القوم المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان ، وخنته مع من خان فلا ابن عمّك آسيت ، ولا الأمانة أدّيت ، كأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك وإنّما كدت أُمّة محمّد عن دنياهم وغدرتهم عن فيئهم ، فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة ، أسرعت الغدرة ، وعاجلت الوثبة ، فاختطفت ما قدرت من أموالهم ، وانقلبت بها إلى الحجاز كأنّك إنّما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأُمّك .
فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟
أما تخاف الحساب ؟
أما تعلم أنّك تأكل حراماً ؟ وتشرب حراماً ؟
وتشتري الإماء وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم .
فاتّق الله وأدّ إلى القوم أموالهم ، فإنّك والله ! لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك ، لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ، ما كانت لهما عندي هوادة ، ولما تركتهما حتّى آخذ الحقّ منهما ، والسلام [1425]».
في هذه الرسالة بيان لمنزلة المرسل إليه وهي منزلة وضيعة لم تكن لابن عبّاس .

 

الاعتذار عن الخيانة

الملاحظ لسيرة عبدالله بن عبّاس يجد أُموراً كثيرة معارضة لاتّهامه بالخيانة منها .
1 ـ منزلة عبدالله بن عبّاس أجلّ من هذه التهمة الباطلة له فقد قال الإمام علي (عليه السلام)عنه :
لله درّ ابن عبّاس إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق [1426].
2 ـ قال عمرو بن عبيد في حديث له مع سليمان بن علي بن عبدالله بن العباس منكراً قول الإمام في ابن عباس : « يفتينا في القملة والقميلة ، وطار بأموالنا في ليلة » ... كيف يقول هذا وابن عباس ، لم يفارق علياً (عليه السلام) حتّى قتل ، وشهد صلح الحسن (عليه السلام)، وأي مال يجتمع في بيت المال بالبصرة مع حاجة علي (عليه السلام) إلى الأموال ، وهو يفرغ بيت مال الكوفة في كل خميس ، ويرشّه ؟ قالوا : إنّه كان يقيل فيه فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة ؟ هذا باطل [1427].
3 ـ الظاهر أنّ قضية أخذه قرضاً من بيت المال هي التي أجّجت هذا الموضوع وهذا باطل ، إذ كتب أبو الأسود الدؤلي إلى الإمام علي (عليه السلام) عن هذا الموضوع فكتب الإمام (عليه السلام)رسالة إلى ابن عبّاس جاء فيها :
أمّا بعد ، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً ، وليكن همّك فيما بعد الموت ، والسلام .
ولمّا وصلت هذه الرسالة الحافلة بالوعظ والإرشاد علّق عليها ابن عباس قائلا : ما اتّعظت بكلام قطّ اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) [1428].
وردّ ابن عباس هذه الأموال إلى بيت المال .
4 ـ إنّ عبدالله بن عبّاس تربّى عند أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فيستبعد قيامه بهذا العمل .
وحزن عبدالله بن عبّاس على شهادة الإمام علي (عليه السلام) أشدّ الحزن وبكاه أمرّ البكاء حتّى فقد بصره [1429].
وهو أوّل من دعا له على المنابر [1430].
وكان ابن عبّاس يتوسّل إلى الله تعالى بالإمام علي (عليه السلام) .
5 ـ الظاهر أنّ رجال الحزب الأُموي والزبيري هم الذين حرّفوا رسالة الإمام علي (عليه السلام)من أحد السرّاق إلى عبدالله بن عبّاس للصراع الحادّ الحاصل بين الطرفين .
وكان ابن عبّاس يمثّل طرف أهل البيت (عليهم السلام) فقد أراد عبدالله بن الزبير إحراقهم وفيهم ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفية وجمع لهم الحطب ، ولو كان ابن عبّاس مائلا إلى الدنيا لمال إلى حكومة ابن الزبير وتنعّم بأموالهم ، لكنّه أصرّ على المبدأية فأهانوه وزجروه ومنعوا عنه جوائزهم .

 

قثم بن العبّاس والي مكّة

عيّن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قثم بن العبّاس والياً على مكّة لورعه وتقواه .
وفي آخر صلاة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده الشريف خرج النبي (صلى الله عليه وآله) متكئاً على الإمام علي (عليه السلام) وقثم بن العبّاس .
وأُمّه لبابة بنت الحارث الهلالية ثاني امرأة أسلمت بعد خديجة أُمّ المؤمنين .
وقال قثم واصفاً أمير المؤمنين (عليه السلام) : كان أوّلنا لحوقاً ، وأشدّنا لزوقاً [1431].
واستمرّ قثم والياً على مكّة وخادماً لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن استشهد الإمام في سنة 40هجرية .
وكتب الإمام (عليه السلام)رسالة إلى قثم جاء فيها :
إمّا قاتل لعثمان ، أو خاذل له ، وهو لا يصلح للإمامة ، وأنّ الصالح للإمامة معاوية بن أبي سفيان [1432]، فكتب إليه الإمام يحذّره من معاوية وأذنابه :
أمّا بعد ، فإنّ عيني ـ بالمغرب [1433]ـ كتب إليّ يعلمني أنّه وجّه على الموسم أُناس من أهل الشام العمي القلوب ، الصمّ الأسماع ، الكمه الأبصار [1434]، الذين يلتمسون الحقّ بالباطل ، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق ، ويحتلبون الدنيا درّها بالدين ، ويشترون عاجلها بآجل الأبرار والمتّقين ; ولن يفوز بالخير إلاّ عامله ، ولا يجزى جزاء الشرّ إلاّ فاعله . فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب ، والناصح اللبيب ، والتابع لسلطانه ، المطيع لإمامه .
وإيّاك وما يعتذر منه ، ولا تكن عند النعماء بطراً [1435]، ولا عند البأساء فشلا ، والسلام [1436].
فوصف الإمام (عليه السلام)طغاة الشام أنّهم : عمي القلوب ، صمّ الأسماع ، كمه الأبصار ، يلتمسون الباطل باسم الحقّ ، يطيعون المخلوق بمعصية الخالق ، ويسرقون مال الدنيا بالدين .
ونصحه باتّباع الحقّ في السرّاء والضرّاء .

 

رسالة أُخرى إلى قثم

أمّا بعد ، فأقم للناس الحجّ ، وذكّرهم بأيّام الله ، واجلس لهم العصرين ، فأفت المستفتي ، وعلّم الجاهل ، وذاكر العالم . ولا يكن لك إلى الناس سفير إلاّ لسانك ، ولا حاجب إلاّ وجهك . ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها ، فإنّها إن ذيدت [1437]عن أبوابك في أوّل وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها .
وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة ، مصيباً به مواضع الفاقة والخلاّت وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا .
ومر أهل مكّة ألاّ يأخذوا من ساكن أجراً ، فإنّ الله سبحانه يقول :
(سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فالعاكف : المقيم به ، والبادي : الذي يحجّ إليه من غير أهله .
وشرعت رسالة الإمام علي (عليه السلام) في بيان وظيفة الوالي أن يجلس للناس صباحاً ومساءً جلسة عمومية يفتي فيهم في المسائل الشرعية ويعلم الجاهل ويذاكر العالم منهم وأن يخاطبهم مباشرة ولا ينصب الحجاب على بابه فيمنعون الناس منه ويقابل أهل الحاجة . وابدأ بتقسيم المال بين ذوي الحاجة في بلدك ثمّ احمل إلينا الزائد عن حاجتك . ويأمر أهل مكّة بعدم أخذهم الأجر عن سكنهم في البلد تبعاً للآية القرآنية .

 

عبيدالله بن العبّاس

وهو عبيدالله بن العبّاس بن عبدالمطّلب عيّنه الإمام (عليه السلام) على اليمن .
ولمّا وصل إليها وجد خزينة بيت المال خالية بعدما أخذها والي عثمان على اليمن يعلى بن منبه .
فيعلى نهب هذه الأموال أوّلا ودعم الفتنة ثانياً إذ جهّز بها جيش عائشة بشراء ذمم الأعراب والمنافقين وبعد خسارة جيش عائشة وهزيمتهم اهتدى يعلى إلى الحقّ والتحقّ بجيش الإمام علي (عليه السلام) .
ولمّا كان عبيدالله بن العبّاس في اليمن جهّز له معاوية جيشاً بقيادة بسر بن أرطأة لاحتلال اليمن . ولمّا وصل جيش بسر إلى اليمن هرب عبيدالله بن عباس إلى الكوفة ولم يكن بمستوى المسؤولية هناك ، واستخلف على اليمن عبدالله بن عبد الحارثي .
فجاء بسر بجيشه وقتل طفلي عبيدالله بن عباس وقتل الناس على الظنّ والتهمة .
وهذا بسر الشجاع على النساء والأطفال فرّ فرار العبيد الآبقين من جيش جارية بن قدامة السعدي الذي لاحقه في الحجاز فأخذ يتخفّى في النهار ويمشي في الليل ويمحو آثاره ويتوسّل بالشريف والدنيّ للبحث عن طريق صحراوي أو جبلي ينقذه من ابن قدامة !!
وأخذت أُمّ الطفلين عائشة بنت عبدالله المدان تنشد في المواسم هذه الأبيات التي مثّلت أساها ، وهي :
يامن أحسّ بُنيّ اللذين هما *** كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف
يامن أحسّ بنيّ اللذين هما *** مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف
يامن أحسّ بنيّ اللذين هما *** قلبي وسمعي ، فقلبي اليوم مختطف
من ذلّ والهةً حيرى مدلّهة *** على صبيين ذلاًّ إذ غدا السلف ؟
نبّئت بسراً وما صدّقت ما زعموا *** من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا
أحنى على ودجي إبنيّ مرهفة *** من الشفار كذاك الإثم يقترف
ولمّا سمع الإمام (عليه السلام)بقتل الصبيين دعا على بسر ، فقال : « أُسلبه دينه وعقله » ، واستجاب الله دعاء الإمام (عليه السلام) ففقد بسر عقله ، فكان يهذي ويطلب السيف فيؤتى بسيف من خشب ، ويجعل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه حتّى مات [1438].
وبسر نموذج من ولاة معاوية ووجه من وجوهه البشعة ووجهه الآخر عمرو بن العاص ، فهؤلاء الجبناء الأراذل يفرّون من الحروب ويكشفون عوراتهم للبقاء في الدنيا ويتفنّنون في قتل الأبرياء والضعفاء .

 

عمر بن أبي سلمة والي البحرين

وهو عمر بن أبي سلمة المخزومي ربيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أُمّه أُمّ المؤمنين السيّدة أُمّ سلمة ، يكنّى أبا جعفر ، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، وقد أرسلته أُمّه لمساعدة الإمام (عليه السلام) في حرب الجمل ، وقد بعثت معه رسالة إلى الإمام (عليه السلام) جاء فيها :
« لولا أنّ الجهاد موضوع عن النساء لجئت فجاهدت بين يديك ، هذا ابني عديل النفس فاستوص به خيراً ياأمير المؤمنين ! » .
وقد عزله الإمام (عليه السلام)عن ولاية البحرين وشاركه في حرب الجمل [1439]، وكتب إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيت نعمان بن عجلان الزرقي على البحرين ، ونزعت يدك بلا ذمّ لك ، ولا تثريب عليك [1440]; فلقد أحسنت الولاية ، وأدّيت الأمانة ، فأقبل غير ظنين [1441]، ولا ملوم ، ولا متّهم ، ولا مأثوم ، فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام ، وأحببت أن تشهد معي ، فإنّك ممّن أستظهر به على جهاد العدو ، وإقامة عمود الدين ، إن شاء الله [1442].
وتوفّي هذا الرجل المخلص المفضِّل للآخرة على الدنيا في سنة 83 هجرية زمن عبدالملك بن مروان [1443]. على دين الحقّ ونهج الصدق وركن الإسلام وبيعة الإمام (عليه السلام)مثلما كانت عليه أُمّ سلمة الصادقة الوفيّة لعهود ووصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فكانت خديجة وأُمّ سلمة أرفع نساء النبي (صلى الله عليه وآله)طاعة وإخلاصاً وعلماً وفضيلة .
وكانت عائشة وحفصة وسودة أسوأ نساء النبي (صلى الله عليه وآله)في فتنهما وعنادهما وركوبهما للمعاصي وتهريجهما على الرسول وآله واختلاقهما للحديث .

 

النعمان بن عجلان

من المؤمنين الأخيار الساعين في الصراط المستقيم والمتمسّكين بالعروة الوثقى والراكبين في سفينة النجاة .
النعمان بن عجلان من رجال الأنصار ، ولسانهم وشاعرهم ، وهو القائل يوم السقيفة في تمجيد الأنصار ، وذكر الخلافة بعد النبي محاججاً عمرو بن العاص :
فقل لقريش نحن أصحاب مكّة *** ويوم حنين والفوارس في بدر
وأصحاب أُحد والنضير وخيبر *** ونحن رجعنا من قريظة بالذكر
ويوم بأرض الشام إذ قتل جعفر *** وزيد وعبدالله في علق نجري
وفي كل يوم ينكر الكلب أهله *** نطاعن فيه بالمثقّفة السمر
نصرنا وآوينا النبي ولم نخف *** صروف الليالي والعظيم من الأمر
وقلنا للقوم هاجروا قبل مرحبا *** وأهلا وسهلا قد أمنتم من الفقر
نقاسمكم أموالنا وبيوتنا *** كقسمة أيسار الجزور على الشطر
ونكفيكم الأمر الذي تكرهونه *** وكنّا أُناساً نذهب العسر باليسر
وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم *** عتيق بن عثمان حلال أبا بكر ؟!
وكان هواناً في علي وإنّه *** لأهل لها ياعمرو من حيث لا تدري
وصي النبي المصطفى وابن عمّه *** وقاتل فرسان الضلالة والكفر [1444]
وحكت هذه اللوحة كثيراً من الأحداث التاريخية ، والتي منها جهاد الأنصار ونهجهم .
هذه اللوحة الشعرية بيّنت أحداث السقيفة السقيمة المخالفة للدين والنصّ النبوي ورغبة الأنصار في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وعدم تواطئهم على اغتصاب السلطة .
وقولهم معروف في السقيفة : « لا نبايع إلاّ علياً » [1445] لكن هذا الرجل بدأ بجمع أموال المسلمين وهبة الكثير منها إلى أرحامه فغضب الإمام علي (عليه السلام)عليه وعزله .
فذهب عجلان إلى معاوية بن أبي سفيان راغباً في الدنيا تاركاً الآخرة .
ممّا يبيّن تأثّر هذا بسيرة أبي بكر وعمر وعثمان في توزيع الأموال بين الناس بلا حقّ .

 

مخنف بن سليم والي أصبهان

وهو مخنف بن سليم الأزدي الغامدي من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) عيّنه الإمام (عليه السلام)والياً على أصبهان وزوّده بهذه الرسالة : أمره بتقوى الله في سرائر أمره وخفيّات عمله حيث لا شاهد غيره ولا وكيل دونه . وقال (عليه السلام) له : وإنّ لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً وحقّاً معلوماً وشركاء أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة ، وإنّا موفوك حقّك فوفّهم حقوقهم .
وإلاّ تفعل فإنّك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة ، وبؤساً لمن خصمه ـ عند الله ـ الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون ، والغارمون وابن السبيل ! ومن استهان بالأمانة ، ورتع في الخيانة ، ولم ينزّه نفسه ودينه عنها ، فقد أحلّ بنفسه الذلّ والخزي في الدنيا ، وهو في الآخرة أذلّ وأخزى .
وإنّ أعظم الخيانة خيانة الأُمّة ، وأفظع الغشّ غشّ الأئمّة ، والسلام [1446].
ولمّا حارب الإمام (عليه السلام)معاوية أرسل إلى مخنف بن سليم الرسالة التالية يطلب منه أن يكون معه لمناجزة طاغية الأُمويين وهذا نصّها :
«سلام عليك ، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو .
أمّا بعد فإنّ جهاد من صدف عن الحقّ رغبة عنه وهبّ في نعاس العمى والضلال اختياراً له ، فريضة على العارفين .
إنّ الله يرضى عمّن أرضاه ، ويسخط على من عصاه ، وإنّا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله واستأثروا بالفيء ، وعطّلوا الحدود ، وأماتوا الحقّ وأظهروا في الأرض الفساد ، واتّخذوا الفاسقين وليجة [1447]من دون المؤمنين ، فإذا ولي الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه ، فقد أصرّوا على الظلم وأجمعوا على الخلاف ، وقديماً ما صدّوا عن الحقّ وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين .
فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك ، وأقبل إلينا لعلّك تلقى معنا هذا العدو المحلّ [1448]، فتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتجامع المحقّ وتباين المبطل ، فإنّه لا غنى بنا ولا بك عن أجر الجهاد ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم ».
كتب هذه الرسالة عبيدالله بن رافع في سنة (37هـ) ، ونفر مخنف للجهاد ، واستعمل على أصبهان الحارث بن أبي الحارث ، وأقبل يجدّ في السير حتّى شهد مع الإمام صفّين [1449].
فكان هذا الرجل مثالا للطاعة والورع وقدوة يحتذى به في ذلك العصر المليء بالفتن .

 

الشيباني والي الإمام (عليه السلام) على أردشير خرّه

وهو مصقلة بن هبيرة الشيباني الذي عيّنه الإمام (عليه السلام) والياً على خرّه من كور فارس ومنها مدينة شيراز [1450]. ثمّ بلغ الإمام (عليه السلام)أنّه يهب أموال المسلمين ويفرّقها بين الشعراء وعشيرته ، ومن يقصده من السائلين ، فكتب الإمام (عليه السلام)هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر أكبرت أن أُصدّقه ، بلغني أنّك تقسم فيء المسلمين في قومك ومن اعتراك [1451]من السألة والأحزاب ، وأهل الكذب من الشعراء ، كما تقسّم الجوز .
فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! لأُفتشنّ عن ذلك تفتيشاً شافياً ، فإن وجدته حقّاً لتجدنّ بنفسك عليّ هواناً ، فلا تكوننّ من الخاسرين أعمالا ، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً .
تبيّن هذه الرسالة الحكم الشرعي مع سارقي الأموال العامّة واللاعبين بخزائن المسلمين الذين يفرّقونها على من يحبّون وينثرونها على شعراء السوء .
فنصحه الإمام (عليه السلام)أوّلا ثمّ هدّده بالتفتيش عنها فإن حصل على فعله المذكور دليلا فسوف يعاقب عقاباً قاسياً .
ولمّا انتهت الرسالة إلى مصقلة أجاب الإمام (عليه السلام) بما يلي :
«أمّا بعد ... فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين فليسأل إن كان حقّاً فليعجّل عزلي بعد نكال ، فكلّ مملوك لي حرّ .
وعليّ آثام ربيعة ومضر إن كنت رزأت [1452]من عملي ديناراً ولا درهماً منذ ولّيته إلى أن ورد عليّ كتاب أمير المؤمنين ، ولتعلمنّ أنّ العزل أهون عليّ من التهمة ».
ولمّا انتهى الكتاب إلى الإمام (عليه السلام) وقرأه قال : « ما أظنّ أبا الفضل إلاّ صادقاً » [1453].
ونجد بعض العلماء يكدّسون الأموال خلافاً لمنهج الإمام (عليه السلام) في تفريغ بيت المال كل أسبوع وتوزيعه على الفقراء !!

 

كميل بن زياد على هيت

وهو كميل بن زياد النخعي الحجّة العلم الزاهد العابد ، القريب من الإمام علي (عليه السلام)والساعي لتحصيل علومه وحفظ أدعيته وأقواله فقالوا فيه :
« كان شريفاً مطاعاً في قومه وأنّه من أجلّ علماء وقته وعقلاء زمانه ونسّاك عصره » [1454].
ومن الروايات التي وصلتنا عن كميل دعاء الإمام علي (عليه السلام) المعروف بدعاء كميل والكثير من الروايات الأخلاقية والحديثية [1455].
وهو من خير التابعين روى عن الإمام (عليه السلام) قوله : الناس ثلاثة عالم ربّاني ومتعلّم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق [1456].
وتقع مدينة هيت على نهر الفرات قرب بغداد وتتّصل ببادية الشام بين العراق والشام [1457].
ولمّا وصل كميل إلى هيت اشتدّ الصراع بين أتباع الإمام علي (عليه السلام) وأتباع الباطل في الشام فأرسل معاوية جيشاً إلى هيت بقيادة سفيان بن عوف في ستّة آلاف وأمره بنهب هيت وقتل أهلها .
ولمّا وصل ذلك الجيش إلى هيت وجدها خالية فأغار على الأنبار . وكان كميل بن زياد قد فرّق جنده المؤلّفين من خمسمائة رجل على المناطق المجاورة وأخذ هو منهم مائتين رجل صوب قرقيسيا لصدّ جيشها المحتمل هجومه على هيت .
فاستغلّ جيش معاوية هذه الفرصة وقتل ثلاثين محارباً ونهبوا مدينة الأنبار .
فتأثّر الإمام علي (عليه السلام)وكتب إلى كميل :
أمّا بعد ، فإنّ تضييع المرء ما ولّي ، وتكلّفه ما كفي ، لعجز حاضر ، ورأي متبّر [1458].
وإنّ تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا ، وتعطيلك مسالحك التي ولّيناك ـ ليس بها من يمنعها ، ولا يردّ الجيش عنها ـ لرأي شعاع [1459]. فقد صرت جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك ، غير شديد المنكب ، ولا مهيب الجانب ، ولا سادّ ثغرة ، ولا كاسر لعدو شوكة ، ولا مغن عن أهل مصره ، ولا مجز عن أميره [1460].
وشارك كميل في معركة صفّين ومعركة النهروان .
وفي نهاية المطاف لاحقه الحجّاج السفّاح فهرب فحرم الحجّاج قومه عطاءهم فعاد كميل إليه فقال له : إنّي قاتلك قال كميل : لقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي فضرب عنقه سنة 42 هجرية [1461].

 

الفصل الثالث : الهاربون الى معاوية

هروب مصقلة الى معاوية

أمّا كيفية هرب هذا المعتوه إلى معاوية ، فقد حدّثوا أنّ الخريت بن راشد الناجي ، وهو من أعلام الخوارج المفسدين في الأرض ، قد نقم على الإمام قصّة التحكيم ، وخرج يفسد الناس ، وقد انضمّ إليه جماعة من قومه ، وكانوا نصارى ، فأخلّوا بشروط الذمّة ، كما ارتدّ بنو ناجية عن الإسلام ، وأخذوا يشيعون الرعب والفساد بين الناس .
فبعث إليهم الإمام (عليه السلام)فرقة من جيشه لقتال الخريت وعصابته فأدركتهم في سيف البحر بفارس ، فقتل الخريت وقتل معه جمهرة من أتباعه ، وسبوا من أدرك في رحالهم من النساء والصبيان ، وكانوا خمسمائة أسير ، فارتفعت أصواتهم بالبكاء واستغاثوا بمصقلة فرقّ لهم ، فاشتراهم من معقل قائد جيش الإمام بخمسمائة الف درهم ثمّ أعتقهم ، وأدّى ثلث ثمنهم ، وأشهد على نفسه بالباقي ، ثمّ امتنع عن أدائه ، ولمّا ثقلت عليه المطالبة هرب تحت جنح الظلام إلى معاوية [1462].
ولمّا بلغ خبره الإمام علياً (عليه السلام) قال : قبّح الله مصقلة فعل فعل السادة وفرّ فرار العبيد فما أنطق مادحه حتّى أسكته ولا صدّق واصفه حتّب بكته ولو أقام لأخذنا ميسوره وانتظرنا بما له وفوره [1463].
وكان مصقلة بن هبيرة ... من وجوه أهل العراق ، كان من أصحاب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ووُلّي أردشيرخُرّه من قبل ابن عبّاس ، وعتب علي (عليه السلام) عليه في إعطاء مال الخراج لمن يقصده من بني عمّه .
إنّ بني ناجية قوماً كانوا يسكنون الأسياف ، وكانوا قوماً يدّعون في قريش نسباً ، وكانوا نصارى فأسلموا ، ثمّ رجعوا عن الإسلام ، فهدم أمير المؤمنين (عليه السلام)داره وأجاز عتقهم .

 

هروب اللصّ القعقاع بن شور

ومن اللصوص الهاربين القعقاع والي « ميسان » [1464].
قبض على بيت المال لترفه وملذّاته . وحين علم أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)اطّلع على ذلك ، أخذ الأموال وذهب إلى معاوية [1465].
فكلّ لصّ أصبح من أهدافه سرقة أموال الناس والهروب إلى معاوية .
وقال الإمام علي (عليه السلام): تسألوني المال ؟! وقد استعملت القعقاع بن شور على كَسْكَر ، فأصدقَ امرأة بمائة الف درهم ، وايم الله لو كان كفواً ما أصدقها ذلك [1466].
وهذا يبيّن درجة انحدار هذا الشخص للرذيلة .

 

هروب مولى للإمام (عليه السلام) إلى معاوية

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إنّ مولى لأمير المؤمنين (عليه السلام) سأله مالا ، فقال : يخرج عطائي فأُقاسمك .
فقال : لا أكتفي ، وخرج إلى معاوية فوصله ، فكتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)يخبره بما أصاب من المال ، فكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) :
أمّا بعد ; فإنّ ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك ، وهو صائر إلى أهله بعدك ، وإنّما لك منه ما مهّدت لنفسك ، فآثر نفسك على صلاح ولدك ; فإنّما أنت جامع لأحد رجلين : إمّا رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت ، وإمّا رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له ، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك ، فارجُ لمن مضى رحمة الله ، وثِق لمن بقي برزق الله [1467].
وهذا نموذج آخر من طلاّب الدنيا الساعين لجمع المال من وجوه شتّى بلا عناية لمصدره ومنبعه .

 

هروب النعمان بن العجلان

واستمرّ الخونة في الهروب إلى معاوية وجمع المال فهرب النعمان بن العجلان بمال البحرين ، فكتب إليه علي (عليه السلام):
«أمّا بعد ; فإنّه من استهان بالأمانة ورغب في الخيانة ، ولم ينزّه نفسه ودينه ، أخلّ بنفسه في الدنيا ، وما يُشفي [1468]عليه بعدُ أمر وأبقى وأشقى وأطول .
فخِف الله ! إنّك من عشيرة ذات صلاح ، فكن عند صالح الظنّ بك ، وراجع ، إن كان حقّاً ما بلغني عنك ، ولا تقلبنّ رأيي فيك ، واستنظف خراجك ، ثمّ اكتب إليّ ليأتيك رأيي وأمري ، إن شاء الله ».
فلمّا جاءه كتاب علي (عليه السلام)، وعرف أنّه قد علم بسرقته المال ، لحق بمعاوية [1469].

 

هروب يزيد بن حجّية

ومن الهاربين ببيت مال المسلمين يزيد بن حجّية فهو يتّحد مع مروان ومعاوية في مشروع اللصوصية وأصبح مع الإمام (عليه السلام) من أجل المال فلم يفلح رغم أنّه ممّن شهد معه حروبه [1470]وأحد شهود التحكيم [1471].
استعمله الإمام (عليه السلام)على الري ودستبى [1472]ـ [1473]. لكنّه انتهج الخيانة ، إذ نقل ابن الأثير أنّه استحوذ على ثلاثين الف درهم من بيت المال ; وطالبه الإمام بالنقص الحاصل في بيت المال ، فأنكر ذلك ، فجلده وسجنه ، ففرّ من السجن والتحق بمعاوية [1474].
وقال شعراً يذمّ فيه علياً (عليه السلام) ويخبره أنّه من أعدائه ، لعنه الله ، فبلغ ذلك علياً (عليه السلام)فدعا عليه ، وقال لأصحابه : ارفعوا أيديكم فادعوا عليه ، فدعا عليه علي (عليه السلام)وأمّن أصحابه .
فقال علي (عليه السلام)اللهمّ إنّ يزيد بن حجّية هرب بمال المسلمين ، ولحق بالقوم الفاسقين ، فاكفنا مكره وكيده ، واجزه جزاء الظالمين [1475].
وشهد على حجر بن عدي حين أراد معاوية قتله [1476]ظالماً لنفسه وللمؤمنين .

 

فيمن لحق بمعاوية من أهل المدينة

وكتب الإمام علي (عليه السلام)إلى سهل بن حنيف الأنصاري ، وهو عامله على المدينة ، في قوم لحقوا بمعاوية ـ : أمّا بعد ; فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك يتسلّلون إلى معاوية ; فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ، ويذهب عنك من مددهم ; لهم غيّاً ، ولك منهم شافياً ، فرارهم من الهدى والحقّ ، وإيضاعهم إلى العمى والجهل ، وإنّما هم أهل دنيا مُقبِلون عليها ، ومُهطِعون إليها ، وقد عرفوا العدل ورأوه ، وسمعوه ووعوه ، وعلموا أنّ الناس عندنا في الحقّ أُسوة ، فهربوا إلى الأثرة ، فبُعداً لهم وسحقاً !!
إنّهم ـ والله ـ لم ينفروا من جور ، ولم يلحقوا بعدل ، وإنّا لنطمع في هذا الأمر أن يذلّل الله لنا صعبه ، ويسهّل لنا حَزْنه ، إن شاء الله ، والسلام [1477].

 

سقوط بسبب المادّة

قال رجل لأبي عبدالرحمن السلمي : أنشدك بالله تخبرني ، فلمّا أكّد عليه قال : بالله هل أبغضت علياً إلاّ يوم قسّم المال في أهل الكوفة فلم يصبك ولا أهل بيتك منه شيء ؟
قال : أمّا إذا أنشدتني بالله فلقد كان ذلك [1478].

 

مَن وراء الاختلافات الداخلية

سعى أعوان معاوية في جيش العراق والخوارج والمنافقون لبثّ الفرقة في أوساط هذا الجيش ومنعه من الحرب بحجج شتّى مرّة بحجّة رفع المصاحف والتحكيم للقرآن .
ومرّة بحجج الحرّ والبرد ونفاذ العتاد ونقص آلات الحرب ، فهؤلاء كانوا يسعون الليل والنهار في هذه الضروب المختلفة من الأعمال المتضادّة مع الحرب .
الاعتقاد الضعيف :
ان تربية الناس على أيدي الولاة الفسقة في العراق كالأشعري والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وعبدالله بن عامر أفسد الرجال وخرّب عقائدهم ، وأضعف إيمانهم وقوّى نفوسهم العاصية وأهدافهم المادّية .
فواحدهم لا يكتفي بأكله وشربه وملبسه ومسكنه ولا يقتنع بما عنده .
ونمت شهواتهم فلم يقتنع الواحد منهم بالزوجة والاثنين والاربع بل يرغبون في مئات من الجواري وأمثالهم من العبيد .
فأصبحت الحروب الجهادية تجارة مادّية رابحة تدرّ الذهب والفضّة والجواري والعبيد على المحاربين .
وسار معاوية على هذه الثقافة الخاطئة وهذه المشاريع الطالحة .
ولولا صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وتوقّف الحرب بمعاهدة لسبى معاوية نساء الكوفة .
لذا لو طلب الإمام علي (عليه السلام) من أهل العراق التهيؤ لفتح تركيا لما تهاونوا ولما اعتذروا أبداً ولتحرّكوا نحو غنائم هذا البلد المهم .
والناس على دين ملوكهم ووالي الكوفة في زمن كان المغيرة بن شعبة الذي أحصن أربعمائة امرأة !
والوليد بن عقبة حوّل مسجد الكوفة من مركز للعبادة إلى دار للعب السحر بيد ساحر يهودي !
وصلّى سكراناً في مسجد الكوفة صلاة الصبح أربع ركع !
وآخر الولاة كان أبو موسى الأشعري الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنّه من المنافقين .
فهؤلاء المساكين تربّوا على يدي المغيرة الفاجر والوليد الفاسق بنصّ القرآن والأشعري المنافق بنصّ النبي (صلى الله عليه وآله) .
وهؤلاء الولاة عيّنهم عمر وعثمان اللذين أبعدوا رجال بدر وقرّبوا المفسدين فنشروا ثقافة العصاة المترفين في أرض ربّ العالمين !!
وإقامة الإعوجاج أمر صعب مستصعب مثلما لاقى سيّد الرسل المصاعب مع أهالي مكّة ، فاضطرّ إلى انتخاب شعب طاهر يكسب من النبي (صلى الله عليه وآله) تعاليمه فوقع انتخابه على الأنصار .
ولمّا أراد أمير المؤمنين تحويل جنود العراق من محاربين لأجل الغنيمة إلى مقاتلين في سبيل الله واجه صعوبات .
فمن الأُمور المضحكة أنّ شاعر أهالي الكوفة النجاشي كان من مدمني الخمر !
وأصرّ هؤلاء على عاداتهم مثلما أصرّ أهالي قريش على كفرهم واستبدادهم .
وأصرّ الإمام علي (عليه السلام)على الوعظ والإرشاد لتقويم الإعوجاج ومحو التربية الأُموية والأشعرية فلم يمهله القاسطون والمارقون .

 

ومن ضعاف الإيمان جرير بن عبدالله البجلي

قال الإمام علي (عليه السلام)فيه : يستصغر كلّ أحد ويحتقره ، قد ملئ ناراً ، وهو مع ذلك يطلب رئاسة ، ويروم إمارة ، وهذا الأعور ] يعني الأشعث [ يغويه ويطغيه ، إن حدّثه كذّبه ، وإن قام دونه نكص عنه ، فهما كالشيطان :
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِىءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) .
وكتب إلى معاوية ، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه [1479].
فلم يزل جرير معتزلا لعلي (عليه السلام) ومعاوية بالجزيرة ونواحيها ، حتّى توفّي بالشراة في ولاية الضحّاك بن قيس على الكوفة [1480].
فيكون البجلي شخصاً آخر من الذين أغواهم الأشعث وحرّفهم عن الصراط القويم ورحيل البجلي إلى معاوية يبيّن هوى الأشعث في معاوية وحبّه له .

 

ومن المنافقين وائل بن حجر

وكان في أتباع الإمام (عليه السلام) المنافقون السابقون من أعوان الأشعري .
فكان وائل بن حجر عند علي (عليه السلام) بالكوفة ، وكان يرى رأي عثمان ، فقال لعلي (عليه السلام): إن رأيت أن تأذن لي بالخروج إلى بلادي وأُصلح مالي هناك ، ثمّ لا ألبث إلاّ قليلا إن شاء الله حتّى أرجع إليك .
فأذن له علي (عليه السلام). فخرج إلى بلاد قومه وكان قَيْلا [1481]من أقيالهم ، عظيم الشأن فيهم ، وكان الناس بها أحزاباً وشِيَعاً ; فشيعة ترى رأي عثمان ، وأُخرى ترى رأي علي (عليه السلام) ، فكان وائل بن حجر هناك حتّى دخل بُسْر صنعاء .
فكتب إليه : أمّا بعد ; فإنّ شيعة عثمان ببلادنا شطر أهلها ، فأقدم علينا ; فإنّه ليس بحضرموت أحد يردّك عنها ولا ينصب لك فيها ، فأقبل إليها بسر بن أرطاة بمن معه حتّى دخلها .
فزعم أنّ وائلا استقبل بسر بن أبي أرطأة بشنوءة ، فأعطاه عشرة آلاف ، وأنّه كلّمه في حضرموت ، فقال له : ما تريد ؟
قال : أُريد أن أقتل ربع حضرموت .
قال : إن كنت تريد أن تقتل ربع حضرموت فاقتل عبدالله بن ثوابة ; إنّه لرجل فيهم ، وكان من المَقاولة [1482]العظام ، وكان له عدوّاً في رأيه مخالفاً [1483].
فالإمام (عليه السلام)بحلمه سمح لوائل بالعودة إلى بلده فهو حرّ ما دام لم يرتكب ذنباً فخان الله تعالى والمؤمنين .

 

هروب شاعر الكوفة الفاسق إلى معاوية

وهذا الشاعر هو مقيس بن عمرو بن مالك المعروف بالنجاشي فهذا الشاعر كان يدعو الناس لنصرة الإمام علي (عليه السلام) ومحاربة معاوية .
فلمّا أقام عليه الإمام (عليه السلام)الحدّ لشربه الخمر في صيام شهر رمضان تأثّر وهرب إلى صفوف معاوية ونموذج النجاشي من النماذج المحتاجة إلى التدبّر .
إذ خرج النجاشي في أوّل يوم من رمضان ، فمرّ بأبي سمّال الأسدي وهو قاعد بفناء داره، فقال له : أين تريد ؟
قال : أُريد الكناسة [1484]، قال هل لك في رؤوس وأليات قد وضعت في التنّور من أوّل الليل فأصبحت قد أينعت وتهرّأت ؟ قال : ويحك ! في أوّل يوم من رمضان ؟! قال : دعنا ممّا لا نعرف .
قال : ثمّ مَهْ ؟ قال : ثمّ أسقيك من شراب كالوَرْس [1485]، يُطيّب النفس ، ويجري في العِرق ، ويزيد في الطَّرْق ، يهضم الطعام ، ويسهّل للفَدْ [1486]الكلام .
فنزل فتغدّيا ثمّ أتاه بنبيذ فشرباه ، فلمّا كان من آخر النهار علت أصواتهما ، ولهما جار يتشيّع من أصحاب علي (عليه السلام)، فأتى علياً (عليه السلام)فأخبره بقصّتهما ، فأرسل إليهما قوماً فأحاطوا بالدار ، فأمّا أبو سمّال فوثب إلى دور بني أسد فأفلت ، وأمّا النجاشي فأُتي به علياً (عليه السلام) ، فلمّا أصبح أقامه في سراويله فضربه ثمانين ، ثمّ زاده عشرين سوطاً ، فقال : ياأمير المؤمنين ! أمّا الحدّ فقد عرفته ، فما هذه العِلاوة التي لا تُعرف ؟
قال : لجرأتك على ربّك ، وإفطارك في شهر رمضان .
ثمّ أقامه في سراويله للناس ، فجعل الصبيان يصيحون به : خَرِيَ النجاشي ، فجعل يقول : كلاّ والله إنّها يمانيّة وِكاؤها شعر ... ثمّ لحق بمعاوية وهجا علياً (عليه السلام) [1487].

 

هروب طارق بن عبدالله إلى الشام

لمّا حدّ علي (عليه السلام)النجاشي غضب لذلك من كان مع علي من اليمانية ، وكان أخصّهم به طارق بن عبدالله بن كعب بن أُسامة النهدي ، فدخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال : ياأمير المؤمنين ! ما كنّا نرى أنّ أهل المعصية والطاعة ، وأهل الفرقة والجماعة ، عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيّان في الجزاء ، حتّى رأيت ما كان من صنيعك بأخي الحارث ، فأوغرت صدورنا ، وشتّتت أُمورنا ، وحملتنا على الجادّة التي كنّا نرى أنّ سبيل من ركبها النار .
فقال علي (عليه السلام): (إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [1488].
ياأخا بني نهد ، وهل هو إلاّ رجل من المسلمين انتهك حرمة من حُرم الله ، فأقمنا عليه حدّاً كان كفّارته ! إنّ الله تعالى يقول :
(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [1489].
قال : فخرج طارق من عند علي وهو مظهر بعذره قابل له ، فلقيه الأشتر النخعي ; فقال له : ياطارق أنت القائل لأمير المؤمنين : إنّك أوغرت صدورنا وشتّتت أُمورنا ؟
قال طارق : نعم أنا قائلها . قال له الأشتر : والله ما ذاك كما قلت ، وإنّ صدورنا له لسامعة ، وإنّ أُمورنا له لجامعة .
قال : فغضب طارق وقال : ستعلم ياأشتر أنّه غير ما قلت ! فلمّا جنّه الليل همس هو والنجاشي إلى معاوية [1490].
فكان طارق على دين النجاشي في ارتكاب المنكر وإشاعة الفحشاء وهما على دين الوليد الفاسق .

 

هروب حنظلة الكاتب إلى معاوية

وبعث علي (عليه السلام)إلى حنظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب ـ وهو من الصحابة ـ فقال : ياحنظلة ، أعليَّ أم لي ؟ قال : لا عليك ولا لك .
قال : فما تريد ؟ قال : أشخصُ إلى الرُّها [1491]فإنّه فَرْج من الفروج ، صمد له حتّى ينقضي هذا الأمر ...فدخل منزله وأغلق بابه حتّى إذا أمسى هرب إلى معاوية ... وهرب ابن المعتمّ أيضاً حتّى أتى معاوية ...ولكنّهما لم يقاتلا مع معاوية ، واعتزلا الفريقين جميعاً ... فلمّا هرب حنظلة أمر علي (عليه السلام)بداره فهدّمت [1492].
وحنظلة نموذج آخر من نماذج البغاة والفسق في الكوفة .

 

هروب عبدالله بن عبدالرحمن

والملاحظ في هذه الشخصية التذبذب المستمر بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية .
كان عبدالله بن عبدالرحمن بن مسعود ... شهد مع علي (عليه السلام) صفّين ، وكان في أوّل أمره مع معاوية ، ثمّ صار إلى علي (عليه السلام) ، ثمّ رجع بعدُ إلى معاوية ، ثمّ سمّاه علي (عليه السلام)الهَجَنَّع ، والهَجَنَّع : الطويل [1493].

 

رسالة الإمام (عليه السلام) إلى أهالي مصر

«من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عُصي في أرضه وذُهب بحقّه ، فضرب الجور سرادقه على البرّ والفاجر ، والمقيم والظاعن [1494]، فلا معروف يُستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه .
أمّا بعد ، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله ; لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل [1495]عن الأعداء ساعات الروع [1496]، أشدّ على الفجّار من حريق النار ، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج ، فاسمعوا له ، وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ ، فإنّه سيف من سيوف الله لا كليل الظُّبَة ، ولا نابي [1497]الضريبة ، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ; فإنّه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري ، وقد آثرتكم به على نفسي ; لنصيحته لكم ، وشدّة شكيمته على عدوّكم [1498]».

 

الفصل الرابع :الاشتر وابن أبى بكر

مالك الأشتر والي مصر

من اخلص المخلصين للامام القائد الضرغام الذي وهب حياته للإسلام ، وأخلص لدينه كأعظم ما يكون الإخلاص ... وقد وقف بحزم وإخلاص إلى جانب إمام المتّقين وسيّد الموحّدين [1499]الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحميه ، ويذبّ عنه في أحلك الظروف ، وأشدّها محنة وبلاءً ، وقد قال الإمام (عليه السلام) بعظيم منزلته وجهاده تجاهه قائلا :
« لقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) » .
وقد كان على درجة عالية من الإدارة والسياسة والحزم في إدارة دفّة الأحداث .
فهو الذي قاد شمل الثوّار العراقيين وطرد بهم والي العراق سعيد بن العاص .
حتّى اضطرّ هذا الوالي الفاسق إلى الهرب من غضب العراقيين ونقمتهم عليه . فكان الأشتر نموذجاً للإدارة القاطعة في الحياة .
وزوّده الإمام (عليه السلام)برسالتين مهمّتين وفيها بيان لمنزلة هذا الوالي المقدام ، وحكت كريم صفاته
مدح الإمام (عليه السلام)ثوّار العراق ومصر الناقمين على الباطل والداعين للحقّ والعدل والحرّية في ثورتهم العظمى الساعية لتحكيم شرع الله تعالى .
وبيّن فيها الإمام (عليه السلام)الوضع الاجتماعي والديني السيء البعيد عن القرآن وأهل البيت .
أظهر أمير المؤمنين (عليه السلام)للمصريين شخصية مالك على حقيقتها وواقعها بعيداً عن المدح السياسي الأُموي .
وبيّن أهميّة هذا القائد لإدارة دفّة الأحداث وسياسة أوضاع البلد . وأنّه لا يصدر أمراً إلاّ برضا الإمام (عليه السلام) وأنّه لا يفعل شيئاً إلاّ برضاه . كي تسكن خواطر الناس وترتاح نفوسهم ، ولا ينكل عند الروع .
إنّ مالك أشدّ من النار على المارقين والمنحرفين عن الحقّ ، الذين لا يرجون لله وقاراً .
إنّ مالك من سيوف الله الواقعيّين الذين لم يلوّثوا بجريمة ولا باقتراف منكر .
أمر الإمام ـ بهذه الرسالة ـ الشعب المصري بطاعة مالك والانصياع لأوامره ، فإنّه لا يقدم على شيء ، ولا يعمل عملا إلاّ بعد أخذ رأي الإمام (عليه السلام) .
والرسالة الثانية : عرضت إلى الأحداث المؤسفة التي عاناها الإمام (عليه السلام) بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسول (صلى الله عليه وآله) وبيّنت اغتصاب أهل السقيفة للخلافة .
قال : أمّا بعد ، فإنّ الله سبحانه بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين ، ومهيمناً [1500]على المرسلين .
فلمّا مضى (عليه السلام)تنازع المسلمون الأمر من بعده . فوالله ما كان يلقى في روعي [1501]، ولا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله) عن أهل بيته ، ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده ! ... .
فتكلّم الإمام (عليه السلام)عن الخلافة المغصوبة وعدم تورّعهم عن افتعال المنكر وغصب حقوق الآخرين والاعتداء على النصوص الإلهية وتلاعبهم بمقدّرات الأُمّة .
وأضاف الإمام (عليه السلام): إنّي والله ! لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت ، وإنّي من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربّي .
وإنّي إلى لقاء الله لمشتاق ، وحسن ثوابه لمنتظر راج ; ولكنّي آسى أن يلي أمر هذه الأُمّة سفهاؤها وفجّارها ، فيتّخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين حرباً ، والفاسقين حزباً ، فإنّ منهم الذي قد شرب فيكم الحرام [1502]، وجلد حدّاً في الإسلام ، وإنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرضائخ [1503].
فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم [1504]، وتأنيبكم ، وجمعكم ، وتحريضكم ، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم .
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى أمصاركم قد افتتحت وإلى ممالككم تزوى ، وإلى بلادكم تغزى !
انفروا ـ رحمكم الله ـ إلى قتال عدوّكم ، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف ، وتبوءوا بالذلّ ، ويكون نصيبكم الأخسّ ، وإنّ أخا الحرب الأرق [1505]، ومن نام لم ينم عنه ، والسلام [1506].
بيّن الإمام (عليه السلام)انقسام الناس إلى حزبين حزب الرحمن وحزب الشيطان وفضح حزب الشيطان بأعمالهم القاسية في إبعاد المؤمنين والتنكيل بهم ، وتقريب الطالحين والاستعانة بهم .
ثمّ دعا الإمام الشعب المصري إلى جهاد المارقين عن الإسلام ، وهم الحزب الأُموي ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي أفنى حياته في محاربة الله ورسوله .

 


----------

الهوامش
[1267] العريف كأمير من يعرف أمير القوم ، ورئيس القوم وهو دون الرئيس ـ العريف من يعرف أصحابه ـ من القاموس .
[1268] وهو أصبغ بن غياث الصحابي (القاموس) .
[1269] يركب على .
[1270] طغى : طفا .
[1271] الكناسة القمامة وموضع بالكوفة .
[1272] النخاس بيّاع الدواب والرقيق .
[1273] القماط الحبل تشدّد به القوائم عند الذبح .
[1274] في كل النسخ (فشوبوا) كما في المتن ، ولعلّ الصحيح (فثوبوا) أيمانكم الخ .
[1275] حتّى تموت أو تتوب .
[1276] أي حاضر .
[1277] كسر متاعه باعه ثوباً ثوباً .
[1278] ردّه : ردّ إليه .
[1279] دعائم الإسلام ، القاضي النعمان المغربي 2 / 539 .
[1280] النظم الإسلام 325 .
[1281] البحار 41 / 9 ، الغارات 2 / 533 ، المناقب ، ابن شهر آشوب 2 / 147 .
[1282] البحار 32 / 35 ، المناقب ، ابن شهر آشوب 2 / 110 ، نهج البلاغة ، الخطبة 92 .
[1283] البحار 33 / 454 ، الكافي 2 / 338 ، غرر الحكم 10041 ، المواعظ 512 ، المعيار والموازنة 166 ، نهج البلاغة الخطبة 200 .
[1284] نهج البلاغة الخطبة 33 ، الإرشاد 1 / 247 ، البحار 32 / 113 .
[1285] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 145 .
[1286] عيون الحكم والمواعظ 460 / 8362 ، غرر الحكم 8646 .
[1287] البحار 75 / 355 ، وقعة صفّين 108 .
[1288] ينابيع المودّة 2 / 30 ، نهج البلاغة الكتاب 47 .
[1289] غرر الحكم 3958 .
[1290] غرر الحكم 10205 .
[1291] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 137 .
[1292] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 130 .
[1293] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 248 .
[1294] نهج البلاغة ، محمّد عبده 3 / 22 .
[1295] المصدر السابق 3 / 22 .
[1296] اقتباس من سورة الأعراف : 85 وهود 85 و86 .
[1297] الاستيعاب : 3 / 210 و211 / 1875 .
[1298] اقتباس من سورة الأعراف : 85 وهود 85 و86 .
[1299] دعائم الإسلام 1 / 396 .
[1300] سورة الأعراف 85 .
[1301] الفصول المهمّة 127 ، العقد الفريد 1 / 335 ، بلاغات النساء 47 ، كشف الغمّة 1 / 173 بحار الأنوار 41 / 119 / 27 .
[1302] دعائم الاسلام ،المغربى 2 / 532 0
[1303] دعائم الإسلام 1 / 361 ، تحف العقول 137 .
[1304] عبقرية عمر ، العقّاد 28 .
[1305] العقد الفريد ، ابن عبد ربّه في أوائل الكتاب .
[1306] صحيح مسلم 7 / 123 ، شواهد التنزيل ، الحسكاني 2 / 414 ، 1 / 187 ، تاريخ دمشق ، ابن عساكر 2 / 86 ، روضة الواعظين ، النيسابوري 90 ، المسترشد ، الطبري 588 ، شرح الأخبار ، القاضى المغزي 1 / 104 ، الإرشاد ، المفيد 1 / 175 ، مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب 2 / 224 ، البحار 37 / 188 ، العمدة ، ابن بطريق 100 ، أسباب النزول ، الواحدي 150 ط مصر ، خصائص الوحي المبين ، ابن بطريق 88 ، بشارة المصطفى ، محمد بن علي الطبري 276 ، مسند أحمد 4 / 281 ، تاريخ بغداد 8 / 290 ، ورواه الترمذي وابن ماجه والنسائي ، الصواعق المحرقة 43 ، سرّ العالمين 1 / 37 ، ذخائر العقبى 82 ، الملل والنحل ، الشهرستاني 70 ، تفسير الثعلبي 1 / 217 ، تفسير القمّي ، الآية ، تفسير الفيض الكاشاني 2 / 51 ، تفسير البرهان 1 / 488 ، تفسير السيوطي 2 / 252 ، تفسير الآلوسي 6 / 61 ، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، الكوفي 2 / 382 ، نزول القرآن ، أبو نعيم الأصبهاني 86 ، فرائد السمطين 1 / 158 ، البداية والنهاية ، ابن كثير 5 / 213 ، ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام) ، الحبري 44 ، ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام) ، الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 36 ، مجمع الهيثمي 9 / 207 ، كنز العمال ، 6 / 392 .
[1307] البداية والنهاية ، ابن الأثير 8 / 116 ، 117 .
[1308] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 1 / 360 .
[1309] نهج البلاغة 53 ، تحف العقول 137 .
[1310] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 137 ، دعائم الإسلام 1 / 361 .
[1311] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 137 ، دعائم الإسلام 1 / 361 .
[1312] السواد : أراضي وقرى العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطّاب ، سمّي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار (راجع معجم البلدان 3 / 272) .
[1313] العذيب : ماء لبني تميم ، وهو أوّل ماء يلقاه الإنسان بالبادية إذا سار من قادسية الكوفة يريد مكّة (تقويم البلدان 79) .
[1314] بهقباذ : اسم لثلاث كور ببغداد من أعمال سقي الفرات (معجم البلدان 1 / 516) .
[1315] تاريخ اليعقوبي 2 / 204 .
[1316] تحف العقول 133 .
[1317] نهج البلاغة الكتاب 53 ، تحف العقول 130 ، دعائم الإسلام 1 / 356 .
[1318] الخوالف : الذين لا يغزون (لسان العرب 9 / 86) .
[1319] تحف العقول 133 .
[1320] سورة آل عمران 118 .
[1321] تاريخ اليعقوبي 2 / 203 .
[1322] نهج البلاغة الكتاب 46 ، الأمالي للمفيد 80 / 4 ، نهج البلاغة الكتاب 27 ، تحف العقول 177 .
[1323] كسكر : بلدة واسعة في العراق قصبتها واسط التي بين الكوفة والبصرة ، وهي إلى العمارة والكوت أقرب منها إلى البصرة والكوفة (راجع معجم البلدان 4 / 461) .
[1324] أنساب الأشراف 2 / 388 .
[1325] الإدّ : الأمر الفظيع العظيم (لسان العرب 3 / 71) .
[1326] الكهف 103 و104 .
[1327] أنساب الأشراف 2 / 389 ، نهج البلاغة الكتاب 43 .
[1328] تاريخ الطبري 5 / 129 ، شرح نهج البلاغة 3 / 145 ، الغارات 1 / 364 ، وراجع نهج البلاغة الكتاب 26 .
[1329] التّرح : ضدّ الفرح (النهاية 1 / 186) .
[1330] الغارات 1 / 365 ، تاريخ الطبري 5 / 129 ، تاريخ دمشق 58 / 272 / 7450 ، الكامل في التاريخ 2 / 421 ، وراجع أنساب الأشراف 3 / 181 ، والبداية والنهاية 7 / 310 ، والفتوح 4 / 244 .
[1331] اصطخر : معرّب استخر ، وهي من أقدم مدن فارس ، وبها كان سرير الملك دارا بن داراب ، وبها آثار عظيمة . وبينها وبين شيراز اثنا عشر فرسخاً (راجع تقويم البلدان 329) .
[1332] أنساب الأشراف 2 / 391 ، نهج البلاغة الكتاب 71 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 203 .
[1333] نهج البلاغة الكتاب 20 ، بحار الأنوار 33 / 489 / 695 .
[1334] غافر 78 .
[1335] نهج البلاغة الكتاب 3 ، روضة الواعظين 489 .
[1336] الوفر : المال الكثير (النهاية 5 / 210) .
[1337] أنساب الأشراف 2 / 390 .
[1338] تاريخ اليعقوبي 2 / 204 .
[1339] الغارات 2 / 373 ، البحار 8 / 676 ، تاريخ الطبري 6 / 63 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 143 .
[1340] جبهته : أي رددته .
[1341] قفاراً : أي خال من الإدام .
[1342] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 16 / 196 .
[1343] النمل 37 .
[1344] المفحش : الجري .
[1345] تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 410 ، الغدير 10 / 219 .
[1346] من التنجيد : التزيين (النهاية 5 / 19) .
[1347] نهج البلاغة 3 / 5 ، البحار 33 / 485 ، 41 / 156 ، نهج البلاغة ، محمد عبدة 2 / 4 ط مصر ، شرح النهج 14 / 28 .
[1348] تاريخ الطبري 3 / 463 ، الكامل في التاريخ 3 / 201 .
[1349] الكامل في التاريخ 3 / 204 .
[1350] تاريخ الطبري 3 / 463 ، الكامل في التاريخ 3 / 201 .
[1351] الإيضاع : الإسراع .
[1352] نهج البلاغة 2 / 192 .
[1353] الاستيعاب 3 / 90 .
[1354] تاريخ المدينة ، ابن شبة 3 / 112 .
[1355] الجفان : جمع جفنة ، وهي القصعة .
[1356] العائل : الفقير المحتاج .
[1357] المجفو : المعرض عنه .
[1358] المقضم : المأكول .
[1359] الفظه : أي اطرحه .
[1360] الطمر : الثوب الخلق .
[1361] التبر : فتات الذهب والفضّة قبل صياغتها .
[1362] الوفر : المال .
[1363] العفصة : هو السائل الذي يكون على شجرة البلوط ، وهو مرّ .
[1364] مقرة : الشيء المرّ .
[1365] أشار بذلك إلى تأميم فدك من قبل أبو بكر .
[1366] الحفرة : أراد بها القبر .
[1367] المزلق : هو الصراط .
[1368] القزّ : ما يصنع منه الحرير .
[1369] القدّ : جلد الشاة غير المدبوغ .
[1370] جشوبة العيش : غلظته وخشونته .
[1371] تقمّمها : المراد بها القمامة ، أي الكناسة .
[1372] المتاهة : الحيرة والهلكة .
[1373] الصنو من الصنو : المراد به شدّة اتّصاله بالنبي كالنخلتين اللتين يجمعهما أصل واحد .
[1374] الجسم المركوس : أراد به معاوية بن هند .
[1375] المدرة : القطعة من الطين اليابس .
[1376] الغارب : الكاهل وما بين السنام والعنق .
[1377] جمع مخلب : وهو أظفار السبع .
[1378] الورد : ورود الماء . الصدر : الانتهاء من شرب الماء .
[1379] ازورّ : مال .
[1380] الانسلاخ : الزوال .
[1381] أسلس : أي أنقاد .
[1382] نضب : غار . المعين : الماء الجاري .
[1383] الربيضة : الغنم التي مع رعاتها .
[1384] يهجع : أي يسكن .
[1385] الهاملة : الغنم التي ترعى بلا راع .
[1386] الكرى : النوم .
[1387] الكرى : النوم .
[1388] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 9 / 312 .
[1389] شرح أُصول الكافي ، المازندراني 7 / 222 .
[1390] تاريخ الطبري 3 / 477 ، الإمامة والسياسة ، الدينوري 1 / 73 ، فتوح ابن أعثم 2 / 249 .
[1391] خزانة الأدب 1 / 281 .
[1392] تاريخ الطبري 4 / 108 .
[1393] أخبار القضاة 1 / 289 .
[1394] قاموس الرجال ، التستري 5 / 171 نقله عن الذهبي .
[1395] رجال الطوسي 46 ، 69 ، 75 ، 95 ، تهذيب التهذيب 12 / 12 ، العبر 1 / 77 ، سير أعلام النبلاء 4 / 81 ، الطبقات ، ابن سعد 7 / 99 ، فهرست ابن النديم 39 ، أُسد الغابة 3 / 69 ، الإصابة 2 / 241 ، رجال الشيخ 46 .
[1396] التوبة 3 .
[1397] سير أعلام النبلاء 4 / 83 ، وفيّات الأعيان 2 / 537 .
[1398] شرح أُصول الكافي ، المازندراني 2 / 298 .
[1399] الأمالي ، المرتضى 212 .
[1400] خزانة الأدب 1 / 285 .
[1401] الجياد : الفرس السريع . الركاب : الإبل التي تحمل جيشه .
[1402] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 4 / 50 ، الكامل لابن الأثير 3 / 182 .
[1403] شرح نهج البلاغة ، محمّد عبده 133 .
[1404] من فال يفيل : أخطأ وضعف (لسان العرب 11 / 534) .
[1405] نهج البلاغة الكتاب 18 ، بحار الأنوار 33 / 493 / 699 .
[1406] أنساب الأشراف 2 / 3197 ، نهج البلاغة الكتاب 40 .
[1407] الجابية : بالجيم وكسر الباء قال ياقوت : أصله في اللغة : الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل ، وقرية من أعمال دمشق ، وفي هذا الموضع خطب عمر بن الخطاب خطبته المشهورة معجم البلدان 2 / 91 .
[1408] الالف بكسر الهمزة وسكون اللام : الصديق والمؤانس .
[1409] ريثكم : قصركم .
[1410] جحفاً جحفاً : فخراً فخراً وشرفاً شرفاً (النهاية لابن الأثير 1 / 145) .
[1411] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 ق 57 .
[1412] شرح النهج 2 / 57 .
[1413] مناقب آل أبي طالب 1 / 327 .
[1414] أي لا تبقى لأحد فتارة بيد هذا وتارة بيد ذاك .
[1415] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 / 249 .
[1416] البحار 8 / 471 ، كتاب صفّين 2 / 116 .
[1417] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ، المحقّق الكبير المحمودي ، نقلا عن تاريخ الطبري 4 / 108 .
[1418] رازمه : أي جامعه .
[1419] لا تبيد : أي لا تفنى .
[1420] العقد الفريد 2 / 242 .
[1421] الأعراف 175 .
[1422] قد كلب : أي قد اشتدّ .
[1423] حرد : أي غضب .
[1424] قلبت له ظهر المجنّ : أي قمت على خلافه كمن يترك قائده في الحرب ويتّصل بعدوّه .
[1425] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 / 228 ـ 230 ، نقلا عن كوكبة من المصادر .
[1426] العقد الفريد 2 / 363 .
[1427] أمالي المرتضى 1 / 177 .
[1428] تاريخ اليعقوبي 2 / 194 ، أدب الدنيا والدين ، الماوردي 64 .
[1429] الدرجات الرفيعة في ترجمة ابن عباس 118 .
[1430] مآثر الإناقة 2 / 231 .
[1431] أُسد الغابة 3 / 373 .
[1432] شرح ابن أبي الحديد ، شرح ابن ميثم على الرسالة التالية .
[1433] أراد بـ « المغرب » : الشام ، وسمّي مغرباً لأنّه من الأقاليم الغربية .
[1434] الكمه : جمع أكمه ، وهو من ولد أعمى .
[1435] البطر : شدّة الفرح .
[1436] مصادر نهج البلاغة وأسانيده ـ قسم الرسائل والعهود 3 / 318 .
[1437] ذيدت : أي منعت .
[1438] تاريخ ابن الأثير 3 / 193 .
[1439] أُسد الغابة ـ باب العين 2 / 169 ـ 170 .
[1440] التثريب : الاستقصاء في اللوم .
[1441] ظنين : أي غير متّهم .
[1442] تاريخ ابن واضح 2 / 190 .
[1443] أُسد الغابة 2 / 169 .
[1444] مصادر نهج البلاغة ـ قسم الرسائل 3 / 345 ـ 346 .
[1445] تاريخ الطبري 2 / 443 ، الإمامة والسياسة 2 / 226 .
[1446] نصّ على ذلك السيّد عبدالزهرة الحسيني ، نقلا عن دعائم الإسلام 1 / 252 .
[1447] الوليجة : البطانة .
[1448] المحلّ : الذي أحلّ ما حرّم الله تعالى .
[1449] كتاب صفّين 104 .
[1450] معجم البلدان 1 / 184 .
[1451] اعتراك : أي قصدك .
[1452] رزأت : أي أخذت .
[1453] الكامل في التاريخ 3 / 420 .
[1454] أضواء على دعاء كميل 85 .
[1455] البحار 63 / 424 .
[1456] الاختصاص ، المفيد 6 ، الأمالي ، المفيد 247 ، البحار 41 / 216 .
[1457] معجم البلدان 5 / 483 .
[1458] متبّر : أي رأي فاسد .
[1459] رأي شعاع ، أي غير ملتئم .
[1460] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 / 320 .
[1461] البحار 42 / 48 .
[1462] تاريخ الطبري 6 / 65 ـ 75 .
[1463] شرح نهج البلاغة 1 / 264 .
[1464] شرح نهج البلاغة 3 / 13 .
[1465] شرح نهج البلاغة 4 / 87 ، تاريخ الطبري 5 / 369 ، و381 ، الأخبار الطوال 239 .
[1466] الغارات 2 / 532 عن أبي إسحاق الشيباني ، وراجع شرح نهج البلاغة 4 / 87 .
[1467] الكافي 8 / 72 ح28 عن يونس عن بعض أصحابه ، المناقب لابن شهر آشوب 2 / 111 وفيه « أحوج » بدل « صلاح » .
[1468] يُشفي : يُشرِف (لسان العرب 14 / 437) .
[1469] تاريخ اليعقوبي 2 / 201 . وفي خصوص كونه والياً على البحرين من قبل الإمام (عليه السلام)راجع نهج البلاغة الكتاب 42 ، وتاريخ الطبري 4 / 452 ، والكامل في التاريخ 2 / 323 ، وتاريخ خليفة بن خيّاط 151 .
[1470] تاريخ دمشق 65 / 147 ح8256 ، الكامل في التاريخ 2 / 367 ، الأخبار الموفّقيات 575 / 374 .
[1471] تاريخ الطبري 5 / 54 ، الكامل في التاريخ 2 ق 389 ، تاريخ دمشق 65 / 147 .
[1472] دَسْتَبى : بلدة تقع إلى الغرب من مدينة طهران ، وكانت واسعة بحيث تشمل ما بين قزوين وهمدان الحاليتين (راجع معجم البلدان 2 / 454) .
[1473] الغارات 2 / 525 ، أنساب الأشراف 3 / 215 ، الأخبار الموفّقيات 575 / 374 ، تاريخ دمشق 65 / 147 ، الكامل في التاريخ 2 / 367 ، وفيهما « استعمله على الري » .
[1474] الكامل في التاريخ 2 / 367 ، الغارات 2 / 525 ـ 528 ، أنساب الأشراف 3 / 216 ، تاريخ دمشق 65 / 147 ح8256 ، الأخبار الموفّقيات 575 / 374 ، وليس فيه « حَبَسه » .
[1475] الغارات 2 / 525 و528 ، وراجع أنساب الأشراب 3 / 215 ، والكامل في التاريخ 2 / 367 ، والأخبار الموفّقيات 575 / 374 ، وتاريخ دمشق 65 / 147 ـ 149 .
[1476] الغارات 2 / 528 ، أنساب الأشراف 5 / 268 ، تاريخ الطبري 5 / 273 .
[1477] الحَزْن : المكان الغليظ الخشن (النهاية 1 / 380) . نهج البلاغة : الكتاب 70 ، أنساب الأشراف 2 / 386 نحوه إلى « سُحقاً » وراجع تاريخ اليعقوبي : 2 / 203 .
[1478] المنتخب من ذيل المذيل 1 / 147 ، الغارات 2 / 567 .
[1479] سورة الحشر 16 ، شرح نهج البلاغة 20 / 287 / 277 ، نثر الدرّ 1 / 325 نحوه ، تاريخ الطبري 4 / 562 ، وراجع الغارات 2 / 553 ، وشرح نهج البلاغة 4 / 93 .
[1480] سير أعلام النبلاء 2 / 536 ح108 ، تهذيب الكمال 4 / 535 ح917 وفيه « بالسراة » بدل « بالشراة » وزاد في آخره « وكانت ولايته سنتين ونصفاً بعد زياد بن أبي سفيان » وراجع الطبقات الكبرى 6 / 22 .
[1481] القَيْل : المَلِك النافذ القول والأمر (لسان العرب 11 / 576) .
[1482] المَقاوِلة : جمع قَيْل (لسان العرب 11 / 575) وقد تقدّم توضيحه .
[1483] الغارات 2 / 630 .
[1484] الكُنَاسة : محلّة بالكوفة ، عندها واقع يوسف بن عمر الثقفي زيد بن علي بن الحسين (معجم البلدان 4 / 481) .
[1485] الوَرْس : نبت أصفر يُصبَغ به (النهاية 5 / 173) .
[1486] الفَدْم من الناس : العييُّ عن الحجّة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلّة فهم (لسان العرب 12 / 450) .
[1487] الغارات 2 / 533 ، شرح نهج البلاغة 4 / 88 ، وراجع 10 / 250 ، والإصابة 6 / 387 ح8876 .
[1488] سورة البقرة 45 .
[1489] سورة المائدة 8 .
[1490] الَهمْس : السَّير بالليل بلا فتور (تاج العروس 9 / 45) . الغارات 2 / 539 ، المناقب لابن شهر آشوب 2 / 147 نحوه إلى « فخرج طارق » ، بحار الأنوار 33 / 373 ح537 ، شرح نهج البلاغة 4 / 89 .
[1491] الرُها : إحدى مدن سورية ، وتقع بين الشام والموصل في الجانب الشمالي الشرقي عن الفرات أعلى الرقّة وحرّان ، وتعرف اليوم بـ « أدسا » و « أُورفا » .
[1492] وقعة صفّين 97 ، شرح نهج البلاغة 3 / 176 .
[1493] الغارات 2 / 532 ، شرح نهج البلاغة 4 / 87 .
[1494] الظاعن : الشاخص لسفر في حجّ أو غزو أو مسير من مدينة إلى أُخرى ، وهو ضدّ الخافض ; يقال : أظاعنٌ أنت أم مقيم (تاج العروس 18 / 362) .
[1495] نَكَلَ : نكص ; يقال : نكل عن العدو : أي جَبُن (لسان العرب 11 / 677) .
[1496] الرَّوع : الفزع (لسان العرب 8 / 135) .
[1497] الظُّبَة : حدّ السيف والسنان والنصل والخَنجر وما أشبه ذلك (لسان العرب 15 / 22) . نَبا السيف عن الضريبة : كَلَّ ولم يَحِك فيها (لسان العرب 15 / 301) .
[1498] نهج البلاغة الكتاب 38 ، الغارات 1 / 266 عن فضيل بن خديج عن مولى الأشتر ، الاختصاص 80 عن عبدالله بن جعفر ، بحار الأنوار 33 / 595 ح741 ، تاريخ الطبري 5 / 96 عن فضيل بن خديج عن مولى الأشتر ، تاريخ دمشق 56 / 390 ح7165 كلّها نحوه وراجع تاريخ اليعقوبي 2 / 194 .
[1499] المستدرك ، الحاكم 3 / 137 ، كنز العمّال 3 / 157 ، 6 / 157 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي 9 / 121 ، حلية الأولياء 1 / 63 ـ 64 ، تاريخ بغداد 11 / 112 ، 13 / 122 ، الإصابة ، ابن حجر 4 / 170 ـ 171 .
[1500] المهيمن : الشاهد .
[1501] روعي : أي في خاطري .
[1502] الحرام : وهو الخمر ، وقد شربها علناً عتبة بن أبي سفيان ، وحدّ خالد بن عبدالله في الطائف .
[1503] الرضائخ : العطايا .
[1504] التأليب : التحريض .
[1505] الأرق : السهر .
[1506] نهج البلاغة ، محمّد عبده 3 / 118 ـ 121 .