عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر

اهتمّ العلماء والباحثون بعهد الإمام (عليه السلام) الرائع المسمّى برسالته إلى مالك الأشتر فهو عهد في كيفية إدارة الدولة وسياسة الحكومة ومراعاة حقوق الشعب .
ذكر بنودها أمير المؤمنين (عليه السلام) بشكل رائع لا تشوبه شائبة .
فكانت دستوراً للحكومات لا ينقصه شيء .
والواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا (صلى الله عليه وآله) ، أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدته ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسي عليك ، لكي لا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها .
وأنا أسأل الله بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقني وإيّاك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد ، وتمام النعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة ، « وإنّا إلى الله راغبون » .
والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله الطيّبين الطاهرين ، وسلّم تسليماً كثيراً ، والسلام .

 

دستور الدولة الإسلامية (العهد إلى مالك)

وعهد الإمام علي (عليه السلام)إلى واليه على مصر مالك الأشتر يعتبر دستوراً كاملا للدولة الإسلامية . فيه نظريات الإسلام في الحاكم والحكومة ومناهج الدين في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحرب والإدارة والأُمور العبادية والقضائية .
قال الإمام علي (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أمر به عبدالله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاّه مصر : جباية خراجها ، ومجاهدة عدوّها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها . أمره بتقوى الله ، وإيثار طاعته ، واتّباع ما أمر الله به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلاّ باتّباعها ، ولا يشقى إلاّ مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر الله بيده وقلبه ولسانه ; فإنّه قد تكفّل بنصر من نصره ، إنّه قوي عزيز .
وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات ; فإنّ النفس أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربّي ، إنّ ربّي غفور رحيم . « وأن يعتمد كتاب الله عند الشبهات ; فإنّ فيه تبيان كلّ شيء ، وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون . وأن يتحرّى رضا الله ، ولا يتعرّض لسخطه ، ولا يصرّ على معصيته ، فإنّه لا ملجأ من الله إلاّ إليه » .
ثمّ اعلم يامالك أنّي وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأنّ الناس ينظرون من أُمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أُمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يستدلّ على الصالحين بما يُجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح « بالقصد فيما تجمع وما ترعى به رعيّتك » ، فاملك هواك وشُحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ; فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحببت وكرهت .
وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبّة لهم ، واللطف بالإحسان إليهم ، ولا تكوننّ عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم ; فإنّهم صنفان ; إمّا أخ لك في الدين ، وإمّا نظير لك في الخلق ، يفرط [1507]منهم الزلل ، وتَعرِض لهم العِلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه ; فإنّك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاّك بما عرّفك من كتابه ، وبصّرك من سنن نبيّه (صلى الله عليه وآله).
عليك بما كتبنا لك في عهدنا هذا ، لا تنصبنّ نفسك لحرب الله ; فإنّه لا يدَ لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . فلا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ [1508]بعقوبة ، ولا تسرعنّ إلى بادرة [1509]وجدت عنها مندوحة [1510]، ولا تقولنّ : إنّي مؤمّر ; آمر فأُطاع ; فإنّ ذلك إدغال [1511] في القلب ، ومنهكة [1512] للدين ، وتقرّب من الفتن ، فتعوّذ بالله من درك الشقاء .
وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك به أُبّهة أو مخيّلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ; فإنّ ذلك يُطامِن [1513]إليك من طماحك [1514]، ويكفّ عنك من غربك [1515]،
ويفيء إليك ما عزب [1516]من عقلك .
وإيّاك ومساماته في عظمته ، أو التشبّه به في جبروته ; فإنّ الله يُذلّ كلّ جبّار ، ويُهين كلّ مختال فخور .
أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّتك ومن أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك ; فإنّك إلاّ تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان لله حرباً حتّى ينزع ويتوب .
وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة من إقامة على ظلم ; فإنّ الله يسمع دعوة المظلومين ، وهو للظالمين بمرصاد ، ومن يكن كذلك فهو رهين هلاك في الدنيا والآخرة .
وليكن أحبّ الأُمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها للرعية ; فإنّ سخط العامّة يجحف برضى الخاصّة ، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة . وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء ، وأقلّ له معونة في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف [1517]، وأقلّ شكراً عند الإعطاء ، وأبطأ عذراً عند المنع ، وأضعف صبراً عند ملمّات الأُمور ، ومن الخاصّة ، وإنّما عمود الدين وجماع المسلمين والعدّة للأعداء أهل العامّة من الأُمّة ، فليكن لهم صَغوك ، واعمد لأعمّ الأُمور منفعة وخيرها عاقبة ، ولا قوّة إلاّ بالله .
وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لعيوب الناس ; فإنّ في الناس عيوباً الوالي أحقّ مَن سترها ، فلا تكشفنّ ما غاب عنك ، واستر العورة ما استطعت ; يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعيّتك .
وأطلق عن الناس عقد كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وتر ، « واقبل العذر . وادرأ الحدود بالشبهات » .
وتغاب عن كلّ ما لا يَضِحُ [1518]لك ، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ; فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين .
لا تُدخلنّ في مشورتك بخيلا يخذلك عن الفضل ، ويعدك الفقر ، ولا جباناً يضعف عليك الأُمور ، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور ; فإنّ البخل والجور [1519]والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله [1520].
أيقن أنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار وزيراً ، ومن شركهم في الآثام وقام بأُمورهم في عباد الله ; فلا يكوننّ لك بطانة [1521]، « تُشركهم في أمانتك كما شركوا في سلطان غيرك فأردوهم وأوردهم مصارع السوء .
ولا يعجبنّك شاهد ما يحضرونك به » ; فإنّهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظلمة ، وعباب كلّ طمع ودغل [1522]، وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل أدبهم ونفاذهم ممّن قد تصفّح الأُمور ، فعرف مساويها بما جرى عليه منها ، فأُولئك أخفّ عليك مؤونة ، وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفاً ، وأقلّ لغيرك إلفاً ، لم يعاون ظالماً على ظلمه ، ولا آثماً على إثمه ، « ولم يكن مع غيرك له سيرة أجحفت بالمسلمين والمعاهدين » ; فاتّخذ أُولئك خاصّة لخلوتك وملائك .
ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ ، « وأحوطهم على الضعفاء بالإنصاف ، وأقلّهم لك مناظرة فيما يكون منك مماكرة الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع ; فإنّهم يقفونك على الحقّ ، ويبصّرونك ما يعود عليك نفعه » . والصق بأهل الورع والصدق وذوي العقول والأحساب ، ثمّ رُضْهم على ألاّ يطروك ، ولا يبجّحوك بباطل لم تفعله ; فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزهو ، وتدني من الغِرّة ، « والإقرار بذلك يوجب المقت من الله » .
لا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ; فإنّ ذلك تزهيد لأهل الإحسان ، في الإحسان ، وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة ، فألزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه ; أدباً منك ينفعك الله به ، وتنفع به أعوانك .
ثمّ اعلم أنّه ليس شيء بأدعى لحسن ظنّ وال برعيته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وقلة استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن في ذلك أمر يجتمع لك به حسن ظنّك برعيّتك ; فإنّ حسن الظنّ يقطع عنك نصباً طويلا ، وإنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وأحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده ، « فاعرف هذه المنزلة لك وعليك لتزدك بصيرة في حسن الصنع ، واستكثار حسن البلاء عند العامّة ، مع ما يوجب الله بها لك في المعاد » .
ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأُمّة ، واجتمعت بها الأُلفة ، وصلحت عليها الرعية . ولا تحدثنّ سنّة تضرّ بشيء ممّا مضى من تلك السنن ; فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها .
وأكثر مدارسة العلماء ، ومثافنة [1523]الحكماء ، في تثبيت ما صلح عليه أهل بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس من قبلك ; « فإنّ ذلك يحقّ الحقّ ، ويدفع الباطل ، ويكتفى به دليلا ومثالا لأنّ السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة الله » .
ثمّ اعلم أنّ الرعيّة طبقات ، لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ; فمنها جنود الله ، ومنها كتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمّة ومَسلَمة الناس ، ومنها التجّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة [1524]السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلاًّ قد سمّى الله سهمه ، ووضع على حدّ فريضته في كتابه أو سنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، وعهداً عندنا محفوظاً .
فالجنود ـ بإذن الله ـ حصون الرعيّة ، وزين الولاة ، وعزّ الدين ، وسبيل الأمن والخفض ، وليس تقوم الرعيّة إلاّ بهم . ثمّ لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يصلون به إلى جهاد عدوّهم ، ويعتمدون عليه ، ويكون من وراء حاجاتهم .
ثمّ لا بقاء لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب ; لما يحكمون من الأُمور ، ويظهرون من الإنصاف ، ويجمعون من المنافع ، ويُؤمَنون عليه من خواصّ الأُمور وعوامّها .
ولا قوام لهم جميعاً إلاّ بالتجّار وذوي الصناعات فيما يجمعون من مرافقهم ، ويقيمون من أسواقهم ، ويكفونهم من الترفّق بأيديهم ممّا لا يبلغه رفق غيرهم .
ثمّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ رِفدهم [1525]، وفي في الله لكلٍّ سعة ، ولكلٍّ على الوالي حقّ بقدر يصلحه ، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلاّ بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحقّ والصبر فيما خفّ عليه وثقل . فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك ، وأنقاهم جيباً ، وأفضلهم حلماً ، وأجمعهم علماً وسياسة ، ممّن يبطئ عن الغضب ، ويسرع إلى العذر ، ويرأف بالضعفاء ، وينبو [1526] على الأقوياء ، ممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضعف .
ثمّ الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة ، والشجاعة والسخاء والسماحة ; فإنّهم جِماع من الكرم ، وشُعَبٌ من العُرف ، يهدون إلى حسن الظنّ بالله ، والإيمان بقَدره .
ثمّ تفقّد أُمورهم بما يتفقّد الوالد من ولده ، ولا يتفاقمنّ [1527] في نفسك شيء قوّيتهم به . ولا تحقّرنّ لطفاً تعاهدتهم به وإن قلّ ; فإنّ داعية لهم إلى بذل النصيحة وحسن الظّن بك . فلا تدع تفقّد لطيف أُمورهم اتّكالا على جسيمها ; فإنّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به ، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه .
وليكن آثر رؤوس جنودك من واساهم في معونته ، وأفضل عليهم في بذله ممّن يسعهم ويسع من وراءهم من الخُلوف [1528]من أهلهم ، حتّى يكون همّهم همّاً واحداً في جهاد العدو .
« ثمّ واتر إعلامهم ذات نفسك في إيثارهم والتكرمة لهم ، والإرصاد بالتوسعة . وحقّق ذلك بحسن الفعال والأثر والعطف » ; فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك .
وإنّ أفضل قرّة العيون للولاة استفاضة العدل في البلاد ، وظهور مودّة الرعيّة ; لأنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم ، ولا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحوطتهم على ولاة أُمورهم ، وقلّة استثقال دولتهم ، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم .
« ثمّ لا تَكِلنّ جنودك إلى مغنم وزّعته بينهم ، بل أحدِث لهم مع كلّ مغنم بدلا ممّا سواه ممّا أفاء الله عليهم ، تستنصر بهم به ، ويكون داعية لهم إلى العودة لنصر الله ولدينه . واخصص أهل النجدة في أملهم إلى منتهى غاية آمالك من النصيحة بالبذل » ، وحسن الثناء عليهم ، ولطيف التعهّد لهم رجلا رجلا وما أبلى في كلّ مشهد ; فإنّ كثرة الذكر منك لحسن فِعالهم تهزّ الشجاع ، وتحرّض الناكل إن شاء الله .
« ثمّ لا تدع أن يكون لك عليهم عيون [1529]من أهل الأمانة والقول بالحقّ عند الناس ، فيثبتون بلاء كلّ ذي بلاء منهم ليثق أُولئك بعلمك ببلائهم » .
ثمّ اعرف لكلّ امرئ منهم ما أبلى ، ولا تَضُمّنَّ بلاء امرئ إلى غيره ، ولا تُقصّرنّ به دون غاية بلائه ، « وكاف كلاًّ منهم بما كان منه ، واخصصه منك بهزّه » . ولا يدعونّك شرف امرئ إلى أن تعظّم من بلائه ما كان صغيراً ، ولا ضِعة امرئ على أن تصغّر من بلائه ما كان عظيماً . « ولا يفسدنّ أمرأ عندك علّة إن عرضت له ، ولا نبوة حديث له قد كان له فيها حسن بلاء ، فإنّ العزّة لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتّقين .
وإن استشهد أحد من جنودك وأهل النكاية في عدوّك فاخلفه [1530] في عياله بما يخلف به الوصي الشفيق الموثق به ; حتّى لا يُرى عليهم أثر فقده ; فإنّ ذلك يعطف عليك قلوب شيعتك ، ويستشعرون به طاعتك ، ويسلسون [1531] لركوب معاريض التلف الشديد في ولايتك .
وقد كانت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) سنن في المشركين ومنّا بعده سنن ، قد جرت بها سنن وأمثال في الظالمين ، ومن توجّه قِبلتنا ، وتسمّى بديننا » ; وقد قال الله لقوم أحبّ إرشادهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) [1532].
وقال : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا) [1533].
فالردّ إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والردّ إلى الرسول الأخذ بسنّته الجامعة غير المتفرّقة ، « ونحن أهل رسول الله الذين نستنبط المحكم من كتابه ، ونميّز المتشابه منه ، ونعرف الناسخ ممّا نسخ الله ووضع إصره .
فسِر في عدوّك بمثل ما شاهدت منّا في مثلهم من الأعداء ، وواتر إلينا الكتب بالأخبار بكلّ حدث يأتك منّا ، أمر عامّ ، والله المستعان .
ثمّ انظر في أمر الأحكام بين الناس بنيّة صالحة ; فإنّ الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم والأخذ للضعيف من القويّ وإقامة حدود الله على سنّتها ومنهاجها ممّا يصلح عباد الله وبلاده » . فاختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ، « وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء » ، ممّن لا تضيق به الأُمور ، ولا تُمحِكه [1534]الخصوم ، ولا يتمادى في إثبات الزلّة ، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصوم ، وأصبرهم على تكشّف الأُمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراق ، ولا يصغى [1535]للتبليغ ; فولّ قضاءك من كان كذلك ، وهم قليل .
ثمّ أكثر تعهّد قضائه ، وافتح له في البذل ما يزيح علّته ، ويستعين به ، وتقلّ معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ; ليأمن بذلك اغتيال الرجال إيّاه عندك . « وأحسن توقيره في صحبتك ، وقربه في مجلسك ، وأمضِ قضاءه ، وأنفِذ حكمه ، واشدد عضده ، واجعل أعوانه خيار من ترضى من نظرائه من الفقهاء وأهل الورع والنصيحة لله ولعباد الله ; ليناظرهم فيما شبه عليه ، ويلطف عليهم لعلم ما غاب عنه ، ويكونون شهداء على قضائه بين الناس إن شاء الله .
ثمّ حملة الأخبار لأطرافك قضاة تجتهد فيهم نفسه ، لا يختلفون ولا يتدابرون في حكم الله وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ; فإنّ الاختلاف في الحكم إضاعة للعدل ، وغِرة في الدين ، وسبب من الفرقة . وقد بيّن الله ما يأتون وما ينفقون ، وأمر بردّ ما لا يعلمون إلى من استودعه الله علم كتابه ، واستحفظه الحكم فيه ، فإنّما اختلاف القضاة في دخول البغي بينهم ، واكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون من فرض الله ولايته ليس يصلح الدين ولا أهل الدين على ذلك .
ولكن على الحاكم أن يحكم بما عنده من الأثر والسنّة ، فإذا أعياه ذلك ردّ الحكم إلى أهله ، فإن غاب أهله عنه ناظَر غيره من فقهاء المسلمين ; ليس له ترك ذلك إلى غيره ، وليس لقاضيين من أهل الملّة أن يقيما على اختلاف في الحكم إنّما رفع ذلك إلى وليّ الأمر فيكم ، فيكون هو الحاكم بما علّمه الله ، ثمّ يجتمعان على حكمه فيما وافقهما أو خالفهما » . فانظر في ذلك نظراً بليغاً ، فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً بأيدي الأشرار ، يُعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدنيا .
« واكتب إلى قضاة بلدانك فليرفعوا إليك كلّ حكم اختلفوا فيه على حقوقه ، ثمّ تصفّح تلك الأحكام ; فما وافق كتاب الله وسنّة نبيّه والأثر من إمامك فأمضه واحملهم عليه ، وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاء بحضرتك فناظرهم فيه ، ثمّ أمض ما يجتمع عليه أقاويل الفقهاء بحضرتك من المسلمين ، فإنّ كلّ أمر اختلف فيه الرعية مردود إلى حكم الإمام ، وعلى الإمام الاستعانة بالله ، والاجتهاد في إقامة الحدود ، وجبر الرعية على أمره ، ولا قوّة إلاّ بالله » .
ثمّ انظر إلى أُمور عمّالك ، واستعملهم اختباراً ، ولا تولّهم أُمورك محاباة [1536]أثرة [1537]; فإنّ المحاباة والأثرة جماع الجور والخيانة ، « وإدخال الضرورة على الناس ، وليست تصلح الأُمور بالإدغال ، فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة » ، وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام ; فإنّهم أكرم أخلاقاً ، وأصحّ أعراضاً وأقلّ في المطامع إشرافاً ، وأبلغ في عواقب الأُمور نظراً من غيرهم ، « فليكونوا أعوانك على ما تقلّدت » .
ثمّ أسبغ عليهم « في العمالات ، ووسّع عليهم في » الأرزاق ; فإنّ في ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك ، أو ثلموا أمانتك . ثمّ تفقّد أعمالهم ، وابعث العيون عليهم من أهل الصدق والوفاء ; فإنّ تعهّدك في السرّ أُمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية .
وتحفّظ من الأعوان ; فإنّ أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلّة فوسمته بالخيانة وقلّدته عار التهمة .
وتفقّد ما يصلح أهل الخراج ; فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم ; لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله . فليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ; فإنّ الجلب لا يدرك إلاّ بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم له أمره إلاّ قليلا .
« فأجمع إليك أهل الخراج من كلّ بلدانك ، ومُرهم فليُعلموك حال بلادهم وما فيه صلاحهم ورخاء جبايتهم ، ثمّ سَل عمّا يرفع إليك أهل العلم به من غيرهم » ; فإن كانوا شكوا ثقلا أو علّة من انقطاع شرب أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بهم العطش أو آفة خفّفت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به أمرهم ، « وإن سألوا معه معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهم مؤونته ; فإنّ في عاقبة كفايتك إيّاهم صلاحاً ، فلا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به عنهم المؤونات » ; فإنّه ذخر يعودون به عليك لعمارة بلادك ، وتزيين ولايتك ، « مع اقتنائك مودّتهم وحسن نيّاتهم ، واستفاضة الخير ، وما يسهّل الله به من جلبهم ، فإنّ الخراج لا يستخرج بالكدّ والأتعاب ، مع أنّها عقد [1538]تعتمد عليها إن حدث حدث كنت عليهم معتمداً » ; لفضل قوّتهم بما ذخرت عنهم من الجَمام [1539]، والثقة منهم بما عوّدتهم من عدلك ورفقك ، ومعرفتهم بعذرك فيما حدث من الأمر الذي اتّكلت به عليهم ، فاحتملوه بطيب أنفسهم ، فإنّ العمران محتمل ما حمّلته ، وإنّما يؤتى خراب الأرض لإعواز أهلها ، وإنّما يعوز أهلها لإسراف الولاة وسوء ظنّهم بالبقاء وقلّة انتفاعهم بالعبر .
« فاعمل فيما وليت عمل من يحبّ أن يدّخر حسن الثناء من الرعية ، والمثوبة من الله ، والرضا من الإمام . ولا قوّة إلاّ بالله » .
ثمّ انظر في حال كتّابك « فاعرف حال كل امرئ منهم فيما يحتاج إليه منهم ، فاجعل لهم منازل ورتباً » ، فولّ على أُمورك خيرهم ، واخصص رسائلك التي تُدخل فيها مكيدتك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأدب ، « ممّن يصلح للمناظرة في جلائل الأُمور ، من ذوي الرأي والنصيحة والذهن ، أطواهم عنك لمكنون الأسرار كشحاً » ، ممّن لا تُبطره الكرامة ، « ولا تمحق به الدالّة [1540]» فيجترئ بها عليك في خلاء ، أو يلتمس إظهارها في ملاء ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد كتب الأطراف عليك ، وإصدار جواباتك على الصواب عنك ، وفيما يأخذ ويعطي منك ، ولا يضعف عقداً اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأُمور ; فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل .
« وولّ ما دون ذلك من رسائلك وجماعات كتب خَرجك ودواوين جنودك قوماً تجتهد نفسك في اختيارهم ; فإنّها رؤوس أمرك ، أجمعها لنفعك ، وأعمّها لنفع رعيّتك » .
ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك واستنامتك [1541] وحسن الظنّ بهم ، فإنّ الرجال يعرفون فراسات الولاة بتصنّعهم وخدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة ، ولكن اختبرهم بما ولّوا للصالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في العامّة أثراً وأعرفهم فيها بالنبل والأمانة ، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن ولّيت أمره . ثمّ مُرهم بحسن الولاية ، ولين الكلمة » . واجعل لرأس كلّ أمر من أُمورك رأساً منهم ، لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتّت عليه كثيرها .
« ثمّ تفقّد ما غاب عنك من حالاتهم ، وأُمور من يرد عليك رسله ، وذوي الحاجة وكيف ولايتهم وقبولهم وليّهم وحجّتهم ; فإنّ التبرّم والعزّ والنخوة من كثير من الكتّاب إلاّ من عصم الله ، وليس للناس بدّ من طلب حاجاتهم » . ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه أُلزمته ، أو فضل نُسب إليك ، مع ما لك عند الله في ذلك من حسن الثواب .
ثمّ التجّار وذوي الصناعات فاستوص وأوص بهم خيراً ; المقيم منهم ، والمضطرب [1542]بماله ، والمترفّق بيده ; فإنّهم موادّ للمنافع ، وجلاّبها في البلاد في برّك وبحرك وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم اناس لمواضعها ولا يجترئون عليها « من بلاد أعدائك من أهل الصناعات التي أجرى الله الرفق منها على أيديهم فاحفظ حرمتهم ، وآمن سبلهم ، وخذ لهم بحقوقهم » ; فإنّهم سلم لا تُخاف بائقته ، وصلح لا تُحذر غائلته ، « أحبّ الأُمور إليهم أجمعها للأمن وأجمعها للسلطان » ، فتفقّد أُمورهم بحضرتك ، وفي حواشي بلادك .
واعلم مع ذلك أنّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً ، وشحّاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكّماً في البياعات ، وذلك باب مضرّة للعامّة ، وعيب على الولاة ; فامنع الاحتكار فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عنه .
وليكن البيع والشراء بيعاً سمحاً ، بموازين أعدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع ، فمن قارف حُكرة بعد نهيك فنكّل وعاقب في غير إسراف « فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)فعل ذلك » .
ثمّ الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم ، والمساكين ، والمحتاجين ، وذوي البؤس ، والزمنى [1543]; فإنّ في هذه الطبقة قانعاً ومعترّاً ، فاحفظ الله ما استحفظك من حقّه فيها ، واجعل لهم قسماً من غلاّت صوافي الإسلام في كلّ بلد ، فإنّ للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، وكلاًّ قد استُرعيت حقّه ، فلا يشغلنّك عنهم نظر ; فإنّك لا تُعذر بتضييع الصغير لإحكامك الكثير المهمّ ، فلا تُشخص همّك عنهم ، ولا تُصعّر خدّك لهم ، « وتواضع لله يرفعك الله ، واخفض جناحك للضعفاء ، واربهم إلى ذلك منك حاجة » ، وتفقّد من أُمورهم ما لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون وتحقّره الرجال ، ففرِّغ لأُولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أُمورهم ، ثمّ اعمل فيهما بالإعذار إلى الله يوم تلقاه ، فإنّ هؤلاء أحوج إلى الإنصاف من غيرهم ، فأعذر إلى الله في تأدية حقّه إليه .
وتعهّد أهل اليُتم والزمانة والرقّة في السنّ ممّن لا حيلة ، ولا ينصب للمسألة نفسه ; « فأجرِ لهم أرزاقاً ، فإنّهم عباد الله ، فتقرّب إلى الله بتخلّصهم ووضعهم مواضعهم في أقواتهم وحقوقهم ، فإنّ الأعمال تخلص بصدق النيّات . ثمّ إنّه لا تسكن نفوس الناس أو بعضهم إلى أنّك قد قضيت حقوقهم بظهر الغيب دون مشافهتك بالحاجات » ، وذلك على الولاة ثقيل ، والحقّ كلّه ثقيل ، وقد يخفّفه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبّروا نفوسهم ، ووثقوا بصدق موعود الله « لمن صبر واحتسب ، فكن منهم واستعن بالله » .
واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك « وذهنك من كلّ شغل ، ثمّ تأذن لهم عليك » ، وتجلس لهم مجلساً تتواضع فيه لله الذي رفعك ، وتُقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك ، « تخفض لهم في مجلسك ذلك جناحك ، وتُلين لهم كنفك في مراجعتك ووجهك » ; حتّى يكلّمك متكلّمهم غير مُتعتع ، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول في غير موطن : لن تقدّس أُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متعتع .
ثمّ احتمل الخرق منهم والعيّ ، ونحِّ عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب أهل طاعته ، فأعط ما أعطيت هنيئاً ، وامنع في إجمال وإعذار ، « وتواضع هناك ; فإنّ الله يحبّ المتواضعين . وليكن أكرم أعوانك عليك ألينهم جانباً ، وأحسنهم مراجعة ، وألطفهم بالضعفاء ، إن شاء الله » .
ثمّ إنّ أُموراً من أُمورك لابدّ لك من مباشرتها ; منها : إجابة عمّالك ما يعي عنه كتّابك . ومنها : إصدار حاجات الناس في قصصهم . « ومنها : معرفة ما يصل إلى الكتّاب والخزّان ممّا تحت أيديهم ، فلا تتوانَ فيما هنالك ، ولا تغتنم تأخيره ، واجعل لكلّ أمر منها من يناظر فيه ولاته بتفريغ لقلبك وهمّك ، فكلّما أمضيت أمراً فأمضه بعد التروية ومراجعة نفسك ، ومشاورة وليّ ذلك بغير احتشام ، ولا رأي يكسب به عليك نقيضه » .
ثمّ أمضِ لكلّ يوم عمله ; فإنّ لكلّ يوم ما فيه . واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت كلّها لله إذا صحّت فيها النيّة وسلمت منها الرعية .
وليكن في خاصّ ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصّة ، فأعطِ الله من بدنك في ليلك ونهارك ما يجبّ ; « فإنّ الله جعل النافلة لنبيّه خاصّة دون خلقه فقال : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) [1544]، فذلك أمر اختصّ الله به نبيّه وأكرمه به ، ليس لأحد سواه ، وهو لمن سواه تطوّع ; فإنّه يقول :
(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [1545]» .
فوفّر ما تقرّبت به إلى الله وكرمه وأدّ فرائضه إلى الله كاملا غير مثلوب ولا منقوص ، بالغاً ذلك من بدنك ما بلغ .
فإذا قمت في صلاتك بالناس فلا تُطوِّلنّ ولا تكوننّ منفّراً ، ولا مضيّعاً ; فإنّ في الناس من به العلّة وله الحاجة ، وقد سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وجّهني إلى اليمن : كيف نصلّي بهم ؟
فقال : صلّ بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً .
وبعد هذا فلا تطولنّ احتجابك عن رعيّتك ; فإنّ احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق ، وقلّة علم بالأُمور ، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويُشاب الحقّ بالباطل ، وإنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأُمور ، وليست على القول سمات يعرف بها الصدق من الكذب ، فتحصّن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب ; فإنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرء سخت نفسك بالبذل في الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه ، أو خلق كريم تسديه ؟ وإمّا مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ، مع أنّ أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة عليك فيه ; من شكاية مظلمة ، أو طلب إنصاف . « فانتفع بما وصفت لك ، واقتصر فيه على حظّك ورشدك ، إن شاء الله » .
ثمّ إنّ للملوك خاصّة بِطانة فيهم استئثار وتطاول ، وقلّة إنصاف ، فاحسم مادّة أُولئك بقطع أسباب تلك الأشياء ، ولا تقطعنّ لأحد من حشمك ولا حامّتك [1546]قطيعة ، ولا تعتمدنّ في اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من الناس ; في شرب ، أو عمل مشترك يحملون مؤونتهم على غيرهم ، فيكون مَهنأ ذلك لهم دونك ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة .
« عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الأُمور إليك » ، وألزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع ، وابتغ عاقبته بما يثقل عليه منه ; فإنّ مغبّة ذلك محمودة . وإن ظنّت الرعية بك حيفاً فأصحِر [1547] لهم بعذرك ، وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك ; فإنّ في تلك رياضة منك لنفسك ، ورفقاً منك برعيّتك ، وإعذاراً تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحقّ في خفض وإجمال .
لا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك فيه رضى ; فإنّ في الصلح دعة [1548]لجنودك ، وراحة من همومك ، وأمناً لبلادك . ولكنّ الحذر كلّ الحذر من مقاربة عدوّك في طلب الصلح ; فإنّ العدو ربما قارب ليتغفّل ، فخذ بالحزم ، « وتحصّن كلّ مخوف تؤتى منه ، وبالله الثقة في جميع الأُمور » .
وإن لجّت بينك وبين عدوّك قضية عقدت بها صلحاً أو ألبسته منك ذمّة فحُط عهدك بالوفاء ، وارع ذمّتك بالأمانة ، واجعل نفسك جُنّة دونه ; فإنّه ليس شيء من فرائض الله جلّ وعزّ الناس أشدّ عليه اجتماعاً في تفريق أهوائهم وتشتيت أديانهم من تعظيم الوفاء بالعهود ، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استَوبَلوا [1549]من الغدر والختر ، فلا تغدرنّ بذمّتك ، ولا تخفر [1550]بعهدك ، ولا تختلنّ [1551]عدوّك ، فإنّه لا يجترئ على الله إلاّ جاهل ، وقد جعل الله عهده وذمّته أمناً أفضاه بين العباد برحمته ، وحريماً يسكنون إلى مَنَعته ، ويستفيضون به إلى جواره ، فلا خداع ولا مدالسة ولا إدغال فيه [1552]. فلا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله على طلب انفساخه ، فإنّ صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ، وأن تحيط بك من الله طلبة ، ولا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك .
وإيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها ; فإنّه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى لزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير الحقّ ، والله مبتدئ بالحكم بين العباد فيما يتسافكون من الدماء ، فلا تصوننّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك يخلقه [1553]ويزيله ، « فإيّاك والتعرّض لسخط الله ; فإنّ الله قد جعل لولي من قتل مظلوماً سلطاناً ، قال الله : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) [1554]» .
ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد ، لأنّ فيه قود البدن ، فإن ابتليت بخطأ وأفرط عليه سوطك أو يدك لعقوبة فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحنّ [1555]
بك نخوة [1556]سلطانك عن أن تؤدّي إلى أهل المقتول حقّهم ; « ديّة مسلّمة يتقرّب بها إلى الله زلفى » .
إيّاك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها ، وحبّ الإطراء ; فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن .
إيّاك والمنّ على رعيّتك بإحسان ، أو التزيّد فيما كان من فعلك ، أو تعِدهم فتتبع موعدك بخُلفك ، « أو التسرّع إلى الرعية بلسانك » ; فإنّ المنّ يبطل الإحسان ، والخُلف يوجب المقت ، وقد قال الله جلّ ثناؤه :
(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [1557].
إيّاك والعجلة بالأُمور قبل أوانها ، والتساقط فيها عند زمانها ، واللجاجة فيها إذا تنكّرت ، والوهن فيها إذا أوضحت ، فضع كلّ أمر موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه .
وإيّاك والاستئثار بما للناس فيه الأُسوة [1558]، « والاعتراض فيما يعنيك » ، والتغابي عمّا يعنى به ممّا قد وضح لعيون الناظرين ; فإنّه مأخوذ منك لغيرك . وعمّا قليل تُكشف عنك أغطية الأُمور ، ويبرز الجبّار بعظمته ، فينتصف المظلومون من الظالمين .
ثمّ املك حميّة أنفك ، وسورة [1559]حِدّتك [1560]، وسطوة يدك ، وغرب لسانك . واحترس كلّ ذلك بكفّ البادرة ، وتأخير السطوة . وارفع بصرك إلى السماء عندما يحضرك منه ، حتّى يسكن غضبك ، فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تُكثر همومك بذكر المعاد .
« ثمّ اعلم أنّه قد جمع ما في هذا العهد من صنوف ما لم آلك فيه رشداً إن أحبّ الله إرشادك وتوفيقك أن تتذكّر ما كان من كلّ ما شاهدت منّا ، فتكون ولايتك هذه » من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّك (صلى الله عليه وآله) ، أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدت ممّا عملنا به منها ، وتجتهد نفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي ، واستوثقت من الحجّة لنفسي لكي لا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . « فليس يعصم من السوء ولا يوفّق للخير إلاّ الله جلّ ثناؤه .
وقد كان ممّا عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصايته تحضيضاً على الصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ، فبذلك أختم لك ما عهدت ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم » .
وأنا أسأل الله سعة رحمته ، وعظيم مواهبه وقدرته على إعطاء كلّ رغبة أن يوفّقني وإيّاك لما فيه رضاه ; من الإقامة على العذر الواضح وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في العبادة ، وحسن الأثر في البلاد ، وتمام النعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة ، وإنّا إليه راغبون . والسلام على رسول الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، وسلّم كثيراً [1561].

 

حركة الأشتر إلى مصر

قال الإمام (عليه السلام)للأشتر إنّك ممّن استظهرته على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الأثيم ، وأشدّ به الثغر الَمخوف . وكنت ولّيت محمّد بن أبي بكر مصر ، فخرجت عليه بها خوارج ، وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ، ولا بمجرّب للأشياء ، فاقدِم عليَّ ; لننظر في ذلك فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام .
فأقبل مالك إلى علي (عليه السلام)حتّى دخل عليه ، فحدّثه حديث أهل مصر ، وخبّره خبر أهلها ، وقال : ليس لها غيرك ، اخرج رحمك الله فإنّي إن لم أُوصِك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمّك ، فاخلط الشدّة باللين ; وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدّة حين لا يغني عنك إلاّ الشدّة [1562].

 

شهادة الأشتر بسمّ معاوية

ولم يدر في خلد الأشتر شهادته في طريق مصر ، فخرج ميمّماً وجهه صوب مصر ، وسارت قافلته تطوي البيداء ، لا تلوي على شيء ، فلمّا انتهت إلى « إبلة » [1563]التقى به نافع مولى عثمان بن عفّان ، وقد أرسله معاوية لاغتياله [1564]، وكان لبقاً ، فأخذ مالك يسأله :
ممّن أنت ؟
من أهل المدينة .
من أيّهم ؟
فأخفى وضعه ، وقال :
مولى عمر بن الخطّاب .
أين تريد ؟
مصر .
ما حاجتك بها ؟
أشبع من الخبز فإنّا في المدينة لا نشبع منه .
فرقّ له قائلا الزمني فإنّي سأُصيبك من الخبز .
ومضى مالك في سفره ، وعميل معاوية ملازم له ، حتّى انتهى إلى القلزم [1565]، فنزل ضيفاً على امرأة من جهينة فرحّبت به ، وقابلته بمزيد من التكريم ، وسألته أي الطعام أحبّ إليه في العراق حتّى تصنعه له ، فقال لها : الحيتان الطريّة ، فقدّمت له ما اشتهى فلمّا أكل أصابه عطش شديد فأخذ يكثر من شرب الماء ، فقال له نافع مولى عثمان : إنّ الطعام لا يقتل سمّه إلاّ العسل ، فدعا الأشتر بإحضاره من ثقله ، فلم يكن فيه ، فبادر نافع قائلا : هو عندي ، فقال الأشتر : عليّ به ، فأحضره فتناول منه ، وكان قد دسّ فيه سمّاً قاتلا ، ولمّا انتهى إلى جوفه تقطّعت أمعاؤه ، وأخذ الموت يدنو منه سريعاً ، وطلب الأشتر إحضار نافع فوجده منهزماً ، فلم يعثر عليه ، وسرى السمّ في جميع أوصاله ، وقد طوت حياته شربة العسل التي كان يردّدها معاوية « إنّ لله جنوداً من عسل » [1566].
فمات هذا الرجل العظيم الذي جاهد أعداء الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وقد كانت شهادته على يد ابن هند المحارب للإسلام وتبيّن هذه الحادثة وجود جواسيس لمعاوية في جيش الإمام (عليه السلام). أخبروه بحركة الأشتر الى مصر .
وفي رواية أُخرى بعد ما عيّن الإمام علي (عليه السلام) الأشتر والياً على مصر سنة 38هـ . خاف معاوية من الأشتر وأراد قتله فانتخب رجلا من أهل الخراج فقال له : إنّ الأشتر قد ولّي مصر ، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت ، فاحتل له بما قدرت عليه .
فخرج الجايستار حتّى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلمّا انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار ، فقال : هذا منزل وهذا طعام ، حتّى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمّاً فسقاه إيّاه ، فلمّا شربها مات .
وبعد مقتله أقبل معاوية حيلة يقول لأهل الشام : إنّ علياً وجّه الأشتر إلى مصر ، فادعوا الله أن يكفيكموه . قال : فكانوا كلّ يوم يدعون الله على الأشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية في الناس خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أمّا بعد ، فإنّه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفّين ـ يعني عمّار بن ياسر ـ وقطعت الأُخرى اليوم ـ يعني الأشتر ـ [1567].
وقال المسعودي : ولّى علي (عليه السلام) الأشتر مصر ، وأنفذه إليها في جيش ، فلمّا بلغ ذلك معاوية دسّ إلى دهقان كان بالعريش ، فأرغبه ، وقال : أترك خراجك عشرين سنة واحتَل للأشتر بالسمّ في طعامه .
فلمّا نزل الأشتر العريش ، سأل الدهقان : أي الطعام والشراب أحبّ إليه ؟ قيل له : العسل ، فأهدى له عسلا ، وقال : إنّ من أمره وشأنه كذا وكذا ، ووصفه للأشتر ، وكان الأشتر صائماً ، فتناول منه شربة ، فما استقرّت في جوفه حتّى تلف ، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه .
وبلغ ذلك معاوية ، فقال : إنّ لله جنداً من العسل [1568].

 

ترحّم الإمام (عليه السلام) على الأشتر

قال الإمام علي (عليه السلام): مالك وما مالك ! والله ، لو كان جبلا لكان فِنداً [1569]، ولو كان حجراً لكان صَلد [1570]، لا يرتقيه الحافر ، ولا يُوفي [1571] عليه الطائر [1572].
رحم الله مالكاً ، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) [1573].
أما والله ليهدّنّ موتك عالماً ، وليفرحنّ عالماً ، على مثل مالك فلتبك البواكي ، وهل موجود كمالك [1574]!!
وصعد المنبر (عليه السلام)فخطب الناس ، ثمّ قال : ألا إنّ مالك بن الحارث قد قضى نحبه ، وأوفى بعهده ، ولقي ربّه ، فرحم الله مالكاً ، لو كان جبلا لكان فذّاً ، ولو كان حجراً لكان صَلداً ، لله مالك ، وما مالك ! وهل قامت النساء عن مثل مالك ! وهل موجود كمالك !
قال : فلمّا نزل ودخل القصر أقبل عليه رجال من قريش ، فقالوا : لشدّ ما جزعت عليه ، ولقد هلك . قال : أما ـ والله ـ هلاكه أعزّ أهل المغرب ، وأذلّ أهل المشرق . قال : وبكى عليه أيّاماً ، وحزن عليه حزناً شديداً ، وقال : لا أرى مثله بعده أبداً [1575].
إذ كان الأشتر بطلا مرموقاً صالحاً مؤمناً عاقلا زعيماً لا يقوى على مواجهته المنافقون ويخافه الفاسقون فهو الذي خافه الأشعري وأخلى له دار الإمارة في الكوفة . وهو الذي خافه طلحة والزبير وباقي الطلقاء والأعراب في المدينة .
فكان قويّاً صلداً في إيمان وعبقرياً بحكمة .

 

تأبين الإمام لمالك

ولمّا انتهى النبأ الفجيع بوفاة القائد العظيم إلى الإمام (عليه السلام) ذابت نفسه أسى وحزناً ، وأخذ يذرف عليه أحرّ الدموع قائلا :
« إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين .
اللهمّ إنّي أحتسبه عندك ، فإنّ موته من مصائب الدهر ... » .
ثمّ قال : « رحم الله مالكاً فقد وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربّه ، مع أنّا قد وطّنا أنفسنا أن نصبر على كلّ مصيبة بعد مصابنا برسول الله (صلى الله عليه وآله)فإنّها من أعظم المصائب » [1576].
لقد كانت شهادة مالك من الأحداث الجسام التي مني بها العالم الإسلامي استفاد منها المنافقون من بني أُميّة في سبيل طمس معالم الحقّ .

 

سرور معاوية بقتل الأشتر

قال معاوية بعد شهادة مالك الأشتر ـ : أمّا بعد ، فإنّه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان ، فقطعت إحداهما يوم صفّين ـ يعني عمّار بن ياسر ـ وقطعت الأُخرى اليوم وهو مالك الأشتر [1577].
وقد كان الأشتر زعيماً لأهل اليمن ورئيساً لأهل الكوفة يحترمه الجميع .
وبعد استنفار الإمام (عليه السلام) الناس ، وتقاعدهم عنه ، واجتماعهم على خذلانه ، وخطبة الإمام في ذلك ـ : تكلّم الناس من كلّ ناحية ولغطوا ، فقام رجل فقال بأعلى صوته : استبان فقدُ الأشتر على أهل العراق ، لو كان حيّاً لقلّ اللغط ، ولعلم كل امرئ ما يقول [1578].
وقال مغيرة الضبي : لم يزل أمر علي (عليه السلام) شديداً حتّى مات الأشتر ، وكان الأشتر بالكوفة أسود من الأحنف بالبصرة [1579].
وذكر الأشتر النخعي عند معاوية ، فقال رجل من النخع للذي ذكره : اسكت ، فإنّ موته أذلّ أهل العراق ، وإنّ حياته أذلّت أهل الشام ! فسكت معاوية ولم يقل شيئاً [1580].
وقال المعتزلي : لله أُمّ قامت عن الأشتر ! لو أنّ إنساناً يقسم أنّ الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلاّ أستاذه (عليه السلام) لما خشيت عليه الإثم ! ولله درّ القائل وقد سئل عن الأشتر : ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام ، وهزم موته أهل العراق ! وبحقّ ما قال فيه أمير المؤمنين (عليه السلام): كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) [1581].

 

محمّد بن أبي بكر

كان محمّد بن أبي بكر ربيباً لأمير المؤمنين تربّى في حضنه واستلهم مبادئه وأفكاره واهتدى بهديه فكان نموذجاً حسناً من رجال المسلمين وكان الناس يعجبون لهذا الرجل الذي ترك أباه وحزبه القرشي وتولّى محمّداً وآل محمّد بعيداً عن العصبية القبلية والأهواء الدنيوية .
وبعد ما نكب الإمام (عليه السلام)بشهادة أخيه وعضده مالك الأشتر أبقى ابن أبي بكر على ولاية مصر وهو من ألمع الرجال في فضله وتقواه ، ومن أكثرهم حبّاً وولاءً للإمام (عليه السلام) .

 

عهد الإمام لمحمّد بن ابى بكر

وكان الإمام (عليه السلام)قد كتب هذه الرسالة لمحمّد حينما قلّده ولاية مصر ، وهذا نصّها :
فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك ، وأبسط لهم وجهك ، وآس [1582]بينهم في اللحظة والنظرة ، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم ، فإنّ الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة ، والظاهرة والمستورة ، فإن يعذّب فأنتم أظلم ، وإن يعف فهو أكرم .
ومثّلت هذه الكلمات روعة العدل الذي لم يقنّن مثله في جميع ما شرّع من الشؤون السياسية ، فقد أمره الإمام (عليه السلام) بالمواد التالية :
أن لا يتكبّر على الرعية وأن يخفض لهم جناحه . ويتخلّق بأخلاق الرسول العالية في هذا الأمر في التبسّم لهم والترحيب بهم والتوديع لهم . فالتكبّر من صفات الطغاة والمتجبّرين والتواضع من صفات المتّقين الأخيار .
وأمره الإمام (عليه السلام)بالعدل بين الرعية لأنّها مفتاح الفلاح بينهم .
قال الإمام علي (عليه السلام): واعلموا عباد الله ! أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ; سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أُكلت ، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون ، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون .
ثمّ انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ ; والمتجر الرابح . أصابوا لذّة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقّنوا أنّهم جيران الله غداً في آخرتهم . لا تردّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة .
فاحذروا عباد الله الموت وقربه ، وأعدّوا له عدّته ، فإنّه يأتي بأمر عظيم ، وخطب جليل ، وخير لا يكون معه شرّ أبداً ، أو شرّ لا يكون معه خير أبداً .
فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها ! ومن أقرب إلى النار من عاملها ! وأنتم طرداء الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلّكم . الموت معقود بنواصيكم ; والدنيا تطوى من خلفكم .
فاحذروا ناراً قعرها بعيد ، وحرّها شديد ، وعذابها جديد .
دار ليس فيها رحمة ، ولا تسمع فيها دعوة ، ولا تفرّج فيها كربة . وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله ، وأن يحسن ظنّكم به ، فاجمعوا بينهما ، فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه ، وإنّ أحسن الناس ظنّاً بالله أشدّهم خوفاً لله ».
وعظ أمير المؤمنين (عليه السلام)الناس وعلى رأسهم محمّد بن أبي بكر بالخوف من الدنيا وزبرجها وهدّده بالنار وحرّها . وعرّفه مسالك أهل اليقين ودروب أهل التوحيد المستفيدين من الدنيا أيّما استفادة والمتنعّمين بها أفضل نعمة .
فهؤلاء هم الفائزون في الآخرة لابتعادهم عن الظلم والشرك والترف والاستكبار .
وأضاف وصي رسول ربّ العالمين : واعلم ـ يامحمّد بن أبي بكر ـ أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي ، أهل مصر ، فأنت محقوق [1583]أن تخالف على نفسك ، وأن تنافح عن دينك ، ولو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدهر ، ولا تسخط الله برضى أحد من خلقه ، فإنّ في الله خلفاً من غيره ، وليس من الله خلف في غيره .
صلّ الصلاة لوقتها المؤقّت لها ، ولا تعجّل وقتها لفراغ ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال .
واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك .
وتبيّن هذه الرسالة عظم حبّ علي (عليه السلام) لأهالي مصر (افريقيا) الطيّبين العزيزين على نفسه المباركة وهي نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) . ثمّ أوصى الإمام (عليه السلام)محمّداً بأداء الصلاة في وقتها فإنّها من أفضل العبادات ، ومن أعظمها عند الله تعالى قائلا :
فإنّه لا سواء ، إمام الهدى وإمام الردى ، وولي النبي ، وعدوّ النبي .
ولقد قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّي لا أخاف على أُمّتي مؤمناً ولا مشركاً :
أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه . وأمّا المشرك فيقمعه الله بشركه .
ولكنّي أخاف عليكم كل منافق الجنان ، عالم اللسان ، يقول ما تعرفون ، ويفعل ما تنكرون [1584].
فالإمام (عليه السلام)أشار هنا إلى خطر المنافقين على الإسلام والمسلمين .
في محاولة منه (عليه السلام)إلى ردم أسوار المنافقين وقمع ممالكهم فمنها ينبع الشرّ ومن أرضهم تولد المعاصي .
وأكثرنا غافلون عن هذه المحنة ولاهون عن هذه الفتنة .

 

صورة أُخرى من عهد الإمام لمحمّد بن أبي بكر

وهذه صورة أُخرى من عهد الإمام (عليه السلام) لمحمّد بن أبي بكر رواها الطبري ، وهذا نصّه بعد البسملة : أو أنّها رسالة واحدة في روايتين له (عليه السلام):
هذا ما عهد عبدالله علي أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاّه مصر :
أمره بتقوى الله في السرّ والعلانية ، وخوف الله عزّوجلّ في المغيب والمشهد ، وأمره باللين على المسلم ، والغلظة على الفاجر ، وبالعدل على أهل الذمّة ، وبإنصاف المظلوم ، وبالشدّة على الظالم ، وبالعفو عن الناس ، وبالإحسان ما استطاع ، والله يجزي المحسنين ، ويعذّب المجرمين .
وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة ، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة ، وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه .
وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل ، لا ينتقص منه ولا يبتدع فيه ، ثمّ يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل .
وأن يلين لهم جناحه ، وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ، وليكن القريب والبعيد في الحقّ سواء .
وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ ، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتّبع الهوى ، ولا يخف في الله عزّوجلّ لومة لائم ، فإنّ الله جلّ ثناؤه من اتّقاه ، وآثر طاعته ، وأمره على ما سواه . وكتب هذا العهد عبدالله بن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)لغرّة رمضان سنة (36هـ) [1585].
وحفل هذا العهد بجميع ألوان التقوى ، والتمسّك بطاعة الله تعالى التي هي الدرع الحصين لمن التجأ إليها .
فكان عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) مدرسة في التقوى والورع لأبناء الأُمّة .

 

رسالة محمّد بن أبي بكر إلى معاوية

وكتب محمّد بن أبي بكر رسالة إلى معاوية يدعوه فيها إلى الجماعة والطاعة ، ويذكر فيها فضائل الإمام (عليه السلام)وهذا نصّها :
من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :
«سلام على أهل طاعة الله ممّن هو سلم لأهل ولاية الله ، أمّا بعد :
فإنّ الله بجلاله وعظمته ، وسلطانه وقدرته خلق خلقاً بلا عبث منه ، ولا ضعف في قوّته ، ولا حاجة به إلى خلقهم ; ولكنّه خلقهم عبيداً ، وجعل منهم غويّاً ورشيداً وشقيّاً وسعيداً . ثمّ اختارهم على علمه ، فاصطفى وانتخب منهم محمّداً (صلى الله عليه وآله)، فاختصّه برسالته ، واختاره لوحيه ، وائتمنه على أثره ، وبعثه رسولا ، ومبشّراً ونذيراً ، مصدّقاً لما بين يديه من الكتب ، ودليلا على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة .
فكان أوّل من أجاب وأناب ، وآمن وصدّق ، وأسلم وسلّم أخوه وابن عمّه ، صدّقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، ووقاه بنفسه كلّ هول ، وواساه بنفسه في كلّ خوف وحارب حربه ، وسالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل [1586]ومقامات الروع ، حتّى برّز سابقاً لا نظير له في جهاده ولا مقارب له في فعله .
وقد رأيتك تساميه ، وأنت أنت ، وهو هو السابق المبرّز في كلّ خير أوّل الناس إسلاماً ، وأصدق الناس نيّة ، وأطيب الناس ذرّية ، وخير الناس زوجة ، وخير الناس ابن عمّ ، أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة ، وعمّه سيّد الشهداء يوم أُحد ، وأبوه الذابّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)وعن حوزته .
وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان في إطفاء نور الله ، وتجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتؤلّبان عليه القبائل ، على هذا مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ، ويلجأ إليك ، من بقيّة الأحزاب ، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
والشاهد لعلي مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار ، فهم معه كتائب وعصائب ، يجالدون حوله بأسيافهم ، ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الحقّ في اتّباعه والشقاق والعصيان في خلافه ، فكيف ـ يالك الويل ـ تعدل نفسك بعلي ، وهو وارث رسول الله (صلى الله عليه وآله)ووصيّه وأبو ولده ، وأوّل الناس له اتّباعاً ، وأقربهم به عهداً ، يخبره بسرّه ، ويطلعه على أمره ، وأنت عدوّه وابن عدوّه .
فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك ، وليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكأنّ أجلك قد انقضى ، وكيدك قد وهى ، وسوف يستبين لك لمن تكون العاقبة العليا ، واعلم أنّك إنّما تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه ، وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور والسلام على من اتّبع الهدى ... [1587]».

 

جواب معاوية الشافي والكافي

وأجاب معاوية عن رسالة محمّد ، بهذه الرسالة جاء فيها :
«من معاوية بن صخر إلى الزّاري [1588]على أبيه محمّد بن أبي بكر .
سلام على أهل طاعة الله . أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصفى [1589]به نبيّه مع كلام كثير ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه حقّ ابن أبي طالب ، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله ، ونصرته له ، ومواساته إيّاه ، في كلّ هول وخوف ، فكان احتجاجك عليّ ، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك ، فاحمد إلهاً صرف ذلك الفضل عنك ، وجعله لغيرك ، فقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا .
فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج حجّته [1590]، قبضه الله إليه فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه [1591]، وخالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا واتّسقا ، ثمّ إنّهما دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ـ أي القتل ـ .
ثمّ إنّه بايعهما وسلّم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضا وانقضى أمرهما ثمّ أقاما بعدهما عثمان يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك ، حتّى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ، وبطنتما وظهرتما ، وكشفتما له عداوتكما وغلّكما ، حتّى بلغتما منه مناكما .
فخذ حذرك يابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بفترك ، تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر [1592] قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته ، أبوك مهّد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوّله ، وإن يك جوراً فأبوك أُسّه ، ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلّمنا إليه ، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فاحتذينا مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك ، أو دع ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب وناب [1593]».
وهاتان الرسالتان خطيرتان للغاية تبيّن حقّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)الساطع في سماء الدنيا والمشهور في صفوف المؤمنين والمنافقين . وغلبة رجال السقيفة على خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) دون حقّ ولا إنصاف .
وسوف تبقى هاتان الرسالتان في ذهن المخلصين مناراً للهداية في الدنيا .

 

شهادة محمّد بن أبي بكر

وبعد ما أصبح محمّد والياً لمصر قامت قيامة معاوية فأرسل جيشاً بقيادة ابن العاص لاحتلالها ، والتحم الجيشان ، فانهزم أهل الشام ، فاستنجد ابن العاص بمعاوية فأمدّه بجيش جرّار بقيادة معاوية بن خُديج ، ودارت بين الجيشين معركة رهيبة استشهد فيها القائد العام لجيش محمّد ، وعلى أثره انهزم الجيش وفرّ محمّد ، ولم يجد ركناً شديداً يأوي إليه ، فالتجأ إلى خربة فأقام فيها ، وخرج ابن خُديج في طلبه ، فأخبره بعض علوج المصريين أنّه في الخربة فهجم عليه ، وألقى عليه القبض ، وقد بلغ منه العطش مبلغاً عظيماً ، فطلب الماء فردّ عليه السفّاك الأثيم ابن خديج قائلا :
لا سقاني الله إن سقيتك قطرة ، إنّكم منعتم عثمان الماء ، ثمّ قتلتموه وكان صائماً ، والله ! لأقتلنّك يابن أبي بكر فيسقيك الله الجحيم ... .
وتمثّلت الروح الأُموية القذرة التي تحمل طبيعة وخسّة الأشرار بهذا الإنسان الممسوخ الذي منع الماء عن أسير عنده ، والتفت إليه البطل قائلا :
يابن اليهودية النسّاجة ! ... أما والله ! لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا .
والتفت ابن خديج إلى محمّد قائلا :
أتدري ما أصنع بك ، أُدخلك في جوف حمار ثمّ أُحرقه عليك بالنار .
وأجابه البطل المؤمن : إن فعلتم ذلك بي فطالما فعلتموه بأولياء الله .
وطال الجدل بينهما فانبرى ابن خديج فانفذ فيه حكم الاعدام وألقى جسده الطاهر في جيفة حمار ميّت وأحرقه بالنار بعد أن احتزّ رأسه الشريف ، وأرسله هدية إلى ابن آكلة الأكباد سيّده معاوية ، وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام [1594].
ومدحه الإمام علي (عليه السلام)مدحاً يبيّن منزلته العالية والسامية فقال : لقد كان لي حبيباً وكان لي ربيباً [1595]. وكان معاوية بن خديج والوليد بن عقبة وكعب الأحبار من اليهود العاملين في جهاز معاوية يكيدون الإسلام .

 

ابن أبي بكر وابن أبي سفيان مثالان للطهر والعهر

العوائل المهاجرة إلى المدينة المنوّرة عاشت في كنف النبي (صلى الله عليه وآله) الأطهر عشر سنين كاملة تنهل من حكمته وأخلاقه وشريعته فارتوت بعضها واهتدت إلى شاطئ الهداية وعرفت باب الرحمة (أهل البيت) وركبت سفينتهم السماوية وأكثر هؤلاء من غير القرشيين الأصليين مثل المقداد بن عمرو وعمّار بن ياسر وسلمان الفارسي .
والركب الثاني من المهاجرين لم يكونوا من القرشيين الأصليين أيضاً مثل أبي بكر وعمر فهما من النسل الحبشي لكنّهم بقوا في الحزب القرشي ولد الأوّل في مؤسّسة عبدالله بن جدعان المعروفة وولد فيها أيضاً طلحة بن عبيدالله من أُمّه الصعبة المشهورة وولد في هذه المؤسّسة أيضاً عمرو بن العاص من أُمّه النابغة . وولد في هذه المؤسّسة صهيب الرومي .
وكان الوليد بن المغيرة المخزومي وعبدالله بن أُبي زعيم المنافقين في المدينة يجبران جواريهما على الزنا لكسب المال فنزل القرآن بتحريم عملهما في هذا المجال .
ومن خلال التربية البيئية والمحيطية تأثّر أولاد المهاجرين والأنصار فنشأ بعضهم على نسيج آبائهم وتوجّهاتهم مثل عبدالرحمن بن أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وعبدالله وعبيدالله ابنا عمر وعمر بن سعد بن أبي وقّاص وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري ومحمّد بن طلحة بن عبيدالله (قتل مع أبيه في معركة الجمل) والنعمان بن بشير بن سعد .
وخالف بعض الأولاد آباءهم واختطّوا طريق الفلاح والصلاح بارتباطهم الوثيق بمحمّد وأهل بيته مثل محمّد بن أبي بكر ومعاوية بن يزيد بن معاوية الذي تنازل عن سلطة بني أُميّة المغصوبة من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) فأصبح محمّد ومعاوية هذان مشعلان يضيئان الدرب لشباب الأُمّة ، وقدوتان تتأسّى بهما جموع الجماهير .
ولم يخلد في ذهن معاوية تنكّر حفيده معاوية الثاني لمنهجه وحروبه وحكومته التي أقامها على جماجم المؤمنين ودماء المتّقين .
فتوضّح للعالم منهجان واضحان في الصحابة وأولادهم يتدبّر في رسومه المسلمون فمنهم من يجيد السير على خطى المتّقين ومنهم من يجيد المشي على درب الفاسقين .
فلا أحد يتأسّى ولا شخص يحزن على من انتخب مشروع الشياطين وسار في ضفاف الفاسقين وحطّ في عشّ الخائنين .
ولا شخص يدهش على من فارق آباءه الخلفاء وترك كرسي الزعامة من أجل الحياة الآخرة والرضاية الإلهية والنظرية الأخلاقية الحضارية .

 

رسالة الإمام إلى محمّد بن أبي بكر

إنّ محمّد بن أبي بكر لمّا بلغه أنّ علياً (عليه السلام) قد وجّه الأشتر إلى مصر شقّ عليه ، فكتب علي (عليه السلام) عند مهلك الأشتر إلى محمّد بن أبي بكر ـ وذلك حين بلغه موجدة [1596] محمّد بن أبي بكر لقدوم الأشتر عليه ـ :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر ، سلام عليك . أمّا بعد ، فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك ، ولم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد ، ولا استزادة لك منّي في الجدّ ، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لولّيتك ما هو أيسر مؤونة عليك ، وأعجب ولاية إليك ، إلاّ أنّ الرجل الذي كنت ولّيته مصر كان رجلا لنا مناصحاً ، وعلى عدوّنا شديداً ، فرحمة الله عليه ، وقد استكمل أيّامه ، ولاقى حِمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضي الله عنه ، وضاعف له الثواب ، وأحسن له المآب ، فأصحِر لعدوّك ، وشمّر للحرب ، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأكثِر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفِك ما أهمّك ، ويُعِنك على ما ولاّك ، أعاننا الله وإيّاك على ما لا ينال إلاّ برحمته . والسلام [1597].
بعد قضية الحكمين اهتمّ معاوية بمصر اهتماماً فائقاً فأراد الإمام علي (عليه السلام)مواجهة هذا الطموح بقائده المنتصر مالك الأشتر ، ولافريقيا أهميّة كبيرة سابقاً وحاضراً على الأحداث وكان الفرق بيّناً بين شخصية مالك الأشتر ومحمّد بن أبي بكر . فالأشتر أُمّة في رجل .
ولو تمكّن الأشتر من الوصول إلى مصر وتحكيم سلطته فيها لتمكّن الإمام علي (عليه السلام)من محاصرة معاوية ، وتسريح الجيوش المصرية إليه .

 

جواب محمّد بن أبي بكر

فكتب إليه (عليه السلام)محمّد بن أبي بكر جوابه :
بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله أمير المؤمنين علي من محمّد بن أبي بكر ، سلام عليك . فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد ، فقد انتهى إليّ كتاب أمير المؤمنين ، وفهمته ، وعرفت ما فيه ، وليس أحد من الناس أشدّ على عدوّ أمير المؤمنين ولا أرأف وأرقّ لوليّه منّي ، وقد خرجت فعسكرت وأمّنت الناس ، إلاّ من نصب لنا حرباً ، وأظهر لنا خلافاً . وأنا متّبع أمر أمير المؤمنين ، وحافظه ، ولاجئ إليه ، وقائم به ، والله المستعان على كلّ حال . والسلام [1598].

 

هجوم ابن العاص على مصر

هجم ابن العاص في ستّة آلاف رجل على مصر وكتب إلى محمّد بن أبي بكر : أمّا بعد ، فتنحّ عنّي بدمك يابن أبي بكر فإنّي لا أُحبّ أن يصيبك منّي ظفر ، إنّ الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على اتّباعك ، فهم مسلّموك لو قد التقت حلقتا البطان [1599]، فاخرج منها فإنّي لك من الناصحين ، والسلام . وبعث إليه عمرو أيضاً بكتاب معاوية إليه :
أمّا بعد ، فإنّ غبّ البغي والظلم عظيم الوبال ، وإنّ سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة ، وإنّا لا نعلم أحداً كان أعظم على عثمان بغياً ولا أسوأ له عيباً ولا أشدّ عليه خلافاً منك ، سعيت عليه في الساعين وسفكت دمه في السافكين ، ثمّ أنت تظنّ أنّي عنك نائم أو ناس لك حتّى تأتي فتأمّر على بلاد أنت فيها جاري ، وجلّ أهلها أنصاري يرون رأيي ويرقبون قولي ويستصرخوني عليك ، وقد بعثت إليك قوماً حِناقاً عليك يستسقون دمك ويتقرّبون إلى الله بجهادك ، وقد أعطوا الله عهداً ليمثلُنّ بك ، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك ، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يُطعن بمشاقصك بين خُششائه [1600]وأوداجه ، ولكن أكره أن أمثّل بقرشي ، ولن يُسلمك الله من القصاص أبداً أينما كنت . والسلام [1601].
وكان عمرو بن العاص يطمع في مصر قديماً لذا اشترط على معاوية اعطائها له طعمة له ولأولاده من بعده مقابل مشاركته في الحرب إلى جانبه .
فوافق معاوية على هذا الشرط [1602].
لذا تحرّك ابن العاص إلى مصر برغبة جامحة مرتكباً في هذا كلّ الدسائس والحيل الشيطانية ، فوعد رموز مصر المال والمناصب لينضمّوا إلى صفوفه !

 

ابن أبي بكر يطلب النجدة

فطوى محمّد كتابيهما وبعث بهما إلى علي ، وكتب معهما : أمّا بعد ، فإنّ ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر ، واجتمع إليه أهل البلد جلّهم ممّن كان يرى رأيهم ، وقد جاء في جيش لجب خرّاب ، وقد رأيت ممّن قِبلي بعض الفشل ، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والأموال . والسلام عليك [1603].

 

رسالة الإمام (عليه السلام) الجوابية

فكتب إليه علي (عليه السلام): أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنّ ابن العاص قد نزل بأداني أرض مصر في لجب من جيشه خرّاب ، وأنّ من كان بها على مثل رأيه قد خرجت إليه ، وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك ، وذكرت أنّك قد رأيت في بعض من قبلك فشلا ، فلا تفشل وإن فشلوا فحصّن قريتك ، واضمم إليك شيعتك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس ، فإنّي نادب إليك الناس على الصعب والذلول ، فاصبر لعدوّك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيّتك وجاهدهم صابراً محتسباً ، وإن كانت فئتك أقلّ الفئتين فإنّ الله قد يُعزّ القليل ويخذل الكثير .
وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية والفاجر ابن الكافر عمرو ، المتحابّين في عمل المعصية والمتوافقين المرتشيين في الحكومة ، المنكرين في الدنيا ، قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم ، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما ، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله ، فإنّك تجد مقالا ما شئت . والسلام [1604].

 

دعوة الناس لإنقاذ مصر

بعد ذكر استصراخ محمّد بن أبي بكر قال الإمام علي (عليه السلام) : الصلاة جامعة ! فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على محمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ قال :
أمّا بعد ، فإنّ هذا صريخ محمّد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر ، قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله ، ووليّ من عادى الله ، فلا يكوننّ أهل الضلال إلى باطلهم ، والركون إلى سبيل الطاغوت أشدّ اجتماعاً منكم على حقّكم هذا ، فإنّهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو ، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر .
عباد الله ! إنّ مصر أعظم من الشام ، أكثر خيراً ، وخير أهلا ، فلا تغلبوا على مصر ، فإنّ بقاء مصر في أيديكم عزّ لكم ، وكبت لعدوّكم ، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة [1605]والكوفة ، فوافوني بها هناك غداً إن شاء الله .
قال : فلمّا كان من الغد خرج يمشي ، فنزلها بكرة ، فأقام بها حتّى انتصف النهار يومه ذلك ، فلم ياته منهم رجل واحد ، فرجع . فلمّا كان من العشي بعث إلى أشراف الناس ، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب ، فقال :
الحمد لله على ما قضى من أمري وقدّر من فعلي وابتلاني بكم أيّتها الفرقة ; ممّن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت ، لا أباً لغيركم ! ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقّكم ! الموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ ، فوالله ، لئن جاء الموت ـ وليأتينّ ـ ليفرّقنّ بيني وبينكم ، وأنا لصحبتكم قال وبكم غير ضنين ، لله أنتم لا دين يجمعكم ولا حميّة تحميكم ، إذا أنتم سمعتم بعدوّكم يردّ بلادكم ويشنّ الغارة عليكم ، أوليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ، ويجيبونه في السنة المرّتين والثلاث إلى أي وجه شاء ، وأنا أدعوكم ـ وأنتم أُولو النهى وبقية الناس ـ على المعونة وطائفة منكم على العطاء ، فتقومون عنّي وتعصونني وتختلفون عليَّ ؟
فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثمّ الأرحبي فقال :
ياأمير المؤمنين اندب الناس فإنّه لا عطر بعد عروس [1606]، لمثل هذا اليوم كنت أدّخر نفسي ، والأجر لا يأتي إلاّ بالكرّة . اتّقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوّه ، أنا أسير إليها ياأمير المؤمنين .
قال : فأمر علي (عليه السلام)مناديه سعداً فنادى في الناس : ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب . ثمّ إنّه خرج وخرج معه علي (عليه السلام)فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل .
فقال : سِر فوالله ، ما أخالك تدرك القوم حتّى ينقضي أمرهم . قال : فخرج بهم فسار خمساً . ثمّ بلغ الإمام (عليه السلام) انتصار ابن العاص وقتل محمّد بن أبي بكر فسرّح علي عبدالرحمن بن شريح إلى مالك بن كعب فردّه من الطريق [1607].
ولو تحرّك الناس مع الإمام علي (عليه السلام) إلى الحرب وهدّدوا الشام مثلما أراد الإمام لما تمكّن ابن العاص من تهديد مصر ، والتفوّق على أنصار أمير المؤمنين (عليه السلام)هناك .

 

شهادة محمّد بن أبي بكر

كان محمّد بن أبي بكر ربيباً للإمام علي (عليه السلام) من زوجته أسماء بنت عميس الخثعمية . فتربّى محمّد في حضن أمير المؤمنين (عليه السلام) تربية عالية فكان مثالا للمؤمن المخلص . وقد عزل الإمام قيس بن سعد بن عبادة عن ولاية مصر سنة 36هـ وعيّن محمّداً بدلا عنه [1608].
وكانت مصر منقسمة على نفسها ففيها بعض القبائل مع هوى عثمان بن عفّان وقوّات محمّد في مصر قليلة والقبائل اليمنية هناك قوية .
فأرسل معاوية عمرو بن العاص في ثمانية آلاف من المحاربين فتحوّلت الكفّة إلى جانبه في حين كان ابن أبي بكر في الفي مقاتل فانتصرت القوّات الأُموية وأُسر محمّد بن أبي بكر [1609].
وجرت محاورة بين ابن أبي بكر الأسير ومعاوية بن خديج السكوني فهدّده السكوني اليهودي بالموت فقال محمّد : إنّي لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله عليَّ برداً وسلاماً كما جعلها على خليله إبراهيم ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ، إنّ الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك ـ يعني معاوية وهذا ـ وأشار إلى عمرو بن العاص ـ بنار تلظّى عليكم ، كلّما خبت زادها الله سعيراً ، قال له معاوية : إنّي إنّما أقتلك بعثمان .
قال له محمّد : وما أنت وعثمان ؟ إنّ عثمان عمل بالجور ، ونبذ حكم القرآن ، وقد قال الله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) [1610].
فنقمنا ذلك عليه فقتلناه ، وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك ، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه ، وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه ، وجاعلك على مثاله .
قال : فغضب معاوية فقدّمه فقتله ، ثمّ ألقاه في جيفة حمار ، ثمّ أحرقه بالنار ، فلمّا بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً ، وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، ثمّ قبضت عيال محمّد إليها ، فكان القاسم بن محمّد بن أبي بكر في عيالها [1611].
ورأي محمّد بن أبي بكر في عثمان يبيّن حقيقة الموقف الإسلامي في عثمان وصحبه . فمات ابن أبي بكر مدافعاً عن الحقّ وورعاً في دين الله تعالى .

 

حزن الإمام على مقتل ابن أبي بكر

قال علي (عليه السلام): رحم الله محمّداً ، كان غلاماً حدثاً ، أما والله ، لقد كنت أردت أن أُولّي المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص مصر ، والله ، لو أنّه وليها لما خلّى لعمرو بن العاص وأعوانه العرصة ، ولمّا قتل إلاّ وسيفه في يده ، بلا ذمّ لمحمّد بن أبي بكر فلقد أجهد نفسه وقضى ما عليه .
قال : فقيل لعلي (عليه السلام): لقد جزعت على محمّد بن أبي بكر جزعاً شديداً ياأمير المؤمنين ! قال : وما يمنعني ؟ إنّه كان لي ربيباً وكان لبنيّ أخاً ، وكنت له والداً أعدّه ولداً [1612].
وقد امتنع أبو بكر في حكومته من إرسال أي شخص من بني هاشم حقداً منه عليهم . لكن الإمام علياً (عليه السلام)لا يهتم بالنعرات الجاهلية والنعرات الحزبية والقبلية فأرسل محمّد بن أبي بكر والياً على افريقيا .

 

أسباب مروق الخوارج من الدين ؟

الباب الثاني سيرة الخوارج المتأرجحة

 

الفصل الاول : مروق الخوارج من الدين ؟

صرح ان خلكان ان عكرمة كان يرى رأي الخوارج وصاحب الملل الشهرستاني لما عدد الخوارج ابتدأ بعكرمة مولى عبد الله بن عباس [1613] ، وعمران بن حطان الشاعر [1614].
قال ابن حجر في فتح الباري : (إنه يرى رأي الخوارج ، وكان عمران داعية إلى مذهبه ، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله قاتل علي (عليه السلام)بتلك الابيات ، وقد وثقه العجلي) [1615] . وقال السمعاني في الانساب : (إنه كان مفتي الخوارج) . وقال عبد الحق الدهلوي في رجال مشكاة المصابيح في ترجمته :
كان من الخوارج ومدح ابن ملجم لعنه الله وروى عن عمرو ، وأبي موسى ، وأبي ذر رضي الله عنه . وروى عن البخاري وأبو داود ، والنسائي ، وهو القائل في مدح ابن ملجم يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لاذكره يوما وأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً .
ومنهم : نجدة الحروري الذي ينقل عنه البخاري في كتاب الجهاد . قال الجزري في جامع الاصول : (حروراء قرية في ظهر الكوفة كان أول اجتماع الخوارج فيها ، وكان رئيس الخوارج فيها نجدة الحروري) . ومنهم : جرير بن عثمان الحمصي
المعروف بالنصب ، والعداوة ، والسب لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) [1616] .
القائل لا أحب عليا ، قتل آبائي في صفين ، وهو القائل : لنا إمامنا ـ يعني معاوية لعنه الله ـ ولكم إمامكم ـ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) . قال الذهبي في لسان الميزان [1617] . (هو من رجال البخاري ، وهو ثقة ، وقالوا إنه ناصبي . ويزيد بن هارون ، رأى الله تعالى في منامه وقال له : لا يكتب حديث جرير بن عثمان كيف يسب علياً) .
ومنهم سمرة بن جندب قال في رجال المشكاة . (كان حروريا خارجيا) .
ومنهم : المغيرة بن شعبة وحاله أعرف ما يكون ، شريب ، فاسق ، معلن بالفسق ، من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) [1618] .
ومنهم : الوليد بن كثير المدني [1619] ،
وإسحاق بن سويد العدوي [1620]والحصين الواسطي [1621] وعبد الله بن سالم الاشعري [1622]وقيس بن أبي حازم [1623] وكل هؤلاء من النواصب والخوارج ، كما نص عليه جماعة ، منهم ابن حجر في التقريب وفتح الباري فراجع . ومنهم : أبو موسى الاشعري المعروف بالكذب . وقد روى مسلم في صحيحه [1624]في باب (الاستئذان ثلاثا) بطرق عديدة أن عمر لم يقبل روايته وطلب منه البينة على إخباره .
قالت عائشة عن الخوارج : قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخوارج : هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم إلى الله وسيلة [1625] .
وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتل ذي الثدية حرقوص بن زهير التميمي [1626] .
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذي الثدية : يخرج من ضئضي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلهم الله على يدي أحب الخلق إليه من بعدي فقتله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) [1627] .

 

بداية تجمّع الخوارج

إنّ علياً لمّا بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضاً ، فاجتمعوا في منزل عبدالله بن وهب الراسبي ، فحمد الله عبدالله بن وهب وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا ـ التي الرضا بها والركون بها والإيثار إيّاها عناء وتبار ـ آثر عندهم من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والقول بالحقّ ، وإن منّ وضُرّ فإنّه من يمنّ ويُضرّ في هذه الدنيا فاثنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله عزّوجلّ والخلود في جنّاته . فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال ، أو إلى بعض هذه المدائن ، منكرين لهذه البدع المضلّة .
فقال له حرقوص بن زهير : إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإنّ الفراق لها وشيك ، فلا تدعونّكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ، ولا تلفتنّكم عن طلب الحقّ ، وإنكار الظلم ، فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون .
فقال حمزة بن سنان الأسدي : ياقوم ! إنّ الرأي ما رأيتم ، فولّوا أمركم رجلا منكم ، فإنّه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها ، وترجعون إليها . فعرضوها على زيد بن حصين الطائي ، فأبى ، وعرضوها على حرقوص بن زهير ، فأبى ، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي ، فأبيا ، وعرضوها على عبدالله بن وهب ، فقال : هاتوها ، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ، ولا أدعها فَرَقاً [1628] من الموت . فبايعوه لعشر خلون من شوّال ، وكان يقال له : ذو الثفنات .
ثمّ اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي ، فقال ابن وهب : اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله ، فإنّكم أهل الحقّ .
قال شريح : نخرج إلى المدائن فننزلها ، ونأخذ بأبوابها ، ونخرج منها سكّانها ، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا .
فقال زيد بن حصين : إنّكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبعتم ، ولكن اخرجوا وحداناً مستخفين ، فأمّا المدائن فإنّ بها من يمنعكم ، ولكن سيروا حتّى تنزلوا جسر النهروان وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة . قالوا : هذا الرأي .
وكتب عبدالله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ، ويحثّهم على اللحاق بهم ، وسيّر الكتاب إليهم ، فأجابوه أنّهم على اللحاق به .
فلمّا عزموا على المسير تعبّدوا ليلتهم ; وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، وساروا يوم السبت ، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) [1629]ـ [1630].
بعد العودة من حرب صفّين خرج الخوارج من جنده (عليه السلام) إلى حروراء ، فنزل بها منهم إثنا عشر ألفاً ، ونادى مناديهم : إنّ أمير القتال شبث بن ربعي التميمي ، وأمير الصلاة عبدالله بن الكوّا اليشكري ، والأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة لله عزّوجلّ ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .
فلمّا سمع علي (عليه السلام)ذلك وأصحابه قامت الشيعة ، فقالوا له : في أعناقنا بيعة ثانية ، نحن أولياء من واليت ، وأعداء من عاديت .
فقالت الخوارج : استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان [1631]; بايع أهل الشام معاوية على ما أحبّوا وكرهوا ، وبايعتم أنتم علياً (عليه السلام) على أنّكم أولياء من والى ، وأعداء من عادى .
فقال لهم زياد بن النضر : والله ، ما بسط علي (عليه السلام) يده فبايعناه قطّ إلاّ على كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ولكنّكم لمّا خالفتموه جاءته شيعته فقالوا له : نحن أولياء من واليت ، وأعداء من عاديت ، ونحن كذلك ، وهو على الحقّ والهدى ، ومن خالفه ضالّ مضلّ [1632].
وقد تفرّق أهل صفّين حين حكّم الحكمان ... فلمّا انصرف علي (عليه السلام) خالفت الحرورية وخرجت ـ وكان ذلك أوّل ما ظهرت ـ فآذنوه بالحرب ، وردّوا عليه أنّ حكم بني آدم في حكم الله عزّوجلّ ، وقالوا : لا حكم إلاّ لله سبحانه ! [1633].

 

قول النبي (صلى الله عليه وآله) في الخوارج

قال النبي (صلى الله عليه وآله) : لا يقوم بدين الله إلاّ من حاطه من جميع جوانبه [1634].
وقال النبي (صلى الله عليه وآله) : إيّاكم والتعمّق في الدين فإنّ الله تعالى قد جعله سهلا فخذوا منه ما تطيقون ، فإنّ الله يحبّ ما دام من عمل صالح وإن كان يسيراً [1635].
وخالف الخوارج الإستقامة وعاثوا في الأرض الفساد بجهلهم وطيشهم .
وقال النبي (صلى الله عليه وآله) عن الخوارج : « كلّما قطع منهم قرن نشأ قرن ثمّ يخرج في بقيّتهم الدجّال » [1636].
لذا هدى الله تعالى إلى العقل قائلا : ما قسّم الله تعالى للعباد شيئاً أفضل من العقل ، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل » [1637].

 

مقتل ابن خباب وامرأته وهي حبلى

دخل الخوارج قرية ، فخرج عبدالله بن خبّاب ، ذعراً يجرّ رداءه ، فقالوا : لم تُرَعْ ؟ قال : والله لقد رعتموني !
قالوا : أنت عبدالله بن خبّاب صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟
قال : نعم . قالوا [1638]: فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدّثه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)تحدّثناه ؟
قال : نعم ، سمعته يحدّث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه ذكر فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قال : فإن أدركت ذلك فكُن عبدالله المقتول ـ قال أيّوب : ولا أعلمه إلاّ قال : ولا تكن عبدالله القاتل ـ .
قالوا : أأنت سمعت هذا من أبيك يحدّثه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟
قال : نعم .
قال : فقدّموه على ضفّة النهر ، فضربوا عنقه ، فسال دمه كأنّه شراك نعل ما ابذقرّ [1639]، وبقروا أُمّ ولده عمّا في بطنها [1640].

 

زهد الخوارج الخاوي

قال الإمام السجّاد علي بن الحسين (عليهما السلام) : « إذا رأيتم الرجل قد حَسُن سمته وهديه ، وتماوَت في منطقه ، وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنّكم ; فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف نيّته ، ومهانته ، وجبن قلبه ; فنَصَبَ الدين فخّاً لها ، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره ; فإن تمكّن من حرام اقتحمه . وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرنّكم ; فإنّ شهوات الخلق مختلفة ; فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً ، فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا ما عقده عقله ، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ، ثمّ لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله ، فإذا وجدتم عقله متيناً ، فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا : أمع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ؟ فإنّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة الباطلة ، حتّى إذا قيل له : اتّق الله ، أخذته العزّة بالإثم ، فحسبه جهنّم ، ولبئس المهاد ; فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ، فهو يُحلّ ما حرّم الله ، ويُحرّم ما أحلّ الله ، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من أجلها ، فأُولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مهيناً .
ولكن الرجل كلّ الرجل نِعْمَ الرجل هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله ، وقواه مبذولة في رضى الله ، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل ، ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وأنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال ، فذلكم الرجل نِعْم الرجل ، فيه فتمسّكوا وبسنّته فاقتدوا وإلى ربّكم به فتوسّلوا ; فإنّه لا تردّ له دعوة ، ولا تخيب له طلبة » [1641].
فزهد الإنسان لا يدلّ على ماهيته وشخصيته بل للشخصية الحضارية الإسلامية صفات راقية عديدة إذ قال النبي (صلى الله عليه وآله) : الدين المعاملة والدين الأخلاق والخوارج مرقوا من الدين بقتلهم الأبرياء وعدم احترامهم للعقود والعهود ، وبيعتهم لوصي المصطفى من العقود .
وقال الإمام علي (عليه السلام)فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول :
(تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [1642]. بلى والله ، لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حَلِيَت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زِبرِجُها [1643].
ولنا أن نلمس هذه الحقيقة بوضوح في تصوير شامل للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)يتحدّث فيه عن أصناف الناس في عصره ، قال (عليه السلام) :
« ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامَنَ من شخصه ، وقارَبَ من خَطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية » [1644].
وقال مالك الأشتر للخوارج : « ياأصحاب الجباه السود ! كنّا نظنّ صلاتكم زهادة في الدنيا ، وشوقاً إلى لقاء الله عزّوجلّ ، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت ، ألا قبحاً ياأشباه النِّيْب الجلاّلة » [1645].
آية الخوارج رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ولمّا قاتلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)أمر بذلك الرجل فالُتمِس ، فأُتي به حتّى نظرت إليه على نعت النبي (صلى الله عليه وآله)الذي نعته [1646].
ويروى أنّ رجلا أسود شديد بياض الثياب وقف على رسول الله (صلى الله عليه وآله)وهو يقسّم غنائم خيبر ـ ولم تكن إلاّ لمن شهد الحديبية ـ فأقبل ذلك الأسود على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال : ما عدلت منذ اليوم !
فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى رؤي الغضب في وجهه ، فقال عمر بن الخطّاب : ألا أقتله يارسول الله ؟
فقال : إنّه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ .
قال أبو العبّاس : وفي حديث آخر : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له : ويحك ! فمن يعدل إذا لم أعدل ؟
ثمّ قال لأبي بكر : اقتله ، فمضى ثمّ رجع ، فقال : يارسول الله ، رأيته راكعاً .
ثمّ قال لعمر : اقتله ، فمضى ثمّ رجع ، فقال : يارسول الله ، رأيته ساجداً .
ثمّ قال لعلي : اقتله ، فمضى ثمّ رجع ، فقال : يارسول الله ، لم أرَه [1647].
وكان حرقوص على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإذا رجع وحطّ عن راحلته ، عمد إلى مسجد الرسول ، فجعل يُصلّي فيه فيطيل الصلاة ، حتّى جعل بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) يرون أنّ له فضلا عليهم . فمرّ يوماً ورسول الله (صلى الله عليه وآله)قاعد في أصحابه . فقال له بعض أصحابه : يانبي الله ، ذاك الرجل فأرسل إليه نبي الله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقبلا قال : والذي نفسي بيده إنّ بين عينيه سفعة [1648]من الشيطان . فلمّا وقف على المجلس قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أقلت في نفسك حين وقفت على المجلس : ليس في القوم خير منّي ؟
قال : نعم [1649]!

 

رسالة الإمام (عليه السلام) إلى الخوارج

«بسم الله الرحمن الرحيم . من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين ، وعبدالله بن وهب ، ومن معهما من الناس .
أمّا بعد ، فإنّ هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله ، واتّبعا أهواءهما بغير هدىً من الله ، فلم يعملا بالسنّة ، ولم يُنفذا للقرآن حكماً ، فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون ، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبِلوا ; فإنّا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم ، ونحن على الأمر الأوّل الذي كنّا عليه . والسلام ».
وكتبوا إليه : أمّا بعد ، فإنّك لم تغضب لربّك ، إنّما غضبت لنفسك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك ، وإلاّ فقد نابذناك على سواء ، إنّ الله لا يحبّ الخائنين .
فلمّا قرأ كتابهم آيس منهم ، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتّى يلقاهم فيناجزهم [1650].
وبعث علي (عليه السلام)إلى الخوارج أن سيروا إلى حيث شئتم ، ولا تفسدوا في الأرض ; فإنّي غير هائجكم ما لم تحدثوا حدثاً .
فساروا حتّى أتوا النهروان ، وأجمع علي (عليه السلام) على إتيان صفّين ، وبلغ معاوية فسار حتّى أتى صفّين .
وكتب علي (عليه السلام)إلى الخوارج ـ بالنهروان ـ : أمّا بعد ، فقد جاءكم ما كنتم تريدون ، قد تفرّق الحكمان على غير حكومة ولا اتّفاق ، فارجعوا إلى ما كنتم عليه ، فإنّي أُريد المسير إلى الشام .
فأجابوه : أنّه لا يجوز لنا أن نتّخذك إماماً وقد كفرت حتّى تشهد على نفسك بالكفر ، وتتوب كما تبنا ، فإنّك لم تغضب لله ، إنّما غضبت لنفسك .
فلمّا قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم ، فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة وقد كان عسكر بها حين جاء خبر الحكمين إلى الشام ، وكتب إلى أهل البصرة في النهوض معه [1651].

 

وصول عسكر الإمام إلى النخيلة

لمّا قرأ علي كتابهم يئس منهم ، ورأى أن يدعهم على حالهم ، ويسير إلى الشام ; ليعاود معاوية الحرب ، فسار بالناس حتّى عسكر بالنخيلة ، وقال لأصحابه : تأهّبوا للمسير إلى أهل الشام ، فإنّي كاتب إلى جميع إخوانكم ليقدموا عليكم ، فإذا وافوا شخَصنا إن شاء الله .
ثمّ كتب كتابه إلى جميع عمّاله أن يخلّفوا خلفاءهم على أعمالهم ، ويقدموا عليه [1652].
ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان على شفا هُلْكِه ، إلاّ أن يتداركه الله بنعمة ، فاتّقوا الله ، وقاتلوا من حادّ الله ، وحاول أن يطفئ نور الله ، قاتلوا الخاطئين الضالّين القاسطين المجرمين ، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن ، ولا فقهاء في الدين ، ولا علماء في التأويل ، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام . والله ، لو ولَوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل ; تيسّروا وتهيّؤوا للمسير إلى عدوّكم من أهل المغرب ، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم ، فإذا قدموا فاجتمعتم شخَصنا إن شاء الله ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله .
وكتب علي إلى عبدالله بن عبّاس ـ مع عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر ـ : أمّا بعد ، فإنّا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة ، وقد أجمعنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب ، فاشخص بالناس حتّى يأتيك رسولي ، وأقِم حتّى يأتيك أمري . والسلام [1653].

 

اضطرار الإمام (عليه السلام) لحرب الخوارج

نزل علي (عليه السلام)الأنبار [1654]، والتأمَت إليه العساكر ، فخطب الناس ، وحرّضهم على الجهاد ، وقال : سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار قدماً ; فإنّهم طالما سعوا في إطفاء نور الله ، وحرّضوا على قتال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن معه .
ألا إنّ رسول الله أمرني بقتال القاسطين ; وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم ، والناكثين ; وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم ، والمارقين ; ولم نلقَهم بعد .
فسيروا إلى القاسطين ; فهم أهمّ علينا من الخوارج ، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ، يتّخذهم الناس أرباباً ، ويتّخذون عباد الله خَولا [1655]، ومالهم دولا .
فأبوا إلاّ أن يبدؤوا بالخوارج ، فسار علي (عليه السلام) إليهم [1656].
وبلغ علياً (عليه السلام)أنّ الناس يقولون : لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم ، فإذا فرغنا منهم وجّهنا من وجّهنا ذلك إلى المحلّين . فقام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد فإنّه قد بلغني قولكم : لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم ، فإذا فرغنا منهم وجّهنا إلى المحلّين ، وإنّ غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم ، فدعوا ذكرهم ، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكاً ، ويتّخذوا عباد الله خَولا .
فتنادى الناس من كلّ جانب : سِر بنا ياأمير المؤمنين حيث أحببت [1657].
ثمّ قام علي (عليه السلام)فيهم ]أهل الكوفة [خطيباً ، فقال : أمّا بعد ، فقد بلغني قولكم : لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت علينا ، فبدأنا بهم ، ألا أنّ غير هذه الخارجة أهمّ على أمير المؤمنين ، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبّارين ملوكاً ، ويتّخذهم المؤمنون أرباباً ، ويتّخذون عباد الله خولا ، ودعوا ذكر الخوارج .
فنادى الناس من كلّ جانب : سِر بنا ياأمير المؤمنين حيث أحببت ، فنحن حزبك وأنصارك ; نعادي من عاداك ، ونشايع من أناب إليك وإلى طاعتك ، فسر بنا إلى عدوّك كائناً من كان ، فإنّك لن تؤتى من قلّة ولا ضعف ; فإنّ قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك ، والجدّ في جهاد عدوّك ، فأبشر ياأمير المؤمنين بالنصر ، واشخص إلى أيّ الفريقين أحببت ، فإنّا شيعتك التي ترجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب من الله ، تخاف من الله في خذلانك والتخلّف عنك شديد الوبال .
فبايعوه على التسليم والرضا ، وشرط عليهم كتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) [1658].

 

الفصل الثاني:معركة النهروان

 

الطريق إلى النهروان

وفي تلك الأيّام كان الخوارج يجدُّون في العبادة في جانب وقتل المؤمنين في جانب آخر .
فإراقة الدماء أصبح ديدنهم !! وانتهاك حرمة الإمام (عليه السلام) والمؤمنين أضحى هدفهم !
ذكر أنّ الخوارج قتلوا عبدالله بن خبّاب وامرأته ـ : وقتلوا ثلاث نسوة من طيء ، وقتلوا أُمّ سنان الصيداوية ، فبلغ ذلك علياً (عليه السلام) ومن معه من المسلمين من قتلهم عبدالله بن خبّاب واعتراضهم الناس ، فبعث إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه على وجهه ، ولا يكتمه .
فخرج حتّى انتهى إلى النهر ليسألهم ، فخرج القوم إليه فقتلوه . وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس ، فقام إليه الناس فقالوا : ياأمير المؤمنين علامَ تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ؟! سر بنا إلى القوم ، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينهم سرنا إلى عدوّنا من أهل الشام .
وقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فكلّمه بمثل ذلك ـ وكان الناس يرون أنّ الأشعث يرى رأيهم ; لأنّه كان يقول يوم صفّين أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله ، فلمّا أمر علياً بالمسير إليهم علم الناس أنّه لم يكن يرى رأيهم ـ فأجمع على ذلك ، فنادى بالرحيل [1659].
كان الأشعث طالباً للدنيا حريصاً عليها لا تهمّه الآخرة ولا تحكمه القوانين غير متورّع ولا متّقي . ويريد القضاء على دولة الإمام علي (عليه السلام) الحازمة في الدين ليصل إلى أهدافه الدنيوية . فكان يساعد الفتنة الخارجية والهجمة الأموية ليصل إلى غاياته !

 

زمن معركة النهروان

لم يمض على حرب صفّين سنة واحدة واندلعت حرب النهروان بين الخوارج والإمام علي (عليه السلام)واختلف في تاريخ حدوث هذه المعركة .
1 ـ سنة 37هـ [1660].
2 ـ سنة 38هـ [1661].
وأشار غيرهم إلى وقوعها سنة 39هـ [1662].
الرأي الثانى أقرب إلى الصواب ; والمؤرخون يؤيّدون هذا .
فالظاهر أنّها حدثت في شهر صفر [1663]سنة 38هـ ويرى البعض في شهر شعبان سنة 38هـ [1664] وأنّ شهر صفر سنة 38هـ هو الصحيح ; لأنّ التحيكم كان في شهر رمضان ، ثمّ جهّز الإمام جيشاً نحو الشام ، فواجه الإمام التمرّد الخارجي وانتصر عليه [1665].

 

أرض المعركة

وقعت الحرب في منطقة النهروان وهي أرض سهلية بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي [1666]على بعد أربعة فراسخ من بغداد [1667]. ففي المدائن يقع تجمّع الخوارج .
والمدائن عاصمة الفرس القديمة وفيها قبر العبد الصالح سلمان الفارسي .

 

تعداد القوّات المشاركة

كان جيش الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أكثر من ثمانية وستين الفاً [1668]. وأمّا جيش الخوارج فكان أربعة آلاف [1669]، أو ألفين وثمانمائة [1670].
جمع ]الإمام علي (عليه السلام)[إليه رؤوس أهل الكوفة ، ورؤوس الأسباع ، ورؤوس القبائل ، ووجوه الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : ياأهل الكوفة ! أنتم إخواني ، وأنصاري ، وأعواني على الحقّ ، وصحابتي على جهاد عدوّي المحلّين بكم أضرب المدبر ، وأرجو تمام طاعة المقبل ، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتني منهم إلاّ ثلاثة آلاف ومائتا رجل ، فأعينوني بمناصحة جليّة ، خليّة من الغشّ ، إنّكم مخرجنا إلى صفّين ، بل استجمعوا بأجمعكم ، وإنّي أسألكم أن يكتب لي رئيس كلّ قوم ما في عشيرته من المقاتلة ، وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال ، وعبدان عشيرته ومواليهم ، ثمّ يرفع ذلك إلينا .
فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال : ياأمير المؤمنين سمعاً وطاعة ، وودّاً ونصيحة ، أنا أوّل الناس جاء بما سألت وبما طلبت .
وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحواً من ذلك . وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك .
ثمّ إنّ الرؤوس كتبوا من فيهم ، ثمّ رفعوهم إليه ، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم ، وألاّ يتخلّف منهم عنهم أحد ، فرفعوا إليه أربعين الف مقاتل ، وسبعة عشر ألفاً من الأبناء ممّن أدرك ، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم ، وقالوا : ياأمير المؤمنين أمّا من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممّن قد بلغ الحلم وأطاق القتال فقد رفعنا إليك منهم ذوي القوّة والجَلَد ، وأمرناهم بالشخوص معنا ، ومنهم ضعفاء وهم في ضياعنا وأشياء ممّا يصلحنا . وكانت العرب سبعة وخمسين ألفاً من أهل الكوفة ، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف ، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستّين ألفاً وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة ، وكان جميع من معه ثمانية وستين ألفاً ومائتي رجل [1671].
وكان الخوارج أربعة آلاف ، فبقي مع عبدالله بن وهب منهم الفين وثمانمائة [1672].

 

زعامة جيش الإمام (عليه السلام)

القائد : الإمام علي (عليه السلام).
على الميمنة : حجر بن عدي الكندي .
على الميسرة : معقل بن قيس الرياحي .
على الخيّالة : أبو أيّوب الأنصاري .
على الرجّالة : أبو قتادة الأنصاري .
على أهل المدينة : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري [1673].

 

زعامة جيش الخوارج

القائد عبدالله بن وهب .
قائد الميمنة : زيد بن حصين .
قائد الميسرة : شريح بن أوفى العبسي .
قائد الخيّالة : حمزة بن سنان الأسدي .
قائد الرجّالة : حرقوص بن زهير السعدي [1674].

 

خطبة الإمام (عليه السلام) للخوارج

قال خارجي : لا حكم إلاّ لله . فسكت علي (عليه السلام) ، ثمّ قام آخر وآخر ، فلمّا أكثروا عليه قال : كلمة حقّ يراد بها باطل ، لكم عندنا ثلاث خصال : لا نمنعكم مساجد الله أن تصلّوا فيها ، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا ، ولا نبدؤكم بحرب حتّى تبدؤونا به ، وأشهد لقد أخبرني النبي الصادق عن الروح الأمين عن ربّ العالمين أنّه لا يخرج علينا منكم فرقة ـ قلّت أو كثرت إلى يوم القيامة ـ إلاّ جعل الله حتفها على أيدينا ، وأنّ أفضل الجهاد جهادكم ، وأفضل الشهداء مَن قتلتموه ، وأفضل المجاهدين من قتلكم ; فاعلموا ما أنتم عاملون ، فيوم القيامة يخسر المبطلون ، و (لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [1675]ـ [1676].
إنّ علياً (عليه السلام)خرج ذات يوم يخطب ، فإنّه لفي خطبته إذ حكّمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال علي (عليه السلام): الله اكبر ، كلمة حقّ يراد بها باطل ! إن سكتوا عمّمناهم ، وإن تكلّموا حججناهم ، وإن خرجوا علينا قاتلناهم .
فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال : الحمد لله غير مودّع ربّنا ، ولا مستغني عنه . اللهمّ ، إنّا نعوذ بك من إعطاء الدنيّة في ديننا ; فإنّ إعطاء الدنيّة في الدين إدهان في أمر الله عزّوجلّ ، وذلّ راجع بأهله إلى سخط الله . ياعلي ، أبالقتل تخوّفنا ؟ أما والله ، إنّي لأرجو أن نضربكم بها عمّا قليل غير مصفحات ، ثمّ لتعلمنّ أيّنا أولى بها صليّاً . ثمّ خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم فأُصيبوا مع الخوارج بالنهر ، وأُصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة [1677].
ومن كلام له (عليه السلام)في الخوارج لمّا سمع قولهم : لا حكم إلاّ لله ـ : كلمة حقّ يراد بها باطل ! نعم ، إنّه لا حكم إلاّ لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلاّ لله ، وإنّه لابدّ للناس من أمير ; برٍّ أو فاجر ; يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلّغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القويّ ، حتّى يستريح برّ ، ويستراح من فاجر [1678].

 

توبة بعض الخوارج بعد خطبة الإمام (عليه السلام)

الفتوح ـ بعد عودة عبدالله بن عبّاس من حروراء وإخباره الإمام بما جرى بينه وبين الخوارج ـ : ركب علي (عليه السلام)إلى القوم في مائة رجل من أصحابه ، حتّى وافاهم بحروراء ، فلمّا بلغ ذلك الخوارج ركب عبدالله بن الكوّاء في مائة رجل من أصحابه حتّى واقفه .
فقال له علي (عليه السلام): يابن الكوّاء إنّ الكلام كثير ، ابرز إليّ من أصحابك حتّى أُكلّمك .
قال ابن الكوّاء : وأنا آمن من سيفك .
قال علي (عليه السلام): نعم ، وأنت آمن من سيفي .
قال : فخرج ابن الكوّاء في عشرة من أصحابه ودنوا من علي (عليه السلام) . قال : وذهب ابن الكوّاء ليتكلّم فصاح به رجل من أصحاب علي (عليه السلام) وقال : اسكت ; حتّى يتكلّم من هو أحقّ بالكلام منك .
قال : فسكت ابن الكوّاء ، وتكلّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فذكر الحرب التي كانت بينه وبين معاوية ، وذكر اليوم الذي رفعت فيه المصاحف ، وكيف اتّفقوا على الحكمين ، ثمّ قال له علي (عليه السلام) : ويحك يابن الكوّاء ، ألم أقل لكم في ذلك اليوم الذي رفعت فيه المصاحف : كيف أهل الشام يريدون أن يخدعوكم بها ؟ ألم أقل لكم صحبتمونا : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتّى تبدؤونا . ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته [1679].

 

تعبّد الخوارج المنحرف

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ستحارب ثلاثة طوائف الناكثين والقاسطين والمارقين [1680].
فحارب الناكثين لبيعته في معركة الجمل ، وحارب القاسطين في معركة صفّين ثمّ حارب المارقين في معركة النهروان .
ولولا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لم يعرف الناس الحكم الشرعي مع هؤلاء ومع أُسراهم وأموالهم ونساءهم وظهور هذه الفرق الثلاث في فترة قريبة يبيّن الفتنة العظيمة الحاكمة على العالم الإسلامي في حينها ، المتولّدة من رحم السقيفة .
فالسقيفة عطّلت الأخلاق السياسية وأوقفت الكثير من الأحكام الشرعية وأطلقت يد الحاكم في مخالفة الدين باسم الاجتهاد [1681].
وبعد أن فعلوا هذا بعبدالله بن خبّاب ذهبوا إلى نصراني يملك بستاناً بالقرب منهم ، وطلبوا منه أن يبيعهم ثمرات نخلة .
فقال : هي لكم بدون ثمن .
فقالوا : ما كنّا نأخذ إلاّ بالثمن .
فقال : واعجباه ! أتقتلون مثل عبدالله بن خبّاب ، ولا تقبلون جني نخلة إلاّ بثمن !
ومن غرائبهم أنّهم أنكروا على رجل منهم قتل خنزيراً ، وقالوا له : إنّك تسعى في الأرض الفساد ، هذا بعد أن ذبحوا صاحب رسول الله ، ومثّلوا بزوجته الحامل ، وقتلوا ثلاث نسوة مسلمات [1682].

 

وصول الإمام علي (عليه السلام) إلى النهروان

سار علي (عليه السلام)حتّى نزل على فرسخين من النهروان ، ثمّ دعا بغلامه فقال له : اركب إلى هؤلاء القوم ، وقل لهم عنّي : ما الذي حملكم على الخروج عليَّ ، ألم أقصد في حكمكم ؟ ألم أعدل في قسمكم ؟ ألم أقسم فيكم فيئكم ؟ ألم أرحم صغيركم ؟ ألم أُوقّر كبيركم ؟ ألم تعلموا أنّي لم أتّخذكم خَولا ، ولم أجعل مالكم نفلا ؟ وانظر ماذا يردّون عليك ، وإن شتموك فاحتمل ، وإيّاك أن تردّ على أحد منهم شيئاً .
فأقبل غلام علي (عليه السلام)حتّى أشرف على القوم بالنهروان ، فقال لهم ما أمره به .
فقالت له الخوارج : ارجع إلى صاحبك ; فلسنا نجيبه إلى شيء يريده أبداً ، وإنّا نخاف أن يردّنا بكلامه الحسن كما ردّ إخواننا بحروراء عبدالله بن الكوّاء وأصحابه ، والله تعالى يقول : (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [1683]، ومولاك علي منهم ، فارجع إليه وخبّره بأنّ اجتماعنا هاهنا لجهاده ومحاربته ، لا لغير ذلك [1684].

 

علم غيب الإمام (عليه السلام)

وتحرّك الخوارج صوب جسر النهر وكانوا غربه ، فقال لعلي (عليه السلام) أصحابه : إنّهم قد عبروا النهر !
فقال : لن يعبروا .
فأرسلوا طليعة ، فعاد وأخبرهم أنّهم عبروا النهر ، وكان بينهم وبينه نطفة من النهر ، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم ، فعاد فقال : إنّهم قد عبروا النهر .
فقال علي (عليه السلام): والله ما عبروه ، وإنّ مصارعهم لدون الجسر ، ووالله لا يقتل منكم عشرة ، ولا يسلم منهم عشرة .
وتقدّم علي (عليه السلام)إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه ، وكان الناس قد شكّوا في قوله ، وارتاب به بعضهم ، فلمّا رأوا الخوارج لم يعبروا كبّروا ، وأخبروا علياً (عليه السلام)بحالهم .
فقال (عليه السلام): والله ، ما كذبت ولا كُذّبت [1685].
وقبل معركة النهروان قسّم الإمام (عليه السلام) الخوارج إلى قسمين ممّن شارك في صفّين وممّن لم يشارك فيها ثمّ بدأ بالكلام معهم : ألم تقولوا عند رفعهم المصاحب حيلة وغيلة ومكراً وخديعة إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم ؟
فقلت لكم : هذا أمر ظاهره إيمان ، وباطنه عدوان ، وأوّله رحمة ، وآخره ندامة ، فأقيموا على شأنكم ، والزموا طريقتكم ، وعضّوا على الجهاد بنواجذكم ، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق ; إن أُجيب أضلّ ، وإن تُرك ذلّ .
وقد كانت هذه الفعلة ، وقد رأيتكم أعطيتموها . والله لئن أبيتُها ما وجبت عليَّ فريضتها ، ولا حمّلني الله ذنبها . ووالله ، إن جئتها إنّي للمحقّ الذي يُتّبع ، وإنّ الكتاب لمعي ، ما فارقته مذ صحبته ، فلقد كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء ، والإخوان والقرابات ، فما نزداد على كلّ مصيبة وشدّة إلاّ إيماناً ، ومضيّاً على الحقّ ، وتسليماً للأمر ، وصبراً على مَضَض [1686]الجراح .
ولكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج ، والشبهة والتأويل . فإذا طمعنا في خصلة يلمّ الله بها شعثنا ، ونتدانى بها إلى البقيّة فيما بيننا ، رغبنا فيها ، وأمسكنا عمّا سواها [1687].
فإن أبيتم إلاّ أن تزعموا أنّي أخطأت وضللت ، فلِمَ تُضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله)بضلالي ، وتأخذونهم بخطئي ، وتكفّرونهم بذنوبي ؟ سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقم ، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب ! وقد علمتم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجم الزاني المحصن ، ثمّ صلّى عليه ، ثمّ ورّثه أهله ، وقتل القاتل ، وورّث ميراثه أهله ، وقطع السارق ، وجلد الزاني غير المحصن ، ثمّ قسّم عليهما من الفيء ، ونكحا المسلمات ; فأخذهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)بذنوبهم ، وأقام حقّ الله فيهم ، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ، ولم يُخرج أسماءهم من بين أهله .
ثمّ أنتم شرار الناس ، ومن رمى به الشيطان مراميه ، وضرب به تِيهَه ! وسيهلك فيَّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ ، وخير الناس فيَّ حالا النمط الأوسط ، فالزموه ، والزموا السواد الأعظم ، فإنّ يد الله مع الجماعة ، وإيّاكم والفرقة ; فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان ، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب .
ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ، ولو كان تحت عمامتي هذه ، فإنّما حكّم الحكمان ليُحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، وإحياؤه الاجتماع عليه ، وإماتته الافتراق عنه . فإن جرّنا القرآن إليه اتّبعناهم ، وإن جرّهم إلينا اتّبعونا . فلم آتِ ـ لا أباً لكم ـ بُجْراً [1688]، ولا خَتَلتكم [1689] عن أمركم ، ولا لبّسته عليكم ، إنّما اجتمع رأي مِلْئكم على اختيار رجلين ، أخذنا عليهما ألاّ يتعديّا القرآن ، فتاها عنه ، وتركا الحقّ وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما فمضيا عليه . وقد سبق استثناؤنا عليهما ـ في الحكومة بالعدل ، والصمد للحقّ ـ سوءَ رأيهما ، وجورَ حكمهما [1690].
فنظر الإمام علي (عليه السلام)إلى الأُمور من كل وجه ليمنع على الخوارج انحرافهم فعاد العقلاء منهم وبقي الحمقى الذين ليس عندهم قرار ولا استقرار .
وفي أرض معركة النهروان لمّا شاهد الإمام جمعهم قال : الله أكبر صدق الله ورسول الله فتصافّ القوم ، ووقف عليهم بنفسه ، فدعاهم إلى الرجوع والتوبة ، فأبوا ورموا أصحابه ، فقيل له : قد رمونا .
فقال : كفّوا .
فكرّروا القول عليه ثلاثاً وهو يأمرهم بالكفّ ، حتّى أُتي برجل قتيل متشحّط بدمه .
فقال علي : الله أكبر ، الآن حلّ قتالهم ، احملوا على القوم [1691].
استنطقهم علي (عليه السلام)بقتل عبدالله بن خبّاب ، فأقرّوا به .
فقال : انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة .
فتكتّبوا كتائب ، وأقرّت كلّ كتيبة بمثل ما أقرّت به الأُخرى من قتل ابن خبّاب ، وقالوا : ولنقتلنّك كما قتلناه !
فقال علي (عليه السلام): والله ، لو أقرّ أهل الدنيا كلّهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم . ثمّ التفت إلى أصحابه فقال لهم : شدّوا عليهم ، فأنا أوّل من يشدّ عليهم [1692].

 


----------

الهوامش
[1507] كما في نهج البلاغة ، وفي المصدر : « تفرط » .
[1508] البَجَح : الفَرَح ، وتبجّح به : فخر ، وفلان يتبجّح : أني يفتخر ويباهي بشيء ما ، قد بَجِح يبجح (لسان العرب 2 / 405 و406) .
[1509] البادرة : الحِدّة ، وهو ما يبدر من حِدّة الرجل عند غضبه من قول أو فعل (لسان العرب 4 / 48) .
[1510] لي عن هذا الأمر مندوحة : أي مُتّسع (لسان العرب 2 / 613) .
[1511] أدغل في الأمر : أدخل فيه ما يفسده ويخالفه (لسان العرب 11 / 244) .
[1512] النَّهك : التنقّص (لسان العرب 10 / 499) .
[1513] طامن ظهره : إذا حنى ظهره (لسان العرب 13 / 268) والمراد يخفض ويسكن .
[1514] الطِّماح : مثل الجماح ، والطَّماع : الكبر والفخر (لسان العرب 2 / 534) .
[1515] الغَرْب : الحِدّة (لسان العرب 1 / 641) .
[1516] أعزب عنه حلمه وعزب : ذهب (لسان العرب 1 / 596) .
[1517] الإلحاف : شدّة الإلحاح في المسألة (لسان العرب 9 / 314) .
[1518] وَضَح الشيء يَضِحُ : بان (لسان العرب 2 / 634) .
[1519] كذا في المصدر ، وفي نهج البلاغة « فإنّ البخل والجبن » وهو الأنسب .
[1520] نهج البلاغة 33 / 87 ،البحار /33 602 ،شرح النهج 17 /43.
[1521] بِطانة الرجل : خاصّته ، وصاحب سرّه وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله (لسان العرب 13 / 55) .
[1522] الدغل : الفساد (لسان العرب 11 / 244) .
[1523] المُثافِن : المواظب ، ويقال : ثافَنتُ فلاناً إذا حاببته تحادثه وتلازمه وتكلّمه (لسان العرب 12 / 79) .
[1524] في المصدر : « طبقة » ، والصحيح ما أثبتناه كما في نهج البلاغة .
[1525] الرفد : العطاء والصلة (لسان العرب 3 / 181) .
[1526] النَّبْو : العلو والارتفاع (لسان العرب 15 / 302) .
[1527] أي لا تعد ما قوّيتم به عظيماً (بحار الأنوار 33 / 604) .
[1528] الخوالف : الذين لا يغزون (لسان العرب 9 / 86) .
[1529] العَين : الذي يبعث ليتجسّس الخبر (لسان العرب 13 / 301) .
[1530] خَلَفتُ الرجل في أهله : إذا أقمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله (النهاية 2 / 66) .
[1531] سلس المُهر : إذا انقاد (لسان العرب 6 / 106) .
[1532] سورة النساء 59 .
[1533] سورة النساء 83 .
[1534] المَحْك : اللَّجاج (لسان العرب 10 / 486) .
[1535] صغا إليه يصغى : مال (لسان العرب 14 / 461) .
[1536] الحِباء : ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به (لسان العرب 14 / 162) أي وأن لا يولّيهم محاباة لهم ولمن يشفع فيهم ولا أثرة ولا إنعاماً عليهم (شرح نهج البلاغة 17 / 69) .
[1537] استأثر فلان بالشيء : أي استبدّ به ، والاسم الأثرة . (الصحاح 2 / 575) .
[1538] العُقدة : كلّ شيء يستوثق الرجل به لنفسه ويعتمد عليه (لسان العرب 3 / 299) .
[1539] الجَمام : الراحة (لسان العرب 12 / 105) .
[1540] أدلّ عليه : وثق بمحبّته فأفرط عليه ، والاسم الدالّة (لسان العرب 11 / 247) .
[1541] استَنام إلى الشيء : استأنس به ، واستنام فلان إلى فلان : إذا أنس به واطمأنّ إليه وسكن (لسان العرب 12 / 598) .
[1542] المضطرب بماله : المتردّد به بين البلدان .
[1543] الزَّمنى : جمع زَمِن ، وهو ذو الزمانة ، والزمانة : العاهة (لسان العرب 13 / 199) .
[1544] سورة الإسراء 79 .
[1545] سورة البقرة 158 .
[1546] الحامّة : خاصّة الرجل من أهله وولده وذي قرابته (لسان العرب 12 / 153) .
[1547] أصحرَ بالأمر وأصحرَه : أظهره (تاج العروس 7 / 79) .
[1548] وَدُع الشيء ، سكن واستقرّ وصار إلى الدعة (تاج العروس 11 / 498) .
[1549] الوبال : الوخامة وسوء العاقبة (مجمع البحرين 3 / 1901) . والمراد : استوخموا من عواقب الغدر والختر .
[1550] أخفَره : نقض عهده وخاس به وغدره (لسان العرب 4 / 253) .
[1551] الختل : تخادع عن غفلة (لسان العرب 11 / 199) .
[1552] زاد في نهج البلاغة : ولا تعقِد عقداً تجوّز فيه العلل ولا تعوِّلنّ على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة .
[1553] خَلق الشيء وأخلق : بَلي ، يقال : ثوب خَلَق ، ودار خَلَق (لسان العرب 10 / 88) .
[1554] سورة الإسراء 33 .
[1555] طَمَحَ به : ذهب به (لسان العرب 2 / 535) .
[1556] النخوة : العظمة والكبر والفخر (لسان العرب 15 / 313) .
[1557] سورة الصفّ 3 .
[1558] القوم أُسوة في هذا الأمر : أي حالهم فيه واحدة (لسان العرب 14 / 35) .
[1559] سَورَة السلطان : سطوته واعتداؤه . والسَّورَة : الوثبة (لسان العرب 4 / 385) .
[1560] الحِدّة : ما يعتري الإنسان من النزق والغضب (لسان العرب 3 / 141) .
[1561] تحف العقول 126 ، نهج البلاغة الكتاب 53 ، دعائم الإسلام 1 / 350 وذكر أنّ هذا العهد هو ممّا عهد به النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) كلاهما نحوه ، بحار الأنوار 77 / 240 ح1 .
[1562] تاريخ الطبري 5 / 95 ، الأمالي للمفيد 79 / 4 نحوه عن هشام بن محمّد وفيه إشارة إلى شهادة محمّد بن أبي بكر ، الغارات 1 / 257 عن المدائني وراجع أنساب الأشراف 3 / 167 والكامل في التاريخ 2 / 410 .
[1563] إبلة : مدينة تقع على شاطئ دجلة في الطريق إلى البصرة .
[1564] وعثمان وغلمانه ومعاوية متخصّصون في الاغتيال بالسموم وغيرها !!
[1565] القلزم : مدينة تقع على شفير البحر ليس بها زرع ولا ماء ، يحمل إليها الماء من آبار بعيدة ، وتقع ما بين الحجاز ومصر على ثلاثة أيّام منها ـ معجم البلدان .
[1566] مالك الأشتر ، محمّد رضا الحكيم 174 ـ 175 .
[1567] تاريخ الطبري 5 / 95 ، الكامل في التاريخ 2 / 410 نحوه وفيه « الحابسات » بدل « الجايستار » وراجع الأمالي للمفيد 82 / 4 والغارات 1 / 259 ـ 264 ، بحار الأنوار 33 / 555 ح722 ، شرح نهچ البلاغة 6 / 76 ، الاختصاص 81 ، معجم رجال الحديث 14 / 163 ح9796 ، بحار الأنوار 33 / 591 ح734 .
[1568] تاريخ اليعقوبي 2 / 194 ، مروج الذهب 2 / 420 ، عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 201 عن عوانة بن الحكم نحوه .
[1569] الفند : هو المنفرد من الجبال (النهاية 3 / 475) .
[1570] حجر صَلد : صُلب أملس (لسان العرب 3 / 256) .
[1571] أوفى : أشرف وأتى (لسان العرب 15 / 399) .
[1572] نهج البلاغة الحكم 443 ، ربيع الأبرار 1 / 216 وليس فيه « ولو كان حجراً لكان صلداً » وراجع الكامل في التاريخ 2 / 410 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 594 وسير أعلام النبلاء 4 / 34 ح6 ،موسوعة الامام علي ،رى شهرى ج 4 / 42 .
[1573] شرح نهج البلاغة 15 / 98 ، رجال ابن داود 157 / 1254 وفيه ذيله .
[1574] رجال الكشّي 1 / 283 ح118 ، رجال ابن داود 157 / 1254 ، جامع الرواة 2 / 37 ، الغارات 1 / 265 ، الأمالي للمفيد 83 / 4 ، الاختصاص 83 كلاهما نحوه ، بحار الأنوار 82 / 130 ح9 .
[1575] الاختصاص 81 ، بحار الأنوار 33 / 591 ح735 ، تاريخ الطبري 5 / 95 ، الغارات 1 / 264 ، الأمالي للمفيد 83 / 4 نحوه ، شرح نهج البلاغة 6 / 77 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 194 .
[1576] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 29 .
[1577] الغارات 1 / 264 عن المدائني عن بعض أصحابه ، الاختصاص 81 عن عبدالله بن جعفر ; تاريخ الطبري 5 / 96 عن يزيد بن ظبيان الهمداني ، الكامل في التاريخ 2 / 410 .
[1578] الأمالي للطوسي 174 / 293 ، الغارات 2 / 481 ، شرح نهج البلاغة 2 / 90 .
[1579] هو أسود من فلان : أي أجلّ منه (لسان العرب 3 / 230) . الغارات 1 / 264 ، بحار الأنوار 33 / 556 ح722 ، شرح نهج البلاغة 6 / 77 .
[1580] أنساب الأشراف 5 / 41 ، عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 186 ، شرح نهج البلاغة 2 / 214 كلاهما نحوه .
[1581] شرح نهج البلاغة 2 / 213 .
[1582] آس : أي ساو بينهم .
[1583] محقوق : أي مطالب بمخالفتك شهوة نفسك .
[1584] نهج البلاغة 3 / 516 ـ 518 .
[1585] تاريخ الطبري 5 / 231 ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 25 .
[1586] الأزل : الضيق والشدّة .
[1587] مروج الذهب 2 / 59 ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 3 / 188 ـ 190 .
[1588] الزاري : العائب .
[1589] أصفى : أي آثره .
[1590] أفلج حجّته : أي أظهرها .
[1591] ابتزّه حقّه : أي سلبه حقّه .
[1592] القسر : الاكراه .
[1593] مروج الذهب 2 / 60 ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 1 / 284 .
[1594] النجوم الزاهرة 1 / 110 .
[1595] نهج البلاغة 1 / 117 ، 3 / 60 .
[1596] وَجَدَ عليه يَجِدُ موجدَة : غضبَ (لسان العرب 3 / 446) .
[1597] الغارات 1 / 267 ، نهج البلاغة الكتاب 34 ، بحار الأنوار 33 / 556 ح722 و593 / 739 ، تاريخ الطبري 5 / 96 عن أبي مخنف ، الكامل في التاريخ 2 / 410 ، شرح نهج البلاغة 6 / 78 و16 / 142 .
[1598] الغارات 1 / 269 ، بحار الأنوار 33 / 557 ح722 ، تاريخ الطبري 5 / 97 عن أبي مخنف ، الكامل في التاريخ 2 / 411 .
[1599] البِطانُ : حِزام الرحل والقَتَب (لسان العرب 13 / 56) .
[1600] المِشقص : نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض (النهاية 2 / 490) . خششائه : هو العَظم الناتِئ خَلْفَ الأُذُن (النهاية 2 / 34) .
[1601] تاريخ الطبري 5 / 100 ، البداية والنهاية 7 / 314 نحوه ، شرح نهج البلاغة 6 / 83 ، الغارات 1 / 277 ، بحار الأنوار 33 / 557 ح722 .
[1602] الغارات 2 / 748 ،شرح النهج 2 / 70 ،ذكر اخبار اصفهان 1 / 77 ،صفين 44، جواهر المطالب 1 / 368،النجوم الزاهرة ، الاتابكي 1/63 .
[1603] تاريخ الطبري 5 / 101 ، البداية والنهاية 7 / 315 نحوه ، شرح نهج البلاغة 6 / 84 ، الغارات 1 / 278 ، بحار الأنوار 33 / 558 ح722 وراجع أنساب الأشراف 3 / 169 و170 .
[1604] تاريخ الطبري 5 / 102 ، شرح نهج البلاغة 6 / 84 ، الغارات 1 / 278 ، بحار الأنوار 33 / 558 / 722 وراجع البداية والنهاية 7 / 315 .
[1605] الجَرْعَة : موضع قرب الكوفة (معجم البلدان 2 / 127) . الحِيْرَة : مدينة جاهلية ، تبعد عن الكوفة على نحو فرسخ ، وكانت منازل آل النعمان بن المنذر (تقويم البلدان 299) .
[1606] لا مخبأ لعطر بعد عروس ، ويروى : لا عطر بعد عروس : أوّل من قال ذلك امرأة من عُذرة يقال لها أسماء بنت عبدالله ، وكان لها زوج من بني عمّها يقال له : عروس ، فمات عنها ... ، فقالت : لا عطر بعد عروس ، فذهبت مثلا يضرب لمن لا يدّخر عنه نفيس (مجمع الأمثال 3 / 151) .
[1607] تاريخ الطبري 5 / 108 ، الغارات 1 / 289 عن جندب بن عبدالله وراجع الكامل في التاريخ 2 / 413 .
[1608] تاريخ ابن الأثير 2 / 356 ، تاريخ الطبري 4 / 554 ، الغارات 1 / 219 .
[1609] الغارات 1 / 276 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 410 ، تاريخ الطبري 5 / 95 ، أنساب الأشراف 3 / 167 ، نهج البلاغة الكتاب 34 ، مروج الذهب 2 / 420 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 193 .
[1610] سورة المائدة 47 .
[1611] تاريخ الطبري 5 / 103 ، الكامل في التاريخ 2 / 412 و413 ، الغارات 1 / 282 ـ 285 كلاهما نحوه وراجع أنساب الأشراف 3 / 171 و172 .
[1612] الغارات 1 / 300 ، نهج البلاغة الخطبة 68 ، تاريخ الطبري 5 / 110 ، أنساب الأشراف 3 / 173 ، مروج الذهب 2 / 420 ، الغارات 1 / 301 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 194 ، نهج البلاغة الحكمة 325 ، موسوعة الإمام علي (عليه السلام) ، ري شهري 6 / 45 ، بحار الأنوار 33 / 592 ح736 .
[1613] ذكره الشهرستاني أوّل اسم تحت عنوان : (ولنختم المذاهب بذكر تتمة رجال الخوارج) 1 / 123 : حيث قال : من المتقدّمين : عكرمة ...
[1614] أوّل اسم ذكره الشهرستاني عندما عدّ شعراء الخوارج انظر 1 / 123 .
[1615] مقدّمة فتح الباري : 597 .
[1616] نهاية الدراية ، حسن الصدر 501 .
[1617] لسان الميزان لابن حجر وأمّا كتاب الذهبي فهو ميزان الاعتدال . لا يوجد في كلا المصدرين .
[1618] صحيح مسلم 7 / 123 ، شواهد التنزيل ، الحسكاني 2 / 414 ، 1 / 187 ، تاريخ دمشق ، ابن عساكر 2 / 86 ، روضة الواعظين ، النيسابوري 90 ، المسترشد ، الطبري 588 ، شرح الأخبار القاضي المغزي 1 / 104 ، الإرشاد ، المفيد 1 / 175 ، مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب 2 / 224 ، البحار 37 / 188 ، العمدة ، ابن بطريق 100 ، أسباب النزول ، الواحدي 150 ط مصر ، خصائص الوحي المبين ، ابن بطريق 88 ، بشارة المصطفى ، محمد بن علي الطبري 276 ، مسند أحمد 4 / 281 ، تاريخ بغداد 8 / 290 ، ورواه الترمذي وابن ماجه والنسائي ، الصواعق المحرقة 43 ، سرّ العالمين 1 / 37 ، ذخائر العقبى 82 ، الملل والنحل ، الشهرستاني70 ، تفسير الثعلبي 1 / 217 ، تفسير القمّي ، الآية ، تفسير الفيض الكاشاني 2 / 51 ، تفسير البرهان 1 / 488 ، تفسير السيوطي 2 / 252 ، تفسير الآلوسي 6 / 61 ، مناقب أمير المؤمنين 7 ، الكوفي 2 / 382 ، نزول القرآن ، أبو نعيم الأصبهاني 86 ، فرائد السمطين 1 / 158 ، البداية والنهاية ، ابن كثير 5 / 213 ، ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام) ، الحبري 44 ، ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام) ، الحافظ أبو نعيم الأصبهاني 36 ، مجمع الهيثمي 9 / 207 ، كنز العمال 6 / 392 .
[1619] تقريب التهذيب 2 / 335 ـ 84 . قال : (... رمي برأي الخوارج ...) وانظر مقدمة فتح الباري : 627 .
[1620] تقريب التهذيب 1 / 58 ـ 404 . قال : (... تكلّم فيه للنصب ...) وانظر مقدمة فتح الباري : 550 ، موسوعة الإمام علي (عليه السلام) ري شهري .
[1621] تقريب التهذيب : 1 / 184 ـ 524 . قال : (.. رمي بالنصب ...) وانظر مقدمة فتح الباري (حصين بن نمير الواسطي) : 561 .
[1622] تقريب التهذيب 1 / 417 ـ 322 . قال : (... رمي بالنصب ...) وانظر مقدمة فتح الباري : 580 .
[1623] تقريب التهذيب 2 / 127 ـ 132 .
[1624] صحيح مسلم ب7 ـ طبعة دار الفكر 2 / 339 ـ 2153 ، 2154 .
[1625] الصراط المستقيم كشف الغمّة 1 / 146 ، العاملي 70 .
[1626] سنن البخاري 2 / 139 .
[1627] البحار 16 / 6 ، 31 / 161 .
[1628] الفَرَق : الخوف (لسان العرب 10 / 304) .
[1629] سورة القصص 21 و22 .
[1630] تاريخ الطبري 5 / 74 ، الكامل في التاريخ 2 / 398 ، الأخبار الطوال 202 ، أنساب الأشراف 3 / 137 .
[1631] هما كفرسي رهان : يضرب لاثنين يستبقان إلى غاية فيستويان (تاج العروس 8 / 394) .
[1632] الكامل في التاريخ 2 / 393 ، تاريخ الطبري 5 / 63 و64 عن عمارة بن ربيعة .
[1633] تاريخ الطبري 5 / 57 ، وراجع الكامل في التاريخ 2 / 390 .
[1634] كنز العمّال 2 / 84 ، شرح الأخبار 2 / 389 .
[1635] كنز العمّال 3 / 35 / 5348 .
[1636] المستدرك ، الحاكم 4 / 511 ، مسند أحمد 2 / 209 ، مجمع الزوائد 6 / 330 ، مسند أبي داود 303 ، كنز العمال 11 / 317 ، تاريخ دمشق 1 / 161 .
[1637] الكافي 1 / 12 ، المحاسن 1 / 308 .
[1638] في المصدر : « قال » ، والتصحيح من تاريخ الطبري .
[1639] ما ابذقرّ دمه : ما تفرّق ولا تمذّر (لسان العرب 4 / 51) .
[1640] مسند أحمد بن حنبل 7 / 452 ح21121 ، تاريخ الطبري 5 / 81 ، الطبقات الكبرى 5 / 245 .
[1641] الاحتجاج 2 / 159 ح192 ، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) 53 / 27 كلاهما عن الإمام الرضا (عليه السلام) ، بحار الأنوار 2 / 84 ح10 .
[1642] سورة القصص 83 .
[1643] نهج البلاغة الخطبة 3 ، الارشاد 1 / 289 ، الاحتجاج 1 / 457 ح105 ، الطرائف 418 .
[1644] نهج البلاغة ، الخطبة 32 ، بحار الأنوار 78 / 5 ح54 .
[1645] تاريخ الطبري 5 / 50 ، الكامل في التاريخ 2 / 387 ، وقعة صفّين 491 .
[1646] صحيح البخاري 3 / 1321 ح3414 ، صحيح مسلم 2 / 744 ح148 ، أُسد الغابة 2 / 214 ح1541 كلاهما عن أبي سلمة والضحّاك ، مسند ابن حنبل 2 / 680 ح7059 ، السيرة النبوية لابن هشام 4 / 139 .
[1647] الكامل للمبرّد 3 / 1108 ، دعائم الإسلام 1 / 389 نحوه .
[1648] أي علامة (النهاية 2 / 375) .
[1649] مسند أبي يعلى 4 / 154 ح4113 ، وراجع المناقب لابن شهر آشوب 3 / 187 .
[1650] تاريخ الطبري 5 / 77 ، الكامل في التاريخ 2 / 401 ، الأخبار الطوال 206 نحوه وراجع البداية والنهاية 7 / 287 .
[1651] أنساب الأشراف 3 / 141 .
[1652] الأخبار الطوال 206 .
[1653] تاريخ الطبري 5 / 78 ، الكامل في التاريخ 2 / 401 وراجع الأخبار الطوال 206 .
[1654] الأنبار : من نواحي بغداد على شاطئ الفرات على بعد عشرة فراسخ ، كان بها مقام السفّاح أوّل خلفاء بني العبّاس (تقويم البلدان 301) .
[1655] أي خدماً وعبيداً (لسان العرب 11 / 225) .
[1656] مروج الذهب 2 / 415 ، مسند ابن حنبل 1 / 198 ح706 وفيه « عن زيد بن وهب : لمّا خرجت الخوارج بالنهروان قام علي (عليه السلام) في أصحابه فقال : إنّ هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سَرْح الناس ، وهم أقرب العدوّ إليكم ، وإن تسيروا إلى عدوّكم أنا أخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم » .
[1657] تاريخ الطبري 5 / 80 ، الكامل في التاريخ 2 / 402 .
[1658] الإمامة والسياسة 1 / 166 .
[1659] تاريخ الطبري 5 / 82 ، الكامل في التاريخ 2 / 403 ، أنساب الأشراف 3 / 142 ، الإمامة والسياسة 1 / 168 كلاهما نحوه وراجع الأخبار الطوال 207 ، والبداية والنهاية 7 / 288 .
[1660] التنبيه والأشراق 256 ، أُسد الغابة 1 / 714 .
[1661] تاريخ الطبري 5 / 91 ، مروج الذهب 2 / 361 ، تاريخ الذهبي 3 / 588 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 407 .
[1662] تاريخ اليعقوبي 2 / 193 .
[1663] أنساب الأشراف 3 / 136 ، تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 588 .
[1664] تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 588 .
[1665] تاريخ الطبري 5 / 86 وفيه « فأُهمدوا في الساعة » ، الكامل في التاريخ 2 / 406 وفيه « فأُهلكوا في ساعة » . الأخبار الطوال 210 وفيه « وقتلت الخوارج كلّها ربضة واحدة » ، الفتوح 4 / 274 وفيه « لم تكن إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم » ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193 وفيه « التحمت الحرب بينهم مع زوال الشمس ; فأقامت مقدار ساعتين من النهار » ، كشف الغمّة 1 / 267 وفيه « لم يكن إلاّ ساعة حتّى قتلوا » .
[1666] معجم البلدان 5 / 325 .
[1667] مجمع البحرين 3 / 1689 .
[1668] تاريخ الطبري 5 / 80 ، مروج الذهب 2 / 415 .
[1669] مروج الذهب 2 / 415 ، أنساب الأشراف 3 / 146 ، الفتوح 4 / 270 وفيه « فاستأمن إليه ] الإمام علي (عليه السلام)[ منهم ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف » ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193 وفيه « فرجع يومئذ من الخوارج ألفان وأقام أربعة آلاف » .
[1670] الكامل للمبرّد 3 / 1105 ، تاريخ الطبري 5 / 86 وفيه بعد رفع راية الأمان بأمر الإمام علي (عليه السلام) « كان الذين بقوا مع عبدالله بن وهب ألفين وثمانمائة » .
[1671] تاريخ الطبري 5 / 79 .
[1672] تاريخ الطبري 5 / 86 ، الإمامة والسياسة 1 / 169 نحوه وراجع أنساب الأشراف 3 / 146 .
[1673] مروج الذهب 2 / 415 ، أنساب الأشراف 3 / 146 ، الفتوح 4 / 270 ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193 ، تاريخ الطبري 5 / 85 ، الكامل في التاريخ 2 / 405 ، البداية والنهاية 7 / 289 .
[1674] مروج الذهب 2 / 415 ، أنساب الأشراف 3 / 146 ، الفتوح 4 / 270 ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193 ، تاريخ الطبري 5 / 85 ، الكامل في التاريخ 2 / 405 ، البداية والنهاية 7 / 289 .
[1675] سورة الأنعام 67 .
[1676] دعائم الإسلام 1 / 393 ، وراجع تاريخ ابن خلدون 2 / 637 .
[1677] تاريخ الطبري 5 / 72 ، الكامل في التاريخ 2 / 398 .
[1678] نهج البلاغة الخطبة 40 ، بحار الأنوار 33 / 358 ح593 ، وراجع أنساب الأشراف 3 / 135 .
[1679] تاريخ الطبري 5 / 73 ، السنن الكبرى 8 / 319 ح16763 عن كثير بن نمر ، الكامل في التاريخ : 2 / 398 ، البداية والنهاية 7 / 282 ، الإيضاح 474 ، المناقب للكوفي 2 / 341 ح818 عن كثير بن نمر وكلّها نحوه وراجع البداية والنهاية 7 / 285 .
[1680] الفرائد ، الحمويني ، الباب 27 ، 29 ، الكفاية ، الكنجي 69 ، كنز العمال 6 / 154 ، الاستيعاب 3 / 53 ، ميزان الاعتدال ، الذهبي 2 / 263 ، مجمع الزوائد 3 / 239 ، المستدرك ، الحاكم 3 / 139 ، أُسد الغابة 4 / 114 ، تاريخ بغداد 8 / 340 ، فرائد السمطين 1 / 284 ، كفاية الطالب 169 ، البداية والنهاية 7 / 338 .
[1681] سنن البيهقي 6 / 301 ، السقيفة ، الجوهري 104 ، الشافي 4 / 69 ، البحار 29 / 217 ، الأمالي ، المفيد 4 / 8 ، بلاغات النساء ، ابن طيفور 12 ، شرح النهج 16 / 212 ، مروج الذهب 20 / 311 .
[1682] أُسد الغابة 2 / 289 ، تاريخ بغداد 1 / 180 ، سير أعلام النبلاء 2 / 167 ، رسائل المرتضى 2 / 110 ، الكافي ، الحلبي 251 ، الخلاف ، الطوسي 1 / 425 ، ميزان الاعتدال 1 / 467 ، شرائع الإسلام ، الحلّي 1 / 12 ، تاريخ دمشق 43 / 121 ، تهذيب الكمال ، المزي 13 / 229 .
[1683] سورة الزخرف 58 .
[1684] الفتوح 4 / 261 .
[1685] الكامل في التاريخ 2 / 405 ، نهج البلاغة الخطبة 59 ، كشف الغمّة 1 / 267 ، المناقب لابن شهر آشوب 2 / 263 ، اعلام الورى 1 / 338 ، الكامل للمبرّد 3 / 1105 ، وراجع مروج الذهب 2 / 416 ، كنز العمّال 11 / 322 ح31625 .
[1686] مَضَّني الجُرح : آلمني وأوجعني (لسان العرب 7 / 233) .
[1687] نهج البلاغة الخطبة 122 ، الاحتجاج 1 / 439 ح100 ، بحار الأنوار : 33 / 368 ح600 ، وراجع الإرشاد 1 / 270 .
[1688] البُجر : الداهية والأمر العظيم (النهاية 1 / 97) .
[1689] ختله : خدعه عن غفلة (لسان العرب 11 / 199) .
[1690] نهج البلاغة الخطبة 127 .
[1691] مروج الذهب 2 / 416 .
[1692] شرح نهج البلاغة 2 / 282 ، بحار الأنوار 33 / 355 ح587 ، مستدرك الوسائل 18 / 213 ح22534 ، نفس الرحمن في فضائل سلمان 62 وفيهما إلى « لقتلتهم » .