حديث قيس بن سعد مع  الخوارج

إنّ قيس بن سعد بن عبادة قال لهم ] أهل النهروان [ : عباد الله ! أخرجوا إلينا طلبتنا منكم ، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم ، وعودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم ، فإنّكم ركبتم عظيماً من الأمر ; تشهدون علينا بالشرك ، والشرك ظلم عظيم ، وتسفكون دماء المسلمين وتعدّونهم مشركين .

فقال عبدالله بن شجرة السلمي : إنّ الحقّ قد أضاء لنا فلسنا نتابعكم ، أو تأتونا بمثل عمر .

كان الخوارج تلاميذ عمر بن الخطّاب وأبي موسى الأشعري فهو الذي وضعهم في قالبهم يقرأون القرآن ولا يعرفون تفسيره .

ويفتون بجهلهم وغيّهم ، ولمّا ظهر فساد الأشعري لهم فى التحكيم تركوه وبقوا على نهج عمر [1693].

والعجيب في أمرهم أنّهم حاربوا معاوية وهو على مسلك عمر وتربيته .

فبقي الخوارج والأمويون يتحاربون فيما بينهم وقدوتهم عمر بن الخطّاب .

فقال سعد : ما نعلمه فينا غير صاحبنا ، فهل تعلمونه فيكم ؟ وقال : نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها : فإنّي لأرى الفتنة قد غلبت عليكم .

وخطبهم أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاري ، فقال : عبدالله ! إنّا وإيّاكم على الحال الأُولى التي كنّا عليها ، ليست بيننا وبينكم فرقة ، فعلامَ تقاتلوننا ؟

فقالوا إنّا لو بايعناكم اليوم حكمتم غداً .

قال : فإنّي أنشدكم الله أن تعجّلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل [1694].

 

هداية بعض الخوارج

قال أبو هارون العبدي : كنت أرى رأي الخوارج لا رأي لي غيره حتّى جلست إلى أبي سعيد الخدري فسمعته يقول : أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة ، فقال له رجل : ياأبا سعيد فما هذه الأربع التي عملوا بها ؟

قال : الصلاة والزكاة والحجّ والصوم .

قال : فما الواحدة التي تركوها ؟

قال : ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

قال : وإنّها مفترضة معهنّ ؟

قال : نعم [1695].

وذكر موفّق بن أحمد الخوارزمي في كتاب المناقب قول النبي : لو أنّ الرياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حساب والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) [1696].

وقال المعتزلي : لو فخر أمير المؤمنين بنفسه وتعديد فضائله وساعده فصحاء العرب كافّة ، لما أحصوا معشار ما نطق به الرسول (صلى الله عليه وآله) في أمره [1697].

 

خوض الإمام (عليه السلام) القتال

وخرج من الخوارج رجل بعد أن قال علي رضوان الله عليه ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبدالله بن خبّاب .

فقالوا : كلّنا قتله وشرك في دمه ! ثمّ حمل منهم رجل على صفّ علي (عليه السلام)ـ وقد قال علي : لا تبدؤوهم بقتال ـ فقتل من أصحاب علي (عليه السلام) ثلاثة وهو يقول :

أقتلهم ولا أرى عليّا *** ولو بدا أوجرته الخطِّيّا

فخرج إليه علي (عليه السلام)فقتله ، فلمّا خالطه السيف قال : حبّذا الروحة إلى الجنّة !

فقال عبدالله بن وهب : ما أدري أإلى الجنّة أم إلى النار ؟

فقال رجل من بني سعد : إنّما حضرت اغتراراً بهذا ، وأراه قد شكّ !! فانخزل بجماعة من أصحابه ، ومال إلى ناحية أبي أيّوب الأنصاري [1698].

ثمّ خرج منهم آخر ، فحمل على الناس ، ففتك فيهم ، وجعل يكرّ عليهم ، وهو يقول :

أضربهم ولو أرى أبا حسن *** ألبسته بصارمي ثوب غَبن

فخرج إليه علي (عليه السلام)وهو يقول :

ياأيّهذا المبتغي أبا حسن *** إليك فانظر أيّنا يلقى الغَبن

وحمل عليه علي (عليه السلام)وشكّه بالرمح ، وترك الرمح فيه ، فانصرف علي (عليه السلام)وهو يقول : لقد رأيت أبا حسن فرأيت ما تكره [1699].

 

عبدالله بن وهب

وهو الذي قاد الخوارج إلى حرب النهروان بعد انسحاب البعض منهم ; فقد كان ابن الكوّاء إمام الصلاة ، وشبث بن ربعي أمير الحرب [1700]. ثمّ انفصلا عن الخوارج فيما بعد [1701]، فبقي زيد بن حصين ، وحرقوص بن زهير ، وحمزة بن سنان ، وشريح بن أوفى ، فرشّحوا عبدالله بن وهب [1702]. وهو الذي قادهم في الحرب ودعاهم للتعصّب وعدم التحدّث إلى الإمام [1703].

وقال عبدالله بن وهب الخارجي وهو يقاتلهم : ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها فإنّي أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء .

ولمّا فشلوا في جواب عبدالله بن عبّاس قالوا : لا تجعلوا احتجاج قريش حجّة عليكم فإنّ هذا من القوم الذين قال الله عزّوجلّ فيهم : (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [1704].

وقالوا له : أمسك عنّا غرِّب لسانك يابن عبّاس فإنّه طلق ذلق غوّاص على موضع الحجّة » .

وقُتِل عبدالله بن وهب في معركة النهروان بعدما طلب من الإمام مبارزته فقتله أمير المؤمنين (عليه السلام) [1705].

اذ كان قائد جيش الخوارج  عبدالله بن وهب الراسبي  فوقف بين الجمعين ، ثمّ نادى بأعلى صوته : يابن أبي طالب ! حتّى متى يكون هذه المطاولة بيننا وبينك ؟! والله ، لا نبرح هذه العرصة أبداً أو تأبى على نفسك ، فابرز إليّ حتّى أبرز إليك وذر الناس جانباً .

فتبسّم علي (عليه السلام)ثمّ قال : قاتله الله من رجل ما أقلّ حياءه ! أما إنّه ليعلم أنّي حليف السيف وجديل الرمح ، ولكنّه أيّس من الحياة ، أو لعلّه يطمع طمعاً كاذباً .

قال : وجعل عبدالله يجول بين الصفّين وهو يرتجز ويقول :

أنا ابن وهب الراسبي الثاري *** أضرب في القوم لأخذ الثار

حتّى تزول دولة الأشرار *** ويرجع الحقّ إلى الأخيار

ثمّ حمل فضربه علي (عليه السلام)ضربة ألحقه بأصحابه [1706].

 

حرقوص بن زهير (ذو الثدية)

ثمّ حمل ذو الثُدَيّة ليقتل علياً (عليه السلام) ، فسبقه علي (عليه السلام)وضربه ففلق البيضة ورأسه ، فحمله فرسه فألقاه في آخر المعركة في جُرْف دالية على شطّ النهروان [1707].

وبعث الإمام علي (عليه السلام)الأسود بن يزيد المرادي في ألفي فارس ، حتّى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمائة فارس من خيلهم ... وأقبلت الخوارج ، فلمّا أن دنوا من الناس نادوا يزيد بن قيس فكان يزيد بن قيس على إصبهان فقالوا : يايزيد بن قيس لا حكم إلاّ لله وإن كرهت إصبهان ، فناداهم عبّاس بن شريك وقبيصة بن ضُبيعة العبسيان ياأعداء الله ، أليس فيكم شُريح بن أوفى المسرف على نفسه ؟ هل أنتم إلاّ أشباهه ؟!

قالوا : وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة وفينا توبة ؟

ثمّ تنادوا : الرواح الرواح إلى الجنّة ! فشدّوا على الناس والخيل أمام الرجال  ، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم ، وافترقت الخيل فرقتين : فرقة نحو الميمنة ، وأُخرى نحو الميسرة ، وأقبلوا نحو الرجال ، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل ، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف ، فوالله ما لبّثوهم أن أناموهم .

ثمّ إنّ حمزة بن سنان صاحب خيلهم لمّا رأى الهلاك ، نادى أصحابه أن انزلوا  ، فذهبوا لينزلوا فلم يتقارّوا حتّى حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي ، وجاءتهم الخيل من نحو علي (عليه السلام) فأُهمِدوا في الساعة [1708]كأنّما قيل لهم : موتوا فماتوا [1709].

 

ثقافة ذي الثدية الاعرابية

كان الخوارج جهلاء بالإسلام وغير عقلاء وغير متحضّرين .

قال ذو الثدية المنافق للنبي (صلى الله عليه وآله) : والله ما تعدل .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) مغضباً : ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل ؟

وهمَّ الصحابة أن يقتلوه فمنعهم النبي (صلى الله عليه وآله) وحكى لهم صورة عن مستقبله وأنبأهم بأنّه ورفاقه بعيدون عن الحقّ قائلا : « سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه » .

وقال (صلى الله عليه وآله) : إنّه يخرج هذا في أمثاله وفي أشباهه وفي ضربائه يأتيهم الشيطان من قبل دينهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يتعلّقون من الإسلام بشيء .وبعد حديث الإمام (عليه السلام) مع الخوارج عاد الكثير منهم إلى صفوف جيشه منهم شبث بن ربعي وعبدالله بن الكوّاء وحرقوص هو الذي قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة حنين : اعدل يامحمّد [1710]!وكان قد أمره عمر بن الخطّاب بقمع التمرّد الذي قام به الهرمزان في خوزستان  ، فنجح في مهمّته [1711].

وشارك في الثورة على عثمان . وهمّ أصحاب الجمل بقتله ، لكنّه استطاع الفرار من أيديهم [1712].وان عنصر النفاق والمروق من الدين بارزاً في مظهره فهو بذئ اللسان وسئ السريرة وقبيح الطالع ، يشكّك في الأنبياء والمرسلين ويعتقد بأفضليّته عليهم .

وهو من أصحاب النهروان [1713]، لكنّه كان على رجّالتهم في تلك المعركة [1714]. ثمّ قتله الإمام (عليه السلام)فيها [1715].

 

العثور على جسد ذي الثدية

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخبر بهلاكه في النهروان  . وبعد معركة النهروان قال الإمام (عليه السلام): اطلبوه ، فلم يجدوه ، فقال (عليه السلام)مؤكّداً : ارجعوا ، فوالله ما كَذبتُ ولا كُذِّبتُ مرّتين أو ثلاثاً ثمّ وجدوه في خربة [1716].

قال أبو كثير مولى الأنصار : كنت مع سيّدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث قتل أهل النهروان ، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم .

فقال علي (عليه السلام): ياأيها الناس ! إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد حدّثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثمّ لا يرجعون فيه أبداً حتّى يرجع السهم على فوقه ، وإنّ آية ذلك أنّ فيهم رجلا أسود مُخدَج [1717] اليد ، إحدى يديه كثدي المرأة ، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه ، فإنّي أراه فيهم .

فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى ، فأخرجوه .

فكبّر علي (عليه السلام)فقال : الله أكبر ، صدق الله ورسوله ، وإنّه لمتقلّد قوساً له عربية  ، فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مُخدجته ويقول : صدق الله ورسوله ، وكبّر الناس حين رأوه واستبشروا ، وذهب عنهم ما كانوا يجدون [1718].

الكل انتظر مقتل ذي الثدية طبقاً لحديث النبي (صلى الله عليه وآله) فكان العثور على جسد ذي الثدية مقتولا بيد رجال الإمام علي (عليه السلام) آية أُخرى من آيات النبوّة العديدة حدثت بعد ثلاثين سنة على شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 

الفصل الثالث: مرض العصيان

عصيان الخوارج المستمر

واستمرّ الخوارج في العصيان والفوضى وإثارة النعرات الطائفية وقتل المسافرين .

فخرج أشرس بن عوف الشيباني في الدسكرة بمائتين وسار إلى الأنبار .

فوجّه إليه الإمام (عليه السلام)الأبرش بن حسان في ثلاثمائة فقتله في ربيع الأوّل سنة 38هـ .

وخرج بعده هلال بن علّفة من تيم الرباب فأتى ماسبذان (مدينة في محافظة لرستان الايرانية) فوجّه إليه الإمام علي (عليه السلام) معقل بن قيس الرباحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين وذلك في شهر جمادى الأُولى .

ثمّ خرج الأشهب بن بشر في مائة وثمانين رجلا فجاء أرض المعركة التي أُصيب فيها هلال وأصحابه فصلّى عليهم ودفن من قدر عليه منهم .

فوجّه إليهم علي (عليه السلام)جارية بن قدامة السعدي ، وقيل : حجر بن عدي ، فأقبل إليهم الأشهب ، فاقتتلا بجرجرايا [1719]من أرض جوخا [1720]، فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين .

وكان الخوارج يجوبون البلاد لإغفال المسلمين تحت راية لا حكم إلاّ لله .

ثمّ خرج سعيد بن قفل التيمي ـ من تيم الله بن ثعلبة ـ في رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل فأتى درزنجان [1721]ـ وهي من المدائن على فرسخين ـ فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين .

ثمّ خرج أبو مريم السعدي التميمي ، فأتى شهرزور [1722]، وأكثر من معه من الموالي ، وقيل : لم يكن معه من العرب غير ستّة نفر هو أحدهم ، واجتمع معه مائتا رجل ، وقيل : أربعمائة ، وعاد حتّى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة .

فأرسل إليه علي (عليه السلام)يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة ، فلم يفعل ، وقال : ليس بيننا غير الحرب .

فبعث إليه علي (عليه السلام)شريح بن هانئ في سبعمائة ، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا ، وبقي شريح في مائتين ، فانحاز إلى قرية ، فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة .

فخرج علي (عليه السلام)بنفسه وقدّم بين يديه جارية بن قدامة السعدي ، فدعاهم جارية إلى طاعة علي (عليه السلام)وحذّرهم القتل فلم يجيبوا ، ولحقهم علي (عليه السلام) أيضاً فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه ، فقتلهم أصحاب علي (عليه السلام) ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم .

وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى ، فأمر علي (عليه السلام) بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتّى برؤوا ، وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين ; وكانوا من أشجع من قاتل من الخوارج ، ولجرأتهم قاربوا الكوفة [1723].

ورغم أعمالهم العبثية وقتلهم الناس على العصبية كان الإمام (عليه السلام) يعتني بجرحاهم ويهديهم إلى الحقّ بأخلاق عالية [1724] .

 

عصيان الخريت الخارجي

وكان الخرّيت شهد وأصحابه مع علي (عليه السلام) صفّين ، وجاء إلى علي (عليه السلام)في ثلاثين راكباً من أصحابه ، يمشي بينهم حتّى قام بين يدي علي (عليه السلام)فقال له : والله لا أُطيع أمرك ، ولا أُصلّي خلفك ، وإنّي غداً لمفارق لك . قال : وذاك بعد وقعة صفّين ، وبعد تحكيم الحكمين .

فقال له علي (عليه السلام): ثكلتك أُمّك ! إذن تنقض عهدك ، وتعصي ربّك ، ولا تضرّ إلاّ نفسك ! أخبرني لِمَ تفعل ذلك ؟

قال : لأنّك حكّمت في الكتاب ، وضعفت عن الحقّ إذ جدّ الجِدّ ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك رادّ ، وعليهم ناقم ، ولكم جميعاً مباين .

فقال له علي (عليه السلام): ويحك ! هلمّ إليّ أُدارسك الكتاب ، وأُناظرك في السنن ، وأُفاتحك أُموراً من الحقّ أنا أعلم بها منك ، فلعلّك تعرف ما أنت له الآن منكر ، وتستبصر ما أنت به الآن عنه عم وبه جاهل .

فقال الخرّيت : فإنّي عائد عليك غداً ، فقال له علي (عليه السلام) : اغدُ ولا يستهوينّك الشيطان ، ولا يتقحّمنّ بك رأي السوء ، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون ، فوالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منّي لأهدينّك سبيل الرشاد ، فخرج الخرّيت من عنده منصرفاً إلى أهله .

قال عبدالله بن قعين : فعجّلت في أثره مسرعاً ، وكان لي من بني عمّه صديق ، فأردت أن ألقى ابن عمّه في ذلك ، فأُعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين ، وما ردّ عليه ، وآمر ابن عمّه ذلك أن يشتدّ بلسانه عليه ، وأن يأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ، ويخبره أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة .

قال : فخرجت حتّى انتهيت إلى منزله وقد سبقني ، فقمت عند باب داره وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي (عليه السلام) ، فوالله ما رجع ولا ندم على ما قال لأمير المؤمنين وما ردّ عليه ، ثمّ قال لهم : ياهؤلاء ! إنّي قد رأيت أن أُفارق هذا الرجل ، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أراني إلاّ مفارقه ، فقال أكثر أصحابه : لا تفعل حتّى تأتيه ، فإن أتاك بأمر تعرفه قبله منه ، وإن كانت الأُخرى فما أقدرك على فراقه ! فقال لهم : نِعْمَ ما رأيتم .

قال : ثمّ استأذنت عليهم فأذنوا لي ، فأقبلت على ابن عمّه وهو مدرك بن الريّان الناجي ، وكان من كبراء العرب ، فقلت له : إنّ لك عليَّ حقّاً لإخائك وودّك ، ولحقّ المسلم على المسلم ; إنّ ابن عمّك كان منه ما قد ذكر لك ، فاخلُ به واردد عليه رأيه ، وعظّم عليه ما أتى ، واعلم أنّني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتلك ونفسه وعشيرته .

ولمّا طلبوا من الإمام (عليه السلام) أن يسجنه قال (عليه السلام) لو فعلنا هذا لكلّ من نتّهمه من الناس ملأنا السجون منهم ، ولا أراني يسعني الوثوب على الناس والحبس لهم وعقوبتهم حتّى يظهروا لنا الخلاف [1725].

وخرج الخرّيت بن راشد الناجي في جماعة من أصحابه ، فجرّدوا السيوف بالكوفة ، فقتلوا جماعة ، وطلبهم الناس ، فخرج الخرّيت وأصحابه من الكوفة ، فجعلوا لا يمرّون ببلد إلاّ انتهبوا بيت ماله حتّى صاروا إلى سيف عمان .

وكان علي (عليه السلام)قد وجّه الحلو بن عوف الأزدي عاملا على عمان ، فوثبت به بنو ناجية فقتلوه ، وارتدّوا عن الإسلام ، فوجّه علي (عليه السلام) معقل بن قيس الرياحي إلى البلد ]عمان [، فقتل الخرّيت بن راشد وأصحابه ، وسبى بني ناجية [1726].

 

السياسة الشرعية في جرحى وغنائم الخوارج

بعد انتصار الإمام علي (عليه السلام) على الخوارج في حرب النهروان طلب الإمام (عليه السلام)من به رمق منهم فوجدوهم أربعمائة رجل .

فأمر بهم علي (عليه السلام)فدفعوا إلى عشائرهم قائلا : احملوهم معكم فداووهم ، فإذا برئوا فوافوا بهم الكوفة وخذوا ما في عسكرهم من شيء .

وأمّا السلاح والدواب وما شهدوا عليه الحرب فقسّمه بين المسلمين ، وأمّا المتاع والعبيد والإماء فإنّه حين قدم ردّه على أهله [1727].

 

شمر بن ذي الجوشن

وهو تلميذ المغيرة والاشعرى والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص ولاة عمر وعثمان ،أي هو تلميذ عمر وعثمان .

وهو قاسي وظالم  يقتل على ابسط الامور .

كان شمر بن ذي الجوشن في جيش أمير المؤمنين يوم صفين ، ونقل صاحب كتاب «سفينة البحار» عن كتاب «المثالب» لهشام بن السائب ان أم شمر المحصنة مرّت براعي معزى فواقعها ، فحملت بشمر .

ثم قال صاحب السفينة : لذا قال له الإمام الحسين (عليه السلام) يوم كربلاء : «يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صلياً» [1728].

 

شبث بن ربعي

وهو نسخة من الاشعث ورفيقه فى الحياة واحد تلاميذ الأشعري .

وكان شبث علماً للباطل قال صاحب السفينة عن ابن حجر في كتاب «التقريب» ان شبث بن ربعي كان مؤذن سجاح التي ادعت النبوة ، ثم اظهر الإسلام ، واعان على عثمان ، ثم انضم إلى جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم صفين ، وارتد عليه مع من خرج من الخوارج ، ثم بايع الحسين (عليه السلام)ودعاه الى الكوفة ثم انضم إلى جيش ابن زياد يقاتل الحسين (عليه السلام) في كربلاء وهكذا أفعال متضاربة غير مستقرة على قرار .

 

قول علي (عليه السلام) في الخوارج

قال الإمام علي (عليه السلام): إنّي فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري  .

ولمّا قالوا للإمام (عليه السلام)هلك القوم بأجمعهم قال : « كلاّ والله إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء كلّما نجم منهم قرن قطع ، حتّى يكون آخرهم لصوصاً سلاّبين » [1729].

وقال الإمام عن الجهلة من أمثال الخوارج : « لا ترى الجاهل إلاّ مفرطاً أو مفرِّطاً » [1730].

وقال الإمام (عليه السلام)فيهم : ثمّ أنتم شرار الناس ومن رمى به الشيطان مراميه ، وضرب به تيهه ، وسيهلك فيَّ صنفان ، محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ ، وخير الناس فيَّ حالا النمط الأوسط فالزموه » [1731]. ووصفهم الإمام (عليه السلام): سفهاء الأحلام [1732].

وحينما سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا من الحرورية الخوارج يتهجّد ويقرأ قال : نوم على يقين خير من صلاة على شكّ » [1733].

وقال الإمام (عليه السلام)فيهم : قطع ظهري إثنان عالم متهتّك وجاهل متنسّك [1734].

 

الخوارج في نظر الشرع

سئل الإمام (عليه السلام)عن أهل النهروان [1735]أمشركون ؟

قال : من الشرك فرّوا ، فقيل : ياأمير المؤمنين فمنافقون ؟

قال : المنافقون لا يذكرون الله إلاّ قليلا ، فقيل له : فما هم ؟ قال : قوم بغوا علينا ، فنصرنا الله عليهم [1736].

وقالوا للإمام علي (عليه السلام): ياأمير المؤمنين ، هؤلاء الذين نقاتلهم ، أكفّار هم ؟

فقال علي : من الكفر هربوا ، وفيه وقعوا .

قال : أفمنافقون ؟

فقال علي : إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلا . قال : فما هم ياأمير المؤمنين حتّى أُقاتلهم على بصيرة ويقين ؟

فقال علي (عليه السلام): هم قوم مرقوا من دين الإسلام ، كما مرق السهم من الرميّة ; يقرؤون القرآن فلا يتجاوز تراقيهم ، فطوبى لمن قتلهم أو قتلوه [1737].

قال الإمام (عليه السلام)سلوني قبل أن تفقدوني ، ولن تسألوا بعدي مثلي .

فقام ابن الكوّاء الخارجي فقال : مَن

(الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [1738]؟

قال : منافقوا قريش .

قال : فمن (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [1739]؟

قال (عليه السلام): منهم أهل حَرَوْراء [1740]ـ [1741].

قرأوا بحضرته (عليه السلام): (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاَْخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [1742] فقال علي (عليه السلام): أهل حَرَوْراء منهم [1743].

 

الأشعري مربّي القرّاء الخوارج

القرّاء السطحيون المعرفة ضغطوا على الإمام (عليه السلام) لوقف الحرب تبعاً لمقولتهم لا حكم إلاّ لله ، وضرورة احترام القرآن المرفوع فوق رماح جند الشام ، وألحّوا على الإمام (عليه السلام) بوجوب تعيين مربّيهم أبي موسى الأشعري حكماً من قبل أهل العراق .

فمربّي القرّاء أبو موسى الأشعري في البصرة والكوفة ومؤسّس مذهبهم عمر بن الخطّاب الذي منع عنهم التفسير وصهرهم بمنهجه .

ولمّا خان أبو موسى الأشعري في قضية التحكيم لم يفطن الخوارج إلى بطلان مذهبهم بل ألحّوا في طغيانهم فقالوا للإمام (عليه السلام) : نحن كفرنا بفعلنا هذا وإنّا تائبون منه  ، وأنت كفرت أيضاً فعليك أن تعترف بكفرك وتتوب مثلنا ، وتنكث ما عاهدت عليه معاوية ، وتعود إلى مقاتلته .

فهم في شكّ وجهل رهيبين وهذا واضح في هذه الحادثة : « لمّا هلك أحدهم في النهروان قال : حبّذا الروحة إلى الجنّة .

فقال قائدهم عبدالله بن وهب : ما أدري إلى الجنّة أم النار ؟

فقال رجل من بني أسد كان يرى هذا المشهد : إنّما حضرت اغتراراً بهذا وأراه قد شكّ ، فانعزل بجماعة من أصحابه ومال إلى ناحية أبي أيّوب الأنصاري » .

لذا سمّاهم الإمام الصادق (عليه السلام) بالشكّاك [1744].

وكان قد كثر عدد القرّاء في زمن عمر بن الخطّاب في الشام والكوفة والبصرة والمدينة ويسمّون بالقرّاء أو أصحاب البرانس [1745].

 

هل كان الأشعري مؤسّساً لفرقة الخوارج ؟

قصّة صبيغ تبيّن منع عمر ورجال الحزب القرشي تفسير القرآن وتقتل الساعي لتفسير القرآن .

فصبيغ قتلته الدولة معنوياً وعذّبته عذاباً لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله) مع طلقاء مكّة ومرتكبي الزنا .

فكانت نظرية رجال السقيفة منع تفسير القرآن المتسبّبة في ظهور طائفة القرّاء الجهلة الذين يقرأون القرآن ولا يفهموه .

فتمكّن عمر من تأسيس فرقة القرّاء الحافظة للقرآن والجاهلة بما فيه .

وكان عمر يعلم بظهور هذه الطائفة مستقبلا كأمر حتمي لهذا الجهل المستشري في صفوفها أوّلا .

وثانياً أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) المنذرة من ظهور طائفة المارقين عن الدين من وسط طبقة القرّاء الذين لا يفهمون تفسير القرآن .

وعن الحسن لمّا قدم أبو موسى الاشعري البصرة كتب إليه عمر يقرأ الناس القرآن ؟

فكتب إليه بعدة ناس قرأوا القرآن فحمد الله عمر . ثمَّ كتب إليه في العام القابل بعدَّة هي أكثر من العدَّة الأولى . ثمَّ كتب إليه في العام الثالث . فكتب إليه عمر يحمد الله على ذلك ، وقال : إنَّ بني إسرائيل إنَّما هلكت حين كثرت قرَّاؤهم [1746] .

لقد أدرك عمر ( وهو أحد دهاة العرب ) بأنَّ كثرة القراء يؤدي الى إختلاف الأمّة وهلاكها ! وفعلا حدثت فتنة الخوارج !!

 

ابن الكواء الخارجي

أحد الخوارج العتاة الذين باعوا أنفسهم للشيطان فباعوا دينهم بسعر بخس .

والملاحظ في سيرة ابن الكوّاء الخارجي يلاحظ منهجاً إبليسياً في التعامل مع الأحداث وطرح الأسئلة لا يراد منها الهداية بل يراد بها امتحان الطرف المقابل .

فقال للإمام (عليه السلام): (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [1747].

فيجيبه الإمام الممتحن بقوله تعالى :

(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ) [1748].

وقد جرت بين الإمام (عليه السلام) وابن الكوّاء عدّة مناظرات لم يكن غرض ابن الكوّاء الوقوف على الواقع والتعرّف على الحقّ ، وإنّما غرضه امتحان الإمام وإزعاجه ، ومن بين تلك المناظرات ما يلي :

ابن الكوّاء : أخبرني عن بصير بالليل وبصير بالنهار ؟

وعن أعمى بالليل وأعمى بالنهار .

وعن أعمى بالليل بصير بالنهار .

وعن أعمى بالنهار بصير بالليل ؟

الإمام : « سل عمّا يعنيك ولا تسأل عمّا لا يعنيك . ويلك !

أمّا بصير بالليل وبصير بالنهار : فهو رجل آمن بالرسل والأوصياء الذين مضوا وبالكتب والنبيّين وآمن بالله ونبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله) وأقرّ لي بالولاية ، فأبصر في ليله ونهاره .

وأمّا بصير بالليل أعمى بالنهار : فرجل آمن بالأنبياء والكتب ، وجحد النبي  (صلى الله عليه وآله)وأنكر حقّاً فأبصر بالليل وعمي بالنهار .

وأمّا أعمى بالليل أعمى بالنهار : فرجل جحد الأنبياء والأوصياء والكتب التي مضت ، وأدرك النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يؤمن به ، ولم يقرّ بولايتي ، فجحد الله عزّوجلّ ونبيّه فعمي بالليل وعمي بالنهار .

وأمّا أعمى بالليل وبصير بالنهار ، فرجل جحد الأنبياء الذين مضوا والأوصياء والكتب ، وأدرك محمّداً (صلى الله عليه وآله) فآمن بالله وبرسوله محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وآمن بإمامتي ، وقبل ولايتي ، فعمي بالليل وأبصر بالنهار .

ويلك يابن الكوّاء ! نحن بنو أبي طالب ، بنا فتح الله الإسلام ، وبنا يختمه » [1749].

ولم يكن يبغي ابن الكوّاء في هذه المناظرة الوقوف على الواقع والانتهال من نمير علوم الإمام ، وإنّما كان يبغي التبكيت بالإمام وامتحانه .

كان إمام المتّقين [1750]على المنبر يخطب الناس ويوعظهم ، ويرشدهم إلى طريق الحقّ ، فانبرى إليه ابن الكوّاء فقال له :

أخبرني عن ذي القرنين أنبيّاً كان أم ملكاً ؟ وأخبرني عن قرنيه أمن ذهب كانا أم من فضّة ؟

فأجابه الإمام : « لم يكن نبيّاً ولا ملكاً ، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضّة ، ولكنّه كان عبداً أحبّ الله فأحبّه الله ، ونصح لله فنصح الله له ، وإنّما سمّي « ذا القرنين » لأنّه دعا قومه إلى الله عزّوجلّ فضربوه على قرنه فغاب عنهم حيناً ثمّ عاد إليهم ، فضرب على قرنه الآخر ، وفيكم مثله » [1751].

يعني نفسه الشريفة ، فقد ضربه عمرو بن عبد ودّ على قرنه الأوّل ، وضربه الزنيم الفاجر ابن ملجم ضربة أُخرى على هامته ففلقها ، وكانت بها شهادته .

روى الأصبغ بن نباتة قال : كنت جالساً عند الإمام (عليه السلام) فجاء ابن الكوّاء ، فقال للإمام : مَنِ البيوت في قول الله عزّوجلّ : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) [1752]؟

فقال الإمام (عليه السلام): « نحن البيوت التي أمر الله بها أن تؤتى من أبوابها ، نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منها ، فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ، ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها » .

فقال ابن الكوّاء : (وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيَماهُمْ) [1753]؟

فأجابه الإمام : « نحن أصحاب الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف يوم القيامة بين الجنّة والنار ، ولا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه ، وذلك بأنّ الله عزّوجلّ لو شاء عرّف للناس نفسه حتّى يعرفوه وحده ، ويأتوه من بابه ، ولكنّه جعلنا أبوابه وصراطه وبابه الذي يؤتى منه ، فقال ـ فيمن عدل عن ولايتنا وفضّل علينا غيرنا فإنّهم

(عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) [1754]» [1755].

كان الإمام (عليه السلام)على المنبر يخطب الناس ، فانبرى إليه ابن الكوّاء فقال له : ياأمير المؤمنين ، ما الذاريات ذرواً ؟

قال (عليه السلام): « الرياح » .

ما الحاملات وقراً ؟

قال (عليه السلام): « السحاب » .

ما الجاريات يُسراً ؟

قال (عليه السلام): « السفن » .

ما المقسّمات أمراً ؟

قال (عليه السلام): « الملائكة » .

وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضاً .

قال (عليه السلام): « ثكلتك أُمّك يابن الكوّاء ! كتاب الله يصدّق بعضه بعضاً ، ولا ينقض بعضه بعضاً سل عمّا بدا لك » .

سمعته يقول : (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [1756].

ويقول : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) [1757].

وقال في آية أُخرى : (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [1758].

« يابن الكوّاء ! هذا المشرق وهذا المغرب » . وأومأ إلى جهة المشرق والمغرب  .

« وأمّا قوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) فإنّ مشرق الشتاء على حدة ومشرق الصيف على حدة ، أما تعرف ذلك من قرب الشمس وبعدها ؟

وأمّا قوله : (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ، فإنّ لها ـ أي الشمس ـ ثلاثمائة وستين برجاً ، تطلع كل يوم من برج وتغيب في آخر ، فلا تعود إليه إلاّ من قابل في ذلك اليوم » .

ابن الكوّاء : كم بين موضع قدمك إلى عرش ربّك ؟

قال (عليه السلام): « ثكلتك أُمّك يابن الكوّاء ! سل متعلّماً ولا تسأل متعنّتاً ، من موضع قدمي إلى عرش ربّي أن يقول قائل ـ مخلصاً ـ : لا إله إلاّ الله » .

ما ثواب من قال : لا إله إلاّ الله ؟

« من قال : لا إله إلاّ الله مخلصاً طمست ذنوبه كما يطمس الحرف الأسود من الرقّ الأبيض ، فإن قال ثانية : لا إله إلاّ الله مخلصاً خرقت أبواب السموات وصفوف الملائكة حتّى تقول الملائكة اخشعوا لعظمة الله ، فإذا قال ثالثة : لا إله إلاّ الله ـ مخلصاً ـ تنتهي دون العرش ، فيقول الجليل : لأغفرنّ لقائلك بما كان فيه ، ثمّ تلا قوله تعالى : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [1759]» .

ابن الكوّاء : أخبرني عن قوس قزح ؟

قال (عليه السلام): « لا تقل : قوس قزح ، فإنّ قزحاً اسم شيطان ، ولكن قل : قوس الله إذا بدا يبدو الخصب والريف » .

ابن الكوّاء : أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟

قال (عليه السلام): « عن أي أصحاب رسول الله تسألنىْ ؟ » .

قال ابن الكوّاء : أخبرني عن أبي ذرّ الغفاري ؟

قال (عليه السلام): « سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء ، ذا لهجة أصدق من أبي ذرّ » .

أخبرني عن سلمان الفارسي ؟

« بخ بخ سلمان منّا أهل البيت ، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم ؟ عَلِمَ عِلْمَ الأوّل والآخر » .

أخبرني عن حذيفة بن اليماني ؟

« ذاك أمرؤ علم أسماء المنافقين ، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عالماً » .

أخبرني عن عمّار بن ياسر ؟

« ذاك امرؤ حرّم الله لحمه ودمه على النار أن تمسّ شيئاً منها » .

أخبرني عن نفسك ؟

« كنت إذا سألت أُعطيت ، وإذا سكت ابتدئت » .

أخبرني عن قول الله عزّوجلّ : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاَْخْسَرِينَ أَعْمَالا) [1760]؟

« كفرة أهل الكتاب : اليهود والنصارى ، وقد كانوا على الحقّ فابتدعوا في أديانهم ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً » .

ثمّ نزل الإمام عن المنبر ، وضرب بيده على منكب ابن الكوّاء ، وقال له : « يابن الكوّاء ! ما أهل النهروان منك ببعيد ! » .

فقال ابن الكوّاء : ما أُريد غيرك ، ولا أسأل سواك .

ولم تمض الأيّام حتّى كان ابن الكوّاء في مقدّمة المحاربين للإمام يوم النهروان ، فقيل له : بالأمس تسأل أمير المؤمنين وأنت اليوم تقاتله ؟

وانبرى إليه رجل فطعنه برمحه فهلك عدوّ الله [1761].

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه :

« سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله عزّوجلّ ، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ونهار إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلّمني تأويلها » .

فقام إليه ابن الكوّاء فقال له : فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟

قال (عليه السلام): « كان رسول الله ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه حتّى أقدم عليه ، فإذا قدمت عليه فيقرأنيه ، ويقول لي : ياعلي ، أنزل الله عليَّ بعدك كذا وكذا ، وتأويله كذا وكذا ، فيعلّمني تنزيله وتأويله » [1762].

 

الدلائل والعبر

ابتدع عمر صلاة التراويح جماعة وحرّمها الإمام علي (عليه السلام) رعاية لمدرسة القانون ، وضجّ الناس في الكوفة وبكوا على صلاة التراويح ، فقال علي (عليه السلام): دعوهم وما يريدون [1763].

وقد ضجّ الناس عند اغلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبوابهم وأبقى باب علي (عليه السلام) [1764].

فثقافة صلاة التراويح أوجدها عمر في ليالي شهر رمضان وتعوّد عليها الناس إلى حدّ إصرارهم عليها رغم معرفتهم كونها بأوامر عمرية غير نبوية .

وهؤلاء هم القرّاء الذين أصرّوا على قول لا حكم إلاّ لله ، الذي لا يعرفون مغزاه  .

وسمح الامام لهؤلاء باقامة تلك الصلاة البدعة ولم يقتلهم ولم يسجنهم بل أعطاهم حرية كاملة في عباداتهم وأقوالهم .

وهذه الحرية لم تكن موجودة في زمن أبى بكر وعمر وعثمان، اذ ملا رجال السقيفة فم الحباب بن المنذر (أحد زعماء الانصار)تراباً فى السقيفة لمخالفته بيعة أبى بكر .

وعلّم الحزب القرشي الناس على ثقافتهم في عدم احترام محمّد (صلى الله عليه وآله)وعلي  (عليه السلام)ومخالفة القانون الإسلامي .

لذا قال علي (عليه السلام): اللهمّ إنّي أستعينك على قريش ومن أعانهم فإنّهم قطعوا رحمي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي [1765].

والخوارج حركة خارجة عن الإطار الإسلامي وبعيدة عن جوهره وروحه .

وهي مخالفة لتعاليم النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) وعن وصاياه الخالدة .

فالنبي محمّد (صلى الله عليه وآله) أوصى بتفسير القرآن الكريم وألحّ على هذا الباب ليصل المسلمون إلى غاياتهم في فهم كتاب الله تعالى والحصول على المعارف الإلهية .

لكنّ أبا بكر منع هذا الباب طبقاً لنظرية وضعها رجال السقيفة .

وعندما جاء عمر بن الخطّاب إلى السلطة اشتدّ في هذا الباب فعاقب عقوبات صارمة كلّ من سأل عن تفسير القرآن وعلى رأس هؤلاء صبيغ .

فعقوبة الدولة لصبيغ كانت من الشدّة بمكان بحيث تمنّى الموت على الحياة .

وحذّر عبدالله بن عبّاس عمر من هذا التوجّه الداعي إلى إبقاء القراءة القرآنية ومنع التفسير مستشهداً بما حلّ باليهود في هذا المجال .

لكنّ عمر استمرّ في هذا المجال مع إدراكه لخطورته ، وأوصى الأشعري بإبقاء مسيرة القرّاء كما هي دون تفسير قرآني .

فأصبحت النتيجة ، تجمّع الآلاف من القرّاء في البصرة والكوفة يقرأون القرآن كثيراً ولا يفهمون ما فيه وهذه المجموعة الغوغاء كثر ادّعاؤها في الدين مع فراغ بيّن في المعرفة .

ولمّا رفع عمرو بن العاص المصاحف على الرماح في صفّين أصرّ هؤلاء على التحكيم إلى كتاب الله وعددهم أكثر من عشرين الف مقاتل .

هذا هو إصرارهم الأوّل . وإصرارهم الثاني كان على تولية مربّيهم الأشعري في قضية التحكيم ، لأنّه هو الذي ربّاهم وشجّعهم على هذا الطريق بأمر عمر .

فكان هذا هو الخطأ الثاني لهم في منهجيّتهم المنحرفة .

والجدير بالذكر أنّ أبا موسى الأشعري مثلما ربّاهم على الولع بالقراءة القرآنية بعيداً عن التفسير النبوي للقرآن ربّاهم على بغض أهل بيت محمّد وعدم أهميّتهم .

فنظرية النبي (صلى الله عليه وآله) تمثّلت في : إنّي تارك فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي .

ونظرية عمر وصحبه تمثّلت في : حسبنا كتاب الله .

فنشأ القرّاء على نظرية عرجاء خالية من أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله) ولطول فترة حكم الفسقة في البصرة والكوفة فقد عظمت المصيبة .

إذ حكم في هذين المصرين المهمّين المغيرة والأشعري والوليد بن عقبة اليهودي وسعيد بن العاص وعبدالله بن عامر الأُموي .

وهؤلاء الزموا الناس هناك بالقراءة الخاوية بعيداً عن الحديث النبوي ، فنشأت طوائف الناكثين والقاسطين والمارقين [1766].

فالناكثون لم يعد عندهم فرق بين حكم عثمان وعلي (عليه السلام) مع أنّ عثمان ارتكب الموبقات وقتل الصحابة دون ذنب ولم يخطأ علي (عليه السلام) .

وعندما خاطب الإمام علي (عليه السلام) الخوارج وبيّن لهم الحقيقة عاد الكثير منهم إلى الصفّ الإسلامي وبقيت آلاف قليلة .

ورغم مقتل هذه العدّة في النهروان بقيت ثقافة الخوارج في المجتمع الإسلامي ، وانتشرت بذور هذه الثقافة في العراق وايران وافريقيا .

وراح ضحيّة هذه الموجات الشاذّة الكثير من الأبرياء وأحدثت عصبيات مقيتة في وسط المسلمين .

وحركة الوهّابية نشأت في ساحة الثقافة الخارجية تلك وإعلانها نفس إعلان السقيفة : حسبنا كتاب الله . وتسير على مشروعها في تكفير الآخرين وتمجيد نفسها  .

والمتدبّر في مطاليب الخوارج يدرك عقم غاياتهم وضحالة ثقافتهم وتزلزل إيمانهم  . فلم يطالبوا الإمام (عليه السلام) بعزل وال أو إرجاع مال أو معاقبة ظالم .

وعادة الانتفاضات والحروب تقوم لمطاليب مادّية أو معنوية ممكنة وعقلائية  .

وفي الثورة الإسلامية المعارضة لأعمال عثمان طالب الثوّار بعزل الولاة الفسقة كسعيد بن العاص وعبدالله بن أبي سرح والي مصر وعبدالله بن عامر والي البصرة وعزل وزيره الفاسق مروان بن الحكم .

ولو استجاب عثمان لبعض مطاليبهم لأنحلّت عرى الثورة ، لكنّه لم يتراجع عن أمر واحد ... فقتله الثوّار .

ومن الأُصول الإسلامية مراعاة الحاكم للرعية في مطاليبها وإعطائها حقوقها وتطبيق العدالة في صفوفها .

ولمّا خطب الإمام علي (عليه السلام) الخوارج وفنّد مزاعمهم وأسقط حججهم تراجع الآلاف منهم إلى صفوف المسلمين .

وفي أيّامنا هذه يرفع الكثير من العلمانيين شعارات الخوارج بصور شتّى وألوان مختلفة بعيداً عن العقل والحكمة .

واستغلّ اليهود والصليبيون هذه الثغرة لقتل كلّ مسلم مطالب بحقوقه تحت راية الإرهاب .

ولا تتمكّن أي مجموعة استغلال الظروف الزمانية والمكانية لتحطيم الشعوب والأُمم الأُخرى تحت عناوين شتّى .

فعلى المسلمين الاتّحاد والتمسّك بالدين والقيادة الإسلامية وعدم السماح للأعداء باللعب بمقدّراتهم مهما كانت الظروف .

ولا يجوز لأي دولة أو جماعة نصب نفسها قيّمة على البلدان والأُمم الأُخرى  .

ولا يحيا الاسلام الا بالثقلين القرآن وأهل البيت .

 

الباب الثالث : الغارات الهمجية

الفصل الاول : غارة ابن الحضرمي على البصرة

وتشجّع معاوية بن أبي سفيان بعد احتلاله مصراً لإرسال الجيوش إلى الولايات التابعة للإمام علي (عليه السلام)لاحتلالها وضمّها إلى مملكته فأرسل ابن الحضرمي إلى البصرة .

وفي البصرة أعداء الإمام علي (عليه السلام) ممّن حاربوا في معركة الجمل في صفوف عائشة .

فنزل ابن الحضرمي في قبيلة بني تميم ، وكان ابن عباس قد ذهب إلى الكوفة ووكل زياد بن أبيه .

فأرسل زياد إلى حصين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال : أنتم يامعشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون فامنعوني حتّى يأتيني رأي أمير المؤمنين (عليه السلام).

فقال حصين نعم ، وتردّد مالك .

فلمّا رأى زياد ذلك أرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني طالباً أن يجيره .

قال : بلى إن حملته إليّ ونزلت داري .

قال : فإنّي حامله ، فحمله وخرج زياد حتّى أتى الحدّان ونزل في دار صبرة بن شيمان ، وحوّل بيت المال والمنبر فوضعه في مسجد الحدّان ، وتحوّل مع زياد خمسون رجلا منهم أبو أبي حاضر .

وكان زياد يصلّي الجمعة في مسجد الحدّان ويطعم الطعام .

فقال زيد لجابر بن وهب الراسبي : ياأبا محمّد إنّي لا أرى ابن الحضرمي يكفّ  ، ولا أراه إلاّ سيقاتلكم ، ولا أدري ما عند أصحابك فآمرهم وانظر ما عندهم  ، فلمّا صلّى زياد جلس في المسجد ، واجتمع الناس إليه فقال جابر : يامعشر الأزد ، تميم تزعم أنّهم هم الناس وأنّهم أصبر منكم عند البأس ، وقد بلغني أنّهم يريدون أن يسيروا إليكم حتّى يأخذوا جاركم ويخرجوه من المصر قسراً ، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين ؟!

فقال صبرة بن شيمان ، وكان مفخّماً : إن جاء الأحنف جئت ، وإن جاء الحُتات جئت ، وإن جاء شُبّان ففينا شبّان .

فكان زياد يقول : إنّني استضحكت ونهضت ، وما كدت مكيدة قطّ كنت إلى الفضيحة بها أقرب منّي للفضيحة يومئذ لما غلبني من الضحك .

قال : ثمّ كتب زياد إلى علي (عليه السلام) : إنّ ابن الحضرمي أقبل من الشام فنزل في دار بني تميم ، ونعى عثمان ودعا إلى الحرب وبايعته تميم وجلّ أهل البصرة ، ولم يبق معي من أمتنع به ، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان ، وتحوّلت فنزلت معهم ، فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي .

فوجّه علي أعين بن ضُبيعة المجاشعي ليفرّق قومه عن ابن الحضرمي ، فانظر ما يكون منه ، فإن فرّق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد ، وإن ترقّت بهم الأُمور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم ، فإن رأيت ممّن قِبلك تثاقلا وخفت أن لا تبلغ ما تريد ، فدارهم وطاولهم ثمّ تسمّع وأبصر ، فكأنّ جنود الله قد أظلّتك تقتل الظالمين .

فقدم أعين فأتى زياداً فنزل عنده ، ثمّ أتى قومه وجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمي ، فدعاهم فشتموه وناوشوه فانصرف عنهم ، ودخل عليه قوم فقتلوه .

فلمّا قتل أعين بن ضبيعة أراد زياد قتالهم ، فأرسلت بنو تميم إلى الأزد : إنّا لم نعرض لجاركم ولا لأحد من أصحابه ، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا ؟ فكرهت الأزد القتال وقالوا : إن عرضوا لجارنا منعناهم ، وإن يكفّوا عن جارنا كففنا عن جارهم فأمسكوا .

وكتب زياد إلى علي (عليه السلام): أنّ أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته ، ثمّ نهض بهم بجدّ وصدق نيّة إلى ابن الحضرمي ، فحثّهم على الطاعة ودعاهم إلى الكفّ والرجوع عن شقاقهم ، ووافقتهم عامّة قوم فهالهم ذلك ، وتصدّع عنهم كثير ممّن كان معهم يمنّيهم نصرته .

وكانت بينهم مناوشة ، ثمّ انصرف إلى أهله فدخلوا عليه فاغتالوه فأُصيب رحم الله أعين ، فأردت قتالهم عند ذلك فلم يخفّ معي من أقوى به عليهم ، وتراسل الحيّان فأمسك بعضهم عن بعض .

فلمّا قرأ علي (عليه السلام)كتابه دعا جارية بن قدامة السعدي فوجّهه في خمسمائة رجل ، وبعث معه شريك بن الأعور   وكتب إلى زياد كتاباً يصوّب رأيه فيما صنع وأمره بمعونة جارية بن قدامة والإشارة عليه ، فقدم جارية البصرة ، فأتى زياداً فقال له : احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك ، ولا تثقنّ بأحد من القوم .

فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي (عليه السلام) ووعدهم ، فأجابه أكثرهم ، فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل ثمّ أحرق عليه الدار وعلى من معه ، وكان معه سبعون رجلا وتفرّق الناس ورجع زياد إلى دار الإمارة ، وكتب إلى علي  (عليه السلام) مع ظبيان بن عمارة (وكان ممّن قدم مع جارية) :

انّ جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي حتّى اضطرّه إلى دار من دور بني تميم في عدّة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار والدعاء إلى الطاعة ، فلم ينيبوا ولم يرجعوا ، فأضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها وهدمت عليهم ، فبُعداً لمن طغى وعصى [1767].

وهكذا انتهت غارة معاوية على البصرة بالخيبة والخسران بيد رجال أقوياء مثل جارية بن قدامة [1768].

 

غارة النعمان بن بشير المنافق

وفي السنة 39هـ فرّق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي (عليه السلام) ، فوجّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر ، وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي (عليه السلام)في ألف رجل ، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلاّ مائة رجل ، فلمّا سمع بالنعمان كتب إلى أمير المؤمنين يخبره ويستمدّه .

فخطب علي (عليه السلام)الناس ، وأمرهم بالخروج إليه ، فتثاقلوا .

وواقع مالك النعمان وجعل جدار القرية في ظهور أصحابه ، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستعينه ، وهو قريب منه ، واقتتل مالك والنعمان أشدّ قتال ، فوجّه مخنف ابنه عبدالرحمن في خمسين رجلا ، فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيفوهم واستقتلوا فلمّا رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء ، وظنّوا أنّ لهم مدداً ، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر .

ولمّا تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك ، صعد علي (عليه السلام) المنبر فخطبهم ، ثمّ قال :

ياأهل الكوفة ! كلّما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلّكم انجحر كلّ امرئ منكم في بيته ، وأغلق عليه بابه انجحار الضبّ في جحره ، والضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه ، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، لا أحرار عند النداء ، ولا إخوان عند النجاء ! ماذا مُنيت به منكم ؟ عُميٌ لا يبصرون ، وبكم لا ينطقون ، وصم لا يسمعون ! إنّا لله وإنّا إليه راجعون [1769].

ويحكم ! اخرجوا إلى أخيكم مالك بن كعب ، فإنّ النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير ، فانهضوا إلى إخوانكم لعلّ الله يقطع بكم من الظالمين طرفاً ! ثمّ نزل .

فلم يخرجوا ، فأرسل إلى وجوههم وكبرائهم ، فأمرهم أن ينهضوا ويحثّوا الناس على المسير ، فلم يصنعوا شيئاً [1770].

والنعمان بن بشير بن سعد كان أبوه أيضاً من المنافقين المعادين لاهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله)، وسار على نهجه النعمان فباع دينه إلى معاوية بن أبي سفيان بثمن بخس .

 

غارة سفيان بن عوف الغامدي

أرسل معاوية بن أبي سفيان في سنة 39هـ ستّة آلاف رجل مع سفيان بن عوف الغامدي قائلا :

إنّي باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة فالزم لي جانب الفرات حتّى تمرّ بهيت [1771] فتقطعها ، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليهم وإلاّ فامض حتّى تغير على الأنبار ، فإن لم تجد بها جنداً فامض حتّى تغير على المدائن ثمّ أقبل إليّ ، واتّق أن تقرب الكوفة ، واعلم أنّك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنّك أغرت على الكوفة ، إنّ هذه الغارات ياسفيان على أهل العراق ترهب قلوبهم وتجرّئ كلّ من كان له فينا هوىً منهم ويرى فراقهم ، وتدعو إلينا كلّ من كان يخاف الدوائر ، وخرِّب كلّ ما مررت به من القرى ، واقتل كلّ من لقيت ممّن ليس هو على رأيك ،

واحرب [1772]الأموال ، فإنّه شبيه بالقتل وهو أوجع للقلوب [1773].

فأتى هيت فلم يجد بها أحداً ، ثمّ أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلي (عليه السلام) تكون خمسمائة رجل وقد تفرّقوا ولم يبق منهم إلاّ مائتا رجل ، وكان سبب تفرّقهم أنّه كان عليهم كميل بن زياد ، فبلغه أنّ قوماً بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت فسار إليهم بغير أمر علي (عليه السلام).

فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب عنها ، فأغضب ذلك علياً (عليه السلام) على كميل ، فكتب إليه ينكر ذلك عليه . وطمع سفيان في أصحاب علي (عليه السلام) لقلّتهم فقاتلهم ، فصبر أصحاب علي (عليه السلام) ثمّ قتل صاحبهم ، وهو أشرس بن حسّان البكري ، وثلاثون رجلا ، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية . وبلغ الخبر علياً فأرسل في طلبهم فلم يدركوا [1774].

وتبعه سعيد إلى عانات فلم يلحقه وأرسل الإمام علي (عليه السلام) معقل بن قيس التميمي فلم يعد حتّى أُصيب الإمام (عليه السلام) [1775].

 

غارة عبدالرحمن بن قباث

وفيها سيّر معاوية عبدالرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شبيب بن عامر ـ جدّ الكرماني الذي كان بخراسان ـ وكان شبيب بنصيبين [1776]، فكتب إلى كميل بن زياد ، وهو بهيت ، يعلمه خبرهم . وذلك في سنة 39هجرية .

فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة فارس ، فأدركوا عبدالرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي ، فقاتلهما كميل وهزمهما ، فغلب على عسكرهما ، وأكثر القتل في أهل الشام ، وأمر أن لا يُتبع مدبر ولا يُجهز على جريح ، وقتل من أصحاب كميل رجلان  .

وكتب إلى علي (عليه السلام)بالفتح فجزاه خيراً ، وأجابه جواباً حسناً ورضي عنه ، وكان ساخطاً عليه ... .

وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأى كميلا قد أوقع بالقوم فهنّأه بالظفر ، وأتبع الشاميين فلم يلحقهم ، فعبر الفرات ، وبثّ خيله ، فأغارت على أهل الشام حتّى بلغ بعلبك [1777].

فوجّه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه ، ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقّة [1778]; فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلاّ استاقها ، ولا خيلا ولا سلاحاً إلاّ أخذه ، وعاد إلى نصيبين وكتب إلى علي (عليه السلام) .

فكتب إليه علي (عليه السلام)ينهاه عن أخذ أموال الناس إلاّ الخيل والسلاح الذي يقاتلون به ، وقال : رحم الله شبيباً ، لقد أبعد الغارة وعجّل الانتصار [1779].

فالإمام علي (عليه السلام)لا يريد حملات جاهلية رعناء كما يفعل معاوية لأنّه يريد نشر الأخلاق الإسلامية الفاضلة لا الوصول إلى النصر بالجور والظلم .

 

غارة عبدالله بن مسعدة

وجّه معاوية في سنة 39هـ أيضاً عبدالله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء [1780]، وأمره أن يُصدِّق من مرّ به من أهل البوادي ، وأن يقتل من امتنع من عطاء صدقة ماله ، ثمّ يأتي مكّة والمدينة والحجاز ، يفعل ذلك ، واجتمع إليه بشر كثير من قومه .

فلمّا بلغ ذلك علياً (عليه السلام)وجّه المسيّب بن نجبة الفزاري ، فسار في ألفي رجل من طي وهمدان حتّى لحق ابن مسعدة بتيماء . فاقتتلوا ذلك اليوم حتّى زالت الشمس قتالا شديداً ، وحمل المسيّب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات ، كلّ ذلك لا يلتمس قتله ويقول له : النجاء النجاء [1781]!

فدخل ابن مسعدة وعامّة من معه الحصن ، وهرب الباقون نحو الشام ، وانتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة ، وحصره ومن كان معه المسيّب ثلاثة أيّام ، ثمّ ألقى الحطب على الباب ، وألقى النيران فيه ، حتّى احترق .

فلمّا أحسّوا بالهلاك أشرفوا على المسيّب فقالوا : يامسيّب ! قومك ! فرقّ لهم ، وكره هلاكهم ، فأمر بالنار فأُطفئت ، وقال لأصحابه : قد جاءتني عيون فأخبروني أنّ جنداً قد أقبل إليكم من الشام ، فانضمّوا في مكان واحد .

فخرج ابن مسعدة في أصحابه ليلا حتّى لحقوا بالشام ، فقال له عبدالرحمن بن شبيب : سِر بنا في طلبهم ، فأبى ذلك عليه ، فقال له : غششت أمير المؤمنين ، وداهنت في أمرهم [1782].

ولو قضى المسيّب على جيش الشام بأكملهم لتصدّعت قوّات معاوية وتقوّت قوّات الإمام (عليه السلام).

الغارات التي أرسلها معاوية صوب العراق والحجاز أعادت المسلمين إلى عهد الجاهلية حيث غزوات الأعراب على بعضهم البعض لسبي النساء وقتل الأطفال وحرق البيوت وسلب الأموال وقتل الأبرياء .

وما كان النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) يقوم بهذه الأعمال الدنيئة المخالفة للإسلام والحضارة  .

وسار الإمام علي (عليه السلام)على نظرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال فلم يحرق الحقول ولم يقتل الأبرياء ولم يسبِ المؤمنات المحصنات .

وكان الناكثون والقاسطون والمارقون قد ساروا على هذه النظرية العقيمة والكافرة للوصول إلى غاياتهم .

 

غارة الضحّاك بن قيس

دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهري ، وقال له : سِر حتّى تمرّ بناحية الكوفة ، وترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه ، وإن وجدت له مسلحة [1783]أو خيلا فأغر عليهما ، وإذا أصبحت في بلدة فأمس في أُخرى ، ولا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها ، فسرّحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جريدة خيل .

فأقبل الضحّاك يأخذ الأموال ، ويقتل من لقي من الأعراب حتّى مرّ بالثعلبية فأغارت  خيله على الحاجّ ، فأخذ أمتعتهم ، ثمّ أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي ـ وهو ابن أخي عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)ـ فقتله في طريق الحاجّ عند القطقطانة [1784]وقتل معه ناساً من أصحابه .

قال أبو روق : فحدّثني أبي أنّه سمع علياً (عليه السلام) وقد خرج إلى الناس وهو يقول على المنبر : ياأهل الكوفة ! اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس ، وإلى جيوش لكم قد أُصيب منها طرف ; اخرجوا فقاتلوا عدوّكم وامنعوا حريمكم ، إن كنتم فاعلين .

قال : فردّوا عليه ردّاً ضعيفاً ، ورأى منهم عجزاً وفشلا فقال :

والله ، لوددت أنّ لي بكلّ مائة منكم رجلا منهم ، ويحكم اخرجوا معي ، ثمّ فِرّوا عنّي إن بدا لكم ، فوالله ما أكره لقاء ربّي على نيّتي وبصيرتي ، وفي ذلك رَوح لي عظيم ، وفرج من مناجاتكم ومقاساتكم ومداراتكم مثل ما تدارى البكار العَمِدة ، والثياب المتهتّرة ، كلّما خيطت من جانب تهتّكت على صاحبها من جانب آخر ، ثمّ نزل . فخرج يمشي حتّى بلغ الغريين [1785]، ثمّ دعا حجر بن عدي الكندي من خيله فعقد له راية على أربعة آلاف ، ثمّ سرّحه [1786].

فخرج حتّى مرّ بالسماوة ، فلم يزل مغذاً في ملاحقة الضحّاك حتّى لقيه بناحية تدمر فاقتتلوا ساعة . فقتل من أصحاب الضحّاك تسعة عشر رجلا وقتل من أصحاب حجر رجلان فمضى الضحّاك . فلمّا أصبحوا لم يجدو له ولأصحابه أثراً [1787].

 

غارة بسر بن أرطأة

ثمّ أرسل معاوية بسر بن أرطأة في جيش فساروا من الشام حتّى قدموا المدينة ، وعامل علي (عليه السلام)على المدينة يومئذ أبو أيّوب الأنصاري ، ففرّ منهم أبو أيّوب فأتى علياً بالكوفة .

ودخل بسر المدينة ، فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد ، فنادى على المنبر : يادينار ، ويانجّار ، ويازريق ، شيخي شيخي ! عهدي به بالأمس ، فأين هو ! يعني عثمان . ثمّ قال : ياأهل المدينة ! والله ، لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته ، ثمّ بايع أهل المدينة .

وأرسل إلى بني سلمة ، فقال : والله ، ما لكم عندي من أمان ، ولا مبايعة حتّى تأتوني بجابر بن عبدالله . فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لها : ماذا ترين ؟ إنّي قد خشيت أن أُقتل ، وهذه بيعة ضلالة .

قالت : أرى أن تبايع ; فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع ، وأمرت ختني عبدالله بن زمعة ـ وكانت ابنتها زينب ابنة أبي سلمة عند عبدالله بن زمعة فأتاه جابر فبايعه .

فخافه أبو موسى أن يقتله  ، فقال له بسر : ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)ذلك ، فخلّى عنه .

وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن : إنّ خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس ، تقتل من أبى أن يقرّ بالحكومة .

قالت : إذاً فبايع ; فإنّ التقيّة حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصُّلُب ، ويحضرون الأعياد مع قومهم .

وهدم بسر دوراً بالمدينة ، ثمّ مضى حتّى أتى مكّة ، ثمّ مضى حتّى أتى اليمن .

وبلغ علياً الخبر ، فقام خطيباً فقال : أيّها الناس ! إنّ أوّل نقصكم ذهاب أُولي النُّهى والرأي منكم ; الذين يحدّثون فيصدقون ، ويقولون فيفعلون ، وإنّي قد دعوتكم عوداً وبدءاً ، وسرّاً وجهراً ، وليلا ونهاراً ; فما يزيدكم دعائي إلاّ فراراً ، ما ينفعكم الموعظة ولا الدعاء إلى الهدى والحكمة .

أما والله ، إنّي لعالم بما يصلحكم ، ولكن في ذلك فسادي ، امهلوني قليلا ، فوالله ، لقد جاءكم من يحزنكم ويعذّبكم ويعذّبه الله بكم .

إنّ من ذلّ الإسلام وهلاك الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجيبون ، وأدعوكم ، وأنتم لا تصلحون ، فتراعون ، هذا بسر قد صار إلى اليمن وقبلها إلى مكّة والمدينة .

فقام جارية بن قدامة السعدي فقال : ياأمير المؤمنين ! لا عدمنا الله قربك ، ولا أرانا فراقك ، فنعم الأدب أدبك ، ونعم الإمام والله أنت ، أنا لهؤلاء القوم فسرِّحني إليهم !

قال : تجهّز ; فإنّك ما علمتك رجل في الشدّة والرخاء ، المبارك الميمون النقيبة  . ثمّ قام وهب بن مسعود الخثعمي فقال : أنا أنتدب ياأمير المؤمنين .

قال : انتدب ، بارك الله عليك .

فخرج جارية في ألفين ، ووهب بن مسعود في الفين ، وأمرهما علي (عليه السلام) أن يطلبا بسراً حيث كان حتّى يلحقاه ، فإذا اجتمعا فرأس الناس جارية .

فخرج جارية من البصرة ، حتّى قدم اليمن ، وقد تنحّى عبيدالله بن عباس عن اليمن ، واستخلف بها عبدالله بن المدان الحارثي ، فأتاه بسر فقتله ، وقتل ابنه مالك بن عبدالله ، وقد كان عبيدالله خلّف ابنيه عبدالرحمن وقثم عند جويرية ابنة قارظ الكنانية ـ وهي أُمّهما ـ وخلّف معها رجلا من كنانة .

فلمّا انتهى بسر إليها دعا ابني عبيدالله ليقتلهما ، فقام الكناني فانتضى سيفه وقال : والله لأُقتلنّ دونهما فأُلاقي عذراً لي عند الله والناس ، فضارب بسيفه حتّى قتل ، وخرجت نسوة من بني كنانة فقلن : يابسر ! هكذا الرجال يقتلون ، فما بال الولدان ؟! والله ما كانت الجاهلية تقتلهم ، والله إنّ سلطاناً لا يشتدّ إلاّ بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء .

فقال بسر : والله ، لقد هممت أن أضع فيكنّ السيف ، وقدّم الطفلين فذبحهما.

وأوصى معاوية بسراً بالقتل والحرق والسطو والتخويف والتدمير ولمّا عاد بسر قَبِل معاوية بن أبي سفيان أعمال بسر وشجّعه قائلا له : الله فعل ذلك لا أنت [1788].

ثمّ جمع بسر أهل نجران فقال : ياإخوان النصارى ! أما والذي لا إله غيره لئن بلغني عنكم أمر أكرهه لأُكثرنّ قتلاكم . ثمّ سار نحو جيشان ـ وهم شيعة لعلي ـ فقاتلهم ، فهزمهم ، وقتل فيهم قتلا ذريعاً ، ثمّ رجع إلى صنعاء .

وسار جارية بن قدامة السعدي حتّى أتى نجران وطلب بسراً ، فهرب منه في الأرض ، ولم يقم له ، وقتل من أصحابه خلقاً ، وأتبعهم بقتل وأسر حتّى بلغ مكّة ، ومرّ بسر حتّى دخل الحجاز لا يلوي على شيء [1789].

وهدف معاوية اعادة الخوف والجاهلية الى المجتمع الاسلامى .

 

جبن قيادات معاوية وشجاعة قيادات الإمام (عليه السلام)

في كلّ غارات معاوية على المدن الإسلامية كانوا يقتلون الأطفال ويسبون النساء ويقتلون على التهمة والشكّ ويسرقون الدواب والأمتعة ويحرقون الأرض والزرع ، في حين لم يسمح الإمام علي (عليه السلام)لأتباعه بهذه الأفعال البربرية الناجمة من الرحم الجاهلي .

فكانوا لا يقتلون أعداءهم إلاّ إذا قاتلوهم ، فهذه هي الأخلاق الفاضلة الراقية التي يدعو إليها الإسلام العظيم .

وكانت قيادات معاوية الغاشمة الظالمة تهرب من جيوش الإمام (عليه السلام) هرباً مخزياً .

فقد هرب النعمان بن بشير بن سعد .

وهرب الضحّاك بن قيس الفهري .

وهرب بسر بن أرطأة هرباً مضحكاً ينمّ عن جبنهم في الحروب .

لكنّهم يستأسدون على النساء والأطفال والعجزة مثلهم مثل سيّدهم معاوية الجبان عن منازلة الرجال والقدير في الدسائس والمؤامرات .

وأخذ جارية بن قدامة السعدي البيعة من أهالي مكّة والمدينة وطلب أبا هريرة المنافق (والي معاوية على المدينة) ليقتله فهرب منه .

فبايع الناس للإمام (عليه السلام).

وكان بسر بن أرطأة الجبان يهرب من جارية ويحرق ما في طريقه فسمّي محرقاً [1790].

وأوصى الإمام علي (عليه السلام)جارية :بتقوى الله ولا تقاتل إلاّ من قاتلك ولا تجهز على جريح ولا تسخرن دابة ، ولا تستأثر على أهل المياه بمياههم ولا تشربنّ إلاّ فضلهم عن طيب نفوسهم ولا تشتمنّ مسلماً أو مسلمة ولا تظلمن معاهداً أو معاهدة .

واسفك الدم في الحقّ واحقنه في الحقّ ومن تاب فاقبل توبته والصدق الصدق فلا رأي لكذوب [1791].

بينما قتل بسر بن أرطأة في طريقه ثلاثين الفاً وحرّق قوماً بالنار وسبى نساءً مسلمات وباعهنّ في السوق .

وأوصى معاوية بسراً بالقتل والحرق والسطو والتخويف والتدمير ولمّا عاد بسر قَبِل معاوية بن أبي سفيان أعمال بسر وشجّعه قائلا له :

الله فعل ذلك لا أنت [1792].

 

الفصل الثاني : ثقافة الغزو والغنائم والتجنيد الاجباري

خطاب الامام في كسل الناس وركونهم الى الراحة

 

قال الإمام علي (عليه السلام)لأهل الكوفة ـ :

«أيّها الناس ! إنّي استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم ] أي أهل الشام [ فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، شهود كالغُيَّب ، أتلو عليكم الحكمة فتُعرضون عنها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، كأنّكم حُمُر مستنفرة فرّت من قَسْوَرة ، وأحثّكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي حتّى أراكم متفرّقين أيادي سبأ ، ترجعون إلى مجالسكم تتربّعون حِلَقاً ، تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار ، وتجسّسون الأخبار ، حتّى إذا تفرّقتم تسألون عن الأسعار ، جَهلةً من غير علم ، وغفلةً من غير روع ، وتتبُّعاً في غير خوف ، نسيتم الحرب والاستعداد لها ، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأعاليل والأباطيل . فالعجب كلّ العجب ! وما لي لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم ، وتخاذلكم عن حقّكم !

ياأهل الكوفة ! أنتم كأُمّ مجالد ، حملت فأملَصت [1793]، فمات قيِّمها ، وطال تأيّمها  ، وورثها أبعدها .

والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إنّ من ورائكم للأعور الأدبر ، جهنّم الدنيا ، لا يُبقي ولا يذر ، ومن بعده النهّاس الفرّاس الجموع المنوع ، ثمّ لَيتوارثنّكم من بني أُميّة عدّة ، ما الآخر بأرأف بكم من الأوّل ، ما خلا رجلا واحداً [1794]، بلاء قضاه الله على هذه الأُمّة لا محالة كائن ، يقتلون خياركم ، ويستعبدون أراذلكم ، ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم [1795]، نقمة بما ضيّعتم من أُموركم ، وصلاح أنفسكم ودينكم .

ياأهل الكوفة ! أُخبركم بما يكون قبل أن يكون ; لتكونوا منه على حذر ، ولتُنذروا به من اتّعظ واعتبر : كأنّي بكم تقولون : إنّ علياً يكذب ، كما قالت قريش لنبيّها (صلى الله عليه وآله)وسيّدها نبي الرحمة محمّد بن عبدالله حبيب الله ، فياويلكم ! أفعلى من أكذب ؟! أعلى الله ؟ فأنا أوّل من عبده ووحّده ، أم على رسوله ؟ فأنا أوّل من آمن به وصدّقه ونصره ! كلاّ ، ولكنّها لهجة خدعة كنتم عنها أغبياء.. [1796]

(لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين) [1797] .

وذلك إذا صيّركم إليها جهلُكم ، ولا ينفعكم عندها علمكم .

فقبحاً لكم ياأشباه الرجال ولا رجال ، حُلوم [1798]الأطفال ، وعقول ربّات الحِجال ، أم والله أيّها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، ما أعزّ الله نصر من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، ولا قرّت عين من آواكم ، كلامكم يوهي الصمّ الصلاب ، وفعلكم يُطمع فيكم عدوّكم المرتاب .

ياويحكم ! أيّ دار بعد داركم تمنعون ! ومع أيّ إمام بعدي تقاتلون ! المغرور ـ والله ـ من غررتموه من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصركم ، ولا أُصدّق قولكم ، فرّق الله بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم ، وأعقبكم من هو شرّ لكم منّي .

إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، والله لوددت أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني واحداً منهم .

والله لوددت أنّي لم أعرفكم ولم تعرفوني ; فإنّها معرفة جرّت ندماً . لقد وَرَيتم صدري غيظاً ، وأفسدتم عليَّ أمري بالخذلان والعصيان ، حتّى لقد قالت قريش : إنّ علياً رجل شجاع لكن لا علم له بالحروب ، لله درّهم ! هل كان فيهم أحد أطول لها مِراساً منّي ! وأشدّ لها مقاساة ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، ثمّ ها أنا ذا قد ذرّفت [1799]على الستّين ، لكن لا أمر لمن لا يُطاع .

أم والله ، لوددت أنّ ربّي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه ، وإنّ المنيّة لترصدني ، فما يمنع أشقاها أن يخضبها ـ وترك يده على رأسه ولحيته ـ عهد عهده إليّ النبي الأُمّي ، وقد خاب من افترى ، ونجا من اتّقى وصدّق بالحسنى .

ياأهل الكوفة ! دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهاراً وسرّاً وإعلاناً ، وقلت لكم : اغزوهم ; فإنّه ما غُزي قوم في عُقر دارهم إلاّ ذلّوا ، فتواكلتم وتخاذلتم ، وثقل عليكم قولي ، واستصعب عليكم أمري ، واتّخذتموه وراءكم ظهريّاً ، حتّى شُنّت عليكم الغارات ، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات تُمسِّيكم وتصبّحكم ، كما فعل بأهل المَثُلات [1800]من قبلكم ، حيث أخبر الله تعالى عن الجبابرة والعتاة الطغاة ، والمستضعفين الغواة ، في قوله تعالى :

(يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) [1801].

أم والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لقد حلّ بكم الذي توعدون .

عاتبتكم ياأهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم ، وأدّبتكم بالدرّة فلم تستقيموا ، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا ، ولقد علمت أنّ الذي يصلحكم هو السيف ، وما كنت متحرّياً صلاحكم بفساد نفسي ، ولكن سيسلّط عليكم من بعدي سلطان صعب ، لا يوقّر كبيركم ، ولا يرحم صغيركم ، ولا يُكرِم عالمكم ، ولا يقسّم الفيء بالسويّة بينكم ، وليضربنّكم ، ويُذلّنّكم ، ويجمّرنّكم [1802] في المغازي ، ويقطعنّ سبيلكم ، وليحجبنّكم على بابه ، حتّى يأكل قويّكم ضعيفكم ، ثمّ لا يبعد الله إلاّ من ظلم منكم ، ولقلّما أدبر شيء ثمّ أقبل ، وإنّي لأظنّكم في فترة ، وما عليَّ إلاّ النصح لكم .

ياأهل الكوفة ! مُنيت منكم بثلاث واثنتين : صُمّ ذوو أسماع ، وبُكم ذوو ألسن ، وعُمي ذوو أبصار ، لا إخوان صدق عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء .

اللهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني ، وسئمتهم وسئموني .

اللهمّ لا تُرض عنهم أميراً ، ولا ترضهم عن أمير ، وأمِث قلوبهم كما يُماث الملح في الماء .

أم والله ، لو أجد بُدّاً من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت ، ولقد عاتبتكم في رشدكم حتّى لقد سئمت الحياة ، كلّ ذلك تراجعون بالهزء من القول فراراً من الحقّ ، وإلحاداً إلى الباطل الذي لا يُعِزّ الله بأهله الدين ، وإنّي لأعلم أنّكم لا تزيدونني غير تخسير ، كلّما أمرتكم بجهاد عدوّكم اثّاقلتم إلى الأرض ، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المَطُول .

إن قلت لكم في القيظ : سيروا ، قلتم : الحرّ شديد ، وإن قلت لكم في البرد : سيروا ، قلتم : القرّ شديد ، كلّ ذلك فراراً عن الجنّة . إذا كنتم عن الحرّ والبرد تعجزون ، فأنتم عن حرارة السيف أعجز وأعجز ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

ياأهل الكوفة ! قد أتاني الصريخ يخبرني أنّ أخا غامد قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف ، فأغار عليهم كما يُغار على الروم والخزَر ، فقتل بها عاملي ابن حسّان وقتل معه رجالا صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة ، بوّأ الله لهم جنّات النعيم ، وأنّه أباحها ، ولقد بلغني أنّ العُصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأُخرى المعاهدة فيهتكون سترها ، ويأخذون القناع من رأسها ، والخُرْصَ من أُذنها ، والأوضاح [1803]من يديها ورجليها وعَضُديها ، والخلخال والمئزر من سُوقِها ، فما تمتنع إلاّ بالاسترجاع والنداء : ياللمسلمين فلا يُغيثها مغيث ، ولا ينصرها ناصر .

فلو أنّ مؤمناً مات من ودن هذا أسفاً ما كان عندي ملوماً ، بل كان عندي بارّاً محسناً .

واعجباً كلّ العجب ، من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن حقّكم ! قد صرتم غرضاً يُرمى ولا ترمون ، وتُغْزَون ولا تَغزون ، ويعصى الله وترضون ، تَرِبت أيديكم ياأشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلّما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب [1804]».

 

ثقافة العصا والمال

أثّر النفاق الداخلي وسط جيش الإمام عليه فضعفت عزيمتهم وخارت قواهم وتوجّهوا للراحة والترف ، وسئموا من فقدان الغنيمة .

قال علي (عليه السلام): يامعشر المهاجرين :

(ادْخُلُوا الاَْرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [1805].

فتلكّؤوا ، وقالوا : البرد شديد ، وكان غزاتهم في البرد .

فقال (عليه السلام): إنّ القوم يجدون البرد كما تجدون .

فلم يفعلوا وأبوا ، فلمّا رأى ذلك منهم قال : أُفٍّ لكم ! إنّها سنّة جرت عليكم [1806].

إذ لمّا كره القوم المسير إلى الشام عقيب واقعة النهروان أقبل بهم أمير المؤمنين  ، فأنزلهم النُّخيلة ، وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم ويوطّنوا على الجهاد أنفسهم ، وأن يُقِلّوا زيارة النساء وأبنائهم حتّى يسير بهم إلى عدوّهم ، وكان ذلك هو الرأي لو فعلوه ، لكنّهم لم يفعلوا ، وأقبلوا يتسلّلون ويدخلون الكوفة ، فتركوه  (عليه السلام) وما معه من الناس إلاّ رجال من وجوههم قليل ، وبقي المعسكر خالياً ، فلا مَن دخل الكوفة خرج إليه ، ولا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة  .

قال نصر بن مزاحم : فخطب الناس بالكوفة ، وهي أوّل خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج ، فقال :

« أيّها الناس ! استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى الله عزّوجلّ ، ودرك الوسيلة عنده ; قوم حيارى عن الحقّ لا يبصرونه موزَعين [1807]بالجور والظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نُكْب عن الدين ، يعمهون [1808]في الطغيان ، ويتسكّعون في غمرة الضلال ، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل وتوكّلوا على الله ، وكفى بالله وكيلا .

قال : فلم ينفروا ولم ينشروا ، فتركهم أيّاماً ، ثمّ خطبهم فقال [1809]: أُفٍّ لكم ! لقد سئمت عتابكم ! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ، وبالذلّ من العزّ خلفاً  ؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم ، كأنّكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة . يُرتَج عليكم حِواري فتعمهون ، فكأنّ قلوبكم مألوسة ، فأنتم لا تعقلون ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، وما أنتم بركن يمال بكم ، ولا زوافر [1810]عزّ يفتقر إليكم . ما أنتم إلاّ كإبل ضلّ رعاتها ، فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر .

لبئس ـ لعمر الله ـ سَعْر نار الحرب أنتم ! تكادون ولا تكيدون ، وتُنْتَقص أطرافكم فلا تمتعضون ، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ، غُلب والله المتخاذلون ! وايم الله إنّي لأظنّ بكم أن لو حَمِس الوغى ، واستحرّ الموت ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس .

والله إنّ امرأً يمكّن عدوّه من نفسه يعرُق لحمه ، ويهشِم عظمه ، ويفري جلده ، لعظيم عجَزُه ، ضعيف ما ضمّت على جوانح صدره .

أنت فكن ذاك إن شئت ; فأمّا أنا فوالله دون أن أُعطي ذلك ضربٌ بالمشرفيّة تطير منه فراش الهام ، وتطيح السواعد والأقدام ، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .

أيّها الناس ، إنّ عليكم حقّاً ، ولكم عليَّ حقٌّ ، فأمّا حقّكم عليَّ فالنصيحة لكم  ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كي لا تجهلوا ، وتأديبكم كيما تعلموا . وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم .

أنتم أُسود الشرى في الدَّعة ، وثعالب روّاغة حين البأس . إنّ أخا الحرب اليقظان ، ألا إنّ المغلوب مقهور ومسلوب » [1811].

فكان جواسيس معاوية في داخل الجيش من أمثال الأشعث يعتذرون بأعذار شتّى طلباً للراحة ومنه أخذ الكثير فالأشعث سعى في جانب النفاق الداخلي وتفتيت الجبهة الداخلية فأولد الخوارج .

ولأنّهم يعيشون في الكوفة فلقد أثّر هذا على الجبهة الداخلية لجيش الإمام  (عليه السلام)والأمر الآخر الذي سعى له الأشعث وأضرابه هو الراحة وطلب السلم . الذي يمنع الناس من الجهاد وتحمّل الحرّ والبرد في سبيل ذلك [1812].

 

شعب لا يصلح إلاّ بالسيف

وقال الإمام علي (عليه السلام): إنّكم والله لكثير في الباحات ، قليل تحت الرايات ، وإنّي لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي .

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يقول للناس بالكوفة : ياأهل الكوفة ، أتروني لا أعلم ما يُصلحكم ؟! بلى ، ولكنّي أكره أن أُصلحكم بفساد نفسي .

وقال الإمام علي (عليه السلام): أيّها الناس ! إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أُممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى مَن بعدهم ، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا [1813]. لله أنتم ! أتتوقّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل [1814]؟

وأضاف (عليه السلام): قد عاتبتكم بدرّتي التي أُعاتب بها أهلي فلم تبالوا ، وضربتكم بسوطي الذي أُقيم به حدود ربّي فلم ترعووا [1815]، أتريدون أن أضربكم بسيفي ؟! أما إنّي أعلم الذي تريدون ويقيم أوَدَكم ، ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي ، بل يسلّط الله عليكم قوماً فينتقم لي منكم ! فلا ندياً استمتعتم بها ، ولا آخرة صرتم إليها ، فبُعداً وسُحقاً لأصحاب السعير [1816].

وقال (عليه السلام): ولقد علمت أنّ الذي يصلحكم هو السيف ، وما كنت متحرّياً صلاحكم بفساد نفسي ، ولكن سيُسلّط عليكم من بعدي سلطان صعب [1817].

وقالوا للإمام (عليه السلام): إنّ أهل العراق لا يصلحهم إلاّ السيف ! فقال : إن لم يصلحهم إلاّ فسادي فلا أصلحهم الله [1818]!

 

موعظة الإمام (عليه السلام) لأهل الكوفة

واستمرّ الإمام (عليه السلام)في تقريعهم ووعظهم إذ قال الإمام (عليه السلام) : أما والذي نفسي بيده ، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم ; ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وإبطائكم عن حقّي . ولقد أصبحت الأُمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي .

استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرّاً وجهراً فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، أشهود كغيّاب ، وعبيد كأرباب ! أتلوا عليكم الحِكَم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، وأحثّكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتّى أراكم متفرّقين أيادي سبأ [1819]، ترجعون إلى مجالسكم ، وتتخادعون عن مواعظكم ، أُقوّكم غُدوة ، وترجعون إليّ عشيّة ، كظهر الحَنِيّة [1820]، عجز المقوّم ، وأعضل المقوَّم .

أيّها القوم الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أُمراؤهم ، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، لوددت الله أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ; فأخذ منّي عشرة منكم ، وأعطاني رجلا منهم !

ياأهل الكوفة ! مُنيت منكم بثلاث واثنتين : صُمٌّ ذوو أسماع وبكمٌ ذوو كلام ، وعُميٌ ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء ! تَرِبت أيديكم ! ياأشباه الإبل غاب عنها رعاتها ! كلّما جُمعت من جانب تفرّقت من آخر ، والله لكأنّي بكم فيما إخالُكم [1821]أن لو حَمِس الوغى ، وحمي الضراب ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قُبُلِها ، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي ، ومنهاج من نبيّي  ، وإنّي لعلى الطريق الواضح أَلقُطَه لَقْطاً [1822].

وأضاف (عليه السلام): ألا ترون يامعاشر أهل الكوفة ، والله لقد ضربتكم بالدرّة التي أعظ بها السفهاء ، فما أراكم تنتهون ، ولقد ضربتكم بالسياط التي أُقيم بها الحدود ، فما أراكم ترعوون ، فما بقي إلاّ سيفي ، وإنّي لأعلم الذي يقوّمكم بإذن الله ، ولكنّي لا أُحبّ أن ألي تلك منكم .

والعجب منكم ومن أهل الشام ، أنّ أميرهم يعصي الله وهم يطيعونه ، وأنّ أميركم يطيع الله وأنتم تعصونه ! إن قلت لكم : انفروا إلى عدوّكم ، قلتم : القرّ يمنعنا ! أفترون عدوّكم لا يجدون القرّ كما تجدونه ؟ ولكنّكم أشبهتم قوماً قال لهم رسول الله  (صلى الله عليه وآله) : انفروا في سبيل الله ، فقال كبراؤهم : لا تنفروا في الحرّ ، فقال الله لنبيّه : (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [1823].

والله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على الكافر ما أحبّني ، وذلك أنّه قضى ما قضى على لسان النبي الأُمّي أنّه لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك كافر ، وقد خاب من حمل ظلماً وافترى  .

يامعاشر أهل الكوفة ! والله لتصبرُنّ على قتال عدوّكم ، أو ليسلّطن الله عليكم قوماً أنتم أولى بالحقّ منهم ، فليعذبنّكم ، وليعذبنّهم الله بأيديكم أو بما شاء من عنده ، أفمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش ؟! فاشهدوا أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : موتة على الفراش أشدّ من ألف ضربة بسيف [1824].

ما أظنّ هؤلاء القوم ـ يعني أهل الشام ـ إلاّ ظاهرين عليكم ، فقالوا له : بماذا ياأمير المؤمنين ؟

قال : أرى أُمورهم قد علت ونيرانكم قد خبت ، وأراهم جادّين وأراكم وانين ، وأراهم مجتمعين وأراكم متفرّقين ، وأراهم لصاحبهم مطيعين وأراكم لي عاصين .

أم والله لئن ظهروا عليكم لتجدنّهم أرباب سوء من بعدي لكم ، لكأنّي أنظر إليهم وقد شاركوكم في بلادكم ، وحملوا إلى بلادهم فيئكم ، وكأنّي أنظر اثليكم تِكِشّون [1825]كشيش الضباب ; لا تأخذون حقّاً ولا تمنعون لله حرمة ، وكأنّي أنظر إليهم يقتلون صالحيكم ، ويُخيفون قرّاءكم ، ويحرمونكم ويحجبونكم ، ويُدنون الناس دونكم ، فلو قد رأيتم الحرمان والأثرة ، ووقع السيف ، ونزول الخوف ، لقد ندمتم وخسرتم على تفريطكم في جهادهم ، وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الخَفْض [1826] والعافية حين لا ينفعكم التذكار [1827].

قال الإمام (عليه السلام): أيّها الناس ! فإنّكم دعوتموني إلى هذه البيعة فلم أردّكم عنها  ، ثمّ بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم إيّاها ، فتوثّب عليَّ متوثّبون ، كفى الله مؤونتهم ، وصرعهم لخدودهم ، وأتعس جدودهم ، وجعل دائرة السوء عليهم .

وبقيت طائفة تُحدِث في الإسلام أحداثاً ; تعمل بالهوى ، وتحكم بغير الحقّ ، ليست بأهل لما ادّعت ، وهم إذا قيل لهم : تقدّموا قدماً ، تقدّموا ، وإذا قيل لهم : أقبِلوا أقبَلوا ، لا يعرفون الحقّ كمعرفتهم الباطل ، ولا يُبطلون كإبطالهم الحقّ .

أما إنّي قد سئمت من عتابكم وخطابكم ، فبيّنوا لي ما أنتم فاعلون ; فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوّي فهو ما أطلب وأُحبّ ، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي عن أمركم أرى رأيي . فوالله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوّكم فتقاتلوهم حتّى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين لأدعونّ الله عليكم ، ثمّ لأسيرنّ إلى عدوّكم ولو لم يكن معي إلاّ عشرة .

أأجلاف أهل الشام وأعرابها أصبر على نصرة الضلال ، وأشدّ اجتماعاً على الباطل منكم على هداكم وحقّكم ؟ ما بالكم ؟ ما دواؤكم ! إنّ القوم أمثالكم لا يُنشرون إن قتلوا إلى يوم القيامة [1828].

وأضاف الإمام علي (عليه السلام): اتّقوا الله عباد الله وتحاثّوا على الجهاد مع إمامكم ; فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر ; إذا أمرتهم أطاعوني ، وإذا استنهضتم نهضوا معي ، لأستغنيت بهم عن كثير منكم ، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه ; فإنّه الجهاد المفروض [1829].

وأضاف الإمام علي (عليه السلام): وددت والله أنّ لي بكلّ عشرة منكم رجلا من أهل الشام وأنّي صرفتكم كما يُصرَف الذهب ، ولوددت أنّي لقيتهم على بصيرتي فأراحني الله من مقاساتكم ومداراتكم كما يُدارى البِكارُ العَمِدة والثياب المنهرئة كلّما خِيطت من جانب تهتّكت من جانب [1830].

وقال : أيّها القوم الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أُمراؤهم . صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، لوددت والله أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ; فأخذ منّي عشرة منكم ، وأعطاني رجلا منهم [1831].

 

أسباب التقاعس في جيش الكوفة

هناك دواعي كثيرة لهذا التهاون :

1 ـ تربية البطش السابقة .

إذ ربّى ابو بكر وعمر وعثمان الناس على القوّة في أخذهم للحرب وسحبهم للجهاد ومن يتخامل منهم يتعرّض للعقوبة .

ولم يرغب الإمام (عليه السلام)في إجبارهم على السيف والعصا لهذا الباب من الجهاد ، واكتفى بالنصيحة والوعظ .

في حين تعوّد جيش العراق على هذه الثقافة غير الإسلامية ! فسلطان الروم يبطش وسلطان المسلمين يبطش كذلك فما الفرق بين الاثنين ؟

2 ـ ثقافة الغنائم وسبي النساء .

تعوّد المسلمون على ثقافة الغنائم فهم فتحوا العراق وغنموا الكثير فيه وفتحوا مصر وغنموا الأموال الطائلة وفتحوا ايران وغنموا كنوز الفرس وهكذا .

في حين كانت حروب الجمل وصفّين والنهروان ليس فيها غنائم لأنّهم مسلمون .

فألحّ جيش الإمام (عليه السلام)عليه في حرب الجمل لسبي نساء وأطفال وأموال أهالي البصرة المسلمين .

ولمّا بيّن لهم الإمام (عليه السلام) بطلان رغبتهم شرعاً أثّر هذا في نفوسهم .

وهذا التأثير العميق تبيّن في الحروب اللاحقة :

ففي حرب صفّين والنهروان لم يحصل أهالي الكوفة على غنائم ولم يتعرّضوا للقوّة لإجبارهم على الحرب أيضاً .

وهذا يختلف عن ثقافتهم السابقة في حروبهم للفتح الإسلامي فلو قسّم الإمام علي (عليه السلام)نساء البصرة ونساء الخوارج على عسكره لفرحوا كثيراً وتحرّكوا نحو الحروب اللاحقة .

فبدأوا يفكّرون في السلم أكثر من تفكيرهم في الحرب الخالية من الغنائم .

ولماذا لا يفكّرون في السلم ما دام الإمام علي (عليه السلام) لا يستخدم السيف في إجبارهم على الحرب . فالإمام يستخدم المشروع الإسلامي بتمامه في حرّية كاملة ودعوة للثواب الأُخروي ومراعاة الشرع وحبس النعرات الجاهلية البالية .

أمّا جيش معاوية فبقيت ثقافته كما هي :

فحملة الضحّاك بن قيس إلى الثعلبية والواقصة وأطراف الكوفة فيها غنائم ، لأنّ معاوية لا يفرّق بين مسلم وكافر في حروبه وغارات النعمان بن بشير على المدائن والأنبار وهيت فيها غنائم مفرحة للجند الغازي . وأباح معاوية المسلمات لهم .

وغارات بسر بن ارطأة على المدينة ومكّة والطائف واليمن واليمامة فيها غنائم كثيرة . كما فيها أفراح دنيوية جاهلية تتمثّل في قتل أعدائهم والثأر من أهليهم كأفعال الجيوش الرومية والكسروية . فلقد قتل بسر بن ارطأة طفلي عبيدالله بن عباس !!

فجيش معاوية ينهض للحرب لهذه الأغراض الدنيوية ويتحمّس لها .

والمتخلّف عن جيش الشام يتعرّض لعقوبات صارمة لا رحمة فيها ولا شفقة .

لذا فجيوش الشام لا تحتاج إلى موعظة للسير للحروب .

 

العطاء الاسلامي للناس  لماذا ؟

كان الناس في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) قد عاصروا نظرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجديدة المتمثّلة في العطاء فكانوا يأخذون العطاء السنوي الكافي لمعيشتهم مقابل أهبتهم للحرب وطاعتهم للجهاد .

وكانوا يكسبون في الحروب الغنائم أيضاً فتوزّع عليهم وأهالي الكوفة كانوا يأخذون العطاء السنوي ويرفضون الطاعة للجهاد !!

وهذا أمر غريب وعجيب فهؤلاء يحبّون الراحة والرفاهية مع العطاء ويريدون الحروب مع الغنائم وأعمال النهب والسلب ولمّا منعهم الإمام (عليه السلام) من الأعمال المحرّمة خلدوا للراحة .

 

دعاء الإمام (عليه السلام) على أهالي الكوفة

وقف علي (عليه السلام)يخطب وقد وضع المصحف على رأسه حتّى تقعقع على رأسه .

فقال : اللهمّ قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه ، اللهمّ قد أبغضتهم وأبغضوني ، ومللتهم وملّوني ، وحملوني على غير خلقي وطبيعتي وأخلاق لم تكن تعرف لي ، اللهمّ فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً منّي ، اللهمّ مثّ [1832] قلوبهم كما يُماثّ الملح في الماء [1833].

أمَ والله لوددت أنّ ربّي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه ، وإنّ المنيّة لترصدني ، فما يمنع أشقاها أن يخضبها ؟ ـ وترك يده على رأسه ولحيته ـ عهد عهده إليّ النبي الأُمّي ، وقد خاب من افترى ، ونجا من اتّقى وصدّق بالحسنى [1834].

وقال (عليه السلام): ياأهل الكوفة ! خذوا أُهبّتكم لجهاد عدوّكم معاوية وأشياعه .

قالوا : ياأمير المؤمنين ، أمهلنا يذهب عنّا القرّ [1835].

فقال : أمَ والله الذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم » .

الملاحظ إنّ السلاطين قبل الإمام (عليه السلام) وبعد الإمام (عليه السلام)كانت تأخذ الرجال للحرب في الشتاء والصيف والجبال والسهول تجنّدهم بالقوّة وتوعدهم الغنائم فكانوا يلتحقون بجيوشهم بسرعة كبيرة .

لكنّ هؤلاء استكانوا إلى الحرّية الكاملة التي أعطاها لهم الإمام وعدم إقدامه على قتلهم فلم يطيعوه في خطبه [1836].

 

آخر خطبة للإمام (عليه السلام)

خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأنّ جبينه ثفنة بعير . فقال (عليه السلام) :

« الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق ، وعواقب الأمر . نحمده على عظيم إحسانه ونيّر برهانه ، ونوامي فضله وامتنانه ، حمداً يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداءً  ، وإلى ثوابه مقرّباً ، ولحسن مزيده موجباً . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطول ، ومذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه موقناً ، وأناب إليه مؤمناً ، وخنع له مذعناً ، وأخلص له موحّداً ، وعظّمه ممجّداً ، ولاذ به راغباً مجتهداً .

لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركاً ، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً . ولم يتقدّمه وقت ولا زمان . ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم .

فمن شواهد خلقه خلق السموات موطّدات بلا عَمَد ، قائمات بلا سَنَد . دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات ولا مبطِئات . ولولا إقرارهنّ له بالربوبية وإذعانهنّ بالطواعية لما جعلهنّ موضعاً لعرشه ، ولا مسكناً لملائكته ، ولا مصعداً للكلم الطيّب والعمل الصالح من خلقه . جعل نجومها أعلاماً يستدلّ بها الحيران في مختلف فِجاج [1837]الأقطار . لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم . ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع في السموات من تلألؤ نور القمر .

فسبحان من لا يخفى عليه سواد غَسَق داج ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطأطئات ، ولا في يفاع السُّفع [1838]المتجاورات . وما يتجلجل به الرعد في أُفق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها ، ومسحب الذرة ومجرّها ، وما يكفي البعوضة من قوتها ، وما تحمل الأُنثى في بطنها .

الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش ، أو سماء أو أرض أو جانّ أو إنس ، لا يدرك بوهم ، ولا يقدّر بفهم . ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولا يحدّ بأين . ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج . ولا يدرك بالحواس . ولا يقاس بالناس . الذي كلّم موسى تكليماً ، وأراه من آياته عظيماً . بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات .

بل إن كنت صادقاً أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين في حجرات القدس مرجحنّين [1839]، متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء ; فلا إله إلاّ هو ، أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور .

أُوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش . ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً ، أو إلى دفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود (عليه السلام)الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوّة وعظيم الزلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قِسِيّ الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية  ، والمساكن معطّلة ، وورثها قوم آخرون ، وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة ! أين العمالقة وأبناء العمالقة ! أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ! أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين ، وأطفؤوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبّارين ! وأين الذين ساروا بالجيوش وهزموا بالأُلوف . وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن .

ومنها : قد لبس للحكمة جنّتها ، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتفرّغ لها ; فهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها ; فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب [1840]ذنبه ، وألصق الأرض بِجِرانه [1841]. بقية من بقايا حجّته ، خليفة من خلائف أنبيائه .

ثمّ قال (عليه السلام): أيّها الناس ! إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أُممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا . وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا [1842]. لله أنتم ! أتتوقّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ؟ ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبراً ، وأزمع [1843]الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى .

ما ضرّ إخواننا الذين سُفكت دماؤهم وهم بصفّين ألاّ يكونوا اليوم أحياء ؟ يسيغون الغصص ويشربون الرَّنق [1844]. قد ـ والله ـ لقوا الله فوفّاهم أُجورهم ، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم .

أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التَّيِّهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة ، وأُبرد برؤوسهم إلى الفجرة .

قال : ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء ، ثمّ قال (عليه السلام): أوِّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنَّة وأماتوا البدعة . دُعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه .

ثمّ نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد الله ! ألا وإنّي معسكر في يومي هذا  ; فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج ! » .

قال : وعقد للحسين (عليه السلام)في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ، ولأبي أيّوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أُخر وهو يريد الرجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كلّ مكان [1845].

 

معاوية ابن مَنْ ؟

الفصل الثالث :عمرو بن العاص

نسبه

ولد عمرو في سنة 40 قبل الهجرة الشريفة التي هاجرها رسول الله بصحبه رفيقه عبدالله بن بن بكر الديلي [1846].

وقد ذكر ابن الكلبي ( هشام بن محمد ) المُتَوَفَّى في سنة 204 هجرية نسبه في كتابه مثالب العرب [1847]قائلا : وأمَّا النابغة أمّ عمرو بن العاص ـ هي حبشية ـ فإنها كانت بغيَّة ، قدمت مكّة ومعها بنات لها فوقع عليها العاص بن وائل في عدَّة من قريش ، منهم : أبو لهب ، وأميَّة بن خلف ، وهشام بن المغيرة ، وأبو سفيان ، فولدت عمراً فتخاصم القوم جميعاً فيه ، كل يزعم أنَّه ابنه .

ثمَّ أضرب عنه ثلاثه ، وأكبَّ عليه اثنان وهما : العاص بن وائل وأبو سفيان ابن حرب ، فحكَّما أمَّه فيه ، فقالت : للعاص . فقيل لها بعد ذلك : ما حملك على ما صنعت ؟ وأبو سفيان أشرف من العاص ؟

فقالت : إنَّ العاص كان ينفق على بناتي ، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق عليَّ العاص شيئاً ، وخفت الضيعة .

وزعم ابنها عمرو بن العاص أنَّ أمَّه من عنزه بن أسد بن ربيعة ، كما ذكره سبط بن الجوزي ! [1848]

وروى معظم المفسرين أنَّ آية

----------

الهوامش

[1693] مروج الذهب 2 / 415 ، أنساب الأشراف 3 / 146 ، الفتوح 4 / 270 ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193تاريخ الطبري 5 / 85 ، الكامل في التاريخ 2 / 405 ، البداية والنهاية 7 / 289 .

[1694] تاريخ الطبري 5 / 83 ، الكامل في التاريخ 2 / 404 ، الأخبار الطوال 207 نحوه .

[1695] إثبات الهداة 2 / 215 محمّد بن الحسن الحرّ العاملي .

[1696] إثبات الهداة 2 / 245 ، مناقب أمير المؤمنين محمّد بن سليمان الكوفي 1 / 557 ، الاختصاص ، المفيد 94 ، مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب 3 / 508 ، ينابيع المودّة ، القندوزي 1 / 364 ، المناقب ، الخوارزمي 32 .

[1697] شرح النهج 2 / 449 ، عمدة الطالب ، ابن عنبة 379 ، الصواعق المحرقة 72 .

[1698] الكامل للمبرّد 3 / 1105 ، شرح نهج البلاغة 2 / 272 ، وراجع شرح الأخبار 2 / 55 ح416  .

[1699] مروج الذهب 2 / 416 ، وراجع بحار الأنوار 34 / 450 .

[1700] تاريخ الطبري 5 / 63 ، مروج الذهب 2 / 405 ، الكامل في التاريخ 2 / 393 ، أنساب الأشراف 3 / 127 وفيه « عليهم ابن الكوّاء » ولم يذكر شبث بن ربعي .

[1701] أنساب الأشراف 3 / 136 ، الفتوح 4 / 254 .

[1702] أنساب الأشراف 3 / 134 و137 ، تاريخ الطبري 5 / 75 ، الكامل في التاريخ 2 / 399 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 191 ، كشف الغمّة 1 / 265 .

[1703] السنن الكبرى 8 / 295 ، العمدة 464 / 972 ، صحيح مسلم 2 / 748 ، سنن أبي داود 4 / 245 .

[1704] سورة الزخرف .

[1705] الفتوح 4 / 274 ، كشف الغمّة 1 / 267 ، كشف اليقين 205 ، المناقب ، ابن شهر آشوب 3 / 190 .

[1706] الفتوح 4 / 274 ، كشف اليقين 205 / 206 ، كشف الغمّة 1 / 267 كلاهما نحوه وراجع المناقب لابن شهر آشوب 3 / 190 .

[1707] كشف اليقين 205 / 205 ، كشف الغمّة 1 / 266 ، المناقب لابن شهر آشوب 3 / 190 ، الفتوح 4 / 273 كلاهما نحوه .

[1708] تاريخ الطبري 5 / 86 ، الكامل في التاريخ 2 / 406 ، البداية والنهاية 7 / 289 كلاهما نحوه من « ثمّ تنادوا » .

[1709] الإمامة والسياسة 1 / 169 .

[1710] تاريخ الطبري 4 / 76 ، أُسد الغابة 1 / 714 ح1127 و2 / 214 ح1541 وفيه « اسمه الآخر  : ذو الخُوَيصرة ، وذو الثدية » ، الإصابة 2 / 44 1666 وفيه « عدّ هذين اسمين لشخصين » . ولمزيد الاطّلاع على مختلف الأقوال في هذه المسألة راجع فتح الباري 12 / 292 ، صحيح البخاري 3 / 1321 ح3414 ، صحيح مسلم 2 / 744 ح148 .

[1711] أُسد الغابة 1 / 714 ح1127 ، الإصابة 2 / 44 ح1666 ، تاريخ الطبري 4 / 76 .

[1712] تاريخ الطبري 4 / 472 .

[1713] تاريخ الطبري 5 / 72 .

[1714] تاريخ الطبري 5 / 85 ، الكامل في التاريخ 2 / 405 ، الأخبار الطوال 210 ، البداية والنهاية 7 / 289 .

[1715] كشف الغمّة 1 / 266 ، الفتوح 4 / 273 .

[1716] صحيح مسلم 2 / 749 ح157 ، تاريخ بغداد 10 / 305 ح5453 ، البداية والنهاية 7 / 292  .

[1717] مُخدَج اليد : ناقص اليد (لسان العرب 2 / 248) .

[1718] مسند ابن حنبل 1 / 191 ح672 ، البداية والنهاية 7 / 294 ، وراجع تاريخ بغداد 1 / 199 ح38 .

[1719] جَرْجَرايا : بلدة قريبة من دجلة بين بغداد وواسط ، من توابع النهروان السفلى (راجع تقويم البلدان 305) .

[1720] جُوخا : اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد ، وهو بين خانقين وخوزستان (معجم البلدان 2 / 179) .

[1721] كذا في المصدر ، والصحيح كما في أنساب الأشراف ومعجم البلدان « دَرْزِيْجان » : وهي قرية كبيرة تحت بغداد على ثلاثة فراسخ منها على دجلة بالجانب الغربي ، وهي من مدن الأكاسرة ، وإحدى المدائن السبع . وأصل اسمها درزبندان (راجع معجم البلدان 2 / 450) .

[1722] شَهْرُزُور : بلدة بين الموصل وهمدان بناها زور بن الضحّاك ، وتعرف اليوم باسم زوردر جنوب شرقي السليمانية قرب الحدود العراقية الإيرانية (راجع تقويم البلدان 413) .

[1723] الكامل في التاريخ 2 / 423 ، أنساب الأشراف 3 / 239 ـ 248 .

[1724] مروج الذهب 2 / 415 ، أنساب الأشراف 3 / 146 ، الفتوح 4 / 270 ; تاريخ اليعقوبي 2 / 193 ، تاريخ الطبري 5 / 85 ، الكامل في التاريخ 2 / 405 ، البداية والنهاية 7 / 289 .

[1725] تاريخ الطبري 5 / 113 ـ 116 ، الغارات 1 / 332 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 417 .

[1726] تاريخ اليعقوبي 2 / 194 ، مروج الذهب 2 / 418 نحوه وفيه « الحارث بن راشد الناجي » بدل « الخرّيت بن راشد الناجي » .

[1727] تاريخ الطبري 5 / 88 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 407 ، مروج الذهب 2 / 418 ، الإمامة والسياسة 1 / 169 .

[1728] الإرشاد 2 / 96 ، البحار 45 / 5 ط لبنان ، تاريخ الطبري 6 / 242 .

[1729] نهج البلاغة 1 / 108 ، البحار 33 / 433 ، شرح النهج 5 / 14 .

[1730] تهذيب الأحكام 2 / 368 ، الكافي 2 / 405 ، من لا يحضره الفقيه 1 / 257 .

[1731] البحار 33 / 373 ، نهج البلاغة ، خطبة 127 .

[1732] تاريخ الطبري 5 / 85 .

[1733] نهج البلاغة الحكمة 97 ، عيون الحكم والمواعظ 497 ، غرر الحكم 9958 .

[1734] منية المريد 181 ، غرر الحكم 9665 ، تنبيه الخواطر 1 / 82 .

[1735] نهروان : هي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي ، حدّها الأعلى متّصل ببغداد ، وفيها عدّة بلاد متوسّطة ، وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مع الخوارج مشهورة (معجم البلدان 5 / 324) .

[1736] الجعفريات 234 ، مسند زيد 410 وفيه « أهل الجمل وصفّين وأهل النهروان » بدل « أهل النهروان » ، السنن الكبرى 8 / 302 ح16722 عن شقيق بن سلمة ، المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 743 ح62 عن طارق بن شهاب ، تفسير القرطبي 16 / 323 عن الحارث الأعور وفيه «  أهل البغي من أهل الجمل وصفّين » بدل « أهل النهروان » ، البداية والنهاية 7 / 290 عن علقمة بن عامر والأربعة الأخيرة من دون إسناد إلى المعصوم وكلّها نحوه .

[1737] الفتوح 4 / 272 .

[1738] سورة إبراهيم 28 .

[1739] سورة الكهف 104 .

[1740] حَرَوْراء : قيل : هي قرية بظاهر الكوفة ، وقيل : موضع على ميلين منها ; نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فنسبوا إليها (معجم البلدان 2 / 245) .

[1741] المستدرك على الصحيحين 2 / 383 ح3342 ، السنّة لابن أحمد بن حنبل 278 / 1443 نحوه ، المناقب لابن المغازلي 58 / 84 وفيه « ويلك هم أهل حَرَورا » ، العمدة 461 / 967 كلّها نحوه ، وراجع تفسير الطبري 9 / الجزء16 / 34 .

[1742] سورة الكهف 103 و104 .

[1743] الكامل للمبرّد 3 / 1107 ، المعيار والموازنة 299 ، تفسير الطبري 9 / الجزء 16 / 34 عن أبي الطفيل نحوه ; بحار الأنوار 33 / 352 .

[1744] تهذيب الأحكام 6 / 145 .

[1745] الطبقات الكبرى ، ابن سعد 2 / 354 ، شرح النهج 8 / 123 ، تاريخ الطبري 3 / 99 ، جوامع السيرة النبوية ، ابن حزم 203 ، البحار 68 / 289 .

[1746] كنز العمال 10 / 268 حديث 29403 .

[1747] سورة الزمر 65 .

[1748] سورة الروم 60 .

[1749] الاحتجاج 1 / 329 .

[1750] المستدرك ، الحاكم 3 / 137 ، كنز العمّال 3 / 157 ، 6 / 157 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي 9 / 121 ، حلية الأولياء 1 / 63 ـ 64 ، تاريخ بغداد 11 / 112 ، 13 / 122 ، الإصابة ، ابن حجر 4 / 170 ـ 171 .

[1751] المصدر السابق 1 / 341 .

[1752] سورة البقرة 189 .

[1753] سورة الأعراف 46 .

[1754] سورة المؤمنون 74 .

[1755] الاحتجاج 1 / 337 ـ 338 .

[1756] سورة المعارج 40 .

[1757] سورة الرحمن 17 .

[1758] سورة المزمّل 9 .

[1759] سورة فاطر 10 .

[1760] سورة الكهف 103 .

[1761] الاحتجاج 1 / 386 ـ 388 .وفي رواية أنّه ترك الخوارج وعاد إلى الكوفة وهو الصحيح .

[1762] الاحتجاج 1 / 386 ـ 388 .

[1763] السرائر ، ابن إدريس 3 / 638 ، الحدائق الناضرة 11 / 85 .

[1764] علل الشرائع 1 / 202 .

[1765] المعيار والموازنة ، الاسكافي 47 .

[1766] الفرائد ، الحمويني ، الباب 27 ، 29 ، الكفاية ، الكنجي 69 ، كنز العمال 6 / 154 ، الاستيعاب 3 / 53 ، ميزان الاعتدال ، الذهبي 2 / 263 ، مجمع الزوائد 3 / 239 ، المستدرك  ، الحاكم 3 / 139 ، أُسد الغابة 4 / 114 ، تاريخ بغداد 8 / 340 ، فرائد السمطين 1 / 284 ، كفاية الطالب 169 ، البداية والنهاية 7 / 338 .

[1767] تاريخ الطبري 5 / 110 ، الكامل في التاريخ 2 / 415 نحوه وراجع الغارات 2 / 373 ـ 412  .

[1768] الغارات 2 / 373 ، البحار 8 / 676 ، تاريخ الطبرى 6 / 63 ، تاريخ ابن الاثير 3 / 143 .

[1769] تاريخ اليعقوبي 2 / 195 ، شرح النهج 2 / 303 ، الكامل في التاريخ 2 / 425 ، تاريخ الطبري 5 / 133 ، البداية والنهاية 7 / 320 ، الغارات 2 / 447 ـ 457 كلّها نحوه وراجع أنساب الأشراف 3 / 205 ـ 207 ونهج البلاغة الخطبة 69 .

[1770] الغارات 2 / 451 وراجع نهج البلاغة الخطبة 69 .

[1771] هِيْت : مدينة على الفرات فوق الأنبار (تقويم البلدان 299) .

[1772] الحَرَب : نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له (النهاية 1 / 358) .

[1773] الغارات 2 / 464 ، شرح نهج البلاغة 2 / 85 .

[1774] الكامل في التاريخ 2 / 425 ، تاريخ الطبري 5 / 134 ، البداية والنهاية 7 / 320 وزاد في آخرهما « بلغ الخبر علياً (عليه السلام) فخرج حتّى أتى النخيلة ، فقال له الناس : نحن نكفيك ، قال : ما تكفونني ولا أنفسكم ، وسرّح سعيد بن قيس في أثر القوم ، فخرج في طلبهم حتّى جاز هيت ، فلم يلحقهم فرجع » ، الفتوح 4 / 225 كلّها نحوه وراجع أنساب الأشراف 3 / 231 ودعائم الإسلام 1 / 390 ، الكافي 5 / 4 ، البيان والتبيين 2 / 53 .

[1775] الأمالي ، الطوسي 173 / 293 ، الغارات 2 / 479 .

[1776] نصيبين : مدينة عامرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام على تسعة فراسخ من سنجار . وقد بنيت هذه المدينة على أيدي الروم ، وافتتحها أنوشيروان (راجع معجم البلدان 5 / 288) .

[1777] بعلبك : مدينة قديمة من مدن لبنان ، بينها وبين دمشق ثلاثة أيّام (معجم البلدان 1 / 453)  .

[1778] الرقّة : مدينة مشهورة على الفرات بينها وبين حرّان ثلاثة أيّام (معجم البلدان 3 / 59) .

[1779] الكامل في التاريخ 2 / 428 ، أنساب الأشراف 3 / 231 ، الفتوح 4 / 227 و228 كلاهما نحوه .

[1780] تيماء : بليدة في أطراف الشام ، بين الشام ووادي القرى على طريق حاجّ الشام . ولمّا سيطر رسول الله (صلى الله عليه وآله)على قلاع خيبر ووادي القرى رضي أهل تيماء بدفع الجزية . وفي الزمان الحاضر توجد قرية بين دمشق ومكّة تعرف بـ « تيماء » (راجع معجم البلدان 2 / 67) .

[1781] أي انجو بنفسك (انظر النهاية 5 / 25) .

[1782] تاريخ الطبري 5 / 134 ، الكامل في التاريخ 2 / 426 ، البداية والنهاية 7 / 320 .

[1783] المسلحة : القوم الذين يحفظون الثغور من العدو . والجمع : مسالح (النهاية 2 / 388) .

[1784] القطقطانة : موضع قرب الكوفة من جهة البريّة (معجم البلدان 4 / 374) .

[1785] الغَريّان : تثنية الغريّ ، وهما بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة (معجم البلدان 4 / 196) .

[1786] سرّحت فلاناً إلى موضع كذا : إذا أرسلته (لسان العرب 2 / 479) .

[1787] الغارات 2 / 421 ، أنساب الأشراف ، البلاذري 3 / 197 ، الإرشاد 1 / 271 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 426 ، تاريخ الطبري 5 / 135 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 195 .

[1788] الغارات 2 / 639 ، شرح النهج 2 / 17 .

[1789] الغارات 2 / 607 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 197 ، الفتوح 4 / 231 .

[1790] الغارات 2 / 607 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 197 ، الفتوح 4 / 231 .

[1791] الغارات 2 / 607 ـ 628 ، 639 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 197 ، الفتوح 4 / 231 ، الاستيعاب 1 / 243 ، شرح النهج 2 / 17 .

[1792] الغارات 2 / 639 ، شرح النهج 2 / 17 .

[1793] إملاص المرأة الجنين : هو أن تُزلق الجنين قبل وقت الولادة . وكلّ ما زلق من اليد فقد مَلص (النهاية 4 / 356) .

[1794] قال المجلسي : المراد بالنهّاس الفرّاس إمّا هشام بن عبدالملك ; لاشتهاره بالبخل ، أو سليمان بن عبدالملك ، والأوّل أنسب . والمراد بالرجل الواحد هو عمر بن عبدالعزيز (بحار الأنوار 34 / 140) .

[1795] الحِجال : جمع الحَجَلة ; وهي بيت كالقبّة يُستر بالثياب ، وتكون له أزرار كبار (النهاية 1 / 346) .

[1796] الغارات 2 / 639 ، شرح النهج 2 / 17 .

[1797] سورة ص 88 .

[1798] الحُلوم : جمع الحِلْم وهو الاناة والعقل (لسان العرب 12 / 146) .

[1799] أي زدت عليها (النهاية 2 / 159) .

[1800] المَثُلَة : العقوبة والجمع المَثُلات (الصحاح 5 / 1816) .

[1801] سورة البقرة 49 .

[1802] تجمير الجيش : جمعهم في الثغور ، وحبسهم عن العود إلى أهلهم (النهاية 1 / 292) .

[1803] الخُرْص : الحلقة الصغيرة من الحلي ، وهو من حلي الأُذُن (النهاية 2 / 22) . الأوضاح : نوع من الحُلي يعمل من الفضّة ، سمّيت بها لبياضها (النهاية 5 / 196) .

[1804] الإرشاد 1 / 278 ، الاحتجاج 1 / 409 ح89 نحوه ، بحار الأنوار 34 / 135 ح956 .

[1805] سورة المائدة 21 .

[1806] الغارات 1 / 26 ، شرح نهج البلاغة 2 / 193 نحوه .

[1807] موزَع به : أي مولع به ، وقد أُوزع بالشيء : إذا اعتاده ، وأكثر منه (النهاية 5 / 181) .

[1808] من العَمَه : التحيّر والتردّد . والعَمَه في الرأي ، والعمى في البصر (لسان العرب 13 / 519) .

[1809] يقال : جاء القوم نَْشَراً ; أي منتشرين متفرّقين (النهاية 5 / 55) .

من هنا إلى آخر الخطبة نقلناه من نهج البلاغة الخطبة 34 .

[1810] زوافر : جمع زافرة ، وزافرة الرجل : أنصاره وخاصّته (النهاية 2 / 304) .

[1811] شرح نهج البلاغة 2 / 193 و189 ، تاريخ الطبري 5 / 90 ، أنساب الأشراف 3 / 153 ، الكامل في التاريخ 2 / 408 ، الإمامة والسياسة 1 / 170 ، الغارات 1 / 29 و33 كلّها نحوه ، نهج البلاغة الخطبة 34 ، بحار الأنوار 34 / 48 .

[1812] شرح نهج البلاغة 2 / 193 و189 ، تاريخ الطبري 5 / 90 ، أنساب الأشراف 3 / 153 ، الكامل في التاريخ 2 / 408 ، الإمامة والسياسة 1 / 170 ، الغارات 1 / 29 و33 كلّها نحوه ، نهج البلاغة الخطبة 34 ، بحار الأنوار 34 / 48 .

[1813] الأمالي للمفيد 207 / 40 عن هشام ، استوسق عليه أمرهم : أي اجتمعوا على طاعته (النهاية 5 / 185) .

[1814] نهج البلاغة الخطبة 182 ، ينابيع المودّة 3 / 443 ح12 و2 / 28 ح1 .

[1815] الإرعواء : الكفّ والانزجار ، وقيل : هو الندم والانصراف عن الشيء (النهاية 2 / 236) .

[1816] الكافي 8 / 361 ح551 ، بحار الأنوار 77 / 364 ح33 .

[1817] الإرشاد 1 / 281 ، الاحتجاج 1 / 414 ح89 .

[1818] عيون الحكم والمواعظ 164 / 3488 ، غرر الحكم 3758 .

[1819] أيادي سبأ : مثل يضرب للمتفرّقين وأصله قوله تعالى عن أهل سبأ : (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق) (شرح نهج البلاغة 7 / 74) .

[1820] الحَنِيّة : القوس (لسان العرب 14 / 203) .

[1821] إخالُكَ : أظنّك (لسان العرب 11 / 226) .

[1822] انفراج المرأة عن قبلها يكون عند الولادة أو عندما يُشرع عليها سلاح . وفيه كناية عن العجز والدناءة في العمل . نهج البلاغة الخطبة 97 .

[1823] سورة التوبة 81 .

[1824] الغارات 1 / 42 عن فرقد البجلي ، شرح نهج البلاغة 2 / 195 عن رفيع بن فرقد البجلي نحوه .

[1825] الكَشيش : الصوت يشوبه خَوَر مثل الخشخشة وكشيش الأفعى : صوتها من جلدها لا من فمها . يقرّع (عليه السلام)أصحابه بالجبن والفشل ويقول لهم لكأنّي أنظر إليكم وأصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي قد اعتراكم فهي أشبه شيء بأصوات الضباب المجتمعة (شرح نهج البلاغة 7 / 304) .

[1826] الخَفْض : الدَّعة والسكون (النهاية 2 / 54) .

[1827] الإرشاد 1 / 274 ، الغارات 2 / 511 عن عمرو بن محصن ، الإمامة والسياسة 1 / 172 كلاهما نحوه .

[1828] أنساب الأشراف 3 / 235 .

[1829] الإرشاد 1 / 263 ، الاحتجاج 1 / 408 ح88 ، بحار الأنوار 32 / 390 ح360 .

[1830] البكار : جمع بَكْر ; وهو الفتيّ من الإبل . العَمِدة : من العَمَد : الورم والدَّبَر . وقيل : العَمِدة : التي كسرها ثقل حملها (النهاية 3 / 297) . أنساب الأشراف 3 / 198 ، وراجع تاريخ دمشق 1 / 321 وكنز العمّال 11 / 356 ح31727 .

[1831] نهج البلاغة الخطبة 97 ، الاحتجاج 1 / 411 و412 / 89 نحوه .

[1832] ماث : ذاب (مجمع البحرين 3 / 1734) .

[1833] الغارات 2 / 458 ، أنساب الأشراف 3 / 156 ، تاريخ دمشق 42 / 534 ، نهج البلاغة الخطبة 180 ، تاريخ الطبري 5 / 107 ، الكامل في التاريخ 2 / 413 ، الفتوح 4 / 237 .

[1834] الإرشاد 1 / 280 ، الاحتجاج 1 / 413 ح89 ، تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 606 ، الطبقات الكبرى 5 / 93 .

[1835] البحار 8 / 701 ، الإرشاد ، المفيد 277 .

[1836] أنساب الأشراف 3 / 235 .

[1837] الفِجاج : جمع فجّ ; وهو الطريق الواسع (النهاية 3 / 412) .

[1838] اليفاع : المرتفع من كلّ شيء . والمراد بها الجبال .

[1839] ارجحنّ الشيء : إذا مال من ثقله وتحرّك (النهاية 2 / 198) .

[1840] عسيب الذنب : منبته من الجلد : العظم (لسان العرب 1 / 599) .

[1841] الجِران : مقدّم عنق البعير من المذبح إلى المنحر ، والبعير أقلّ ما يكون نفعه عند بروكه ، وإلصاق جرانه بالأرض كناية عن الضعف .

[1842] استوسق : استجمع وانضمّ . واستوسق عليه أمرهم : أي اجتمعوا على طاعته (النهاية 5 / 185) .

[1843] أزمع : عدا وخفّ (لسان العرب 8 / 143) .

[1844] مارنق : كدر (لسان العرب 10 / 127) .

[1845] نهج البلاغة الخطبة 182 ، بحار الأنوار 4 / 313 ح40 .

[1846] راجع كتاب صاحب الغار أبو بكر أم رجل آخر للمؤلّف .

[1847] مثالب العرب ، باب تسمية ذوي الرايات ، هشام بن محمد الكلبي .

[1848] التذكرة 117 ، السيرة الحلبية 1/47 ، العقد الفريد 1/164 .