[ 1 ]

سيرة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

وفتحه السبعة حصون ومحاربته الهضام بن الحجاف بن عون بن غانم الباهلي

برواية المؤرخ القصصي الشهير أبي الحسن احمد بن عبد الله بن محمد البكري

طبع على نفقة البحاني المحمدي صاحب مطبعة ومكتبة المنار

مطبعة المنار - تونس

--------------------------------------------------------------------------------

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تفرد بقائه ونور بمعرفته قلوب اوليائه وطيب اسرار الصادقين يطيب ثنائه الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في أرضه وسمائه احمده سبحانه وتعالى حمدا تعرف بالعجز عن عدد آلائه واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له الذي تفرد بعزه وبقائه واشهد ان سيدنا ونبينا ومحمدا صلى الله عليه [وآله] وسلم عبده ورسوله خاتم انبيائه وسيد اصفيائه اللهم صلي وبارك على هذا النبي الكريم والرسول السيد السند العظيم سيدنا ومولانا محمد وعلى أصحابه صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام أرضه وسمائه تسليما كثيرا.

(وبعد) فقد روى أبو الحسن احمد بن عبد الله محمد البكري رضي الله عنه قال حدثنا يوسف بن عبد الله وخالد بن رفاعة الجهني قالا حدثنا خلق كثير يروي بعضهم عن بعض فاخذنا من ذلك ما نرجوه ان شاء الله تعالى تعليقة على قدر الروايات قالوا حدثنا صاحب الحديث عن علي بن أبي طالب كرم الله وجده ورضي عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في مسجده المبارك وكان ريح ومطر إذ سمعنا صوتا جهوريا من وراء المسجد يقول السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فالتفت لنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وقال ردوا على اخواتكم السلام رحمكم الله فقلنا يارسول الله على من نرد ونحن لم نر احدا نرد على الملائكة أم على الجان فقال بل على اخوانكم الجان الذين آمنوا وصدقوا برسالتي ثم نادى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم اظهر لنا أيها المتكلم لنراك فظهر لنا شيخ قال علي رضي الله عنه وإذا به عرفطة بن شماخ وكنت به عارفا لان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قد ارسلني معه إلى قومه فاحرقت باسماء الله تعالى وبنوره منهم زيادة عن خمسين قبيلة من الجن وآمن منهم خلق كثير فسلم عرفطة على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وجلس النبي فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما حاجتك قال يارسول الله قد جئتك لاخبرك عما نحن فيه الحرب والوقائع وقتال القبائل الجواهل فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مع من يا عرطفة فقال مع كفار الجن ومردتهم وكذلك مع عفاريتهم عبدة الاوثان فقال

--------------------------------------------------------------------------------

[ 3 ]

رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ديارهم قريبة منا أم بعيدة يا عرطفة فقال يا سيدي في جبال واوكار واودية شتى قد اهلكنا منهم خلقا كثيرا وأهلكوا منا خلقا كثيرا وان لهم صنعا يسمونه المنيع وقد تعالى الله عز وجل عن ان يمثل وهو السميع البصير فصنمهم هذا قائم بخدمة الملك الهضام بن الجحاف بن عوف بن غانم الباهلي الملقب بمراة الموت لعنه الله والصنم المنيع موكل به مارد يقال له عنريس بن دريس بن ابليس وله عشيرة عظيمة وقبيلة جسيمة ونحن في غزوهم وجهادهم وقد اشتدت بلية القوم وتعاظم أمر الهضام وكفر بالله تعالى واتخذ من دون الله إلها يسمونه المنيع وجعل له جنة ونار وجعل له زبانية وسماهم الغلاظ الشداد وجعل له ملائكة وسماهم البررة الكرام وجعل في جنته الاشجار والانهار والاطيار وجعل فيها المخدرات المنعمات وسماهم الحور العين وجعل لها عرشا وكرسيا ومن العفاريت الطيارين وسماهم الملائكة المقربين وأنت رسول الله لم يبلغك من ذلك كله وقد اشتد تمرد القوم وطغيانهم وكفرانهم لرب العالمين.

.

(قال الراوي): فلما سمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من عرفطة اشتد به الغضب حتى كاد يضطرب كالسفينة في الريح العاصف وسجد على الأرض طويلا ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من غيظ ولمع النور من بين عينيه صلى الله عليه [وآله] وسلم حتى لحق عنان السماء ثم اقبل على عرطفة وقال له انصرف شكر الله سعيك واحسن إليك وانا ابعث إليهم رسولا وهو خليفتي ونقمتي على اعدائي فقال عرطفة يارسول الله إذا بعثت للقوم رجالا من الانس آبادوهم وقتلوهم فإن عساكر الانس لن يطيقوا قتال الجن ومردتهم ولن يبلغك ما تريد الا الفارس الصنديد والبطل الشديد قالع الحلقة والقصر المشيد ومبيد الانس والجن في البئر العميق مفرق الكتايب ومظهر العجايب والغرايب صاحب الحسام القاضب والغمام الساكب ابن عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

ثم غاب عرطفة عن اعين الناس فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وقد تغير لونه وظهر غيظه واحمرت عيناه وتقوس حاجباه فعم ذلك على المسلمين وجلسوا حوله ينظرون إلى الأرض ويحدقون إلى الإمام علي كرم الله وجهه ويشيرونه عما نزل برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم والإمام علي لا يتكلم ولم يرد عليهم .

.

(قال الراوي): فبينما

--------------------------------------------------------------------------------

[ 4 ]

الناس في ذلك وإذا بجبريل عليه السلام قد نزل من عند رب العالمين فوثب له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مسرورا وهو ينادي لبيك لبيك اللهم أنا نسألك الفرج منك يا مفرج كل كرب ومزيل كل هم وغم وخرج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من المسجد وقال لا يقم احد من مكانه حتى اعود إليكم وخرج فمكث قليلا ثم رجع إلى أصحابه وهم جلوس كل واحد منهم في مقامه وقد تهلل وجهه صلى الله عليه [وآله] وسلم فرحا وسرورا وجعل النور يشرق من بين عينيه صلى الله عليه [وآله] وسلم فوثب الناس إليه يسالونه عن امره.

(قال الراوي): فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم اجلسوا بارك الله فيكم فجلس الناس جميعا وصمتوا فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أين سلمان وعمار فأجاباه با لتلبية ها نحن بين يديك قل ما شئت يارسول الله فانا لكلامك سامعون ولامرك مطيعون فقال لهم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم سيروا في شوارع المدينة ونادوا الصلاة جامعة بمسجد المختار الله الواحد القهار فلما سمع الصحابة منه صلى الله عليه [وآله] وسلم ذلك النداء جعلوا يهرعون إليه من كل جانب ومكان حتى امتلا المسجد بهم ثم صعد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم المنبر وخطب خطبة بليغة فشوق إلى الجنة ونعيمها وحذر من النار وجحيمها.

(قال الراوي): قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم معاشر المسلمين: ان الله جل وعلا تقدست اسماؤه ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا اله غيره بعد رفع السماء بلا عمد وارسى الجبال وتد وزين السماء بالنجوم الزهرات والافلاك الدائرات واجري فيها الشمس والقمر آيات لاولى الالباب وبسط الارضين بحكمه على تيار الماء وثبتها بالجبال الراسيات واضحك تغوير البقاع الجامدات بفيض دموع السحاب المسخرات وثبت الرياح العاصفات مخاليب الطيور الصافنات وقوى قبة الجبال الراسيات تلاطم امواج البحار الزاخرات وعلق استار واوراق الا غصاب النضرات .

(قال الراوي): ثم قال رسول الله صلى عليه وسلم أيها المسلمون: أنا بشر منكم آكل مما تأكلون واشرب مما تشربون ولا اعلم ما كان ولايكون ولا يحيط بذلك علما الا من يقول للشئ كن فيكون ثم بعد ذلك اعلمكم انه قد وفد على عرفطة من اخوانكم في الدين وهو من الجن المؤمنين وقد اخبرنا عن اللعين الملك الهضام ابن الحجاف بزعوف بن غانم الباهلي لعنه الله قد اتخذ له صنما وسماه المنيع وصنع له جنة ونارا وملائكة وزبانية فيدخر من اطاعه واطاع صنمه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 5 ]

في جنة ويعذب بناره من عصاه وعصى صنعه وقد غره حكم ابليس اللعين واستدرجه وآهاله فلما سمعت ذلك سمعت ذلك كبر علي وعظم لدي ولاخفف عني ذلك الا حبيبي جبريل وقد آتاني واخبرني عن ربي عز وجل وهو يقول يا محمد الله يقرئك السلام ويخصك با لتحية والاكرام ويقول لك اني قد علمت بما في نفسك وما قد نزل بك واني مبشرك ان دمار القوم ودمار صنمهم على يد رجل يحبه الله والملائكة وهو سيف نقمتك وباب مدينتك التي ما سجد لصنم قط وهو زوج البتولي والمتولي لدعوتك وحامل رايتك الفتى الولي مفرق الكتائب ومظهر العجائب والغرائب الحسام الغاضب والليث المحارب والغيث الساكب لبني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كفر الله وجهه وهذه اشارة من عند ربي الأعلى ثم ان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كشف عويدة فإذا فيها عربرة سوداء مكتوب فيها بقلم القدر لم يكتبها كاتب فلما نشرها صلى الله عليه [وآله] وسلم ظهر لنا نور له شعاع عظيم فقال الصحابة يارسول الله خبرنا بما فيها مكتوب بمشيئة الجبار أمر من الطالب الغالب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وقالوا لقد فارمن الجبار وقربه برسول صلى الله عليه [وآله] وسلم وعلى الله الا خيارا حزن بذلك للكفار قال الراوي ثم ان الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم اقبل على أصحابه وقال لهم معاشر المسلمين هل فيكم من وصل إلى ديار اللعين الهضام بن الجحاف بن عون فيخبرنا بما شاهد من ابطاله واعوانه وكفره وطغيانه فقام عند ذلك رجل من المسلمين يقال له عبد الله بن انيس لجهني رحمة الله عليه فقال أنا اخشى ان يداخل قلبك الوهم والهم عن وصفي فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قل يا انيس فانا لا نخاف مع الله احدا فقال يارسول الله أنت بابي وامي ان خبره عظيم ان الهظام ابن الجحاف لما نظر إلى اصنام العرب التي يعبدونها من دون الله عز وجل وجعل في سماء القبة حجرامن المغناطيس وفي اسفل القبة حجرا اخرا وعن يسارها حجرا يوازن بعضها بعضا واوقف الصنم في وسطها في الهواء بجذبه كل حجر بقوته وذلك الصنم مرصع بالجواهر واليواقيت النفيسة وكساه بالحرير الملون ونصب له كرسيا مرتفعا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 6 ]

مكللا بالدر والجواهر وشده بقضبان الذهب الاحمر والفضة البيضاء فما كان من العاج الابيض كانت كواكبه من الذهب وما كان من الابنوس الاسود كانت كواكبه من الفضة البيضاء جعل لتلك القبة بابا عظيما من الذهب الاحمر وعلق على باب القبة سترا مزركشا وعلق من داخل القبة قناديل من اللؤلؤ بسلاسل من ذهب يوقد بطيب الادهان وبنى من خارج القبة بيتا عظيما مانعا بالعلو وجعل سقف القبة من خشب الصندل وفصل أرضها وحيطانها بالرخام الملون وجعل من ورائها بيتا آخر مثل البيت الاول ومازال كذلك حتى جعلها سبعة ابيات على بعضها بعضا ولها سبعة ابواب منها ما هو من العاج ومنها ما هو من الابنوس وغير ذلك وقدر ركب في تلك البيوت جامات من البللور المختلف الالوان فإذا طلعت الشمس على تلك الكواكب اشرق نور ها على تلك البيوت والقبة وجعل على كل باب حاجبا موكلا به فإذا ورد إليه وأراد أو قصد إليه قاصد من بعض الملوك اوقفه الحاجب الاول والثاني كذلك حتى ينتهي إلى الباب السابع وكلما جاوز بابا نظر إلى غيره فإذا هو أعظم من الذي قبله فإذا وصل إلى المكان فيه عدو الله الهضام وجده جالسا على سريره وقد احدقت به جنوده والحجاب حوله فإذا وقعت بين يديه أمر الهضام بقلع ثيابه فيقلعها ويلبسونه ثيابا غيرها ويقولون له ان ثيابك هذه عصيت فيها فهي لا تصلح ان تدخل على الاله المنيع وأنت تطلب منه الغفران ثم يدفع له خاتما من الحديد ويقولون له ان هذا الخاتم الذي تريد به عفوه عنك فإذا ثبت في يدك فقد عفا عنك وقبل توبتك ثم بعد ذلك يامر الملك الهضام بفتح القبة لذلك الشخص فإذا دخل على الصنم وشافي نفسه شيئا فيظن ان الصنم قد طالب رضاه وكلما قرب من الضم جذبته السلسلة إلى ورائه فإذا كان لا ينقلع الخاتم من يده يامرونه با لسجود فيخر ساجد ولم يزل كذلك حتى يهتف به من جوف الصنم الشيطان الموكل به ويامره بالقيام قيقوم فينذر ذلك الشخص مما امكنه من الذهب والفضة أو جواهر أو جوار أو عبيد أو خبل قدر ما تصل إليه قوته وقد استولى

--------------------------------------------------------------------------------

[ 7 ]

اللعين الهضام بهذه الحيل على اموال الناس فلما فرغ من ذلك خرج إلى فلاة عظيمة ملءالارض فجمع الصناع وامر بحفر حفرة طويلة طولها اربعمائة ذراع وعرضها مثل ذلك ثم جعل لها اساسا وبناها بالصخور العظام واوقف عليها الف عبد اسود غلاظا وافرد ذلها الف بعير يحملونها الاحطاب والاخشاب والف عبد يجمعون لهم ذلك ويحملونه إلى الحفرة والف يصرمون النار في الليل والنهار وسمى تلك الحفرة جهنم حتى إذا مربهم طائر احترق من شدة لهيبها وبنى لها درجات عاليات ولما فرغ من ذلك بنى دائرة واسعة طولها عشرون فرسخا وعرضها مثل ذلك وجعل طينها المسك والزعفران واحجارها من جميع الالوان مثل الاحمر والاصفر والابيض والاخضر والازرق وغرس فيها الاشجار وجمع فيها كامل الاوصاف والا طيار وبنى في وسطها دكة بيضاء من الرخام المختلف الالوان واتخذ فيها قصور وجعل سقوفها من الذهب الاحمر والفضة البيضاء وجعل فيها جواري ابكار كانهن الاقمار ونظم ذوائبهن بالدر والياقوت ووكل بابواب تلك المقاصير غلمانا مر داجردا وسماهم الملائكة عليهم حلل من انواع الحرير وعلى رؤوسهم عمائم خضر وجمع في هذه المقاصير من الفواكه الصيفية والشتوية من اطيب الاثمار وجعل فيها الاطيار تغرد على الا غصان بانواع اللغات وجعل فيها اصناف الطيب المعجون يماء الورد من حول تلك المقاصير وفيها الخمر مسكوب والعسل مصبوب واللبن محلوب يصب في قنوات فمن اطاع هذا الصنم ادخله هذه الجنة ولذذ بنعيمها ومن عصاه ادخله هذه النار يتلظى بجحيمها وقد تزايد أمر هذا اللعين الجبار وشاع بين العرب بشجاعته وعظم شره حتى لقبوه بمرارة الموت.

(قال الراوي): فلما سمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بذلك قال ويا ابن انيس لقد حدثتني لم اسمع مثله قط واين أرضه وبلاده ومستقره قال يا رسول الله باطراف اليمن مائلا إلى العمران في واد يقال له وادي القمر فنادى برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أين أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين مفرق الكتائب ومظهر العجائب ومبدي الغرائب الليث المحارب والغيث الساكب والحسام القاضب ليث بني غالب أمير

--------------------------------------------------------------------------------

[ 8 ]

المؤمنين علي بن أبي طالب فلما سمع نداء رسو ل الله صلى الله عليه [وآله] وسلم علي بن أبي طالب وثب قائما على قدميه وانشد وجعل يقول شعر لبيك من داع ومن منادي لبيك نور الله في البلاد لبيك من داع إلى الرشاد فرجت عني كربة الفؤاد قل ما تشاء يا اكبر العباد افديك نالا هلين والاولاد.

(قال الراوي): فلما سمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم تبسم ضاحكا من قول الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه ثم اقبل الإمام على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ووقف بين يديه فضمه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى صدره وقبله بين عينيه وقال معاشر المسلمين هذا علي ا بن اعمي ووارث علمي وزوج ابنتي وحامل رايتي وسيف نقمتي من اساء إليه اساء الي ومن احسن إليه فقد احسن الي ومن احبه فقد احبني ومن ابغضه فقد ابغضني اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ثم قال عليه الصلاة والسلام اسمعت ما وصفه عبد الله بن انيس الجهني عن عدو الله هضام بن الجحاف وتجبره وكفره وجموحه قال نعم يارسول الله فقال رسول الله يا ابا الحسن ان الله امرني ان اخبرك بهذا الخبر وقد وعدني ربي بنصرك وحفظك ورجوعك الي سالما غانما فماذا تقول وامر لك عصابة من المسلمين وجماعة من المؤمنين تسير فيهم إلى عدو الله الكافر وقد بلغني ب انه تكاسر من الورود وان أكثر منهم مددا وهو القادر على ان لا يبقي منها احدا.

(قال الراوي): فاطرق الإمام علي راسه ثم رفع راسه إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ونظر ولم يتكلم ثم عاد إلى اطراقه ساعة ولم يتكلم ثم عاودها ثالثا فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وقد تبين في ذلك الوقت في وجوه المنافقين وقال بعضهم لبعض ان علي بن أبي طالب كره التوجه إلى الهضام ويحق له ذلك ومن يقدر على وصف عبد الله بن انيس وتكلم المؤمنين على قد ما وصل إليهم وقال بعضهم لاشك انه يطلب جماعة يسير بهم إلى عدو الله ولكنه اسيحياء رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ان يذكر له ذلك وقال بعضهم ان عليا كره الخروج من غير جذع ولا فزع وكثرت الاقوال بين الناس وعظم على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال يا ابا الحسن ما السكوت والتواني برد الجواب ما املت منك الا انك أمر مبادر والى ما اخبر تك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 9 ]

مسارع فهل لك من حاجة فتقضى أو كلمة فتمضى.

(قال الراوي): فلما سمع ذلك الإمام علي كرم الله وجهه من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وتبسم ضاحكا وقال يارسول الله حاجتي تقضيها كائنة ما كان قال نعم اي والذي بعثني با لحق بشيرا ونذيرا اني اقضيها ان وجدت إلى قضائها سبيلا فقال الإمام علي رضي عنه الم تأتيك البشرى من عند المولى الكريم رب العالمين ان ترسلني لهذا الأمر وضمن لك سلامي وحفظ رعايتي فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم نعم يا ابا الحسن فقال الإمام علي كر م الله وجهه إذا كان من يعصمني ويسلمني ويحفظني لا حاجة باحد غيره ولا تبعث لهذا الأمر احد سواي فحسبي يا رسول الله نصر الله عز وجل وهو خير الناصرين واسال الله جلب المسرة إلى فؤادك.

(قال الراوي): فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم تهلل وجهه فرحا مسرورا وقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يا ابا الحسن كفاك الله شانيك واهلك معاديك ثم كبر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وكبر المسلمين جميعا عند ذلك فرحين بما كشف الله من قلوبهم من الهم والكرب وارغام انف المنافقين اعداء الله قال عبد الله بن أبي سلول لعنه الله وهو راس المنافقين بالمدينة هذه أعظم فرحة وحق اللاتي والعزى لنحرقن عظام علي بن أبي طالب بنار الهضام ولو خرج محمد إليه بجميع أصحابه ما قدروا عليه ولا بقيتم ترون علي بن أبي طالب بعد هذا اليوم ان هو خرج إليه ثم ان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم دعا بدواة وقرطاس وقلم ودفعها إلى الإمام علي ابن أبي طالب وقال له اكتب يا ابا الحسن إلى عدو الله الهضام كتاب بالتحذير فكتب الإمام علي كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن عبد مناف داعي الورى إلى الانصاف وهاديهم إلى طريق الخير والغفران إلى الهضام بن الجحاف الباهلي اما بعد لقد اتصل إلينا ما أنت عليه من التكبر والتجبر والعتو على الله عز وجل وما صنعته من جنة ونار يا ويلك والويل ثم الويل لك تتخذ الحديد والجنادل اربابا من الله عز وجل ارايت ما صنعته من نارك لو انك امرت عبيدك الذين ينقلون الحطب والاخشاب ان يسكنوا عنه يوما واحدا لسكن لهيبها وانقطع

--------------------------------------------------------------------------------

[ 10 ]

وهجها وخمد حرها يا ويلك والويل لقومك بل لوحملوا إليها الماء وسكبوه فيها لطفئت حرارتها وذهبت جمرتها فاين نارك من نار وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين لا يخمد حرها ولا يبرد لهيبها وهي لا توقد بحطب ولا بخشب بل توقد بسخط الله عز وجل فلا تخمد في ليل ولا في نهار عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون واعلم ان نارك التي توقدها انما هي جزء منها وهي اثنان وسبعون جزء واما جنة الخلد التي وعد المتقون ففيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين لا يفنى نعيمها ولا ينقص ثمرها ولا يصفر ورقها والمؤمنين فيها متنعمون في جوار رب العالمين وعلى الارائك متكئون واما جنتك التي احدثتها فلو امرت بمنع الماء عنها لجفت اغصانها وفسد ثمارها فاترك ما أنت عليه من تكبرك على خالقك ورازقك ولا تنفعك نارك ولا جنتك فقل معي لا اله الا الله محمد رسول الله واشهد لي بالرسالة تكن من الفائزين والصديقين فإن ابيت رميتك بسيف قاطع وبطل مانع.

(قال الراوي): ثم ان الإمام عليا كرم الله وجهه قرأ الكتاب على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فاخذ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم الكتاب بيده الكريمة وطواه بعد ان ختمه بخاتمه الشريف ثم قال يا ابا الحسن خذ معك من المسلمين رجلا فإذا قربت من ديار عدو الله فقدمه امامك رسولا بهذا الكتاب فإن أجابه إلى ما دعوناه إليه وآمن با لله وصدق برسالتي فكف يدك فإن الله حليم لا يجعل با لعقوبة على من عصاه وان أبي هو وعصى فانظر لنفسك وتدبر امرك واحذر من الحصون في مسيرك وتوكل على الله وقل لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

(قال الراوي): ثم اقبل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم على أصحابه وقال لهم من يمضي برسالتي مع ابن عمي وانا اضمن له الجنة ولا يكون الا عارفا بديار القوم فعند ذلك نهض جميل قائما على قدميه وكان جميل رجلا مشهورا لأنه كان قريب عهد بالإسلام وكان لا يخفى عليه شيء من مياه العرب ولا من منازلهم فدفع له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم الكتاب وقال سر يا ابن كثير.

(قال الراوي): ثم قال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم اخرج مع ابن عمي علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعند ذلك قال ابن كثير يارسول الله دعني اتقدم امام ابن عمك فاني لا اطيق المسير معه واني ان شاء الله تعالى اسبقه إلى ديار

--------------------------------------------------------------------------------

[ 11 ]

عدو الله الهضام وأسير إليه راجعا برد الجواب والاقيه واسرع له الخطاب فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يا جميل اصلح الله شأنك فقال يارسول الله ثم اتى إلى داره واصلح شانه وشد راحلته واقبل إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وودع من كان حاضرا من المسلمين فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم سر يا جميل وقل لا حول ولا قوة الا با لله العظيم.

ثم ان جميل ركب على ناقته وخرج من المدينة وهو عدو الهضام هذا كان من حديث جميل واما ما كان من حديث أمير المؤ منين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فانه اقام في المدينة بقية ذلك اليوم فلما دخل المساء اقبل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فحدثه بخبر الذي مضى ثم قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يا ابا الحسن ايهما يخرج على مطيتك أم على جوادك بل المطية اصلح فانها تحمل الزاد وتصير على مشقة السير، وقد جعلت الأمر إليك فقال له الإمام أنا موفق بحفظ الله ومتوكل على الله، ولو جعلت الأمر الي فاني لا اسير من عندك الا رجلا فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يا ابا الحسن فكيف يكون لك طاقة بحمل الزاد فقال له الإمام علي رضي الله عنه وحق الذي اختارك واصطفاك لاازال صائما حتى يردني الله إليك سالما.

(قال الراوي): فلما سمع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ذلك الكلام من علي كرم الله وجهه تغرغرت عيناه با لدموع ثم قال اللهم لا تفجعني بفقده ولا تحزني من بعده اللهم انه وديعتي إليك فاحفظه حتى ترده الي الا سالما يامن لا تخيب عنده الودائع ثم ان الإمام عليا رضي الله عنه انصرف إلى منزله وبات الليلة يتحدث مع اولاده فلما اصبح الصباح قام الإمام علي رضي الله عنه فتوضأ وافرغ آلة حربه وتحزم بمنطقته وتنكب بجحفته وضم اولاده وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة ثم اقبل على فاطمة الزهراء رضي الله عنها وقبلها بين عينيها ثم خرج إلى المسجد وصلى مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم صلاة الصبح ثم قال يارسول الله منك القول ومني السمع والطاعة اتاذن لي با لخروج فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لله الأمر من قبل ومن بعد فإذا عزمت فتوكل على الله ثم نهض رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قائما على قدميه ونهض الناس معه ولم يبق احد الا خرج مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو يوصي الإمام عليا كرم الله وجهه ويحدثه بما يجري به في طريقه والناس يتعجبون من سير الإمام علي

--------------------------------------------------------------------------------

[ 12 ]

وحده فلما بعد عن المدينة وقف النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وودع الإمام علي ودعا للإمام بدعوات تحجب عنه خلق الأرض والسموات ثم أمر الإمام با لمسير، وقال سر بارك الله فيك الله خليفتي عليك.

(قال الراوي): ثم ان صلى الله عليه [وآله] وسلم وامر الناس با لرجوع فرجع الناس وسار الإمام طالبا بلاد اللعين الهضام وحيدا بنفسه ليس معه من يؤانسه الا الله وكان المنافقون قد خرجوا جميعا عند الوداع وهم يقولون اما ترون هذا علي بن أبي طالب إذ هو تعرض لمرارة الموت لم يبق لهذه الديار يعود وهو فرحون مسرورون يقولون قد فقد علي بن أبي طالب حين صار لمرارة الموت والنبئ صلى الله عليه [وآله] وسلم والصحابة يدعون للإمام بالنصر والتاييد على اعدائه فهذا ما كان من أمر المنافقين والنبئ صلى الله عليه [وآله] وسلم.

(قال الراوي): واما ماكان من أمر الإمام علي كرم الله وجهه فانه سار واستقام به المسير واسلم نفسه لله عز وجل وانشد شعرا :

أسير وحدي إلى ما قد أراجيه *** إذ كل ما قدر الله من أمر ألاقيه

لا تكره الموت في بدو ولا حضر *** إن يدن منك فكن أنت مدانيه

أسير مستلما لله معتمدا عليه *** في كل أحوالي أناجيه

به الود سواء وما لي عنه مصطبر *** وكيف وكيف عبد يرجي من مراجيه

صلى الاله على طه وعترته *** مادام طير على غصن يناجيه

(قال الراوي): فبينما الإمام سائر وقد غاب عن المدينة وإذا بصائح من وراه ينادي يا ابا الحسن سألتك بالله ورسوله ان تقف لي حتى الحقك فوقف الإمام والتفت ورائه وإذا برجل طويل السواعد عريض المناكب وهو يسرع في خطائه ويرول في مشيه فتأمله الإمام علي رضي الله عنه فاذاهو رجل من اشرار المنافقين يقال له ورقة بن خضيب من اقارب ابن أبي سلول المنافق لعنه الله وكان الملعون يتجسس الاخبار لعدو الله الهضام بن الجحاف ويظهر الإسلام ويكتم النفاق ويريد بذلك انه يظهر برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وابن عمه فلم يجد لذلك سبيلا فلما نظر الإمام خرج في ذلك اليوم وحيدا فريدا اقبل ذلك الرجل على قومه للنافقين فرحا مسرورا وقال لهم الآن قد بلغت مرادي وبلغت امنيتي

--------------------------------------------------------------------------------

[ 13 ]

وها أنا أريد ان ارافق علي بن أبي طالب إلى ان اجد فرصة أو غفلة عند قومه أو سيره فاقطع راسه وامضي به إلى الملك الهضام لانال عنده المنزلة العليا وعند الاله المنيع الرفيع واتقرب إليهم واصير عندهم صاحب قدر واشفي قلبي من العلل فقال اخوته المنافقين نشكر اللاتي والعزى وفرحوا بذلك فرحا شديدا لما يعلمون من شجاعته وقوة قلبه فما منهم الا وقد وعده بصلته وجعل له جهل ان وصل إلى ذلك .

(قال الراوي): فعند ذلك خرج ورقة من خضيب ولحق أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه معارضا له سالكا طريقا قال فالتفت الإمام إليه وقال من أنت ومن أين اتيت والى أين تريد فقال ورقة اتيت أريد مرافقتك ومصاحبتك ومساعتك على اعدائك لانني مبتهج بمحبتك ومجتهد في خدمتك عند ذلك قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه من احبنا لقي بحبنا نعيما ومن ابغضنا لقي ببغضنا جحيم وكان الله بما قضى عليما ارجع يا ورقة لا انس لي بك والله اعلم بما اضمرت فجزاك عليه يوم يقوم الناس لرب العالمين فقال ورقة يا ابا الحسن اني ما اتيت حتى استاذن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في الموافقة والمسير معك والمساعدة لك على اعدائك ثم انه الج عليه في السؤال بالمخادعة والحيلة عنه إلى ناحية من الطريق وسمح له با لمسير معه .

(قال الراوي): ثم سار عدو الإمام متجانبا متباعدا عنه وسار عدو الله إلى جانبه ولم يبدله شيئا وكتم امره فقال له الإمام ان كان ولابد من مصاحبتي فلا تسألني عن شيء حتى يحدث لك منه ذكرا فاجابه ورقة إلى ذلك وقال با بي أنت وامي وكيف اتعرض لك في شيء وأنت من بيت النبوة ومعدن الرسالة واقتبس منك ومن علمك ولا انازعك في صنعك ولا امانعك قي امرك وانما أنا مساعدك في سفرك ومعاونك على اعدئك فعند ذلك خلى الإمام سبيله وجعل يقول: من صاحب الليث يرجو منه خدعته يسقى من اظفاره كاس الزي جرما من يشرب لا يأمن عواقبه لو كان يعلم عقبى السم لامتنعا من اضمر الشر ياتي نحوه عجلا مسارعا قاصدا قد جاء متبعا.

--------------------------------------------------------------------------------

[ 14 ]

(قال الراوي): فلما سمع ورقة هذه الابيات من الإمام لم يرجع عما اضمره بل انه سمع غيظا وثم يزالا سائرين والإمام علي يقول حسبي الله ونعم الوكيل حتى وجب عليهما فلم يجد الإمام ماء يتوضا منه فسار إلى ان قرب العصر فاشرف الإمام على رجل واقف على بئر وقد ملا سقيه والى جانبه مائدة منصوبة وعليها صحف مملوة بالطعام واقراص من العيش فلما نظر ذلك الرجل الإمام وورقة قال هلما إلى الطعام الفاخرة والماء البارد بلا ثمن ولا جزاء فاسرع إليه الإمام ولم يمهله حتى قبض على اطواقه وجلد به الأرض وجلس على صدره وحز راسه ثم عمد إلى الماء فاراقه ثم حفر حفرة كبيرة وجعل فيها الطعام ورد عليه التراب حتى غيبه وسار كانه لم ينبه شيئا فقال له ورقة يا ابا الحسن قد قد تجارات على فعلك واسرفت في صنعك وظلمت في حكمك بما فعلت بهذا الرجل الذي يبرد الماء لعابر هذا الطريق وينصب للجيعان من غير ثمن ولا جزاء وتقدمت إليه وذبحته والى طعامه فدفنته والى مائه فارقته وتركتنا نلتهب عطشا فوالله لقد تجارات في فعلك واسرفت في صنعك فقال له الإمام ألم اقل لك لا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذاكر ارجع الآن فانك لن تستطيع معي صبرا .

(قال الراوي): فازداد اللعين كفرا وامتلا غيظا وقال في نفسه كيف ارجع واداع ابن أبي طالب وحق اللا دتي والعزى لا ارجع حتى اقطع راسه وامضي بها إلى الملك الهضام وابرد قلبي واشفي غليلي ثم اقبل على الإمام بمكره وخداعه وقال يا ابا الحسن أنتم أهل الجود والكرم والاحسان والعفو والامتنان ولست اعود إلى شيء تكره فسمح له الإمام بالسير معه فسار إلى الى وقت العصر ثاني يوم فاشرف الإمام على حوض مملوءة وبجانبه مسجد قد طرح النحل على جدرانه وإذا بشيخ كبير جالس إلى جانبه وعنده جارية حسناء وعليها اثواب الزينه وثياب مزعفرة فلما وصل إليها الإمام حل منطقته ووضع سلاح واخرج زنادا كان معه وقدح منه نارا واطلقها في المسجد فا حترق المسجد سريعا وتساقطت حيطانه ثم انه حفر حفرة وعمد إلى الصبية فجعلها فيها ورجمها حتى حتى ماتت ثم عمد إلى الشيخ فقطع يديه ورجليه وتركه مخضبا بدمائه ثم عمد إلى الماء فتوضأ وصلى وانصرف كانه لم يفعل شيئا .

--------------------------------------------------------------------------------

[ 15 ]

(قال الراوي): فلما رأى ذلك ورقة ثار وامتلا غيضا وحمقا على الإمام لكنه خشى من صولته وهجومه عليه قال له وهو يلين له الكلام يا ابن أبي طالب والله ما امرك الله ولا رسوله ولا نطق بذلك القرآن عمد إلى المسجد فا حرقته وهدمته والان عاد خرابا وعمدت إلى الشيخ فقطعت يده ورجليه من غير ذنب ولا جناية سبقت منه إليك ثم عمدت إلى صبية من حسن الناس وجها فرجمتها حتى ماتت وهي كانت تصلح لمثلك والله لانصرت وهذه الفعال فعالك فتبسم الإمام وقال والله لولا اني أريد ان اظهر لك بيان بما رايته والا كنت عجلت بروحك ولا كذبت على وعارضتني لي فاهلكت وتدبر امرك وانظر إلى ما أنت له صانع وسيظهر لك يا ويلك اما رأيت وعاينت وان سالت عنه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم اخبرك به فارجع عني واستغنم السلامة واكرم الناس من إذا قد عفا وهذه الثانية صحبتي وعدت إلى الثالثة جازيتك بعلمك يا ويلك الم اقل لك ما قاله العبد الصالح لموسى بن عمران انك لن تستطيع معي صبرا فقال يا ابا الحسن اعف عما قلت ولست اعود إلى ما تكرهه ودخل على الإمام بمكروه وخداعه وهو يظن ان يظفر به فسمح له الإمام بالمسير معه ولم يزالا فيه عين ماء كبيرة المياه وبجانبها حظرة واسعة وعلى بابها عبد عظيم الخلقة احمر العينين عريض المنكبين مفتول الساعدين فلما نظرهما قال للإمام اعدلوا إلى هذا المنزل فقد ولى النهار واقبل الليل فقال الإمام سرولا تتعرض لما ليس لك به علم فقال ورقة والله ما بك خوف من هذا الاسود حيث رايته يطيل النظر إليك فلما سمع الإمام ذلك تغير وجهه وقال لورقة ويلك امثلي يفزع من ابيض واسود وانا من أهل العلم والتاويل والدلالة والتفصيل ثم عطف الإمام ناحية العبد فلما رآه العبد مقبلا إليه ورحب به وفتح له باب الحظيرة فدخل الإمام ودخل الاسود في

--------------------------------------------------------------------------------

[ 16 ]

نحوهما واغلق باب الحظيرة فلما وصل الإمام وسط الحظيرة وإذا هو بجماجم مقطوعة وعظام مهشومه فوقف ينظر إلى ذلك ويتفكر ويتعجب وإذا هو بسبعين عظيمين قد خرجا من جانب الحظيرة وقصد احد منهما إلى نحوي الإمام والاخر إلى ورقة فالسبع الذي وصل ورقة هدر وزمجر فلما عاين ذلك قصد نحو الإمام وهو يرتعد كالسعفة في مهب الريح واصطكت اسنانه واهتزت ركيتاه من شدة ما نزل به من الخوف والفزع وهو ينادي برفيع اصواته ادركني يا ابا الحسن خالفتك فهلكت فبالله عليك يا ابا الحسن خلصني مما أنا فيه ولا تؤاخذني بسوء افعالي قالت من أهل الكرم والجود فتبسم الإمام ضاحكا من مقالته واما الإمام فلم يعتن بالسبع الذي وصل إليه ولم يلتفت إلى مبتله فلما قرب السبع من الإمام صرخ صرخته المعروفة الهاشمية فتضعضع السبع من شدتها ووقف مكانه وخمدت قوته من صوت الإمام وجعل ينادي أنا السيف المسلول أنا ابن عم الرسول أنا مفرق الكتائب أنا مظهر العجائب أنا الحسام القاضب حامل ذو الفقار أنا البحر الساكب القاضب أنا ليث بني غالب أنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم وثب على السبع بقوته وضربه ضربة عظيمة فمات ثم حمل على ورقة فوثب عليه ونادى أنا الليث التمام أنا البطل المقدام أنا قاتل اللئام أنا مفرج الزحام فعند ذلك فر السبع داخل البيت عندما نظر ما حل باخيه وجعل العبد يحد النظر إلى الإمام ويتعجب مما فعل فجرد صحيفة هندية وتقدم إلى السبع يحرضه وهو شدة غيظة على قتل اخيه فحرضه على الإمام فغمد السبع إلى الإمام وعمد الاسود إلى ورقة يريد قتله قبل قتل الإمام فقال ورقة للاسود مهلا وقيت الردى وكفيت شر العد فانني معين لك على امرك لعلي اقتله واخذ راسه إلى الهضام لانال المرتبة العليا والان اختلطنا بعد الملك الهضام فإن قتلناه فنكون لنا اليد العليا عند الملك الهضام وعند الاله الرفيع فعند ذلك فرح الاسود من مقاله ومال علي الإمام وورقة معه وقال يا ابن أبي طالب إلى أين طالب فانظر إلى نفسك وتدبر امرك فلم يلتفت الإمام وهجم على السلع وضربه ضربة

--------------------------------------------------------------------------------

[ 17 ]

هاشمية بين عينيه فلما نظر الاسود ذلك انذهل وعلم انه ان اقدم على الإمام ارداه فرمى صفيحته من يده ونادى يا ابن أبي طالب ارفق على اسيرك واحسن الي فاني لم اعلم بك ولا بمكانك حتى سمعت ذكرك من رفيقك احسن الي يا ابا الحسن احسن الله إليك فلما سمع ذلك منه الإمام قال اعتزل حتى افرغ من عدو الله واعود إليك فيقضي الله بحكمه ما هو قاض ثم عمل على الإمام إلى ورقة وقال يا راس النفاق قد اظهرت يا عدو الله ماكنت له سائرا وما أنت عليه عازم وضامر فانظر الآن لنفسك وتدبر امرك فقد آن اوان قتلك ثم نادى ورقة يا ابن أبي طالب سألتك بحق محمد ابن عمك الا ما ابقيت علي واحسنت بكرمك الي فقال له بعد نفاقك وكفرك ما ابقى عليك هيهات هيهات فلما ايقن اللعين بالهلاك قال يا ابن أبي طالب الظلم لا يفارقك ولا يفارق ابن عمك فحدثني عما ظهر لك أنت في طريقك هذا من سوء فعليك مما لا يرضاه الله ثم افعل ما بدالك فاني اشهد انك أنت وابن عمك ظالمان ساحران فغضب الإمام من مقاله ورقة غضبا شديدا وقال له يا عدو الله تبارك وتعالى قد باعد بيننا وبين الظلم والعدوان وجعلنا من أهل الكرم والاحسان ويل لك ولقومك فانا اكشف لك ولقومك جميع ما رايته في طريقنا اما الرجل الذي اقبلنا عليه وعنده الماء والطعام فانه كان مسموما وانما صنعه للناس حيلة فإذا اكل احد الطعام وشرب من الماء هلك لوقته فيأخذ ماكان معه وقد اهلك بهذه الحيلة خلقا كثيرا فلما اتيته قتلته عمن قتل من الناس واهرقت الماء ودفنت الطعام لئلا ياكل منه الطير والوحوش فيهلكوا واما الشيخ الذي اتيناه بالمسجد وعنده الجارية فانها بنته وهو ينكحها للصادر والوارد فإذا نزل عبد سالك طريق عرض عليه بنته فإن أجابه إلى ذلك كان والا يتركه حتى ينام ويسرق منه جميع ما معه فلما قدمت عليه قطعت يديه ورجليه لا جل سرقته ورجمت الجارية لزناها حتى ماتت وأحرقت المسجد واما هذه الحظيرة وهذا الاسود وهذان السبعان فيقتل بهما جميع من اتى إليه في هذه الحظيرة وياخذ ما كان معه ثم ان الإمام تقدم إلى ورقة وضربه بذي الفقار على رأسه ففلقه نصفين ووصل

--------------------------------------------------------------------------------

[ 18 ]

الى الأرض وعجل الله روحه إلى النار فلما نظر الاسود إلى ذلك حار عقله ونادى يا ابن أبي طالب امدد يدك فاني اشهد ان لا الله الا الله ان ابن عمك محمد رسول الله واني كنت في لجج الضلالة سارج فلا زلت لك منذ هذا اليوم الا مواليا فعند ذلك تبسم الإمام علي كرم الله وجهه وقال له خذ سلب عدو الله وامض حيث شئت مصاحبا للاسلام فقال يا أمير المؤمنين اني لا اكون معك وبين يديك فقال له الإمام هذا جبل بعيد لا يصل إليه كل ضامر سلول فقال الاسود هذا الوصف لا اجده الا لك يا ابن عم الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم أنت زوج البتول وابن عم الرسول سيف الله الرسول الا يا أمير المؤمنين سألتك بحق ابن عمك الا اخبرتني إلى أين تريد فقال له اني والله أريد الهضام بن الحجاف وصنمه المنيع وحصنه الرفيع لاذيقه السم الفقيع فقال الاسود وقد تحول سواد وجهه إلى الاصفرار لما سمع بذكر الهضام فقل له يا أمير المؤمنين لا تعرض نفسك للهلا ك فطريق ما ذكرته غير سالك فكيف تصل إليه وبينك وبينه وسبعة قصور وفيها حصون وكلها مملوءة با لرجال والابطال لا يطير عليهم طائر الا منعوه من الجواز حتى يستخيروه ووصولك إلى صنمه ابعد من ذلك وان له جنة ونار ويدخل في جنته من اطاعه ويدخل في ناره من عصاه وانا اخشى عليك مما اعده من الاهوال فقال الإمام امض أنت إلى حال سبيلك ومعي ربي تعالى ينصرني وهو معي اينما توجهت فهو حسبي ونعم الوكيل ثم قال له ما اسمك فقال له اسمي هولب فقال الإمام اكتم امري ولا تبيح بسري وامض إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وجدد إسلامك على يديه فقال هولب يا سيدي هذا الذي ضمرت عليه .

(قال الراوي): فعند ذلك ودع أمير المؤمنين وسار إلى المدينة قاصدا النبي عليه السلام أمير المؤمنين ساير بلاد الهضام حتى ولى النهار واقبل الليل فعبد غروب الشمس صلى المغرب والعشاء ثم سافر طول ليلته حتى لاح الفجر فصلى الصبح ثم سار وطاب له السير وقرب الله البعيد وسهل عليه كل صعب شديد .

(قال الراوي): حدثنا أمير المؤمنين رضي الله عنه قال كنت ارى الجبال الشاهقة امامي فبينما أنا اتفكر في الوصول إليها فما ادري بنفسي الا وانا قد وصلت إليها وعولت

--------------------------------------------------------------------------------

[ 19 ]

عليها بحول الله وقوته ولا ادري بتعب ولا الم كل ذلك بحول الله سبحانه وتعالى وبركة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ثم انشد وجعل يقول شعرا:

طاب المسير بنور الله إذ لمعا *** وبان ضوء الفجر إذ طلعا

(قال الراوي): وسار الإمام علي رضي الله عنه يطوي المنازل ولا يعوج المناهل إلى ان وصل إلى أرض اليمن جعل يكن بالنهار ويمشي بالليل إلى أطراف البلاد وشرف على العمران حتى وصل إلى واد الظل وهو اول الاودية السبعة وهو واد معشب اخضر نعمه عظيمة كثيرة النبات والاشجار والمياه والظل المديد واختلاف الالوان وحسن الاطيار إذا فيه رعاة معهم اغنام ثم نظر إلى صدر الوادي فإذا هو بحصن حصين وهو يسمى حصن حصن الوجيه وهو في صدر الوادي يلوح كانه لؤلؤة له نور ساطع واشراق لا مع فلما نظر إليه الإمام حمد الله تعالى وشكره واثنى عليه على تيسير العسير الذي قرب إليه البعيد وسهل كل صعب شديد .

(قال الراوي): ثم انه انحدر إلى ذلك الوادي وإذا عأرضه نهر ماء جار يلوح صفاء بياضه والخيل والانعام والابل وسائر المواشي مرعاه البرالاخر مما يلي ديار القوم والرعاة مجتمعين ومعهم واحد بيده غابه يصفر بها وقد نظره القوم ويرتجزون الاشعار فنزل الإمام رضي الله عنه إلى جانب النهر وقد نظره القوم فلم يخاطبهم ثم انه حل منطقه وتوضأ وصلى فلما راه القوم يصلي بهتوا إليه ولم يدروا ما هو صانع وقد دهشوا من ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده فقطعوا ما كانوا فيه من لهوهم ولعبهم وقال بعضهم لبعض كان هذا من بعض كتب العرب فقال بعضهم انما هو جنة وقد أكثر القوم في الإمام رضي الله عنه وهو مشغول بما هو فيه.

(قال الراوي): فلما فرغ من صلاته مال متكئا إلى جحفته فقال بعض القوم من أين أنت أيها الرجل فقال لهم من طين من حمأ مسنون خلقني وقدرني الذي يقول للشئ كن فيكون فقال لهم الراعي الم اقل لكم انه مجنون قذفته جنية إلى هذا المكان فترك الراعي قول أصحابه وقالوا يا هذا من أين اقبلت فقال له الإمام من عند مولاي الذي كفاني بنعمته ونعمني بفضله وكرمه فقال الراعي افقير مولاك أم غني فقال الإمام مولى الموالي