[ 20 ]

علمه بحالي يكفي عن سوالي مالك المشرق والمغرب والبر والبحر والسهل والوعر والارض والسماء عليه توكلت وبه استعين فقال الراعي صدقت وبالحق نطقت اقدم علينا أيها الرجل فالطريق امامك هذه الصفة صفة الهناء المنيع وهو في احسانه بديع ثم انهم سروا سرورا عظيما وفرحوا به فرحا شديدا وقالوا له يافتى بلغت السلامة ومناك وادركت هواك فإن احببت تأتي إلينا فدونك والجسر عن يمينك واجعل راحتك عندنا لتسر بنا ونسر بك فقال لهم الإمام من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واني ارجو ان اكون على الطريق متبع النبي الناصح .

(قال الراوي): فاعرض الاعيان عنه لانهم لم يفهموا كلامه وقالوا له ان كلامك تخليطا وفي لسانك تفريطا ان كلامنا لك ضايع فاعرضوا عنه ورجعوا إلى لعبهم ولهوهم واقام الإمام رضي الله عنه مكانه إلى ان وجب العصر فصلاه وإذا بالرعيان تصارخوا وتصايحوا فقال لهم الإمام معاشر القوم ما صراخكم فقالوا ننظر إلى قطيع الظبا منحدرا من الجبل فلما نظر الإمام إلى داره ووثب قائما على قدميه ثم نزع اطماره وسلاحه وقال لهم دونكم وحفظ اثوابي وسلاحي فقالوا واين تريد فقال أريد هذه الظباء لعلي انال ظبيا فلم يبق احدا منهم الا وقد ضحك من قوله واستهزا عليه ثم قال بعضهم لبعض الم اقل لكم ان الرجل هائم على وجهه مخبوط في عقله ثم تركهم الإمام ومضى وهم ينظرون إليه ويظنون انه لا يبرح من مكانه لعظم خلقته وكبر بطنه ثم ان الإمام قام حتى توارى عن اعين الرعاة وقد قطع الشعاب وهو يشب من ربوة إلى ربوة ومن شجرة إلى شجرة ثم ادركها وهي في شدة جريها فقبض على اثنين منها واحدة بيمينه واخرى بيساره واقبل كانه الريح الهبوب والظباء في يديه فلما رأى الدعاة الظباء في يديه كبر الإمام في اعينهم ولم يز ل الإمام في اعينهم لم يزل الإمام سابر حتى اتى سلبه واستخرج سكينا وذبحهما وسلخهما واجاد غسلهما ثم حفر حفرة والتفت يمينا وشمالا يطلب حطبا فلم يجد شيئا من ذلك الحطب ورمى في الحفرة حتى ملاها ثم قدح زناد وخرج نارا اضرمها في ذلك الحطب فتاججت صار جمرا فكشف الجمر عن الحصى واخذ الظبيين ورماهما في الحفرة وردم عليهما النار من فوقهما هذا والرعاة

--------------------------------------------------------------------------------

[ 21 ]

ينظرون إليه ويتعجبون من فعله وهابوا ان يتقدموا إليه وامسكوا عن سؤاله فلما فرغ الإمام مما اراد غسل يديه ولبس ثيابه وقعد ينظر غروب الشمس لأنه كان صائما فقال الرعاة يافتى نحن ضيوفك الليلة لتطعمنا مما اقتنصت من الضبا فقال الإمام انما يضاف من يكون قاطنا بالديار فقالوا له سالنك بالهك الذي تعبد الا ما عرفتا باسمك الذي تعرف به لاننا رأينا منك ما لم نره من احد من غيرك فقال لهم اسمي زيد وكانت امه سمته زيدا وسماه ابوه حيدر وسماه النبي عليا لما امره الله ان يسميه بذلك الاسم الحسن فقالوا له يافتى لقد اعطاك الله من الشجاعة ما لم يعطيه لاحد وبقي القوم يتحدثون فيما بينهم كذلك إذ وقعت صيحة من الوادي وتتابع الصياح فجعلت الرعاة تمرد اغنامها يرومون ان يجمعوها واسرع بعضهم إلى بعض إلى أهل الحصن والإمام ينظر إليهم وإذا بخيول مسرعة فظن الإمام ان أهل الحصن فرحوا له فلم يكن من امره الا انه شد منطقه وقبض على جحفته فاقبلت الخيل افواجا في الوادي وكانت اربعة الاف حمية لأصحابهم ان يطرقهم طارق وفرت جميع الرعاة في جميع خبايا الوادي يبكون ويتصارخون فقالوا له يافتى انما نبكي على انفسنا لان سيدنا الاعضم الهضام إذا اخذ له مال رجع بالفيمة بمن كان قبلنا من الرعاة وقد رأيت ما دهمنا كثرة الخيل فقالوا ولو كان مليكنا الهضام والهه المنيع لما وصلوا إليهم هؤلاء الاقوام ولم يخلصوا الغنائم من ايديهم لانهم قد عرفوا بالبلية وصاحبهم قد يتم العرب ولا تقتصر يده الاعن بلدة واحدة فقال الإمام ما هذا البلد التي لا يضرب إليها فقالوا له مدينة بيثرب مسكن عبد الله بها فارس لا كالفرسان ويقال عنه انه مفرق الكتائب وهازم الجيوش ومفرق المواكب الجسام الغاضب والليث الغالب والبحر الساكب ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال الراوي فلما سمع الإمام هذا الكلام تبسم ضاحكا وقال أيها الراعي ما اسم هذا الرجل وما الذي يعبد واين مسكنه فقد حدثتني بعجيب فقال يعرف بالمغضب واما معبوده فانه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 22 ]

صنعه من الجزع اليماني وكانت العرب تأتي إليه والى صنمه ليخبرهم بجميع ما يسالونه عنه فلما كان يوم من الايام والناس محدقون به ويسالونه وقد شكوا إلى ملكهم المغضب علي بن أبي طالب لما فعل بسادات العرب من القتل فقال لهم يا قومي تأخروا عني لا تقدم إلى الهي العظيم واشاوره لكم في هذا الغلا م وفي المسير إليه فتأخروا عنه، .

(قال الراوي): فعند ذلك تقوم الملك المغضب إلى الهه وهو معتمد فيه واستشاره في حرب علي بن أبي طالب وقال الهي قد سمعت ما ذكرته العرب من خبر هذا الغلام وشجاعته وشكوا من فعالك وقد شكونا إلى واليك فهل لك ان تشير لنا ونسير إليه ويقاتله وأنت اخبر منا بذلك فمهما امرتنا به امتثلناه .

(قال الراوي): فلما فرغ من كلامه دخل الشيطان في جوف الصنم ونهى المغضب عن ذلك وهو يظن ا ن الكلام من الصنم ثم تململ وارتجز وانشد يقول دع ما قصدت من ارتكاب مهالك ومكاره مقرونة ببلاء لاتطلبن لقاء علي انه وحش الفلاة كذا لسفك دماء قال الراوي) فلما سمع المغضب والعرب كلام الصنم حزنوا من كلامه فخاف الملك وخاف العرب ورجعوا عن عبادته وقالوا الهك يذل ولا ينصر فهو اولى بان يدك ويحرق فتفرقوا عنه فعند ذلك تسامعت العرب والقبائل بملكنا الهضام وصنمه المنيع الرفيع وقيامه على طول الايام معلقا في الهواء فعطفت العرب جميعهم إليه وراوا منه معجزات وكلمهم بالدليل ووعدهم بهلاك علي بن أبي طالب ودا ان يكفيهم مؤنته فانصرفت وجوههم إليه واقبلوا بجمعهم عليه فعظم ذلك على المغضب واستنجد العريان وبذل لهم الاموال فجرى بينه وبين صاحبنا الهضام حربا شديدا ما شهدت العربان مثله واقاموا مدة من الشهور يقتلون حتى فنى أكثر الجماعات وافترقوا على ماهم عليه من العداوة والبغضاء وبقي كل واحد منهم يغير على صاحبه كما ترى وكانت العربان سعت بينهم الصلح على انهم يجتمعون جميعا ويسيرون إلى علي بن أبي طالب ولم يكن قد انفصل بينهم أمر فتبسم الإمام علي ضاحكا من قوله ثم اطرق براسه إلى الأرض ساعة وهو متفكر في أمر الحصون التي بينه وبين عدو الله الهضام فاجمع امره على ملاقات المغضب وقومه واقبل

--------------------------------------------------------------------------------

[ 23 ]

على الراعي المخاطب له وقال إلى أين هؤلاء القوم سائرون فقال له يافتى اما هو فبيننا وبينه فرسخين في مضيق بين جبلين يجمعون السابجقي المضيق ثم يقع والشراء فيها لياخذ كل واحد ما يخصه وينصرف إلى محل سبيله أو يقصد كل واحد منهم مكانه ومحل نومه فقال الإمام يا ويلكم فما منع صاحب هذا الحصن عن لحاقهم فقالوا له يافتى تجلى الهنا با لبركة ان في كل حصن الف رجل ولو اجتمع كل من في الحصون لكان لكان هو كفئا للجميع فلما سمع الإمام ذلك الراعي المخاطب له اخذ سيفه ودرقته وحزم وسطه بمنطقته ثم اتى إلى جانب النهر الاخر وكان عرض ذلك النهر أكثر من عشرين ذراعا ففزع الرعاة بما عاينوه وذهلت عقولهم خوفا من الإمام فقال لهم مهلا يا قوم ان ينالكم مني الاخير ان شاء الله تعالى فإن غبت عنكم حتى جن الليل فاخرجوا ما في الحفيرة وكاوه فانتم احق به من النار فقالوا إلى أين تريد فقال لهم أريد ان الحق القوم فعسى ان انال منهم خير فظن الرعاة انه يطلب منهم رفدا أو معاونة فقالوا له يا فتى ان وقعت عينهم عليك لم يسمعوا كلامك دون ان يسفكوا دمك وهم اربعة الاف فارس وملكهم المغضب أعظم من الجميع وأكثرهم اذية ومع ذلك ان وهبوك شيئا اخذ منك فلا تعرض نفسك للهلاك فقال لهم لامام لا صبر لي عن القوم لابد من اللحاق بهم فلم يكن غير قليل حتى لحق با لقوم ونظر الخيل والاسنة تلمع فقصر الإمام في مشيه حتى دخل القوم في المضيق والسابعة معهم وليس لذلك المضيق منفذ غير هذا الذي دخلوا منه با جمعهم اتى الإمام إلى فم المضيق وجلس تحت درقته جائما من وراء صخرة قابضا بيده على سيفه وهو يسمع حديث القوم في بيعهم وشرائهم وقد غابت الشمس فصلى الإمام المغرف في مكانه وقال اللهم ارزقني من عندك فطرا حلالا طيبا ولم يزل القوم كذلك إلى ان دخل الليل وطلع القمر وامتلات الأرض بنوره فبينما هو كذلك إذ سمع بعار غنم ورغاء ابل فإذا هو بشويهات وفرسين ومطيتين سرج وفارس معتقل برمحه ولامته فقال الإمام يوشك ان هذا قسم هذا الفارس فكن الإمام إلى ان خرج الفارس وما معه من فم المضيق فلما قرب

--------------------------------------------------------------------------------

[ 24 ]

الإمام لم يمهل علبه وضربه فرفع على الأرض قطعتين فاخذ الإمام جميع ما معه وتركه ورجع إلى مكانه فلم يكن الا هنيهات وقد اقبل على آخر على مثل وهو ينادي بصاحبه المعين قف حتى اجمع سهمي بسهمك ونسير جميعا فلم يرد عليه فما استم كلامه الا وقد وافاه الإمام ولوى شماله إلى يمينه وقبض عليه ودق عنقه في الأرض وضم الجواد إلى الجواد والماشية وجر الرجل الاول من الطريق إلى خارج المضيق وجر صاحبه إليه ورجع إلى مكانه فلم يستقر فإذا هو بصهيل خير ورعاة ابل وبعار غنم وثلاثة فوارس من وراء تلك الاغنام والابل والخيل فتفكر الإمام فيما يحتال به عليهم ساعة حتى خرجوا من المضيق فأسف الإمام من خروجهم وخاف ان ينبههم قبل ان يفرغ منهم فتقدم الإمام إلى احدهم وضربه بالسيف على مراق بطنه فسقط إلى الأرض نصفين فالتفت إليه صاحباه فوثب الإمام عند التفاتهما وضرب احدهما فجندله وأراد الثالث فسبقه إلى داخل المضيق وهو صارخ مستغيث بأصحابه ويقول ادركوني فقد هلك أصحابكم وهلكتم جميعا فاطلبوا لانفسكم الخلاص فقالوا باجمعهم يا ويلك ما الذي دهاك فقال يا قوم انه باب المضيق موت نازل وهو لكل من خرج منكم قاتل فصاح به المغضب وقال يا ويلك وساله عن حاله فاخبره بما رأى وعاين من أمير المؤمنين فقال له السيد رأيت من شجات مزعجات لا تكون لبشر قط ولكنه سماوي الفعال فصاح به اللعين وقال لعل ان يكون معه جيش كثير فقال يا مولاي ما معه غيره وهو اسعى على اقدامه إذا وثب جاوز الفرس بالوثبة ويخلع الرأس من الرقبة فصاح به المغضب وقال لا أم لك لعله يكون من بعض عمار هذا المكان ثم التفت إلى رجلين من قومه عرفوا بالشدة والقوة والمراس فقال لهما المغضب انظر إلى ما يقول الجبان فنهض على أقدامهما وركبا خيولهما وسلا سيوفهما إلى ان قرب من باب المضيق فصارخا من الطارق لنا في هذا الليل الغاسق المعترض لنا فإن كنت من الجن فنحن من مردة الجن وان كنت من الانس فنحن من عتاة الانس فمن أنت يا ويلك انطلق قبل أن نرميك بالعطب ونحلك بالويل والغضب هذا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 25 ]

والإمام ساكت لم يرد عليهما جوابا وهما على وجل الإمام قد لصق بالارض إلى ان وصلا إليه وحاذياه بفرسيهما فوثب إليهما كالاسد وقبض بيده على رجلين من الفرسين فاندفق الفرس مثاني واندق صاحبه وسلط الاول على أم رأسه فانشج شجة عظيمة من حيث خرج من المضيق صارخا مستغيثا بقومه فبادروا إليه وقالوا له ما ورائك قال ورائي البحر المغرق والموت المفرق فقالوا صف لنا ما رأيت قال فاني رأيت ما لا يقدر القارئ على وصفه فقالوا ما هو لا أم لك فقال هل رأيتم رجلا يحمل فرسا براكبه، قالوا لا قال هذا الرجل لحمل فرسا براكبه ثم صدم به الآخر فدق الفرس وراكبه فلما سمع القوم ذلك ذهلوا وحاروا قالوا كيف يكون ذلك وكيف يتفق ان رجلا يفعل هذا الفعل فقال هاهو بباب المضيق فمن اراد ان يعلم الأمر بالتحقيق فهذا بباب المضيق فينظر إلى ما نظرته من التصديق فلما فرغ من قوله حتى وثب المغضب بنفسه وصاح عليه وضربه بسيفه فقتله وقال له قبحتك اللاتي والعزى تبا بك ولمن ذكرت من الرجال هذا من لا يخاف سطوتي ثم قال احتفظوا على انفسكم حتى اعود إليكم فقال له قومه أيها الملك معك اربعة الاف فارس من صناديد العرب والسادات وتقدم أنت بنفسك دونهم ونحن نعلم ان فيك الكفاءة لاهل الأرض في الطول والعرض ولكن تخشى عليه ان يكون هذا من عمار الجان اومن الجن الاشرار فنخاف عليك من طوارقهم فقال لهم بحق اللاتي والعزى لابد لي من الدنو إليه فإن كان من الانس قتلته وان كان من الجن ابدته ثم انه حزم وسطه وجرد سيفه وكان عدو الله عظيم الخلقة كبير الجثة شديد الهمة فتوجه الا إلى الإمام وهو يبربر كالاسد وينشد ويقول:

أيها الطارق في ليل غسق *** وفاتكا فينا بسر قد سبق

اني أنا المغضب اسمي قد سبق *** اقطع الهامات في يوم قد سبق

(قال الراوي): فلما سمع الإمام قول المغضب علم ان كبير القوم ورئيسهم فقال هذا والله بغيتي ومرادي اللهم سهل ساعته قال واقبل عدو الله منفردا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 26 ]

بنفسه حتى وصل إلى المضيق فنظر الي القتلى وهم مجندلون فتحقق الأمر وارتعدت اوصاله وقال وحق اللاتي والعزى لقد صدق صاحبنا فيما قال وانما ظلمناه بقتلنا اياه ثم انه وقف بباب المضيق وهو ذاهل العقل وقد سمعه الإمام رضي الله عنه تعالى عنه وهو يقول وحق اللاتي والعزى ما فعل هذه الفعال احد الامم السابق ولا قوم عاد وثمود ولا يقدر على ذلك الا الغلام الذي يقال له علي بن أبي طالب فلما سمع الإمام مقالته تقدم إليه وهو على مهل فلما دنا منه ووصله إليه نظره عدو الله فتحير فبينما هو كذلك إذ وثب إليه الإمام وهجم عليه ولوح بحمامه وقال ويل لك ولابائك واجدادك ابا المنعوت بهذه الفعال أنا مبدي العجائب أنا مظهر الغرائب أنا البحر الساكب أنا علي بن أبي طالب .

(قال الراوي): فلما سمع عدو الله ما قاله الإمام علم انه لا محالة فارتعدت فرائصه وايقن بالهلاك فصرخ با على صوته وقال يا قوم ادركوني قبل ان اهلك فنهلكوا جميعا فلما سمع القوم صراخه أجابوه فلما نظر الإمام سرعه القوم هجم على عدو الله وقد امسك جوارحه فلم يستطع فوافاه الإمام بضربة هاشمية علوية على صدره فمسحب صدره وذراعيه فسقط عدو الله إلى الأرض قطعتين وقالوا وحق اللاتي والعز مالنا بقتال الجن من طاقة فقال رجل منهم اسكتوا حتى اخاطبه فإن كلمني عرفته ايش يكون ان كان انسيا أو جنيا ثم تقدم إلى ناحية فم المضيق وقال أيها الشخص المريد اخبرنا بما تريد .

(قال الراوي): فلما سمع الإمام علي رضي الله تعالى عنه ذلك أجابهم وقال أريد منكم كلمة النجاح والفوز والصلاح وهي ان تقولوا معي باجمعكم لا اله الا الله محمد رسول الله فلما سمع القوم ذلك قالوا وحق اللاتي والعزى ماهذا الا جني وقال بعضهم ما هذا الا بشر مثلكم آدمي وما نرى من الراي إلا أن نكون في مكاننا حتى يصبح الصباح فينكشف لنا هذا الأمر فلما اجتمع رأيهم على ذلك تأخروا إلى ورائهم في داخل المضيق فلما رأى الإمام رضي الله عنه تأخروا وماهم عازموا عليه تقدم إلى عدو الله وجز راسه ثم قام فذبح كبشا من الغنم التي اخذها اولا وسلخه واضرم نار وشواه واكل حتى اكتفى وحمد الله وقام بين يدي الله تعالى راكعا وساجد حتى طلع الفجر فصلى صلاة الصبح ثم تحزم واخذ سيفه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 27 ]

وحجفيه ونزل إلى فم الوادي فلما طلعت الشمس نظر إليه القوم با عينهم وهو في فم المضيق يرمق إليهم كالذئب إذا عاين قطيع غنم فقال بعضهم وحق اللاتي والعزى ما هو جني ولو كان جنيا لغاب عند انتشار الصباح وما هو الا منفرد بنفسه يريد ان يقتلنا ونحن اربعة الاف فارس والصواب ان نتقدم إليه عشرة عشرة .

(قال الراوي): فتقدم للإمام عشرة من فرسانهم فلما وصلوا إليه حملوا عليه فقتل منهم سبعة وبقي ثلاثة فولوا منهزمين فقال لهم جنادة ابن عامر وكان قد تقدم عليهم بعد المغضب انطلقوا إليه عشرين فأتوا عليه وافترقوا العشرون فلم تكن الا ساعة حتى قتل منهم سبعة عشر وهزم الباقون فجعل الإمام كلما قتل منهم رجلا يجره برجله حتى يخرجه من المضيق ليتسع له المكان وقد تزايد صيانة القوم وشاوروا بعضهم بعضا فاجمعوا على ان يحمل عليه مائة فارس فحملوا باجمعهم كحملة رجل واحد ومقدمهم جنادة ابن عامر فصاح على الإمام الا اخبرنا وما الذي تريد فقال لهم اصم أنتم لا تسمعون يا ويلكم أم عمي لا تبصرون الم اقل لكم اني عبد الله وابن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنا مفرق الكتائب أنا ليث بني غالب أنا علي بن أبي طالب .

(قال الراوي): فلما سمع القوم بذكره خافوا ورجفت قلوبهم وقالوا يافتى عجبنا من ان تكون هذه الفعال لغيرك والان فانت صاحب هذه العجائب فاعلمنا بما تريد ونحن معك على ما أنت عليه فقال لهم أريد منكم ان تقولوا باجمعكم لا اله الا الله محمد رسول الله وانا انصرف عنكم راضيا وفي الاخرة مستشفعا ولمن عاداكم معاديا قال فنظر بعضهم لبعض وهموا بالإسلام ولكن خشوا جنادة بن عامر المقدم عليهم فقال جنادة الذي ذكرته دونه بعيد ودونه ضرب شديد فلا نكون لك طائعين وانما نحن لك متقدمون ثم تقدم إليه جنادة وقال لعبده كن معي معينا على كتافه جردا اسيافها وحملا على الإمام رضي الله عنه فلما قربا منه رفع الإمام درقته وصدم بها صدر جنادة فادهشته الصدمة ثم على سراويله ومراق بطنه ورفعه في الهواء والتفت إلى العبد وقد ولى هاربا فاخذ سيفه وقصده قال إلى أين يا ابن السوداء فازغجه ثم بادره فضربه على راسه فسقط على الأرض قطعتين .

(قال الراوي): فلما نظر القوم إلى ذلك تأخروا إلى ورائهم وقالوا لبعضهم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 28 ]

نحن نطاوله إلى ان يضجر وليس معه ماء ولازاد فإذا انصرف عنا مضينا إلى حال سبيلنا فسمعهم الإمام وعرف ما قد عزموا عليه فقال لهم يا ويلكم ان كنتم ماتم مطاولتي حتى انصرف عنكم فذاك امل بعيد وعشاي اغنام تقوم بي اياما كثيرة ولم يقطع الله رزقي ما دمت حيا وان فرغت هذه الاغنام يرسل الله الي الطير فارميه بالنيال فاكل لحمه واشتق بالريح فيغنيني عن الماء وانا اظهر لكم بيان ذلك فاخذ نيله ووضعها في قوس ورمى بها طيرا طائرا فوقع إلى الأرض طريحا فاخذه وذبحه وازال ريشه وشواه واكله فلما راوا منه ذلك تيقنوا ان لا طاقة لهم به فالقوا اسلحتهم اجمعين واستسلموا إلى أمير المؤمنين ونادوا با جمعهم الامان الامان يا ابن أبي طالب ابق علينا واحسن بكرمك إلينا فقال لهم ان كنتم صدقتم في قولكم فليكتف بعضكم بعضا حتى انظر حقيقة امركم قال فاقبل القوم يكتف بعضهم بعضا حتى اوثقوا انفسهم جميعا .

(قال الراوي): فعند ذلك تقدم الإمام رضي الله عنه وقال لهم لكم واحدة من اثنين اما ان تقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله واما ان تموتون فاسلم مع الإمام من القوم الف رجل وابو عن الإسلام سبعمائة رجل وقالوا القتل احب إلينا فقال الذين اسلموا نحن نشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله وقالوا له يا امام لولا ان الهك اله عظيم قدير لما فعلت ذلك بنا واما الآن فقد رضيناه إلهنا.

فقال لهم الإمام لا يصلح إسلامكم عندي حتى تضعوا السيف في أصحابكم الذين ابوا عن الإسلام فوضعوا السيف فيهم إلى ان قتلوهم عن اخرهم فجمع الإمام الاموال بعضها وحازها واقبل عليه القوم الذين اسلموا معه وقالوا له يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم اجعلنا معك نعينك على اعدائك فقال لهم الإمام دعوني في شغلي وسيروا إلى منازلكم ادعو من بقي منكم إلى الإسلام فقالوا له سمعا وطاعة ولو امرتنا ان نطلب الهضام لما يكبر علينا في رضاء الله ورسوله ورضاك فقال لهم الإمام رضي الله تعالى عنه أنا له طالب وسترون من نصر الله ما يسركم فقالوا له يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وهذه الغنائم ما تصنع بها فقال اني سائر بها إلى ما شاء الله يفعل فيها فقالوا له افعل ما تريد فما منا معترض لك فقال الإمام رضي

--------------------------------------------------------------------------------

[ 29 ]

الله عنه أريد منكم رجال يساعدوني على سوقها فما استتم كلامه حتى برز له خمسة رجال من شجعانهم وقالوا يا بن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم نحن غلمانك وخدامك ومهما امرتنا به امتثلناه وتقدموا إلى تلك الغنائم فساقوها بين يدي الإمام رضي الله تعالى عنه وهو سائر مسرور بما فتح الله على يديه ولم يزالوا سائرين إلى ان دخلوا وادي الظل الذي فيه الرعاة فعرفوا الإمام رضي الله عنه ونظروا سائقة الغنم الخمس رجال ورأس عدو الله المغضب مع الإمام فلما تأملوا ذلك فرحوا فرحا شديدا وكانت الرجال لما اخذت مواشيهم كبرت بليتهم خوفا على انفسهم من أصحابها وايقنوا بالقتال وقال اهربوا وقال بعضهم كيف نهرب ونترك اهلنا وقال بعضهم على رسلكم حتى ننظر أمر صاحبنا ولقد رأينا منه شجاعة عظيمة اما رأيتم كيف قفز وعدي النهر بوثبة واحدة إلينا وقال بعضهم يا ويلكم تتوهمون الاباطيل من الاماني وتظنون ان رجلا واحد يصل إلى اربعة الاف فارس شجاع عوابس لم يزل معموم على ذلك منقلبون إلى ان ذهب النهار فباتوا قلقين بقية ليلتهم إلى ان برق ضياء الفجر وطلعت الشمس فبينما هم كذلك الرجاء والامان إذ طلع من بطن الوادي طالع فناهوه فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والغنائم بين يديه والخمس رجال يسوقونها معه فلما رأى القوم ذلك بهتوا وقالوا انه ما خلصها من المغضب وقومه الا بعد قتال شديد وصاروا في هذا ومثله إلى ان قرب منهم الإمام رضي الله عنه فلما وصل إليهم قام رجل من رجالها يقال له جنبل بن وكيع وقال أنا اساله لان اللسان يقصر عن وصف هذا الانسان الجليل المقدار ولولا ارادنا ماكان نزل عندنا ولو كرهنا لقتلنا عن آخر نا واخذ سلبنا ومواشينا ولكن لابد ان اخاطبه واجاوبة القاصد للمقصود فإن خاطبني لا يخفى على ما عنده فقالوا له افعل ما بدالك وما تريد .

(قال الراوي): فتقدم جنبل بن وكيع إلى الإمام رضي الله عنه ورحب به وقال يافتى الفتيان ان الذي بين يديك من الغنيمة هولك وأنت احق به من غيرك لاننا يا مولانا تحت الرجاء لكرمك متطاولون ان مننت فلك ما احسنت وان فعلت

--------------------------------------------------------------------------------

[ 30 ]

غيرذلك فيحق مافعتت لاننا يا مولانا لم نقم بشئ من واجبك ولم تكن لنا معرفة بك حتى عرفنا باسمك هاتف بالامس وزجرنا زجرا شديدا واخبرنا بك وباسمك واعلمنا بانك البطل الصبور زوج البتول وابن عم الرسول مفرق الكتائب ومظهر العجائب الحسام القاضب الاسد الطالب ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم ان جنبل بن وكيع انشد يقول أنت الذي بفعالك يضرب المثل ومن قبالك يخشى السهل والجبل أنت المنكس راس القوم من فزع بذي الفقار ونار الحرب تشتعل من سالموك ففي عيش وفي رغد ومن يعاديك مقضى دونه الامل فإن عفوت فاهل العفو أنت وان هلكت يا ضرغام يا بطل الحق لاح ينا لما حللت بنا وفي يديك رجاء الخوف والامل .

(قال الراوي): فلما سمع كلام جنبل بن وكيع تبسم الإمام ضاحكا من قوله لأنه فصيح اللسان وقال له يا ويحك من ذلك علي اسمي فاعلمه جنبل بقول الهاتف وما كان من امره فعند ذلك نظر الإمام إليهم فراى احوالهم قد مالت إلى الاصفرار من شدة ما اصابهم من الخوف من هيئة الإمام رضي الله تعالى عنه فلما رأى الإمام كرم الله وجهه منهم ذلك قال لهم ابشروا يا قوم بما يسركم فنحن باب السلامة ولنا الشفاعة في الناس يوم القيامة دونكم وسايقتكم ولياخذ كل واحد منكم ما كان يرعاه لسيده وارجوه على مكانكم فعند ذلك ردت الوانهم إلى الاحمرار ونهض كل واحد منهم واخذ ما كان يرعاه لسيده ثم قبلوا نحو الإمام كرم الله وجهه وقالوا يا سيدنا الا تستعين بنا على أمورك وتستنهضنا في حوائجك لنا جزيل على بعض وان كنا لا ندرك مداركك فصرفنا يا مولانا إلى أين تريد والى من تكيد فقال لهم الإمام يا قوم اني أريد صاحبكم الملك الهضام الجحاف وصنمه المنيع الذي فتن به العباد فنظر القوم عند ذلك بعضهم لبعض وقالوا يافتى من كانت هذه الفعال فعاله ما يبعد عليه ما يطلبه ولكن صاحب الهضام في جمع غفير وعسكر جسيم وحصون ما نعمه فدبر ذلك بحسن رايك وها نحن معك فيما تريد ان استعنت بنا اعناك لما وليتنا من الاحسان والتكريم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 31 ]

الذي بدانا به .

(قال الراوي): فتبسم الإمام رضي الله عنه ضاحكا من قولهم وقال اني لا استعين الا با لله وبالمؤ منين قالوا له يا مولانا نفديك بالاباء والامهات اخبرنا عن ماهي كلمة الايمان قال هي كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان وهي ان تقولوا معي با جمعكم لا الله الا الله محمد رسول الله قال جنبل بن ركيع اما أنا فا قولها غير متأخر عنها لما قد ظهر لي من الايات والبراهين لولا ان لك الها واحدا عظيما وهو على كل شيء قدير ما وصلت إلى ما وصلت وانا يا مولا نا اشهد ان لا الله الا الله وان ابن عمك ممحمدا رسول الله فلما نظر أصحابه إلى إسلامه واسلموا جميعا وحسن إسلامهم كانوا واحدا واربعين رجلا رعاة ففرح الإمام بهم وباسلامهم وقال لهم يا قوم لا يصح إسلامكم الابكف قناع الحق وبذل السيف في أصحابكم فقالوا والله يا سيدنا لو امرتنا ان نقتل آبائنا واولادنا في رضاء الله ورسوله ورضاك لفعلنا ذلك فشكرهم الإمام ودعا لهم وقال يا قوم هل عند أهل الحصن علم باخذ سائقكم قالوا نعم وقد سبق الخبر من حصن إلى حصن حتى انتهى إلى الملك الهضام فارسل لنا هجانين واوعدنا بالعذاب وبعده القتال وقد اغتاظ غيظا ومع ذلك فهمو من بقية التباعية وان الملك المنتقم من جماعته وان له جثة يخاف من مكره فلذلك ابعده وجعله في اول حصونه فلما سمع الإمام منهم ذلك الكلام تبسم ضاحكا وقال لهم إذا رجعتم سائقكم هذه إلى حصنكم ووصلتم إلى صاحبكم فلا تكشفوا له عن خبري ولا عن اسمي فعسى ان يخرج الي وان يقضي الله ما هو قاض فقال جنبل يا سيدي ان خرج معه قومه وأصحابه وجميع عشائرهم وهم فرسان في القتال ونخاف ان يحول بينك وبينه حائل فتلومنا على ذلك فقال لهم الإمام ان الله فعال لما يريد فإذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ثم اقام القوم بقية يومهم إلى ان دخل المساء فرجعوا بالسابقة إلى حصنهم وكان اهلهم قد قطعوا الصياح قي جميع جهات الحصن با ن السايقة رجعت فجاء القوم ولم يعلموا ما كان السبب في ذلك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 32 ]

فلما سمع القوم بذكر الخبر وكان المنتقم في هذا الوقت متكئا فاستوى جالسا وقال يا ويلكم ما هذا الأمر العجيب فقالوا انه بلغنا عن الرعاة انه لما غار عليهم المغضب واخذ المال وساقه ومضى به كان عندهم رجل غريب عابر سبيل فما زال في اثر القوم حتى دخلوا المضيق فسد عليهم باب المضيق ومازال يقتل منهم واحدا بعد واحد حتى خرج إليه المغضب بنفسه فقتله وحز راسه وجاء بها معه واتى بالمال العظيم معه وقتل منهم خلقا كثيرا واتى بسايقنا سالمة ودفعها إلى الرعاة باجمعها فلما سمع المنتقم هذا الكلام قهقه بالضحك الشديد حتى كاد ان يقع على قفاه وقالوا كذبو ا وسق اللاتي والعزى وحق الاله المنيع ولا اظن الا انهم هموا با خذ السايقة فسد عليهم الطريق الالهة المنيع فلم يجدوا لهم منفذا ينفذون منه فرجعوا إلينا بهذه الحيلة ثم أمر باحضار الرعاة فاحضروهم بين يديه وقال لهم باي حيل أردتم اخذ السايقة لانفسكم وضربتم عنا الحيلة وحق المنيع ان لم تخبروني وتصدقوني الا قتلتكم جميعا .

(قال الراوي): فعند ذلك نظر بعضهم إلى بعض وتطاولوا إلى جنبل بن ركيع لأنه كان سر الجواب فقال اعلم أيها السيد العظيم ان من قطعت انامله سرى الالم في جسده جميعه ومن حاد عن طريق الحق وقع في المضيق وما كنا نخرج من بلا دنا ونترك اولادنا والهنا المنيع فيرمينا في المهلا ك والدواهي ويحرقنا بناره وليعلم الهنا المنيع حقيقة امرنا والخافي سرنا فلا تكذبنا أيها السيد في قولنا فإن الذي طرقنا هو من عطفات المغضب الذي كان يطرقكم كل عام فلا بقيتم ترون له غراه ابدا مادام الجديدان وبقى الزمان فقد قتله وقتل معه خلق كثير من قومه فقال يا ويلكم ومن فعل بهم هذا الفعال ومن ذا الذي قدر عليهم قال فعل بهم رجل غريب من العرب وانا اصفه لك كانك تراه هو غلام بطين تجلس الوحوش حواليه للمباشرة وحسن منظره ومنطقه بالصواب ويقلع الشجرة الراسخة الازلية .

(قال الراوي): فلما سمع المنتقم وصف جنبل بن ركيع عظم ذلك عليه وصفه من شجاعة الإمام رضي الله عنه ثم قال المنتقم ويحك يا جنبل واين يكون هذا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 33 ]

الغلام قال هو قريب من بلادنا فلما سمع ذلك المنتقم صرح في قومه وعشيرته فاجتمع إليه القوم وحضروا بين يديه فقال يا قوم ان هذا الرجل الذي رد سائقكم وقتل عدوكم قد انتهى من خيرة ما لم يسمع والطاعة يا أيها السيد نحن لكلامك مطيعون ثم توعدوا بالخروج إليه في غد وكانت تلك الليلة التي قدم فيها الرجال فلما تكامل القوم خرج خلفهم المنتقم وهو مشتهر بلبس الاحمر والاصفر فركب جواد من عناق الخيل وقد لبس افخر ما عنده من لامة حربه وخرج من حصنه بجميع قومه وسار المنتقم امام قومه وهو يرتجز وينشد:

ليس الهجوم على الرجال بعزة *** يدعي شجاعا مهلكا بمناجل

بطل شجاع نازل بفنائنا *** أوفى العدة نائل أو نازل

سيروا بنا نلق الغلام بجمعنا ***لنراه حقا مثل قول القائل

(قال الراوي): فعند ما نظر جنبل إلى ما عزم القوم قال يا قوم اني أريد ان اسبق القوم إلى الإمام رضي الله تعالى عنه فاخبره بذلك ثم سار جنبل وقد حاد عن الطريق وسار في بعض الشعاب إلى ان وصل إلى الإمام فسلم عليه فرد عليه السلام وقال له الإمام ما وراءك يا جنبل فقال سيدي حفظك الله وانعم عليك انظر إلى امامك وقد اتاك المنتقم بجميع قومه فقال الإمام انه غنيمتي ورب الكعبة ولكنه قد عظم عليك ما رأيت من الجيوش يا جنبل والذي بعث ابن عمي رسولا وبالحق بشيرا ونذيرا لو خرج الي ملككم بجميع جيوشه لكنت القاه بمفردي فقال جنبل يا سيدي ان الهضام إذا ركب يركب معه خمسمائة الف عنان سوايك في النزال قومه خاصة غير ما يتبعهم من الرقيق والغلمان والعبيد فكيف تلقاه ومعه هذا الجميع كله فقال له الإمام والذي بعث ابن عمي بالحق بشيرا ونذيرا انه إذا برز إلى الهضام اتلقاه وحدي ولو يكون معه جميع من في الأرض من الطول والعرض فإن ثقتي بربي جل وعز فقل واوجز

--------------------------------------------------------------------------------

[ 34 ]

فقال سيدي المنتقم لم يترك في الحصن رجل يرجى بل خرج بهم إليك والمنتقم بعد يمثلهم فانظر ماذا ترى وما تأمرني به أنا وأصحابي فانا لكلامك سامعون فلما سمع الإمام ذلك جازاه خيرا ثم قال له بل الذي امركم به ايسر مما ذكرت واقرب مما إليه اشرت فقال جنبل ما الذي تأمرني به قال الاما م رضي الله عنه يا جنبل خذ أصحابك الذين اسلموا معك وادخلوا الحصن واغلقوا الابواب واوثقوها من داخل ولا تدعوا احدا يدخل عليكم وانكرو ا امركم واتركوني أنا وهذا الجيش وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم ينصر الله من يشاء وهو على كل شيء قدير فلما سمع جنبل ذلك من الإمام التجم عن الخطاب فقال يا سيدي نخاف ان يسمع بذلك الملك الهضام فيأتينا بجيوشه فقال له الإمام يا جنبل ان لك نفسا واجلا مقسوما فإذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون .

(قال الراوي): فلما سمع جنبل من قول الإمام رضي الله تعالى عنه قال ان كان الأمر كما ذكر فو الله لامتثلن لما امرتني به ثم قال جنبل لاتباعه ان كنتم آمنتم بالله ورسوله واتبعتم وليه فاطيعوه واسمعوا قول الإمام من الخلود في جنات النعيم وهانت عليهم ارواحهم في مرضات ربهم وقالوا يا جنبل ما الذي تريد ان تصنع فقال جنبل ادخلوا الحصن على بركة الله ورسوله واغلقوا بابه واوثقوه وتحصنوا فيه ولو دهمكم الملك الهضام بجيوشه وعساكره ما وصل إليكم لأنه حصن منيع الطعام والماء فإن طال بكم الحصار تنالوا منه وان حدث في هذا الغلام حادث فإن ابن عمه محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم .

(قال الراوي): فلما سمعوا مقالة جنبل وثبوا إليه وقالوا له أنت علينا مشير فسر بنا على ما تحب وتختار ثم ان جنبلا اخذهم وتقدم بهم إلى الحصن فلما وصلوا إلى باب الحصن وجدوا عليه جمعا كثيرا من النساء ينظرون ازواجهن واولادهن وملكهم المنتقم فلما وصل جنبل وصحابه اليهن جعلوا يفسحوهن على الباب لداخل الحصن فاستحيت النساء من ذلك وقالت يا ويلكم من عبيد ما اقل ادبكم وما الذي نزل بكم حتى تفعلوا ذلك فقالوا يا ويلكن الم تعلمن ان هذا الغلام

--------------------------------------------------------------------------------

[ 35 ]

الذي نزل بكن ودهمكن في ازواجكن واولادكن هو العذاب الواقع والسم النافع ابن عم الرسول أمير المؤ منين علي بن أبي طالب قد اتى إليكم بجيش وقد كمنوا في الشعاب وقد نزل إلى سيدكم المنتقم بجيشه وقد كمنوا في الشعاب وقد نزل إلى سيدكم المنتقم بجيشه وقد امرنا بحفظ الحصن وما فيه والحماية عنه فمن كان عندها سلاح فتاتنا به واجمعوا الجنادل والاحجار .

(قال الراوي): فلما سمع النساء ذلك بادرن إلى اماكنهن واتين بجميع الاسلحة ثم اقبل جنبل على أصحابه وقال يا قوم اني اخا ف ان يضرب الشيوخ علينا الحيلة ويمكروا بنا فقال أصحابه وما الذي ترى الراي عندي ان تمضوا إليهم وتقتلوهم فلا حاجة لنا بهم .

(قال الراوي): فمضى العبيد وقتلوا الشيوخ عن آخرهم قال فلما رات النساء ذلك تصارخن فقال جنبل لأصحابه اوثقوهن كتافا واطرحوهن في بعض زوايا الحصن ففعلوا وطابت خواطرهم ووقفوا على أعلى السور واشهروا سيوفهم ونصبوا الاعلام وفرقهم جنبل في جوانب الحصن فهذا ما كان من أمر جنبل وقومه واما ما كان من خبر عدو الله المنتقم فانه قد سار بقومه حتى اشرف على أمير المؤمنين الذي لم يكبر عليه عظم كثرتهم بل انه اظهر ميله إلى الحرب وكان على شاطئ النهر مما يلي حصنهم وديارهم فوثب قبل وصولهم إليه وثبة عبر بها إلى الجانب الاخر واقبل إلى الجسر وتامله فإذا هو من الخشب مركب على اعمدة فضرب بيده على ما يليه من الاخشاب فقلعها من موضعها وازالها من مكانها وكان عليه كثير من التراب فنهال جميع ذلك في النهر وذهب به الماء وانقطع الجسر وعاد وعاد الإمام مكانه وصار متكئا على جحفته غير مكترث ولم يزل الإمام جا لسا مكانه إذ اشرف عليه القوم وما زالوا سائرين إلى ان وصلوا إليه فنظروا إلى النهر راوه وقد قطعه الإمام وحده فعظم عليهم ذلك وتعجبوا منه وقالوا وحق زجرات المنيع ما يفعل هذا رجل واحد ثم انشد يقول يا أيها الرجل الجميل فعاله نعم المعارك قد فعلت صنيعا لك عندنا مال واحمال جزا اني لامرك في الأمور مطيعا .

(قال الراوي): فلما سمعه الإمام بادر بالغضب ووثب وثبة الاسد وتجرد من

--------------------------------------------------------------------------------

[ 36 ]

اطماره ثم جرد سيفه واخذ جحفته وعدو الله باهت لا يدري ما هو عازم عليه ثم تقدم الإمام إلى شاطئ النهر بوثبة واحدة واجتمع وانفرد من الأرض قعد النهر بوثبه وهجم على عدو الله وقال له أنت عدوي وانا عدوك وأنت طلبي وانا طلبتك يا ويلك افق من رقدتك أنا العذاب الواقع أنا الاسد الزؤر والوحش الجسور وزوج البتول وابن عم الرسول ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بني غالب علي ابن أبي طالب .

(قال الراوي): فمال إليه الفرسان من كل جانب ومكان ولما سمع المنتقم مقالته وعلم انه علي بن أبي طالب ارتعدت فرائصه وصرخ بصوت قوي وقال لقومه يا ويلكم ادركوني من قبل ان تفقدوني من بينكم فهذ ا الغلام الذي خرجت بكم إليه وقدمت بكم عليه هو علي بن أبي طالب فمالت الفرسان ووثب إليه الإمام وضربة ضربة بسيفه عرضا فارمى عدو بنفسه إلى الأرض ونادى يا ابن أبي طالب ليس العجلة من شأنك فرمى الإمام السيف عنه وقال يا عدو الله وعدو نفسك قل ما أنت قائله فعند ذلك حمل عليه القوم حملة واحدة قوية وهجموا بكثرتهم ودهموا بجمعهم ثم قام عدو الله وحمل على الإمام وقد قوي عليه قلبه وشد عزمه بانجاد قومه له وقال يا ابن أبي طالب هذا ما جنيته لنفسك وان لم ترد سائقتنا اكراما منك إلى إلينا بل اردت الخديعة والدخول حصننا والذي املته بعيد يا ابن أبي طالب يا عدو المنيع وعدو الالهة الهضام فما بقي محمد ابن عمك ينظر إلى طلعتكك فإن الحياة عادت حراما عليك بعد هذا اليوم فقال الإمام كذبت يا ملعون ولا ازول عنكم حتى اذيقكم كاس الموت والحمام وانا الاسد الضرغام والبطل المقدام ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بني غالب علي بن أبي طالب فلما سمع المنتقم ذلك ثار من الغيظ وقال لقومه احملوا عليه بكثرتكم وميلوا عليه بكليتكم ثم صرخ جديعة بن كثير وكان غلاما كثير الجسارة وفارسا مشهورا فحمل عليه الإمام ولم يمهله حتى ضربه عرضا فرمى راسه مع رقبته فلما نظر القوم ذلك حاروا ودهشوا من فعاله وهابوا ان يتقدموا إلى ورائهم وهم ينادون إلى أين يا ابن أبي طالب لنذيقك اليوم المعاطب وظنوا انهم قادرون على الإمام .

(قال الراوي): فصرخ

--------------------------------------------------------------------------------

[ 37 ]

فيهم الإمام صرخة الغيظ المشهورة في القتال ثم حمل فيهم وصاح إلى يا اولاد اللئام وحق رب الكعبة لا ازول عنكم حتى ابدد شملكم ثم حمل عليهم الإمام ووضع درقته في صدر القوم وانشد يقول أنا الخطاب والجزار ادعي أمير المؤمنين فهل معاني أنا قرم الهياج الهاشمي هدمت لخير بدء الزمان افيض على الارامل با لعطايا واكرم جيرتي في كل آن وهل نار الحروب سوى علي فدونكم تروني بالعيان .

(قال الراوي): فلما سمعوا ذلك نظر بعضهم إلى بعض والمنتقم مطرق لكلام الإمام كاطراق الحصان لصلصلة اللجام فعند ذلك اقبل عليه قومه قالوا له أيها السيد ما الذي تأمرنا به قال لهم تتبعوني قلوبكم مملوءة من الحزن والوجل شقيتم من قوم تتبعون الشعار وقد جللكم فما تم كلامه حتى برز إلى الإمام من القوم غلام رشيق وبيده عتيق وهو على مضر من الخيل العتاق فتقدم إلى المنتقم وقال أيها السيد وحق المنيع لا تيك براسه سريع فقال المنتقم ابرز إليه فلك كل المكارم فلما خرج الغلام من بين القوم قال الإمام ظهر لي شجاعته فاحببت ان يكون مثله الله ورسوله فنادته يا غلام ارى سيدك قدمك للمهالك فارجع فاني لك ناصح فلما سمع الغلام كلام الإمام تبسم ضاحكا وقال أنا ما نزعج من الامن نار المنيع فقال فعطف عليه الإمام وضربه عرضا على صدره فخرج السيف من ظهره فسقط أبو الهراش .

(قال الراوي): فلما نظر المنتقم ذلك مشى إلى الإمام له جسم كالبعير ونادى برفع صوته يا ابن أبي طالب ان البغي مسرعة الرجال وسهام الابطال ومن زها بنفسه وعجب بشجاعته اورده ذلك موارد العطب ومن سل سيفه ظلما قتل به رغما .

(قال الراوي): ثم ان الإمام حمل على عدو الله وحمل الآخر كذلك وتقارنا وتجاربا وشهد القوم منهم مشهدا عظيما ما روى الرواة مثله قال الإمام فوجدت عدو الله صبور على الضرب جسور على الطلب ثم ان الإمام جمع نفسه وقد كثر بينهم العراك والقلق وقد احمرت الحق فعلم الإمام من عدو الله التفصير وقد اشرف على الهلاك فنادى

--------------------------------------------------------------------------------

[ 38 ]

ابن أبي طالب وقال للمنتقم ارفق قليلا ارفق قلبلا حتى اخاطبك بكلام فيه المصلحة فتأخر عنه الإمام وقد طمع في إسلامه وقال في نفسه والله اشتهيت ان يكون مثل هذا الاسد الاروع في الإسلام ثم تأخر عنه وقال له قل ما تشاء فقال ابن أبي طالب أنا قد رحمك لحسن فعالك ورايت ان اعفوا عنك واطلق لك السبيل لاني علمت انك قد اشرفت على الهلاك فانا ابعث إليك بفرس ومطية وازودك الماء والزاد واهب لك من الأمور ما يكفيك وترجع ابن عمك سالما غانما وانا اشهد لك بين القبائل والعربان با لشجاعة والبراعة ثم حمل الإمام مع كلامه وقال يا ويلك اشر لنفسك واهلك واولادك وجميع قومك ان يقولوا لا الله الا الله محمد رسول الله ثم حمل الإمام وطلب انجاز الوعد فنظر عدو الله الإمام وقد عزم على قتله وصمم بعد ان ارتعدت فرائصه وصار يرتعد كا لسعفة في الريح البارد فنادى وقال يا ابن أبي طالب الصدق اوفي سبيل فبالله ابقني فإن لي في القوم مالا واهلا واولا د فإن ملت إليك يقطعها بيني وبين اهلي واولا دي وجمع مالي فخلى سبيل حتى اخاطب قومي فإن أجابوا إلى ما أريد كان الراي الحسن وان خالفوني دبرت امري وخالفتهم وفارقتهم فقال له الإمام افعل ما بدالك وأنت بين الجنة والنار فامض إلى ايهما شئت وطمع الإمام في إسلامه فخلى سبيله فرجع المنتقم إلى قومه وقد تعضعضت اركانه وخمدت نيرانه فقالوا له أيها السيد الكريم ما فعلت بهذا الغلام فقال المنتقم وسطوة المنيع لقد نازلت الابطال فما رأيت غلاما اصبر من هذا على القتال فما رأى في امره وما تفعلون فقالوا نحن معك فالذي ترضاه لنفسك رضيناه لنا والذي يامرنا به فعلناه فقال يا قوم ان هذا الغلام يريد منا ان نرفض عبادة المنيع الاله الرقيع ونعبد الهه ونشهد لا بن عمه بالنبوة ونكون معيرة العرب في المحاصل قالوا وما نرى جوابنا الا اننا نمهله بقية يومنا هذا إلى ان يتسبل الظلام فنسير إلى حصننا ونتحصن فيه من داخله ونوفق اقفاله فلا يستطيع الوصول إلينا ونرسل رسولا إلى الملك الهضام فيأتيا بجنوده وعساكره واهله كل حصن يمدوننا بالنصر على عدونا فقالوا جميعا افلح الله رايتك أيها السيد هذا هو الراي السديد فا تفق رأيهم على ذلك ثم قالوا دبر هذا الأمر بعفلك انه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 39 ]

لا يصلح الا لمبارزة كسرى وقيصر .

(قال الراوي): فلما اختلط الظلام نظر الإمام إلى جهة القوم وإذا هو برجل خارج من جيش المنتقم مسرعا إلى جهة الحصن فظن انه رسول فلصق حذق وتامل فاذاهو باخر قد خرج من ورائه واخر في اثره وهم ينسلون واحدا بعد واحد هربا الحصن فلما رأى ذلك الإمام علم انهم عزموا على الهروب من الحصن فاخذ سيفه وجحفته وجعل يزحف على بطنه كالحية على وجه الأرض إلى ان وصل إلى جانب النهر وجمع نفسه ووثب فعندي النهر ولم يعد عليهم بل عدل عنهم اسرع إلى جهة الحصن يريد الوصول إليه قبل ان يصل إليه احد منهم فمازال الإمام يسرع في سيره فلم يكن الا اقل من ساعة حتى وصل إلى الحصن ولم يصل إليه احد قبله فنظر إلى اعلاه فراى العبيد على أعلى السور وقد رفضوا الرقاد واداموا على السهر بكليتهم وقد جعلوا العذار في مرصاة الملك فلما نظر اسرع جماعة منهم وهموا ان يرموه بالاحجار فنادى الإمام لا ترموا باحجار وافتحوا إلى الباب شكر الله سعيكم وامنكم من عدوكم فعرف القوم صوته ففتحوا له الباب وفرحوا به فرحا شديدا وكانوا قد آسوا منه وقالوا يا سيدنا اقلقنا با بطائك وكثر خوفنا عليك ونوينا ان القتال إلى ان نقتل عن آخرنا في مرضاة ربنا فجزاهم الإمام خيرا ثم قالوا فما كان خبرك حتى ابطأت علينا فقال ما يكون الا الخير والسلامة وفي هذه الليلة ان شاء الله يظهر لكم تمام الكرامة ثم قال لهم الإمام اخرجوا با جمعكم خارج الباب ولا تمنعوا احدا من الدخول وانا ابلغكم منكم المأمول فقال جنبل بن ركيع يا سيدي وما الذي عزمت عليه قال ان اضرب ارقابهم فذهل القوم من كلام الإمام وخرجوا با جمعهم إلى خارج الحصن فلم تكن الا ساعة وإذا با لقوم مقبلين وفي اوائلهم دؤيب بن ياسر الباهلي فقال له جنبل ما وراءك يا ذؤيب فقال لا تسألني عن الموت الفاصل ثم هم ودخل في الحصن والإمام يسمع كلامه ثم ضربه ضربة قسمه نصفين ثم سكت واخفى خسه فبينما هو كذلك إذ دخل اخر فقاربه الإمام وضربه ففلق راسه عن جسمه .

(قال الراوي): فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه فازال راسه عن

--------------------------------------------------------------------------------

[ 40 ]

جثته وإذا بضجة عظيمة فتأملهم وإذا هو بعد والله المنتقم راكبا على بعيره وحوله غلمانه وشجعانه وقد احاطوا به من كل جانب فلما وصلوا إلى باب الحصن اناخوا البعير ثم حملوا عدو الله وانزلوه فتقدم إلى باب الحصن يريد الدخول فوقف والتفت إلى أصحابه وقال لهم يا ويلكم الزموا با ب حصنكم إلى ان تتكامل أصحابكم وادخلوا الحصن واغلقوا بابه وتحصنوا ثم ان عدو الله تركهم على الباب ودخل الحصن ومعه رجل من جماهير قومه فرفع جنبل صوته يسمع الإمام وقال يا مولاي يبلغك الاله مأمولك واعطاك سؤالك لقد ابردت بعقلك قلبي وسررت خاطري فعند ذلك فهم الإمام اشارة جنبل وكان للحصن بابان من داخل بعضهما فوقف الإمام رضي عنه عند الباب الثاني من اطماره حتى بقي في سرواله واخذ سيفه وجحفته ثم اقبل على عدو الله المنتقم وحواليه السيوف مسلولة وهو في وسط القوم كعلو الفارس على الراجل فلما وصل إلى الإمام وثب عليهم وصاح صيحته المعروفة الهاشمية وقال إلى أين يالئام إلى أين المفر من ابن عم خير البشر فلما سمع القوم ذلك ولو اهار بين يمينا وشمالا وصار عدو الله وحده واقفا باهتا لا يدري مايصنع فنادى يا ابن أبي طالب احسن الي وابقي بكرمك علي فقال الإمام اتخدعني يا عدو الله والله ان لم تقر بالوحدانية ولمحمد ابن عمي با لرسالة الا قتلتك اشر قالمة فقال له ابن أبي طالب بحق ابن عمك محمد الا ابقيت علي فعند ذلك اخذ الإمام عمامته بعد ان القاه على الأرض وكبه على وجهه واوثق كتافه وجمع يديه إلى رجليه وتركه لايستطيع ان يتحرك وعمد إلى القوم فقال لهم قولوا نشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فقالوا باجمعهم نشهد ان لا اله الا الله وان بن عمك محمدا رسول الله فقال لهم الإمام رضي الله عنه ما يتحقق عندي إسلامكم فقالوا له يا ابن عم رسول الله هذا حقيقة إسلامنا قال نعم .

(قال الراوي): فعند ذلك جردوا سيوفهم وعمدوا مع الإمام إلى الباب الذين هم داخله ففتحوه فوجدوا القوم قد دخلوا كلهم من الباب الاول واجتمعوا عند ذلك الباب الذي من داخله أمير المؤمنين فخرجوا لهم وحطموا السيف فيهم واقبل جنبل وقومه من

--------------------------------------------------------------------------------

[ 41 ]

خلفهم وصاحوا فيهم الله اكبر فتح ونصر هذا والإمام رضي الله عنه يقول امروهم ان يقولوا لا الله الا الله والا نفنيكم عن آخركم فمن قالها ارفعوا عنه السيف ومن ابى فاقتلوه فما زالوا كذلك إلى مضى ثلث الليل فنادى القوم با جمعهم الامان يا ابن أبي طالب ونحن اسراك وفي يدك فقال لهم رضي الله عنه لن يؤمنكم من سيفي إلا أن تقروا لله بالوحدانية ولمحمد الرسالة والا افنيكم عن اخركم فصا حوا باجمعهم نحن نشهد ان لا اله الا الله وان ابن عمك رسول الله فأمر القوم ان يرفعوا عنهم السيف فما مضى نصف الليل الاول الا وقد كفاه الله القوم ولم يبق عندهم من يقاتل ابدا واقبلت الرعاة وجنبل إلى الإمام وقبلوا يديه وهنئوه بالسلامة وبما فتح الله عليه في تلك الليلة فحمدوا الله تعالى واثنى عليه ثم خر ساجدا لله تعالى في وسط الحصن شكر الله تعالى .

(قال الراوي): فلما فرغ الإمام من سجوده ورفع راسه واستوى قائما أمر باحضار عدو الله المنتقم فاحضر بين يديه فأمر بحل كتافه وقال يا عدو الله وعدو نفسك انك على شفا جرف هار اما إلى النار واما إلى الجنة يا ويلك اقر لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة تفز في الدنيا والاخرة واصرف عنك المحال ودع عبادة الاصنام فقال المنتقم يا ابن أبي طالب اجعل لك حملا ارسله إليك والى ابن عمك في كل عام من جميع ما تختاره من الصنوف المثمنة من الجواهر والذهب الاحمر وما اشبه ذلك فقال له الإمام يا ويلك اما مالك وما قومك ومال ملكك ان شاء الله تعالى احمله كله إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد ان اقتلك واكسر صنمك وأنت والله ما يخلصك من سيفي الا قول لا الله الا الله محمد رسول الله فقال يا ابن أبي طالب اما هذه الكلمة لا اقولها ابدا وان عجلت قتلي فلي من ياخذ الثار وها هو المسمى بالخطاف هندي الحميري يقتص الوحوش في فلواتها والاسود في غاباتها فلما سمع الإمام ذلك من عدو الله فار بالغضب وقال الذي اوصلنا إليك يوصلنا إلى غيرك واما أنت فقد عجل الله بروحك إلى النار ثم قام الإمام علي على قدميه وضرب عدو الله المنتقم بذي الفقار فازال راسه .

(قال الراوي): ثم الإمام عليا رضي الله عنه أمر باحضار النساء فاحضرت بين يديه فعرض عليهن الإسلام فمن اسلمت اقرها في مكانها ومن ابت وكل

--------------------------------------------------------------------------------

[ 42 ]

بها من يقتلها فلما فرغ الإمام من ذلك جمع الاموال وجمع ذلك كله في دار عدو الله المنتقم وقفل عليه وختمه واوصى بحفظه ثم اقبل الإمام على القوم وقال لهم ان الله سبحانه وتعالى قد دعاكم للاسلام ومن عليكم بالايمان وانقذكم من ظلمات الكفر والطغيان واني ماض عنكم فالله في انفسكم فلا تكفروا بعد ايمانكم ولا تنافقوا في إسلامكم امل الله الرجعة إليكم عن قريب ان شاء الله تعالى بعد بلوغ ما أريد من ملككم الزميم واصرف شره وشر صنمه وشيطانه الرجيم فقالوا جميعهم يا ابن عم الرسول أنا لن نؤمن الا بحقيقة امرنا وقد علم الله صدقنا وأراد لنا الحياة واطمأنت انفسنا ونسير معك وبين فما يكبر علينا ان نقاتل بين يديك ملكنا واهلنا فلما سمع الإمام منهم ذلك سر بمقالتهم وعزل لهم مائة رجل يمكثون في الحصن وامر عليهم جنبل بن خليل الباهلي واوصاه بالشفقة على من في الحصن ووصاهم بحفظ ما فيه وامر على الرعاة جنبل بن ركيع فقال جنبل يا أمير المؤمنين بالذي بعث بن عمك با لحق بشيرا ونذيرا لا تأخرني عن المسير معك لحرب قومي وقتال عشيرتي يطول دهرنا وزماننا ولا اتركه حتى يشفي غليل قلبي وما قدمت من ذنبي قد جزأه الإمام خير على كلامه وقال له يا جنبل فإن الله كريم لا يعجل على من عصاه ثم ان الإمام دعا بعبد يقال له حصن بن شنبش وامره على الرعاة واوصاه بحفظ السائقة والاموال واوصاه يروحها كل ليلة إلى داخل الحصن ثم سار الإمام واخذ معه الثلاثمائة فارس طالبين حصن رامق ووادي الحديق وصاحبه الأمير عليه الخطاب بن هند الحميري الملقب بمروع الوحوش فساروا وقد اخفى الله امرهم وما جرى لهم فلم يعلم احد من أهل الحصون والاوديد واما الملك الهضام فقد اشتد كفره وطغيانه وتجبره وقد شاع في العرب ذكره وعظم خطره وكان يركب كل سنة ثلاث مرات إلى صنمه فإذا دخل عليه خرله ساجدا من دون الله عز وجل فلا يرفع راسه حتى يهتف الشيطان بصنمه ويامره بالقيام .

(قال الراوي): فبينما عدو الله في تزايد كفره إذ ورد عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مع جميل بن كثير العابد فاستاذن في الدخول على الملك قيل له اصبر حتى نخبر الملك بقدومك ثم ان الحاجب

--------------------------------------------------------------------------------

[ 43 ]

اخبر الوزير بقدوم ذلك القاصد فاخبر الملك بذلك فقال أيها الملك انه اتاك اليوم قاصد يذكر انه من عند محمد صاحب يثرب وابن عمه علي بن أبي طالب واستاذن في الدخول عليك والوصول إليك فاوقفه الحاجب واخبرني بخبره وها أنا اخبرتك .

(قال الراوي): فلما سمع الملك الهضام بذلك عظم عليه وقال اوقد ذكرني محمد مع ذكر وعرض لي مثل ما عرض لغيري ايظن اني كغيري من العرب وان الهي كسائر الالهة ثم أمر ببساط مجلسه فبسط وستوره علقت وبعث اكابر قومه فا قامهم حوله بالسلاح والنشاب وبايديهم العمد والحرب ولبس الملك تاجه الملع باليواقيت والجواهر واظهر نعمته واقام ترجمانه بين يديه لأجل ما يباع الكلام إلى القاصد ثم أمر باحضار قاصد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بين يديه فتبادرت غلمانه وحجابه إلى جميل من كثير فاتوا به اسرع من تكلم ثم دخلوا به إلى ان وقف بين يديه فلما نظر جميل إلى مملكته وسلطانه وحجابه وغلمانه وتاجه الذي على راسه يواقيته والقوم محدقون به التجم عن الكلام وتبلد عن السلام فغضب الملك لذلك وعرف الغضب في وجهه فاضطرب القوم لذلك وماج بعضهم ورفعوا العمد والسيوف وتوقوا خطاب الملك لكي يبادرهم بسوء فنظر الترجمان إلى ذلك وكان صاحب عقل وادب وفضل فقال للملك اعلم أيها الملك ان هيبة المملكة ومرتبة السلطنة تلجم الناظر عن الكلام عن مقالته في النظم حتى تدهشه عن السلام .

(قال الراوي): فذهب عن الملك ماكان قال به ثم قال الترجمان بجميل ان الملك يقول لك ويلك من أنت ومن أين اقبلت والى من قصدك ورسول من أنت قال جميل ابن كثير أنا رسول صاحب يثرب محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب وقد حملني هذا الكتاب وارسلته إليك لا طلب الجواب ولا طلب شرا ولا ضرا وقد فتقدم إليه جميل وناوله الكتاب ففكه وقراءه وفهم مضمونه ومعناه وقهقه حتى كاد ان يقع على قفاه .

(قال الراوي): ثم التفت الهضام إلى جميل قال ويلك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 44 ]

صف لي هذا الغلام المذكور في الأرض فقال جميل أيها الملك ان التكفر اقبح بالعبد الدنئ فكيف بالسيد فإن احببت ان اصف لك فلي عليك شرطان احدهما ان وصفته لك فلا يكبر على الملك فيقتلني بغير ذنب وأنت اغنى الناس عن ذلك والثاني اخاف ان اصفه لك شانه العظيم فيباع غيره فاكون كذابا وانا الآن اسالك أيها الملك ان لا تسألني عن هذا السؤال فاني لا قدرة لي عليه فقال الملك ان قلت ما فيه على الحق فلا خوف عليك ان كنت صادقا فقال جميل أيها الملك انه غلام موصوف با لشجاعة معروف با لبراعة اخف من البرق إذا لمع واسرع من الفهد إذا وثب حسن اليقين .

(قال الراوي): فلما فرغ جميل من كلامه تبسم الهضام ضاحكا وقال وحق زاجرات المنيع لقد وصفت صاحبك واحسنت في وصفه فدع عنك هذا الكلام واقتصر على وصف هذا الغلام واعمل في خلاص نفسك قبل حلولك في رمسك وقل لا ي شيء اتبعت محمدا وامنت به فقال جميل على ان ينقذني من النار ويدخلني الجنة التي هي دار القرار فقال الهضام ومتى يكون هذا الأمر فقال جميل إذا قامت القيامة وقامت الخلائق من التراب إلى الاجتماع في دار الحساب فقال الهضام قد اخبركم صاحبكم محمد انكم تموتون وتصيرون رفاتا ويختلط اللحم هذا باللحم والعظم هذا بالعظم وتمضي عليكم الدهور والاعوام ثم تعودون باجساد وارواح ثم يكون بعد ذلك حساب وعقاب وجنة ونار فقال لهم نعم قال له والى أين هذه النار وهذه الجنة قال شيء لا يفنى ولا ينقضي فعجل يا ويلك بالعاجل ودع الاجل .

(قال الراوي): ثم التفت اللعين إلى بعض اولاده وكان اسمه ناقد وقال له قم يا بني اكشف له عن الجنة والنار وخيره بين الدارين فاختار المقام في دار النعيم فدعه ياكل من فواكهها وثمارها ثم اخذ ناقدا جميل وذهب به إلى الجنة وقد رأى جميع ما فيها ثم قال ناقد اتبعني حتى اكشف لك عن دار هي احسن من هذه ثم اخرجه وعمد به إلى النار وقد كان ارسل إلى العبيد الموكلين بها الذين سموهم الزبانية فامرهم با ضرامها وتفويتها فلما ان قرب منها ناقد وجميل قربة واطلعه في درج عالي مبني من الرخام الملون حتى انتهى إلى أعلى الدرج فقال ناقد لجميل اتختار اي

--------------------------------------------------------------------------------

[ 45 ]

الدار اردت فلما اشرف جميل على النار ونظر إلى قعرها وكثرة زفيرها وقال ابعدوني عنها وامضوا بي إلى الجنة فلما دخل فيها جميل وتوسطها واستنشق ريحها وتصايحت به حورها وافتتن جميل واحتوى الشيطان على قلبه فسلب الله تبارك وتعالى منه الايمان ومال إلى متلهم ورفض الإسلام .

(قال الراوي): فعدل من ورائها جميل لعنة الله عليه إلى تلك الآلات والنور والآتية من الذهب والفضة فقال للجارية لمن هذه قالت لك وانا لك وجميع هذا لك حتى يمضي من وقته وساعته إلى الاله المنيع فهو الهنا الأعظم فتخر له ساجدا وتقر له بالعبودية فقال لها حبا وكرامة أنا اسجد له مائة سجدة ثم خرج جميل وناقد ابن الملك معه لأنه كان يوصي الحور العين ان يخاطبه ويلقن له ذلك فلما خرج جميل قال ناقد إلى أين تريد قال إلى الاله المنيع والرب الرقيع اسجد له واقر له بالعبودية فقال له ناقد افلحت يا هذا ونجحت ثم اقبل ناقد راجعا إلى الصنم فما زال كذلك حتى قرب من الابوا ب وما زالوا كذلك حتى دخلوه فيها وهمت المتنعمون في الجنة ان يدخلوا معهم فمنعهم الحاجب من الدخول فتصايحوا بناقد وقد قالوا له دعنا ندخل إلى ربنا المنيع الهنا السميع فنظر إلى معجزات ودلائله وآياته .

(قال الراوي): فاذن لهم ناقد با لدخول وهو امامهم قابض على يد جميل لعنه الله فما زال يدخل من باب إلى باب ان إلى دخل البيت الذي فيه الصنم فنظر القناديل توقد باطيب الادهان ونظر الصنم معلقا في الهواء لا يرقعه عمود من تحته ولا علاقة من فوقه فحار جميل واندهش واعطاه ناقد خاتما من الحديد الصني كبيرا فاخذه جميل بيده وتقدم الصنم فلما شم الصنم رائحة المغناطيس جذبه بالقوة المركبة من الحديد فلما نظر جميل إلى ذلك حار فعلم ناقد ذلك منه فقال يا ويلك اسجد فإن الاله قد قربك إليه فعند ذلك سجد جميل لعنه الله وسجد معه جميع القوم فاقبل الشيطان اللعين الموكل بالصنم فدخل جوفه وجعل يهذي بكلام التضليل .

(قال الراوي): فصاح به الخدم من كل جانب ومكان يقولون يا جميل ابشر بالخير الجزيل فقد جاد عليك المنيع بالكرم والفضيل وقد خرجت من ذنوبك كبير

--------------------------------------------------------------------------------

[ 46 ]

الناس رؤسهم فلما فرغ تمسح القوم به تبركا وهنوه على ذلك وقبلوا يديه وكذلك ما قد ولم يزلوا من حوله محدقين إلى ان اوصلوه الجنة التي يزعمونها فلما دخلها استقبله صاحبته الطاغية بكاس من خمر قالت له خذ هذا الكاس فهو تمام الفرح وزوال العمر ولم يبق بعد يومنا هذا ولا نصب فتناول الكاس من يدها وتجرعه وابعده الله تعالى عن بابه وطرده عن نبيه ونام مع صاحبته وكفر بالله العظيم ثم ان ناقدا اتى إلى أبيه واخبره بذلك ففرح الهضام فرحا شديدا وقال وحق المنيع لو وصل إلينا علي بن أبي طالب لفعلنا به مثل هذا وكان نصير إلى ما صار إليه صاحبه وينسى ابن عمه وهل يرى هذا العميم والعيش السليم ويتباعد عنه ومازال الملك في كفره وطغيانه قال فلم يمض الا يومان أو ثلا ثة بعد أمر جميل والقوم في لهوهم وسرورهم والسدنة من حول الصنم قد هجع القوم في بعض الليالي إذ صرخ الصنم صرخة عظيمة فازدحم على الابواب وقام الملك من على سريره واولاده حواليه فقال الملك لولده الاصغر وكان اسمه غنام انظر يا بني المنيظع ولاشك انه وقع بنا أمر فانظر ما هذا الخبر فمضى غنام ورجع وهو طائش العقل فقال يا ابت انه صراخ المنيع ولاشك انه وقع أمر فركب الملك من وقته وركب اولاده من حواليه وسار بهم الملك حتى دخل الصنم بعد سكوته فلما دخل عليه الملك صاح واضطرب ونطق الشيطان من جوفه ينشد ويقول:

قد حل في ساحتكم بطل *** ورمى شجعانكم كلا بالخيل

هذا علي قريب قد وصل *** فادهموه بالسيوف والنبل

ثم اقطعوا منه بعزمكم الامل *** فهو لكم وفي يديكم قد حصل

(قال الراوي): وكانت هتفة الصنم قبل ان يصل الإمام إلى حصن الوجيه حين قتل المغضب وخلص السائقة وردها وتعوق بعد ذاك حتى فتح الحصن فلما سمع الملك من صنمه هذا الكلام قال يا الهي وياسيدي لا وقفته بين يديك ذليلا ثم ان الملك التفت إلى ولده ناقد وكان اكبر اولاده فقال له يا ناقد اسجد لالهك فانك لعدوه قاصد وله قائد وعن قريب تأتي به حقيرا ذليلا فخر ناقد ساجد للصنم فسمع عنده ضاحكا واستبشار وفرحا وسرورا امن الصنم يا ناقد ارفع امرك واسرع با الاستعجال وجمع الابطال وتأتي به في القيد والا غلال منسكا في

--------------------------------------------------------------------------------

[ 47 ]

أسوء حال فلما سمع ناقد قام مسرعا ووقف مع أبيه إلى منزله فقال الملك يا ابني انك وافر العقل تام الفضل وان الهك لا يحذر الا من أمر عظيم وهذا الغلام المذكور علي بن أبي طالب وانه قد شاعت بين العرب اخباره وقد ظهر انه فارس صنديد وقرم عنيد إلا أن الهك وعدك النصر عليه واخبرك انه وحيد فريد فامض إليه وخذ من تختاره من قومك وعشيرتك واوصيك إذا لقيته فحذره من ناري وشوقه إلى جنتي فإن ركن فجد العفو عليه وابسط جناح الاحسان وان ابى فاغتنم انفراده بانك آمن من ناصر ينصره ومعين يعينه ولا شك انك تجده حصننا الاقصى وهو حصن الوجيه نازع لامع الرعيان .

.

(قال الراوي): فعند ذلك قام ناقد على قدميه وجعل يخترق الصفوف ويتصفح وجوه الرجال وينتخب الابطال واحتار ان ياخذ من صناديد القوم الف فارس فلما لا ح ضياء الفجر خرج ناقد وقومه قد تزينوا بزينتهم المدخرة عندهم ولبسوا فوق رؤسهم التيجان المرصعة با ليواقيت والجواهر المثمنة وركبوا الخيول العربية وناقد بن الملك الهضام أكثر منهم زينة وله ذوائب تبلغ إلى مؤخرة سرجه وهو مقلد بسيفين عن يمينه وعن شماله وبيده رمح خطي فلما تكامل أصحابه وعزموا على المسير ركب ابوه يشيعه ويوصيه ويحرصه على الإمام رضي الله عنه إلى ان يعدلوا عن الحصن فرجع الملك إلى حصنه وصار ناقد وهو يجد المسير فبينما هو سائر إذ لاحت غبرة عظيمة فتأملها وقال لقومه ما تكون هذه الغبرة العظيمة فقالوا لعل ان تكون غبرة رمال اوظباء شاردة اوزوابع عاقدة فقال لهم ناقد لو كانت كما تقولون لكانت منفرجة وهذه عقدة معتقدة فتأملوها جميعا فقال بعضهم وحق المنيع ان هو الا جيش وقال بعضهم غير ذلك فتحير القوم من ذلك ووقفوا جميعا فبينما القوم وقفوا متحيرون إذا انكشف الغبار ولا حت الاسنة ولمعانها وهي تبرق كالبرق وكواكبها زاهية فذهل القوم من ذلك ولم يعلموا انه جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان الإمام قد نظر من بعيد فقال لقومه يا قوم لا ترون ما ارى فقالوا يا ابن عم رسول الله ما ترى قال ارى جيشا كبيرا فتأمل القوم فنظروا جيش ابن الملك فقال يا معشر المسلمين لا شك ان أصحاب الحصون

--------------------------------------------------------------------------------

[ 48 ]

قد بلغهم خبرنا فهل منكم من يسرع إليهم فتقدم إليه جنبل بن ركيع وقال له يا مولاي اني لكلامك سامع ولامرك طائع امرني بما تشاء وتختار فاني وحق ابن عمك محمد لا اخالف لك أمر فجزاه الإمام على ذلك خير وقال له أنت لها يا جنبل فاسرع إليهم فإن كانوا من اعدائنا فلا باس ان تخدعهم بخديعتك لا تذكر لهم انكم ظفرتم بي وامسكتموني واسرعوني وانكم سائرون بي إلى الملك الهضام لتاخذوا منه الجزاء والاكرام ثم قال له الإمام بادر وفقك الله إلى مسيرك فمشى جنبل ابن ركيع إلى ان قرب من جيش ابن الملك الهضام فوجدهم قد جردوا السيوف وعزموا على القتال والحرب فنظر جنبل إليهم وإذا هو ناقد بن الملك وكان اعرف صاحب خديعة كثير المكر والحيل فلما عرفه وتحققه وعرف ناهد بن الملك ترحل جنبل عن جواده واقبل يسعى على قدميه فلما قرب من ناقد خر ساجدا لله تعالى فلما نظر إليه ناقد عرفه وظن انه ساجد إليه فقال يا جنبل ارفع راسك فقال يا مولا ي عبدك وامتك فقال ناقد اركب جواده فركب جواده فقال له ناقد يا بن وكيع ما وراءك وما الذي بلغك من خبر هذا الغلام الكثير الا نتقام علي بن أبي طالب فقال جنبل اسمع يا مولاي بينما نحن سرحنا وغنمنا على ما جرت عادتنا ونحن في الظل مجتمعون نرتع ونلعب إذ حضر إلينا غلام من أعلى الوادي وهو يهوي كالبرق يهرول في مشيه ويوسع في خطواته ثم اجتمع ووثب وثبة عدي النهر يثب كالارنب ويخطو كالاسد يقصر الليث عن وثبته في عظم خلقته وكبر جثته كبير الساعدين بعيد ما بين المنكبين فتحققناه وتقربنا منه وتصايح أهل الحصن ونزل إليه سيدنا المنتقم فنازله في ميدان الحرب فلم يزل به ومعه حتى عثرت برجله في حجر فوقع على وجهه فترامت عليه الرجال والابطال فاخذوه باقتدار اسيرا وملكوه وصار في ايديهم حقيرا ذليلا ثم كتفناه وحملناه بعد ان جندل منا جماعة كثيرة من الرجال والشجعان والابطال فاجمعنا على قتله فمنعنا عن امره المنيع الاله الرفيع فلم نجعر ان نسير به الا في عدة من الابطال والرجال

--------------------------------------------------------------------------------

[ 49 ]

الفوارس وهذا يا مولاي جملة امرنا وغاية خبرنا .

(قال الراوي): فلما سمع ناقد ذلك ما قاله جنبل تهلل وجهه فرحا وسرورا ثم قال وحق المنيع لقد فرحتم بهذا الغلام واستوجبتم فعلكم الاكرام وما خرجت من مكاني لهذا الغلام الكثير الانتقام فحصل لكم بلا ملام لكن يا جنبل ارعيني وصفك لهذا الغلام فعد إلى وامرهم ان يسرعوا إلينا ويقدموا بهذا الغلام علينا فعاد جنبل راجعا وقال يا ابا الحسن لقد اتيتك بطير سمين وهو ابن الملك في الف فارس قال فسار الإمام حتى وصل الإمام عسكرنا فقال ناقد وجبت لك البشارة يا جنبل فاين هذا الغلام المسمى بعلي فلم يتم كلامه حتى تقدم الإمام إلى ناقد واسفرعن لثامه وقال له ها أنا معدن المواهب أنا المشهور في المناقب أنا علي بن أبي طالب .

(قال الراوي): فلما سمع ناقد كلامه قمح جواده بالسوط وصرح في قومه وقال يا قوم ان جنبلا خدعكم ولم ينجيكم من القوم الا القتال الشديد فاقرنوا المواكب وصفوا الصفوف فنفرت الرجال للحملة فقال الإمام لا صحابه احملوا بارك الله فيكم وعليكم وبقي ينظر لعلي ان يقع نظره على ناقد فيقبضه قال فحملت الرجال على الرجال واختلط الجمعان ووقفوا السيف بينهم قال فبينما الإمام ينظر ناقد فإذا هو قد وجده حسن الوجه صغير السن فلما نظره الإمام اشفف عليه ان يقتله وكان لا يرحم كافرا قط غيره فبينما الإمام وناقد حملا على بعضهما وإذا بصياح عال فإذا هو صاحب حسن الرامق ويسمى الخطاف وكان قد ارسل إليها أصحاب ناقد وقالوا له الحق بن الملك فانه مع علي يشد القتال فلما اشرف عدو الله الخطاف على ناقد قال يا مولاي ما يكون للملوك قتال ارجع ودعني مع هذا الغلام ثم تقدم الخطاف إلى الإمام وهو ينشد ويقول:

مالي أرى القوم في كرب وفي حرج *** قد مر بلواجمهم بالويل والكفر

وكلهم جزعوا من خوف سيف علي *** نسل الكرام المسمى من ذوي مصر

القوم قوم إله يعرفون به *** من الحديد ومن جزع ومن صفر

لا تركن عنا تحت ذلته *** حتى اطوف به في البدو والحضر

--------------------------------------------------------------------------------

[ 50 ]

(قال الراوي): ثم حمل عدو الله وجعل يخوض المعممه بسيفه وقاتل في ذلك اليوم قتالا شديدا فبينما هو يكر على المسلمين وإذا صوت الإمام رضي الله عنه وهو يقول أنا ابن ابرار من نسل هاشم المختار أنا ماحق الاشرار فلما سمع عدو الله صوت الإمام ومهارته في الحرب وهو يخطف الفارس من سرجه ويضرب به الثاني فيقتل الاثنين فهابه القوم ولم يزل السيف يعمل والدم ينزل إلى وقت العصر فافترقوا وقد ملئت عرضا الوادي با لقتلى وتراجع الفريقان في اماكنهم ورجع الإمام إلى عسكره يترنم ويقول شعر حرمه الحرب بغيتي ومرادي وطريقي إلى فنا الاوغاد يا ابنة الطهر لو رأيت حروبي وشهودي وشدتي وجلادي وولوج الحسام في منهل النقع لا شفى من اللئام فؤادي .

(قال الراوي): فاستبشر به وفرحوا وهنئوه با لسلامة فرجعت الطائفة الاخرى إلى موضعها خاسرة فلما اصبح الصباح تراجع الفريقان وقام الحرب والطعان ثم قال الإمام ان القوم أكثر منا عددا واقرب منا ديارا واني اخاف من نجدة تنجدهم فيكثر علينا الأمر ويكثر علينا الشرواني ارى من الراي اننا نبادرهم قبل ان يبادرونا وذلك اهيب لنا في قلوبهم وارهب في نفوسهم ثم قال لأصحابه قفوا مكانكم حتى اسير بين الصفين واطلب البراز فعسى ان يخرج عدو الله الخطاف بلا تعب فقالوا يا سيدنا ان في القوم اسدان احدهما ناقد الملك الاخر الخطاف فاخذوهما وقد عرفتهما بالامس قال الإمام حسبنا الله ونعم الوكيل ثم خرج الإمام منفردا بنفسه واخذ رمحه وغير حلته فلما تمثل بين الصفين قال الخطاف لناقد من هذا الذي تعرض للقتال وطلب البراز قال ناقد هلا تعرفه قال لا هذا علي ابن أبي طالب فقال الخطاف اني اراك يا ناقد كثير الوصف له لعلك كثير الارتعاد منه قال نعم فبينما هم كذلك إذ زحف الإمام عليهما حتى قاربهما ثم نادى هل من مبارز هل مناجز فلم يبرز إليه احد فحمل على الميمنة فقلبها على الميسرة وقال ما شاء الله تعالى ورجع إلى مكانه ونادى هل من مبارز هل من رواح إلى قابض الارواح فلم يجبه احد فحمل على الميسر فقلبها على

--------------------------------------------------------------------------------

[ 51 ]

الميمنة وقال ما شاء الله ورجع صوب القلب ونادى أين من زعم انه كيف كريم فلم يتم كلامه حتى انقض عليه وهو على جواد اشقر وبيده رمع طويل حتى صار بين يدي الإمام ونادى يا غلام الرفق بالمرء يوصله إلى هناه فاكشف لنا عما تريد فلعل ان تكون الاجابة عندنا والانعام والان قد كشفت لنا عتابك ولعمري قد كنت متطاولا لرؤيتك فل ماا نت طالب وما مرادك فاعجب الإمام من كلامه وقال له مرادي ان تقول لا اله الا الله محمد رسول الله فإذا قلت ذلك واقررت لله بالوحدانية فلك مالنا وعليك ما علينا واما صنمكم الذميم فسوف يظهر فيه العبر واكسره امامكم كسرة الحجر وترجعون إلى عبادة الرحمن فتكونوا شركاء لنا واخواننا في الإسلام فقال له ناقد يا ابن أبي طالب دونك إلى أم خاطر وموت باتر فقال له الإمام دونك والقتال قال فوقف ناقد يتكلم في نفسه ويقول وحق المنيع وزجراته لو تركناه حيا لغشنا في منزلنا وطرقنا في مرقدنا ولعمري اني اجد في كلامه حلاوه ولمنطقه مراره اني ارغب واخشى ان يفعل ربي الأعظم ما يشاء فقال الإمام يا ناقد اطلق بلسانك بالوحدانية لله تعالى واشهد بالرسالة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم يمح عنك ما سبق قال ناقد ما أنا بالذي يفعل ذلك ويبقى له العار والشنار فلما سمع الإمام كلامه علم ان لابد له من لقائه فتقاربا وعظم الجدال والفريقان ينظران فما زال حتى مضى النهار واقبل الليل فخاف الإمام ان يدركه الليل ولم ينل منه ما امله فحمل عليه الإمام وكان قد ظهر له من ناقد التقصير فطمع فيه وجعل يدبر عليه الحيلة من أين ياخذه فتصارخت الابطال وتزاعقت الشجعان وإذا با لمشركين يصرخون ويقلون خرج الخطاف وانذهل العسكران والخطاف ينادي لا تعجل يا غلام علينا فنجعل ابق علينا نبق عليك فوثب الإمام على ناقد وقبض عليه فتعلق به وتعاركا طويلا فادركهم الخطاف وقد همد وسمعنا عدوات الإمام وزجراته ثم خمدت فلم يسمع لهما حس هذا والغبار متزايد وقد طال على الناس المطال ولم يبق احد من الفريقين الا وايس من الإمام رضي الله عنه فقال جنبل نحن فرضنا في الإمام إذا تركناه مع هذين الاثنين ولم نخرج إليه ولم نساعده

--------------------------------------------------------------------------------

[ 52 ]

ولم ننجده بانفسنا واي عذر لنا عند الله فاجمعوا امركم واحملوا باجمعكم فعسى ان نخلص سيدنا واميرنا وانه قد وقع بين حجرين دامغين ولا خلاص له من بينهما إلا أن يشاء الله وقد رام كل فريق ان يحمل على صاحبه وقد زاد القلق واشتد الارق وازرت الحدق وإذا بصرخة عالية وذا بالإمام قد خرج من المعركة وهو يقول فتح ونصر وخذل من كفر هذا وناقد في يده كالحمام في مخالب الباز ونظروا وإذا بفارس هارب من تحت العجاج فتأملوه فإذا هو الخطاف واما ناقد فصار مثل العصفور في يد الباشق فسلمه الإمام لا صحابه وقال يا معشر الناس ان القوم قد خمدت جمرتهم فاحملوا عليهم بارك الله فيكم وعليكم فقالوا يا اميرنا الليل قد اقبل والنهار قد ادبر فقال لهم الإمام اضرموا النيران فانها ليلة كثيرة الاهوال والله اعلم بالمآل .

(قال الراوي): فعلوا ذلك واقبلوا على السهر والرصد وهم جلوس قابضون على اسلحتهم وتولى الإمام حرس المسلمين إلى ان اصبح الصباح واما المشركين فهربوا مع الخطاف إلى الحصن فقال عسكر ناقد يا خطاف تمضي إلى حصنك وتخلي ابن سيدنا في الاسر اما وحق المنيع فلا نسلمه لعلي إلا أن قتلن عن آخرنا ولا لاي شيء خرجت معنا وقد رميت سيدنا ورجعت وأنت سالم فقال الخطاف يا ويلكم لقد قاتلت ومانعت عن نفسي وسعيت في خلا صه فما استطعت ولو ان لعلي كفء لما خلصت من يديه فقالوا له امض إلى حصنك ونحن إذا اصبح الصباح سعينا في خلاصه واما الإمام فانه لما طلع الفجر اذن وصلى بأصحابه صلاة الصبح ثم اقبل يحرض الناس على القتال ويقول معاشر الناس اعلموا انكم في غمرة ساهون وكنتم تعبدون الاوثان فا نقذكم الله واسعدكم بفعلكم وهذا عدوكم بازائكم ثم ان الإمام دعا بناقد وقال له يا ناقد لقد نفذ فيكم القضاء وقيدك رب السماء وأنت في امل فهل لك ان تبقي عليك قبل ان تسكن برمسك قال يا ابن أبي طالب اتنجي منك ناج بعد ان كان بيني وبينك من الوحشة والبغضاء والعداوة قال الإمام يا ناقد إذا كان قلبي مبغضا على كافر واسلم واقر بالوحدانية لله ولمحمد رسوله بالرسالة بدلت البغضاء با لمحبة وانقلبت الوحشد بالمودة فإذا قررت بهما بطيب عيشك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 53 ]

وتفوز بخير الدنيا والاخرة قال يا ابن أبي طالب من يخلصني من المنيع قال له ان طول الله عمري لتنظرن صنمك المنيع بامر هائل شنيع وتراه في النار التي وصفتها ملقى حريقا فقال يا ابن أبي طالب لا شك فيك ولا فيما اظهرته وفعلته فقد وهبت نفسي لك في هذا اليوم ولا ابالي بما يلحقني من المنيع ولا من أبي وذوي حسبي وانا اقول اشهد ان لا الله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله وقد افلح من آمن بربكم وخاب من كذبكم وها أنا اقاتل بين يديك في القوم لله ورسوله ولك ولا بغك الرضا .

(قال الراوي): فسر الإمام سرورا عظيما وقال له البس آلة حربك واركب جوادك حتى تخرج إلى قومك ثم أمر المسلمين بالركوب فركبوا خيولهم وفعلوا ما امرهم به الإمام فلما تقاربوا من المشركين قال الإمام لناقد يا ناقد ابرز بين الصفين وادع قومك إلى الإسلام فلعل الله يهديهم كما هداك فخرج ناقد فخرج وهو راكب على جواده ولا بس آلة حربه فلما نظروا إليه فرحوا فرحا شديدا ولم يبق احد منهم الا عرفه وقد ظنوا ان الإمام اطلقه فلما قرب ناداهم بأعلى صوته يا قومنا قد ظهر الحق وانكشف الغطاء وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا يا قوم عدوا عن الضلالات واعتذروا لرب البرايا يغفر لكم ما مضى وها هو آت يا معشر قومي وعشيرتي ليبلغ عني كبيركم وصغيركم اني قائل اشهد ان لا الله الا الله واشهد ان محمد رسول الله لااحول عنها ولا ازول وما أنتم اشد مني باسا ولا اقوى مراسا وهذا باب قد فتح الله طريقه لكم ولا ح لكم بحقيقة فكونوا مثلي تفوزوا بالشهادة وتكونوا من أهل السعادة فما كان غير ساعه من الزمان حتى ظهر من القوم كردوس عظيم نحو الف فارس ولم يزالوا سائرين حتى وقفوا عنده وإذا هم من أصحابه الذين خرجوا معه من عند أبيه وهم يقولون يا سيداه لنا اسوة بك والذي تختاره احنا نرضاه ونحن نشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهذا تصديق ايماننا ثم عطفوا على قومهم أصحاب الخطاف ووضعوا فيهم السيف البتار وحملت المسلمون معهم والإمام في اوائلهم وناقد إلى جانبه فلم تكن الا ساعة حتى ولت المشركون ولم يزل السيف الطعن واقعا فيهم وكان الخطاف على ساقه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 54 ]

العسكر فقاتل قتالا عظيما فلما ولت أصحابه ولى طالبا للحصن فدخل الحصن هو وأصحابه ثم ان الإمام جمع الغنائم وكثرت المسلمون واشتدوا بناقد وعزمه وقوته وصار المسلمون نحوا من الف وخمسمائة فارس وكلهم ابطال عوابس فتبعوا أصحاب الخطاف ولم يزالوا معهم إلى باب الحصن فدخلوا الحصن واغلقوا بابه ونزلت المسلمون عليه بقية يومهم وقد امتلات الحصون بذكر الإمام وقد قذف الله في قلوبهم الرعب .

(قال الراوي): ثم ان الخطاف لما دخل الحصن قال أصحابه يا سيداه ما وراءك وما الذي دهاك وبشره رماك فكان لا يقدر ان يرد جوابا من شدة الخوف فقال لهم اغلقوا الباب وحصنوا انفسكم ففعلوا ما امرهم به وهو جالس فلما سكن روعه سألوه ما دهاك قال يا قوم قد ذهب زمانكم فقالوا أيها السيد بين لنا ما وراء كلامك فقد ارعبت قلوبنا من خطابك فقال يا قوم قد دهمتكم المحمديون وهم ليوث ابطال يقدمهم الليث المغوار الذي كانه صاعقة من السماء قد نزلت واخذت قلوب الرجال مفلق الهام وقد احتوى على ناقد بن الملك واتباعه وقد خطفه من سرجه فانظروا لا نفسكم فإن عليا لاحق بكم .

(قال الراوي): فلما سمع قومه ذلك ضجوا بالبكاء ضجا شديدا وتصارخوا بالويل والعويل فبينما هم كذلك في صراخهم إذ ظهر ابليس اللعين في صورة شيخ كبير قد افناه الزمان منحني تكاد جبهته تصل إلى الأرض وعليه جبة صوف في شكل الرهبان وبيده عكاز ووسطه مشدود بخيط من صوف وفي رجليه نعلا ن من خوص النخل فلما نظره القوم تنافروا يمينا وشمالا يصرخ بهم ما تنازكم وانا رسول المنيع ارسلني إليكم حتى ارى ما بكم من الجزع وشدة القلق الفزع لاسكن قلوبكم وابرز لقتال عدوكم فازيل عنكم الشدة وابطال البكاء والحزن من الاعداء وإذا اشرف عليكم هذا الغلام اتولى أنا قتاله دونكم ولا أريد منكم بصيرا ولا معيا أو إذا رأيتموني قد وصلت إليه واحتوية عليه وقد ظهر المنيع بجنوده ونيرانه ودخانه فمن اراد ان يسبق إلى خيل القوم وسلاحهم فليبادر إلى ما شاء فلما سمع القوم سجدوا للصنم ثم رفعوا وزاد فرحهم قال مروع الوحوش أيها الشيخ اني لا ظنك من جند المنيع

--------------------------------------------------------------------------------

[ 55 ]

الهنا فقال له ابليس اجل وانا رسول بينه وبين عباده لا ني اسبق الناس إلى عبادته وخدمته فجازاني بهذه الكرامة فكونوا في امامكم حتى تروا ما يسركم من قتل عدوكم فقالوا أيها الرسول أنا لنراك اضناك الكبر وانا لا نوقن ان لا طاقة لك على الحرب والنزال وشدة القتال فقال لهم ابليس لعنه الله كيف تشكون في المنيع وتقولون انه لا يقدر على شيء فقالوا أنا لا نشك في ذلك ابدا ونعرف ان المنيع له عزم عظيم ولكن نريد ان نرى شيئا من برهانك لنكون على علم وتطمئن به قلوبنا فلما سمع منهم ذلك قال لهم ان المنيع لو اراد هلاك هذا الغلام قبل وصوله إليكم لفعل ذلك ولكن يريد ان يستدرجه إلى ان يوقعه في ايديكم حتى يذيقه العذاب والهوان وتنشرح صدور الرجال وتنالوا عنده المرتبة العليا والفخر الزائد العميم وبعد ذلك يهلكه فانه ذو عزم شديد وانا اريكم بيان ذلك وبرهان المنيع الاله الرفيع وشدة قدرته ثم بسط يديه واوما بها إلى الحصن فخيل لهم انه قد رفع الحصن فوق اصبعه وشاله ثم عاد فوضع بين يديه فراى القوم الحصن كما كان في مكانه فخر سجدا للجميع فقال لهم ابليس يا قوم ارفعوا رؤوسكم ثم غاب عن اعينهم فلم يروه (فقال الراوي) فعند ذلك قال لهم مروع الوحوش ابشروا يا قوم فقد جاءكم الفرج فلما سمع القوم ذلك لبسوا سلاحهم وآلة حربهم وتفرقوا في جوانب الحصن وضربوا على سوره سرداقا من جلود الفيل ونصبوا الرايات والاعلام وعزموا على الحرب والقتا ل وقد اصلحوا شانهم فبينما هم كذلك إذ اشرف عليه الإمام رضي الله عنه وأصحابه معه على مهل وعليهم الهيبة والوقار فانحدر الإمام إلى الوادي واشرف على حصن رامق وقد اظهرت الحدائق والشمس قد اصفرت لغروبها ثم نزل وامر أصحابه با لنزول فنزلوا من حول الحصن وانسدل الظلام واضرموا النيران وتحارس الفريقان والإمام رضي الله عنه متولى حرس قومه بنفسه يحوم عليهم كحومه الليث على اشباله .

(قال الراوي): فقال عدو الله الخطاف مروع الوحوش لا صحابه اني لم ار رسول المنيع صنع في ابن أبي طالب شيئا وها هو نازل با يذائنا بالسلامة

--------------------------------------------------------------------------------

[ 56 ]

فقال له قومه لا تستبطل قول رسول المنيع فقال لهم احفظوا حصنكم وانزلوا من داخله لئلا ينقبوه عليكم ويدهموكم فابتدروا جماعة من القوم إلى ذلك وعدو الله الخطاف يدور على سور الحصن لينظر ما وعده به رسول المنيع وهو قلقان شاخص إلى جهة الإمام رضي الله تعالى عنه لا يعلم بغير ذلك بينما الإمام مع أصحابه إذ لاح لهم برق نار واضرام شرار وقد بان من ناحية الشرق ولاح البرق فحقق إليه الإمام وقال لمعت نار مارد نراه يتعرض لي ولا صحابي .

(قال الراوي): ثم ان الإمام رضي الله تعالى عنه ايقظ أصحابه وامرهم بالجلوس ورفض الإمام فنظروا إلى تلك الناروهي قاصدة وشرارها متوقدة فقال جنبل بن ركيع يا أمير المؤمنين ما هذا النار فقال الإمام يا قوم سكنوا روعكم وطمنوا قلوبكم فانها نار الشيطان ولا سبيل له على أهل القرآن وجنود الرحمن فبينما الإمام يخاطب قومه إذ تزايد لهيبها فما نظر الإمام إلى ذلك اخذ رمحه وخط به خطا حول أصحابه وناداهم اجتمعوا ولا تتفرقوا واذكروا ربكم واصبروا ثم جعل الإمام رضي الله عنه يقرا القران ويتلوا ايات الله العظام واسمائه الكرام عند الرسم الذي خطه برمحه وهو دائرية حول أصحابه ولم يبق احد من خارج الرسم غيره ثم قال معشر الناس اني ضربت عليكم حصنا حصينا فلا يخرج منكم احد ومن خرج لا يلومن الا نفسه واتركوني أنا لهم والله المعين والناصر عليهم انه على كل شيء قدير فقال ناقد يا ابا الحسن فالتفت الإمام رضي الله عنه مبتسما غير مكترث بما ظهر وقال يا ناقد أنت اقدمك لمبارزة الرجال والابطال فليس عيك طاقد على قتال الجان فقال ناقد لا والله يا ابا الحسن لا انزع الله ما اعطاك واتم عليك ما اولاك .

(قال الراوي): فبينما الإمام يخاطب ناقد إذ وصلت النيران إليه ثم اشتدت ودارت حوله أصحابه وصارت كالسرداق المنصوب عليهم وهي دائرة بهم من كل مكان وتزاعفت الجن با على اصواتهم وصار لهم نباح كنباح الكلاب ففزع كل من كان مع الإمام وخافوا وايقنوا بالهلاك ويئسوا من انفسهم ومال الإمام رضي الله عنه إليها بعضهم والتصقوا وامسكوا عن

--------------------------------------------------------------------------------

[ 57 ]

الكلام هذا والنيران قد خمدت باذن الله تعال فبينما هم كذلك وسمع مروع الوحوش الخطاف اصوات وضجات وهو من داخل الحصن حتى نظر إلى النيران وهي محاملة بالإمام وقومه فنادى الخطاف قومه وقال لهم كيف رأيتم بصر الاله المنيع لقد خاب عن عاده وخالف امره ورضاه فدونكم الغنيمة الشاملة والمسرة الكاملة ان تدركوا ابن أبي طالب قبل ان تلهيه فتاتوا به ذليلا حقيرا إلى الملك الهضام والاله المنيع فيحكم فيه بما يشاء ويختار وتكون لكم الخلع والاكرام والمراتب العظام ثم اسركم لهذا الغلام .

(قال الراوي): فقال له الرجل يسمى جندب بن عميرة الحميري وكان رجلا مكينا شجاعا رزينا له بصيرة وعقل وراي سديد يامروع الوحوش الزم مكانك فهو اصلح لك وقابل ابن أبي طالب وأنت في حصنك فهو ايسر لك واعلم ان هذا ناره أعظم من هذه النار وسيف محمد يطفئ هذه النيران وانا اعرف ما لا يعرفه غيري أنا محترق النيران فلما سمع الخطاف ذلك الكلام نهره وزجره وقال له اسكت لا أم لك لقد صرت شيخا كبيرا ولاعقل لك ولا سكن معك سرى الخوف من ابن أبي طالب حتى صار ممتلئا به قلبك وظهري من بين عينيك يا ويلك ايغلب ابن أبي طالب الهنا المنيع وجنده ويكذب رسوله فيما قال لنا ويعدنا بالمحال واني لااعلم ان ياتيهم الصباح الاوهم رمادا ويحك اما رأيت رسول المنيع كيف رفع الحصن على يديه حتى كدنا ان نخر على وجوهنا لولا تضرعنا إليه ولو اراد ان يقلب عليهم هذا الجبل لقلبه عليهم ولو اراد ان ان يخسف بهم الأرض لخسفها بهم قال له جندب اما أنا فقد نصحتك وحذرتك وما قلت اليوم مالك امرنا واما أنا فلا افارق مكاني ملازما لموضعي إلى ان انظر ما يكون فقال له مروع الوحوش الخطاف كن مع النساء وعليك با لحرس ثم تركه نزل مغضبا وقال لقومه دونكم واعداكم فانحدر مع القوم مسرعين فلما خرجوا من الحصن أمر جندب بغلق الباب خلفهم وابثاقه با لاقفال وقال لمن بقي معه في الحصن انظروا لا انفسكم واحفظوا حصنكم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 58 ]

فما اظن عدتم تنظرون قومكم بعد هذا اليوم ابدا فهذا ماكان من عدو الله الخطاف وقومه واما ماكان من أمر الإمام رضي الله عنه فانه لما احتاطت به النار من كل جانب ومكان نادى برفيع صوته يا معشر الجان باي شيء تتعرضون وعلى توهجون وانا عذابكم النازل وسهمكم مقاتل أنا أبو الزلازل أنا ابن عم الرسول الفاضل أنا البحر الساكب أنا المذكور عند المطالع والمواهب أنا ليث بني غالب أنا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب.

(قال الراوي): فاحترقت تلك النيران واهلك اشخاصهم وقتل مردتهم فولوا ناكسين ووصلوا إلى الرسم الذي رسمه أمير المؤمنين فلما وصلوا إليه تراجعوا عن أصحاب الإمام ولم يستطيعوا إليه وصولا وصار الرسم حصنا بين الجان وبين أصحاب الإمام ولم يصبروا على ما طرقهم فخرج منهم ناس هاربين والى الإمام طالبين فمازالوا عن الرسم حتى كادوا ان يهلكوا ويحترقوا وكانوا سبعة انفار ومنهم جنبل ابن ركيع وناقد بن الملك من اتباع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فلما دارت بهم النار وقبايل الجان نادوا برفيع اصواتهم يا سيداه يا علياه يا محمداه يا رباه فلما سمع الإمام اصواتهم اسرع الإمام إليهم وهجم عليهم فتسافر الجن عنهم يمينا وشمالا عند وصول الإمام فخلص الإمام قومه وقال لهم ما حملكم على ذلك ولم خالفتم امري فقال جنبل يا سيدي ضعف اليقين وصولة الجان فما هذا وقت ملام وكن مخلصا لنا ولنفسك من هذه الاهوال فتبسم ضاحكا من قوله وهو غير مكترث .

(قال الراوي): فبينما الإمام كذلك إذ سمع صوت مروع الوحوش وهم ينادون إلى أين يا ابن أبي طالب من عذاب المنيع الواصب لقد غرك الذي ارسلك إلى المنيع أنا مروع الوحوش الخطاف ثم تقدم إلى الإمام وهو يظن انه ظافر به فقال على دونك فافعل بي ما اردت فظن عدو الله ان أمير المؤ منين قد اسلم نفسه فقصد نحو الإمام وهو يقول إذ خلد القوم بذل اسرهم هذا علي قد اتى بشره وقومنا قد فزعوا من سحره لا ذيقه عذاب اسره .

(قال الراوي): فلما سمع قوم الإمام قول الخطاف زاد اضطرابهم وكثر قلقهم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 59 ]

ثم صاح بعلو صوته لا يتداركني احد ولا يشاركني في ابن أبي طالب فسمع الإمام وقومه ذلك من الخطاف وكان جهوري الصوت فلما سمع الإمام وأصحابه ذلك ارتخفت قلوبهم وتقدم مروع الوحوش إلى الإمام وهو يظن انه في قبضته فنظر إليه وهو كانه سابقة ريح عظيم فلما نظر مروع الوحوش إلى الإمام وهو على هذه الحالة اندهش وارتعش وندم على خروجه من حصنه ثم انه انقى سلاحه من يده وقال يا ابن أبي طالب ابق على اسيرك وحسن الي بكرمك فتقدم الإمام إلى مروع الوحوش واوثقه كتافا بعمامته واخذه اسيرا فما اخذ مروع الوحوش ولى أصحابه هاربين والى حصنهم طالبين وهم لا يصدقون بالنجاة يسلم الإمام مروع الوحوش إلى جنبل وناقد ثم سار الإمام نحو النيران وهو يقول يا شرحبيل اسكنوا البراري وستوطنوا خلاء القفار لئلا ترموا بالدمار من عند رب قادر قهار أنا علي لمرتضى الكرار وابن عم الصطفى المختار أنا علي ولي الجبار مبيدكم بالحد والشفار ومحللكم بالويل والدمار فما اتم كلامكه حتى ولى الجن هاربين ووصل الإمام إلى أصحابه فاستبشروا بقدومه فاقبلوا يسالونه عن حاله وما كان ليلته وهو يحدثهم فبينما هم في الحديث إذ سمع صراخ جنبل وناقد وهم ينادون يا ابا الحسن ادركنا قبل ان تتركنا فلما وصل الإمام إلى ناقد وجنبل وجدهما يبكيان فقال لهما الإمام ماهذا البكاء وقت الفرج فقال ناقد يا سيدي لما عمتنا الاهوال واشتغلنا عن مروع الوحوش بانفسنا فحل الخطاف وثاقه وفر هاربا إلى حال سبيله فلما سمع الإمام ذلك صعب عليه وكبر لديه ثم قال لا باس علكم طيبوا خواطركم فهو الذي بعث ابن عمي بالحق بشيرا ونذيرا لاورينكم فيه ما يسركم وانا اعلم ان لا ملجا لعدو الله غير حصنه فيا قوم الله سبحانه وتعالى قد كشف عنكم ما كنتم فانهضوا إلى أصحابكم واخوانكم ولا تزولوا عن اماكنكم إلى الصباح فاني متبع اثر القول وصاحبكم الخطاف فإن صبح الصباح ولم آت لكم فاقصدوا أنتم إلى الحصن فتجدوني فيه فسار الإمام إلى ان وصل إلى الحصن فراى القوم على أعلى الحصن وقد وقدوا نيرانهم فرآهم الإمام في ضوء النار وهم لا يرونه وقد وصل القوم المنهزمون إلى الحصن