[ 80 ]

به ذنوبي فقال الإمام تقول لا اله الا الله محمد رسول الله وتقر الله بالوحدانية ولمحمد ابن عمي بالرسالة فقال غنام يا ابن أبي طالب هذا شيء لا أفعله أبدا وما أنا بتارك دين آبائي وأجدادي ولو قطعت إربا واعلم انك لم تكن من رجالي واإنما أخذتني غضبا وغدرتني ولو كنت لك في الميدان لبعد عليك ما أملته ولا كنت ملكتني .

(قال الراوي): فعند ذلك وثب الإمام فحل وثاقه وهو يتململ من شدة غيظه ورمى إليه سيفه وجحفته واشتد غضب الإمام غضبا وقال لغنام يا عدو الله وعدو نفسك خذ سيفك وجحفتك واشتد ومانع عن نفسك فقال يا ابن أبي طالب القتال أتحسبني كغيري من الرجال فلما سمع ذلك الإمام غضب غضبا شديدا وقال يا عدو الله لقد تجرأت في قولك فاعتزل إلى ناحية أخيك لئلا يهوله بك يا عدو الله وعدو نفسك ثم إن الإمام جذب سيفه وأخذ غناما واعتزل عن القوم ثم فاجأه مفاجأة الأسد لفريسته وضربه بالسيف ضربة هاشمية علوية فتلقاها عدو الله واستتر بجحفته على رأسه فنزل السيف على الدرقة فقطعها ونزل على رأسه من بين فخذيه وتجندل طريحا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار فكبر الأمر عليه وأخذ ما كان عليه ودفعه إلى أخيه ناقد وسر علي بقتل عدو الله فقال ناقد يا أبا الحسن ما فعلت بعدو الله غناما قال يا ناقد انه صار إلى النار فلا تأسف عليه فإنه ليس بأخيك ثم أقبل على القداح وأخذ ما كان عليه وقال له يا قداح كيف رأيت نفسك قال يا أبا الحسن خلصتني بعد اليأس من الحياة والاشراف على الموت فقال له علي يا قداح إن الله قد أنقذك من الموت وإن شئت فارجع إلى اهلك ودارك مصاحبا بالسلامة فقال القداح يا ابا الحسن وكيف امضي واهلي ودياري وقد أنالني الله ما لم ينله احد من قومي قولا امضي حتى اخذ من الغنائم ما يسرني و أسد به فقري وأوسع منه على أهلي وينشرح به صدري .

(قال الراوي): فتبسم الإمام رضي الله عنه ضاحكا من قوله وقال له يا قداح لأعطيتك من الغنائم ما يسر قلبك ويغني فقرك وترجع مجبورا إلى اهلك إن شاء الله تعالى فقال القداح يا ابا الحسن هذا من فظلك وكرمك فعند ذلك عطف علي إلى عسكره وهو مسرور بالقوم وخلاص أصحابه واخذ ما كان

--------------------------------------------------------------------------------

[ 81 ]

وقتل عدو الله غناما فلما أتو إلى عسكرهم في ساعة واحدة وقد مضى من الليل شطره وقد كان أصحاب علي تفقدوه في الليل فلم يجدوه فكبر ذلك عليهم فلما وصلوا إليه ونظروا إلى ناقد والقداح والعشرة الذين اسلموا من جماعة غنام مع علي وقالوا له يا ابا الحسن هؤلاء القوم ما هؤلاء عصابة مالت إلى الإسلام ورغبت في الإيمان ففرح القوم بذلك وباتوا بقية ليلتهم فلما برق ضياء الفجر اذن علي وصلى بالناس صلاة الصبح فلما فرغ من الصلاة ناداهم يا قوم خذوا آلة حربكم واستعدوا للقتال رحمكم الله فاخذ كل منهم آلة حربه واتوا إلى ان وقفوا بين يدي أمير المؤمنين فوثب الإمام وعزم على القتال ونادى برفيع صوته معاشر الارذال كم تدفعوا الحق بباطلكم والحق اغلب وها أنا اشفق عليكم منكم على انفسكم واعلموا ان الله تعالى انقذ أصحابنا ناقد والقداح وقتل صاحبكم غنام واورده بحسامي موارد الحمام فهل لكم ان تقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله وهذا تصديق قولي لكم ثم نادى القداح وناقد فأجابوه واسروا إليه فقال لهم الإمام نحن قوم لا نكذب ولا يليق بنا الكذب فما أنتم قائلون .

(قال الراوي): فلما رأى القوم ناقد والقداح والعشرة ابطال الذين خرجوا معهم تحققوا الأمر وصدقوا الإمام في قوله واتوا نحوه قائلين لا اله الا الله محمد رسول الله وكان عشرة الاف قتل منهم في المعركة ثلاثة الاف الذين اتوا نحو الإمام واسلموا وحسن إسلامهم واختلط القوم بعضهم ببعض فخذهم الإمام وقرب إلى الحصن فخرج أهل الحصن إليهم واستقبلوا الإمام وجيشه واسلموا على يديه واكرموه غاية الاكرام فاقام عندهم بقية يومه في وسعة وقد كثر الله جمعه وأعلى نصرته ورفع قدره وجيشه من خارج الحصن من كثرتهم وقد ازداد فرحهم لكثرة جمعهم وانقاذهم من النار ثم ان الإمام بعث طائفة وامر عليهم جنبل بن ركيع وارسله ليكشف له الاخبار وامره ان لا يعود إليه الا بخبر صحيح فسار جنبل من عند الإمام فما عاد الا وقت الصباح فلما اقبل على الإمام سلم كل منهم على صاحبه .

(قال الراوي): ثم ان الإمام رضي الله عنه جمع عسكره وجميع قومه وقال لهم معاشر المسلمين ان الله تبارك وتعالى اكرمكم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 82 ]

بكرامة الايمان وبعد ذلك فاني أريد ان القى بكم جميعا فيه عشائركم الا وان الله تعالى قد باعد ما بينكم وبينهم واني لاخشى ان يداخلكم الربى على قربائهم وهذا عسكر قد اجتمعا لصاحبك فيه خلق كثير من سائر جميع العربان ثم قال يا جنبل ما وراءك قال جنبل كل خير وسلامة يا أمير المؤمنين لان الملك الهضام قد خرج إلينا بجميع قومه وجميع عسكره وهم مائة الف فارس مامنهم يا سيدي الا كل بطل مداعس غير ما معهم من الصعاليك والعبيد من سائر قبائل العربان فقال أمير المؤمنين يا جنبل لوانه يكون مع ذلك الكافر جميع أهل الأرض ما كبر علي لقاؤهم ولقد كنت معولا على لقائهم وحدي يا جنبل فكيف اخشاهم اليوم وانا معي هذا الجيش والله المستعان وعليه سبحانه وتعالى الاتكال وهو حسبي ونعم الوكيل ثم ان الإمام أمر بالرحيل فتواثبت الرجال إليه كالاسود الكاسرة واحدقوا بالإمام من كل جانب ومكان ثم نادى الإمام فقال يا ناقد أنت اعرف با لطريق وهي بلادك وأنت اعرف بها من غيرك فسر بالقوم فقال حبا وكرامة يا أمير المؤمنين ثم تقدم ناقد وبقي الإمام وجنبل ابن ركيع والرغداء بنت الخطاف واكابر قومه محدقون به وقد اخر إلى ما وراء القوم وهم سائرون في اثرنا قد بن الملك فما زال القم سائرين وحميت الشمس واشتد الحر وناقد في اول القوم والإمام رضي الله عنه وجنبل والرغداء من وراء القوم متباعدين عنهم فبينما هم كذلك إذ نظرنا قد فراى فارسا مبادرا من وراء ربوة كانه طالب أو مطلوب وهو شاك في سلاحه فنظر الفارس فراى ناقد وهو اول القوم .

(قال الراوي): فلما رآه ناقد انقض عليه كانه الاسد إذ عاين فريسته وترك الناس وقوفا في انظاره فلحق بهم علي فقال علي فقال لهم يا قوم ما الذي اوقفكم عن السير فاخبروه بخبر ناقد فقال الإمام ماكان يجب ان يهجم عليه وحده فلا يامن ان تكون طليعة القوم كامنين فيقع فيهم ثم فتقدم إلى القوم وجعل يسير بهم على مهل لابطاء ناقد عنه فما كان الا ساعة من الزمن وإذا بناقد اقبل والفارس معه وهو يقوده اسيرا بعد ان اوثقه كتافا وشده من فوق راسه بالقيد ولم يزل سائرا به إلى ان وصل إلى الإمام فلما نظره الإمام رضي الله عنه تبسم وقال زادك الله يا ناقد خير فهل أنت تعرف هذا الفارس قال نعم يا ابا الحسن انه من اكبر قومنا .

(قال الراوي): فقبل الإمام إلى ذلك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 83 ]

وقال له يا أخا العرب ما اسمك قال اسمي مضارب بن عراف الباهلي فقال له يا مضارب الصدق اوفى سبيل فاكشف لنا حقيقة امرك ولا تخفي علينا منتهى خبرك ولا تخادعنا فنحن حرثومة الخداع والمكر فقال مضارب يافتى ان فراسه العاقل لا تخيب وأنا متيقن فيك إنك صاحب الجيش ولكن يا أخا حسن أعطني الآمان فلما سمع الإمام من مضارب ذلك قال له لك الأمان ولا تخشى إن قلت الحق واستعملت الصدق فقل ما أنت قائل فقال مضارب يا أبا الحسن إن الملك العظيم الهائل الهضام لم بعث ولده غناما في العشرة آلاف فارس ظن ان ولده يأتي بك أسيرا فاقام يومه ذلك فلما جن الليل واختلط الظلام وآوى فراشه رأى في منامه رؤيا قد انتبه منها فزعا مرعوبا فلما أصبح الصباح بعث إلى حاشيته فقال لهم يا قوم إني رأيت الليلة في منامي رؤيا أو عبتني فقال ليه قومه يا أيها الملك العظيم انعم المنيع لك الصباح بقومه ما رأيت في منامك فقال اني رأيت غناما جالسا بين يدي وانا احدثه فبينما أنا كذلك إذ رأيت طيرا عظيما قد انقض علي وله مخالب كمخالب السباع وكاني اخذت ولدي وضمنته إلى صدري فهجم عليه الطير وهو في حجري فاختطفه بمخاليبه ولم اقدر على خلاصه منه واخاف ان يكون اصابه ضرر من ابن أبي طالب فلما سمعوا القوم منه ذلك قالوا أيها الملك العظيم انه داخلك وسواس احلام لأجل تعلقك بولدك ثم انه لما سمع ذلك أمر بتجهيز الجيوش ليحارب وقد عزم على المسير بنفسه وهو منتظر قدوم الجيوش إليه وجهز جماعة وسيرهم وهم اربعة الاف فارس وامر عليهم رجلا يقال له جويثرة بن اسد الباهلي وهو بطلا شجاعا مشهور وامره بالسرعة لياخذ خبر ولده فلما وصلوا إلى الحصن المشرف واعلموا بسير الإمام إليهم كمنوا له في وادي الضباء بعد ان تفرقوا اربع فرق كل فرقة لها قائد منهم الف فارس وقد امرهم الملك انك إذا صرت بينهم ينقضون عليك بايديهم وان الوصية قد تقدمت إلى صاحب الحصن المشرف خالد بن بسطام الملقب بهجام ان ينجدهم ان هم قد عجزوا عليك والقوم في مكان من الوادي ومضايقه والأمير جويثرة بن الاسد أمير الجمع وهو في الجهة التي قبلك من جهة عطفة الوادي وقال لي سر على عجل واشرف علي بن أبي طالب وانظركم معه من القوم واين

--------------------------------------------------------------------------------

[ 84 ]

هو راجع إلى مسرعا فخرجت في امرك مجدا ولم يعلم القوم انك قد تكامل معك هذا الجيش العظيم والعسكر الجسيم فلما قدمت من جانب الوادي اسرع الي ناقد وقبض على وقادني بين يديك فاصنع بي ما شئت فقد اخبرتك على حقيقة الحال وانا اقول قبل ان تصنع بي شيئا اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان سيدنا محمدا رسول الله فلما سمع الإمام إسلامه سر سرورا عظيما ثم اقبل عليه الإمام على أصحابه وقال لهم معاشر الناس ما تقولون فيما قال اخوكم وحبيبكم مضارب فقالوا يا ابا الحسن أنت الأمر ونحن المؤمرون وأنت القائل ونحن السامعون فجزاهم الإمام خيرا ثم التفت إلى ناقد وقال له اتعرف هنا منفذا أو مخرجا نخرج منه وندور من وراء القوم حتى نخلي بينهم وبين الحصن ونترك منا جماعة ههنا يلاقون عليهم وندهمهم في مكانهم فقال ناقد يا ابا الحسن ان الطريق سالكا إلى الوادي يمينا وشمالا فإن شئت فاعزم فما من احد من قومك الا ويعرف البلاد ومسالكها ففرقنا على المكان ونحن ندهمهم من سائر الجهات فجزاهم الإمام خيرا ثم افرد مع ناقد الف فارس وقال له خذ في عرض البرية إلى ان تحاذي القوم من جهة الحصن واعطف على الجادة إليهم فانهم إذ نظروك وقد اتيت من جهة الحصن يظنون انها نجدة من صاحبهم الملك فاهجم عليهم وإذا قربت منهم فاحمل عليهم ومكن السيف فيهم حتى يقولون لا اله الله الا الله محمد رسول الله وها نحن سائرين من بين ايديهم واقروا بهذه الابطال الشهم فسار ناقد بالف فارس فلما بعد ناقد بمن معه دعا الإمام بجنبل بن ركيع وقال له انني افراد له الف فارس وقال له يا جنبل خذ أنت بمين معك الوادي إلى ان تأتي لي به حيا ولا أريد من القوم فسار جنبل كما أمر الإمام وجد في المسير ثم دعا الإمام بالرداء وافرد لها الف فارس وامرها عليهم وقال جدي بهم من يسار الوادي وهو مجد إلى ان تأتي مكمن القوم فقالت له اسمع والطاعة فلما سارت الرغداء بمن معها تقدم إلى ان انحدر من الوادي فوجد القوم جلوسا في اماكنهم فلما نظروا إلى أمير المؤمنين وأصحابه قال جويرثة أنا وحق المنيع ان القوم قد علما ممكاننا ولا انهم ظفروا بصاحبنا وارادوا قتله فكشف لهم عن حالنا وجملة أمورنا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 85 ]

ولكن امهلوه إلى ان يجوزنا واخرجوا عليهم وياتي قومك من جهة الحصن فيكونوا في وسطكم وندور عليهم با لسيف حتى نفرقهم جميعا .

(قال الراوي): فبينما القوم كذلك إذ اشرف ناقد بمن معه من جهة الحصن المشرف وقد ثار التراب الغبار من حوافر الخيل ففرح المشركون بذلك وظنوا انهم نجدة لهم من الحصن ليساعدهم عليهم وقد انحدرت الرغداء بمن معها فحملت وحمل قومه معها ونادوا بأعلى اصواتهم واتى الإمام وجنبل واحتشدوا القوم بجمعهم فعند ذلك علم المشركون انهم مكروا بهم وان أصحاب الإمام قد دهموهم في اماكنهم فحمل عليهم أصحاب الإمام حملة عظيمة وكشف الإمام راسه في معمعة الحرب ونادى برفيع صوته يا معشر الناس ان الله سبحانه وتعالى مطلع عليكم وناظر إليكم والملائكة تتخلل صفوفكم فكان اعدائكم اكلا وازجرهم زجرا وتقاتل الناس في ذلك اليوم قتالا شديدا فلم تكن الا هنبهة وقد اخمدوا شكر الله المشركين وقذف في قلوبهم الرعب من أمير المؤمنين وتزايد عليهم الأمر فولوا منهزمين مهزومين فلما رأى جيورثه ذلك علم انه لا طاقة له بالأمر وأصحابه وكان الإمام لم يصادقه في الحرب في ذلك اليوم ولا وقع به فخرج جيورثه من معمعة الحرب وولى هاربا وتبعه أصحابه فاتبعهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف من موضع المعركة إلى الحصن فلما نظر أهل الحصن إلى هزيمتهم أمر هجان بفتح باب الحصن حتى دخلوا فيه واوصاهم بحفظ بابه وان يكونوا عنده للمحاماه من الابطال .

(قال الراوي): ثم نزل هيجان شاهرا سيفه وهو كانه البعير لعظم خلقته فبرك جاثما على الباب والمنهزمون داخلون إلى الحصن وهو لا يوصدق بنجاة نفسه ثم ان جماعة من أصحاب الإمام تقدموا بابن الملك وجندب بن ركيع والرغداء بنت الخطاف وقد اغلقوا الباب دونهم فقتلوهم عن آخرهم وما سلم من المشركين في ذلك اليوم الا من دخل الحصن ومنع عن

--------------------------------------------------------------------------------

[ 86 ]

نفسه ثم اقبل الإمام على أصحابه وسار على مهل لا ن الإمام كان لايتبع منهزما فقط ولم يزالوا كذلك إلى ان اجتمع بقية القوم من كل جانب وساروا إلى ان وقفوا قريب الحصن متباعدين عنه يسيرا .

(قال الراوي): فلما رآهم هجام خاف قلبه واصفر لونه وارتعدت فرائصه فقال لأصحابه وقومه احتفظوا حصنكم فقد طرقهم علي بن أبي طالب برجاله وابطاله وكان مع جويرثه في طليعته اربعة آلاف فارس فدخل معه الحصن مائة وسبعون رجلا وقد قتلك بقية قومه ولم يبق منهم سوى هؤلاء من وادي الظباء إلى الحصن وامر هجام سائر من في الحصن ان يعلو على السور وكان حصنا منعا لم يكن في تلك الحصون امتن منه ولا اوسع ولا ارفع بنا عنه وانما سمي بالمشرف لارتفاعه وعلو بنائه وطرزه وكان الرجل إذ طلع على اعلا السور ونظر يمينا يلاحظ حصن الصخر وإذا نظر شمالا يرى الحصن المنيع وكان الملك الهضام إذا طرقه طارق أو دهمه داهم أو عدو أو دار حرب بين قومه بعث باهله واولاده وماله إلى الحصن المشرف لما يعلم من يمكنه قئته ومتانته وعلو بنيانه ومنعته .

(قال الراوي): ثم ان القوم لما دخلوا الحصن امتنعوا فيه وتاهبوا للقتال وعزموا عليه وحضهم وقال لهم يا قوم ان حصنكم هذا قوي ومنيع وطعامكم كثير وماءكم غزير ومع هذا فإن الملك الهضام سائر إلينا بنفسه وقام عليكم فكونوا مطمئنين في حصنكم إلى ان تنظروا ما يكون من أمر ملككم فأجابوه إلى ذلك وقالوا له ايهاالسيد نحن معك وبين يديك نقاتل بدمائنا وبانفسنا عن حريمنا واموالنا فنحن لا نسلم حصنا للعدو ولو قتلنا عن آخرنا ففرح هجام بقولهم ثم اقبل على جويرثه وقال بكير عليك ما نزل بك لا تهتم بذلك فانا آخذ بثارك وان كنت تجزع من الملك الهضام والهك المنيع فسوف ارضيهما حتى ادفع لك ابن أبي طالب فتمضي به اليهما فاجابه جويرثه في هدوء وقال يا هجام اني رأيت أبي طالب في شجاعة لم ارى مثلها في احد من العالمين ولا فعل مثله احد إذ كان انس ولاجن فقال هجام سوف ترى وتشوف حين املك قبابه فبينما القوم كذلك على السور يشدد بعضهم بعضا إذ تقدم الإمام وأصحابه فاقاموا بالنبال والصخور ورشقوهم بالنبال فقال الإمام لا صحابه اتقوا الله عز وجل استروا با لجحف من حجارة المشركين فانهم عالون عليكم وليس هذا الحصن كسائر الحصون واني

--------------------------------------------------------------------------------

[ 87 ]

أريد حصنا منيعا وان سهامها إذا اتت وصلت اثرت وسهامكم إذا وصلت إليهم كانت واهية ولكن النصر من عند الله ينصر من يشاء وهو على كل شيء قدير فقولوا على بركة الله لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وترجلوا عن خيولكم وضيقوا الموكب على عدوكم فنزلوا عن خيولهم ونزل الإمام عن جواده وزحف بقومه وفرقهم من سائر جوانب الحصن فاشتد القتال وتراتشقوا بالنبال وتعالى القوم على أصحاب الإمام فوصلت إليهم جنادلهم وسامهم فصبروا لذلك صبر الكرام فلما نظر الإمام إلى ذلك عطف وقال لقومه ارجعوا إلى ورائكم بعضهم ببعض وانعطفوا عن القتال واجتمعوا إلى أمير المؤمنين ونزل الإمام مباعدا وقومه معه فتوضأ وامر الناس بالوضوء ثم قام فاذن وصل بهم صلاة الظهر فلما اتم صلاته اقبل على قومه وقال لهم يا قوم هل لكم ان تشيروا علي برايكم فاني ارى ما املته من هذا الحصن متباعدا إلا أن يأمرنا الله بفتحه وهو على كل شيء قدير ونخشى ان تطاول القوم في القتال فيدهمنا مليكهم الذميم وان الله حامي اوليائه الابرار وخاذل اعدائه الكفار واخشى ان يفوتنا هذان الاثنان ومن معهما فهل فيكم من يشير علي بحيلة وخديعة نصل إليهم بها فتكلم كل واحد بما معه وكثرت الاقوال من القوم والإمام ساكت يسمع قول كل من قال .

(قال الراوي): فلما فرغ القوم من كلامهم وثب ناقد ابن الملك قائم على قدميه وقال يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم انك ان اشرت فأبت جرثومة الحيل والجالب لاعدائه الخبل وقد سمعت اقوال كل واحد من قومك فقل أنت قولك فانت الموفق للصواب والفصيح في الخطاب ومنك يسمع القول والجواب فقال الإمام للقوم اما لقاء الملك ومن معه فهذا شيء لابد منه لا محاولة ولو لاقيتهم وحدي أو يأتيني اليقين واصبر إلى رب العالمين الا اني فكرت في حيلة ازجر بها هذا الحصن ان شاء الله عن قريب فقال له ناقد وماهي يا ابا الحسن وفقك الله قال يا ناقد نصنع المنجنيق كما صنعته ونحن مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لما عسر علينا حصن النظام فقال ناقد وما هو المنجنيق يا أمير المؤمنين وكيف تكون هيئته ومن اي شيء يصنع فقال له الإمام نحتاج إلى اخشاب طوال قد قطعوا مده

--------------------------------------------------------------------------------

[ 88 ]

اعوام وعدة يقطعها بها الخشب من مناشير وقواديم وفؤس ومسامير من حديد وحبال وكفة .

(قال الراوي): فقال ناقد بابي أنت وامي ان في هذا الوادي من وراء هذا الجبل حبالا فخذ منها ما يوافقك فتبسم الإمام ضاحكا وقال يا ناقد لقد تم الله بك امرنا ويسر عسرنا ثم التفت إلى أصحابه وقد تبين لهم السرور في وجهه وقال لهم يا قوم اسرعوا مع اخيكم ناقد واطيعوه فيما يامركم واياكم ان تخالفوه في شيء فقالوا السمع والطاعة لله ولك يا أمير المؤمنين فاخذ ناقد ومعه ثلاثة الاف فارس وساروا واهل الحصن شاخثصون لهم ما يدرون ما هم له صانعون إلى ان وصلوا إلى البستان فأمرنا قد فرقة منهم ان تجمع ليفا من النخل وامر فرقة تحمل الاخشاب على الجمال وامر فرقة تحمل ما هناك من الحديد والصفيح والمسامير واخشاب فلم تكن غير ساعة وقد جمعوا ما يحتاج إليه واتى به إلى أمير المؤمنين والقوم شاخصون إلى ذلك من اعلا الحصن فقال هجام لجويرثة ويحك اما ترى هؤلاء القوم وماهم صانعون ارادوا ان يسندوا هذه الاخشاب الطوال إلى جدران حصننا ويصعدوا لنا من فوقها ان ذلك امل بعيد وان مكانهم من وضع هذه الاخشاب إلى جدران حصننا فنحن العا جزون فبينما هم كذلك وإذا بالإمام لما نظر إلى الليف والاخشاب والحديد ففرح فرحا شديدا وامر كل فرقة من قومه ان يشتغلوا بقية يومهم وليلتهم والإمام يساعدهم بنفسه إلى ان فرغ المنجنيق وجميع آلته فأمره بحمله فحملوه ومشوا به والإمام معهم إلى ان قربوا من الحصن وامرهم بنصبه فنصبوه وامرهم با يعقدوا آلته وحباله ففعلوا ذلك وامر القوم ان يحملوا الصخور فحملوا واتوا بها ووضعوا عند المنجنيق ولم يصبح الصباح الا وقد ركبوه وفرعنوا منه .

(قال الراوي): فلما اصبح الصباح ونظر أهل الحصن إلى ذلك قال بعضهم لبعض يا ويلكم ما هذه الحيلة متى نصبت بايزائنا ليت شعري ما تكون هذه الحيلة وما يريد ان يصنع ابن أبي طالب فهذا قول هجام واما قول جويرثه حين سمع ذلك هجام فقال لاشك ان هذه حيلة نصبوها ليرتقوا عليها فيساوونا ثم يرموننا بنبالهم واعلم ياهجام ان كل من صعد من اعلاها فهو هالك لا محالة فانه إذا انتهى إلى اعلاها رشقناه بنبالها

--------------------------------------------------------------------------------

[ 89 ]

رشقا عنيفا متداركا فقال هجام صدقت في قولك ثم ان الإمام افرد الف رجل بالدروق يمنعون عن أصحابهم واخذ فرقة وجعلهم حول المنجنيق يجرون الاحبال وامر بقية القوم ان يقفوا صفوفا با سلحتهم وعدتهم ثم انه اخذ حجرا عظيما ووضعه كفة المنجنيق وامر الرجال بجر الاحبال وتعلق بكفته وهو ينشد ويقول:

حجارة نازلة من ذا البطل *** دامعة ترمي الاعادي بالاجل

صنعها الشهم ابن عم المصطفى *** مدموم الكفار من كل بطل

(قال الراوي): فلما فرغ الإمام من شعره صاح بالرجال وأمرهم ان يسرعوا بشد الحبال والتكبير لذي العزة والجلال فكبر القوم بجمعهم وشدوا الحبال فارتفع الحجر في الهواء باذن الله وعلا علوا عظيما ثم انه امرهم ان يحطوا الحبال من ايديهم ففعلوا ما امرهم به فانقض الحجر من كفة المنجنيق وله دوي كدوي الرعد القاصف وازداد في الهواء ارتفاعا عظيما ثم وقع على الحصن فنزل على اثنين فهشمهما فلم يتحرك منها احد فذهل القوم عند ذلك وحار واندهشوا مما حل بهم والتفت هجام إلى جويرثه وقال له الا تنظر إلى هذه الحيلة العظيمة التي نصبت فبينما هم في الحيرة وإذا بالإمام اخذ حجرا آخر ووضعه في كفة المنجنيق واوصى الرجال بجر الحبال ثم جرت الرجال الحبال وكبروا ثم ارسلوا الحجر من ايديهم فهوى الحجر إلى السماء ثم سقط في الحصن فوقع على جماعة من النساء فاهلكهم فعلا في الحصن وكثر الصياح والصراخ فلما نظر هجام إلى ذلك قال وحق المنيع لقد رمانا امرهم الغلام بداهية عظيمة فاين المنيع اليوم يمنعه عنا وعن نصرته فبينما هم كذلك حائرون إذ اخذ الإمام صخرة عظيمة ووضعها في كفة المنجنيق ثم ان الإمام امرهم ان يفعلوا بها مثل فعلهم اولا فما استطاعوا ان ينقلوها من محلها وما قدروا ان يحركوها فزادهم الإمام رجالا وامرهم ان يكبروا فكبروا المسلمون وكبر الإمام ثلاثا واطلقوا الحبال من ايديهم فانقض الحجر في الهواء وزاد ارتفاعا وله دوي كدوي الرعد وكان الإمام قد قصد ناحية باب عدو الله الهجام وجويرثه فوقعت على الباب وكان ذاك الباب العظيم على قبة معقودة عظيمة قدمها وصارت حجارتها طائرة في

--------------------------------------------------------------------------------

[ 90 ]

الهواء كأنها عصافير وعاد كل من صدمه حجر منه قتله فكل منهم جزع وقد ثار عدو الله هجام وجويرثه وقد تزيد بهم الخوف وصاحوا الا صبر لنا على هذا فقال هجام وحق المنيع ان دام علينا هذا الفعال ملكنا عن آخرنا ولقد كنا نرجزا الملك الهضام ان يرسل لنا احد قومه ويسير إلينا بجيوشه فينصرنا على عدونا ولقد غلبنا وان غاب بقية يومنا هذا وليلتنا لاهلكنا علي بن أبي طالب ويملك حصننا بعد ان يقتلنا ولم يزل الإمام يرمي عليهم بقية يومه فقتل منهم خلقا كثيرا فلما ولى النهار وقبل الليل وانسدل الظلام رجع الإمام بمن إلى اماكنهم وتركوا المنجنيق على حالته .

(قال الراوي): فالتفت إلى أصحابه وقال يا قوم هذه الليلة حرس ثم ان الإمام دعا بناقد وجنبل والرغداء وخالد بن الريان ووهم الحرس بالقوم واوصاهم بمداومة السهر فقالوا السمع والطاعة يا أمير المؤمنين ثم قالوا يا ابا الحسن لو انك اخذت معك من قومك ولو مائة رجل لطارق يطرق أو مائك يعيق فافي الحصن حيات تلسع وعقارب تلدغ فقال له يا ناقد ان لنا رب يعيننا على تلك العقارب والحيات الاراقم ونهلك بمشيئة الله كل كافر ونحن فينا الكفاية ثم ودع القوم وسار إلى ان وصل إلى المنجنيق فوقف بازائه وهو مستقبل القبلة ولم يزل يصلي ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى إلى ان مضى من الليل أكثره والناس في طيب هجعتهم ولذة رقادهم فبينما الإمام في صلاته إذ سمع صرير الباب وفتح الاقفال فلصق الاما بطنه على الأرض وتحقق النظر إلى باب الحصن فرآه فتح وإذا هو بالرجال قد خرجوا منه بعضهم وراء بعض وجعل الإمام يعدهم واحد بعد واحد حتى انتهى إلى مائتي رجل وقد كان عدو الله هجام قد تشاور في تلك الليلة على قطع المنجنيق وقطع حالة مشابة وقطع البستان حتى لا يبق فيه شجرة ولا نخل وهجام وجويرثه مع كل واحد منهم مائتي رجل من صناديد القوم وشجعانهم فلما خرجوا من باب الحصن امروا من بقي من قومهم ان يغلقوا باب الحصن من ورائهم ثم اقبلوا يمشون وقد احفتوا حسهم وحركتهم ولم يزالوا كذلك إلى ان وصلوا المنجنيق والإمام مراقب لهم وقد امتشق سيفه من جفيره وقبض عليه بيده وعلى جحفته وهو لاصق ببطنه علي الأرض ولم يداخله هلع

--------------------------------------------------------------------------------

[ 91 ]

ولاجزع وهجام وجويرثه في اوائل القوم فسمع جويرثه يقول وحق المنيع ياهجام أنا لا نامل علي بن أبي طالب ان يعلم بمكاننا فلا بد ان ياتينا ويصل بشره إلينا ثم انه أمر طائفة ان يسيروا إلى البستان فيحرقوه بالنار فتوجه جماعة من القوم إليه وتقدم الباقون إلى المنجنيق جويرثة وهجام يقول وحق المنيع لا قصدن علي ابن أبي طالب اينما هو نازل ولا خذنه اسيرا ذليلا ولآتين به واوصله إلى الملك الهشام والمنيع يفعل فيه ما يشاء ويختار كل هذا والإمام يسمعه وهو صامت ولم يرد عليهما جوابه وهو صابر لاحكام الله تعالى ولم يزالوا كذلك إلى ان وصلوا المنجنيق وهموا ان يقلدوه فعند ذلك وثب لهم الإمام قائما على قدميه وصرخ عليهم صرخته المعروفة بين القبائل بالغضب فدوي منها الوادي وقال لهم إلى أين يا اولاد اللئام فذهل القوم واندهشوا وبهتوا ولم يجدوا مفرا مما نزل بهم فبادرهم الإمام رضي الله عنه بذي الفقار وجعل يضرب يمينا وشمالا ولم يزل الإمام يقتل فيهم إلى ان ولوا منهزمين على وجوههم هاربين والى حصنهم طالبين واما جويرثه فانه شخص ولم ينتقل من مكانه ولم يتحرك من موضعه من شدة ما اصابه واما هجام فانه لما عاين ذلك قلب جواده وعطف ركض إلى جهة الحصن وصرخ بمن فيه افتحوا ففتحوا له وقتلهم فدخل الباب من خلفه وقد جرى الإمام وراء من كان معه من القوم وقتلهم جميعا خارجا عن الحصن وكانت عدة القوم مائتي رجل فلم يدخلي الحصن غير اربعة وسبعين رجلا وقتل الباقون وقد كانوا دخلوا قبل هجام .

(قال الراوي): واما الإمام فانه لما فرغ من قتل بقية القوم عند باب الحصن ورجع إلى المنجنيق وجد جويرثه واقفا وقد امسك الله جوارحه فلم يستطع ان يتحرك بحركة فاعلن الإمام بدعائه ليسمع قومه لما علم انهم مطاولون إليه فنادى يا معشر الناس لايضرتكم القلق ولا يداخلكم الارق فاني بعون الله سالم وبنصره غانم فاني قاتلت قتالا لا ارجو به الا رضا الجبار ودمار الكبار فاستبشر الناس بقوله وفرحوا بكلامه وعاد الإمام رضي الله عنه إلى صلاته وخشيته لمولاه وجويرثه باهت يراه ويسمع قراءته ونداه وينظر إلى ركوعه وسجوده وتفرعه وتعفير وجهه من التراب ولم يزل الإمام كذلك إلى برق الفجر فاذن الإمام في ذلك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 92 ]

المكان فعلم آذانه جميع عسكره فأجابوه من كل ناحية ومكان ثم ان الإمام صلى صلاة الفجر في مكانه وجلس يذكر الله حتى طلوع الشمس واقبلت أصحابه فلما نظر أهل الإسلام إلى جويرثه والإمام وهما كالاسود الكسرة الهائلة ففرحوا بسلامة الإمام فنزلوا حتى بادوا إليه فقال لهم الإمام انزلوا حتى يتضاهى النهار بارك الله فيكم فنزلوا يتحادثون معه كيف صنع في ليلته وهو يتحدثهم بما وقع له في ليلته فبينما هو جالس وإذا بالشمس اشرقت وامتلا بنورها الأرض فنظر الإمام إلى الحصن وإذا عليه عنة منصوبة واحبال مفتولة وكفات مظبوطة وجنادل موضوعه فبينما هم ينظرون إلى ذلك إذ اخذتهم الاحجار من كل جانب وكان ابليس لعنه الله صنع للقوم المنجنيق واخبرهم انه رسول المنيع قال فلما رأى الإمام ماحل بأصحابه قال يا ناقد اما تعلم هذا الحصن من مدخل قال يا أمير المؤمنين لا اعلم له مدخلا الا من عين الظباء وهي ان تضع حجرا فيه ليحجز الماء عنا وندخل آمنين فأمر الإمام أصحابه بفعل ما امره ناقد ثم دخلوا واحد واحد قال فلما تكاملوا داخل الحصن هجموا على المنجنيق فحطموه فاتتهم جنود عدو الله ابليس وهجموا على القوم فنادى الإمام لا تحاربوا مع الجن دعوني لهم ثم ان الإمام هجم على الجن فسمعه الناس عند هجومه يقول بلوامع الابراق من نور الجبار اطفئ نا رالمردة الاشرار وازحهم باسماء الله الكرام الشريفة المنيعة وسر اقسام الله العالية يرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ثم غاب في السرب فلم يسمع له احد كلام فلم تكن الا ساعة وقد سمعوا من السرب صياحا وضجة ولم يزل متماديا وقد خمدت الاصوات واقشع الدخان وزاد الشرار ولم يسمع الناس للإمام كلاما بعد ذلك ولم يعرفوا له خبرا وقد انظر الناس رجوع الإمام فلم يرجع فقلق الناس لذلك قلقا شديدا وماج العسكر والناس يسيرون من فم السرب إلى المكان الذي فيه العسكر ولا يطيب لاحد منهم كلام ولا يقر لهم قرار وكل منهم قلق على الإمام ولم يزالوا كذلك إلا أن مضى من الليل الثلث فبينما القوم في اشد القلق .

(قال الراوي): وإذا هم يسمعون صوت الإمام

--------------------------------------------------------------------------------

[ 93 ]

ينادي من أعلى الحصن نصر من الله وفتح قريب فعد ذلك أجابه جميع أصحابه بالتكبير والتهليل وقد اطلقوا له الاعنة فلما قربوا من باب الحصن سمعوا اصوات من داخله تنادي عليهم الامان الامان يا بن أبي طالب والإمام يناديهم إلى أين اللئام فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه [وآله] وسلم بالحق بشيرا ونذيرا ما ارجع عنكم بمشيئة الله حتى ابدد فيكم الجميع واشتت منكم الشمل، ثم وضع فيهم السيف وصار يضرب يمينا وشمالا فتكاثر القوم عليه فصار يجمعهم بجحفته ويدفعهم فيكر دسهم فينزل إلى الاسفل الحصن عند ذلك يصيرون هشيما فاهلك منهم خلقا كثيرا وراوا منه ما لا طاقة لهم به فعند ذلك صاح من بقي منهم الامان الامان يا ابن أبي طالب فقال لهم الإمام لا امان لكم عندي يا اولاد اللئام حتى تقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ويكتف بعضكم بعضا ولم يبق منهم احدا الا اوثقوه كتافا فانحدر الإمام من الحصن إلى اسفله وعمد إلى باب الحصن وفته وقال لا صحابه ادخلوا وكبروا معي على بركة الله وتوفيقه وعونه، فكبر القوم ودخلوا باجمعهم فرحين مسرورين ثم ان الإمام جلس يحدث ناقد عن الذي جرى له في السرداب مع المردة ثم مع عدو الله هجام فإذا هو به قائم فوقف بين يدي الإمام رضي الله تعالى عنه عند راسه ورفسه برجله ولكنه لم يعجل له بالقتل ولكنه ايقظه على مهل وقال له قم يا ويلك هل أنت امنت وتحصنت بغرور الشيطان، ها أنا علي بن أبي طالب قد اوصلني إليك الرحمن فقال له ومن أين جئت وما تصنع فقال له جئت إليك يا عدو الله لاقبض روحك ولا ازال الآن حتى يوصلني إلى الملك الهضام والهه المنيع واخرقهم في النار التي صنعوها بايديهم فقال هجام يا ابن أبي طالب من دخلت علي فقد زاد سحرك على السحرة ومكرك على المكرة فغضب الإمام رضي الله عنه غضبا شديدا من هذا الكلام وتقدم إليه وقطع راسه واخذها وقال للقوم هذه يا قوم راس صاحبكم وكبيركم هجام وقد عجل الله بروحه إلى النار فلما سمعوا من الإمام هذا الكلام هاج بعضهم وحملوا جميعا على الإمام رضي الله عنه فحمل رضي الله عنه عليهم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 94 ]

حملته المعروفة فتكاثروا عليه فناداهم إلى أين يالئام فوالذي بعث ابن عمي بالحق بشيرا ونذيرا ما ارجع عنكم ان شاء الله تعالى حتى افنكم عن اخركم بالسيف أو تقولوا باجمعكم لا الله الا الله محمد رسول الله فلما سمعوا ذلك قالوا باجمعهم نحن نشهد ان لا اله الا الله محمد رسول الله فقال لهم الإمام لا امان لكم حتى يكتف بعضكم بعضا فأجابوه واوثقوا بعضهم كتافا ودخل أصحاب علي رضي الله عنه فوجدوا اهله قد آمنوا فقال لهم رضي الله عنه تفرقوا في الحصن وجمعوا ماكان فيه فاخذوه ووضعوه في قلعة هجام بن اسد الباهلي وختم عليه ثم انه عمر الحصن بالمسلمين الذين معه وامر عليهم هون بن صفوان الباهلي واوصاهم بحفظ الحصن وحفظ ما فيه من الاموال والامتعة وغير ذلك واقاموا في الحصن إلى آخر النهار ثم تفكر رضي الله عنه في العواقب فأمر أصحابه بالخروج من الحصن فخرج علي وخرج أصحابه إلى ان اتوا المكان الذي كانوا فيه اولا فلما نزلوا وتكاملوا تولى على حرس القوم فلما كان وقت السجر وهو يحول حول أصحابه مثل الراعي الشفوق على اغنامه وإذا هو بثلاث فوارس مقبلين على مادة الطريق فلما تحققهم رضي الله عنه ترك أصحابه وانطلق عنان جواده إليهم من قبل ان يصلوا إلى عسكره فلما وصل إليهم قال لهم من أنتم ياوجوه العرب ومن أين اقبلتم وقال أين تريدون فظنوا انه من الحصن المشرف فقالوا نحن طليعة من جيش الهضام قد قدمونا لنا خذلهم هذا الغلام علي بن أبي طالب وقد كان بعث قبلنا طلعة مع جويرثه بن اسد وهي اربعة الاف فارس لياخذوا له خبر هذا الغلام والى أين وصل فهل عندك منه خبر يا هذا فقال لهم رضي الله عنه بئس الاخبار واقبح الاثار، اما جويرثه فقد اسلم وقر لله تعالى بالوحدانية وها هو معنا مسلما وموحدا واما أصحابه فقد قتلوا عن اخرهم واما علي فهو أنا الذي اكلمكم وانتم بين يديه فلما سمعوا ذلك ذهلوا وهموا بالفرار فلوى الإمام علي رضي الله تعالى عنه واحد منهم وضربه بالسيف فوقعت الضربة على راسه ووصل السيف إلى صدره فتكردس إلى الأرض ثم هم بالاثنين الاخرين فقالوا يا ابن أبي طالب ابق علينا فقال لهم علي رضي الله عنه لن يجيركم من سيفي إلا أن تقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ففرح علي باسلامهم ثم سار الاثنين بين يديه فاتي بهم إلى عسكره وسالهم عن الملك الهضام فاخبروه بخبره واقام علي رضي الله عنه بقومه بقية يومه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 95 ]

فلما برق ضياء الفجر اذن الإمام وصلى بالناس صلاة الصبح ثم اقبل عليهم وقال معاشر الناس ان هذا عدو الله الهضام قد خرج إليكم بجنوده وعساكره وقد قرب منا ولم يبق بيننا وبينه غير مسيرة الراكب المجد يوم ومعه مائة الف فارس غير ما اجتمع إليهم بعد مسيرهم فما الذي ترونه من الراي هل نسير إليهم أم نمتهل حتى يسروا إلينا مع ان سيرنا إليهم وهجومنا عليهم اهيب فاني لا لا افعل شيئا الا بمشورتكم ولا اخالفكم ولا احملكم ما لا تطيقون فقالوا باجمعهم يا ابن عم رسول الله افعل ما تريد ودبر امرك كيف شئت فانا لكلامك سامعون ومبادرون غير مخالفين .

(قال الراوي): فارتحل بالقوم وسار وجد في المسير إلى ان وصل إلى الحصن الاسود فنظر إليه الإمام فإذا هو كانه قطعة من الليل الدامس فتأمله الإمام فإذا المشركين قد تحصنوا فيه وشهروا سلاحهم ورفعوا رايتهم فلما اشرف عليهم عسكر الإمام لم يكترثوا به لثقتهم بكثرتهم وان الملك الهضام سائر إليهم فعند ذلك نزل الإمام بجيشه ثم سار الإمام وحده وسار إلى الحصن فلما قرب إليهم ناداهم معاشر الناس ان كان لكم شفقة على انفسكم ورغبة في حياتكم فافتحوا لنا باب الحصن فإن ابيتم فنحن نسفك دماءكم بعد ان نقتلكم عن آخركم أو تقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله فإن قلتموها فاكف عنكم الشر وياتيكم مني الخير .

(قال الراوي): فعند ذلك أجابه صاحب الحصن الاسود وهو مساور السماك الباهلي وقال يا ابن أبي طالب أنا نعلم ان انصرام عمرك هو الذي اوصلك إلى ما وصلت إليه وبلغك إلى ما بلغت وقد وقعت في اوطاننا بهذه الشرذمة القليلة والعصابد اليسيرة فلما سمع الإمام من عدو الله غضب غضبا شديدا وقال ستعلم يا ملعون فما على الرسول الا البلاغ ثم رجع عنه إلى مكانه وقد اصفر وجهه من الغيظ فسأله الناس عن امره قالوا يا ابا الحسن مالنا نراك متغير اللون فقال لهم مما سمعت من عدو الله مساور السفاك من فوق جدار الحصن واني لا افارقه حتى ياذن الله سبحانه وتعالى واظنه صاحبهم الفا ثم يامر الحصن فو الله لو وصلت إليه لهان على فعله وكلامه ثم ذكر لأصحابه ما قال عدو الله ثم قال معاشر الناس اشيروا علي بما اصنع فاني اخشى من قدوم عدو

--------------------------------------------------------------------------------

[ 96 ]

الله الهضام ان يملك هذا الحصن فانه حصن منيع وما فتحا حصنا الا والذي بعده اشد منه فقال جويرثه يا أمير المؤمنين ان فتح هذا الحصن بعيد والوصول إليه صعب شديد لان حجارته اشد من الحديد والماء عندهم عزيز وطعامهم كثير وصاحبه المتولي عليه فارس عنيد ولذلك سموه السفاك فهو المعرف بالسفك بين قبائل العرب لفكه دماء الرجال ونزل الإمام بجانب الحصن بحيث لا تصل إليهم سهامهم ولم يزل الإمام قائما إلى وقت الزوال فبينما هو كذلك إذ اشرف عليه رجل على مطية قد ارسل زمامها وطول حطامها وهي تخرق الأرض خرقا وتقطع البيداء قطعا إلى ان وصل إلى عسكر المسلمين فنادى برفيع صوته معاشر الناس اني رسول إليكم فلما سمع الإمام ذلك قال لك الامان فاناخ الرجل مطيته وقال له أنت ظننت ان صاحب الجيش اوصلك من قريش فقال الإمام نعم فتقدم الشيخ وناوله الكتاب .

(قال الراوي): فاخذ الإمام الكتاب وقراه فإذا فيه مكتوب اسمك اللهم من صاحب الدار والقرار ملك الملوك المذل لهيبته كل سيد وصعلوك الهضام بن عون بن غانم الباهلي الملقب بمرارة الموت إلى الحدث العصفور والطفل المغرور علي ابن أبي طالب اما بعد فإن الذي فعلته ووصلت إليه وادركته فبقاء المنيع عليك واحسانه إليك فلا تغتر بفعلك والا زحفت عليك باسود زائرة وابطال للحرب متبادرة فيتركونك كشئ كان ولا بان وان أنت اطلعت واتيت مع حامل هذا ابقينا عليك واحسنا إليك فانظر لنفسك وتدبر لامرك وقد اعذر من انذر فلما قرا الإمام رضي عنه ذلك الكتاب صرخ في وجه موهوب صرخة المعروفة وقال قل له ليس عندي الا السيف فولى راجعا من حيث جاء وهو لا يصدق لنفسه بالخلاص من بين يدي الإمام فصار يجد المسير إلى ان وصل إلى الهضام فلما نظره الهضام قال يا موهوب اخبرني ما قلت وما قيل لك فقال أيها الملك هو جاوز المقدار ويرمي من يخاطبه بالنار وما كنت مصدقا اني راجع من زجراته ونهراته واني قد جادلته مجادلة المطارد وارجوا بذلك رجوعه عما هو عازم عليه قاصد فما رأيت يزداد الا غيظا وانه لم يكن اهلا لرد الجواب ولا ابقى موضعا للخطاب فانظر ما أنت صانع

--------------------------------------------------------------------------------

[ 97 ]

فان عذا الغلام همام واسد ضرغام وقضاء نازل لايرد ولا يقاوم فلما سمع الملك ما قال موهوب جعل يعض على انامله من شدة غيظه ثم خلع كبراء قومه وسادت عشيرته ووجوه أهل مملكته فلما اتوا إليه ووقفوا بين يديه قال لهم يا قوم ما تقولون في هذا الأمر الذي وصل إلينا من هذا الغلام وان الملوك والسادات تقول في شان من اتخذ لنا فاجابه كبراء قومه ان نذهب إليه وناخذ روحه بين جنبيه .

.

(قال الراوي): واما ماكان من الإمام فالتفت إلى ورائه وكان كثير الالتفات فنظر إلى غبرة ثائرة وعجاجة متعلقة مرتفعة وخيول كثيرة وهي سائرة نحوه .

(قال الراوي): فلما رآهم الإمام نادى معشر الناس قربوا من هؤلاء اللئام ودونكم والخيل يا بني الكرام فعطف الناس على الحصن فظلوا مسرعين والى الخيل مبادرين فاحتدت يهم العطفة والصياح من اعلا الحصن فظن اللئام ان الإمام هارب بأصحابه فقال له مساور إلى أين تريد يا ابن أبي طالب وقد جاء لاستقبالك لما علم بقدومك فلم يرد عليه جوابا بل انه تقدم إلى جواده واستوى عليه راكبا وكثر الطعن والضرب حتى دار المشركون حول الإمام كالحلقة الدائرة فبينما هم كذلك وإذا بصائح يصيح بالإمام فقصد نحوه فهو ناقد وقد كان ناقد قد قاتل في هذا اليوم قتالا شديدا فبينما ناقد في معمعة الحرب إذ عرفه عمه غمام راس القوم فصاح يا ناقد فقال ويحك يا ناقد ابن اخيه وقال لا خذنك قبل ابن أبي طالب ثم حمل عليه وهاجمه وهم ان يقتلعه من بحر سرجه فما امكنه فبادره بضربة وظن انه قد قتل منها فتلقاها ناقد في الدرقة ولوحها قبل ان تصل إليه ولم يصبه منها شيء فلما رأى ذلك هجم عليه عمه غمام وهو لا يريد احد غيره فداخله وأراد أن يقتلعه من سرجه وضرب الآخر يده على عمه وربطا بعضهما في سروجهما وتعاركا على جواديهما فبينما ناقد وعمه غمام على هذه الحالة إذ سمع صوته أمير المؤمنين فصاح ناقد لأجل ان يعرف الإمام مكانه وكان عدو الله رابطه فقصد الإمام نحوه وإذا هو ناقد متشابك مع عمه غمام فناداه يا ناقد ابشر فقد اتاك الفرج من عند الله ومن امرك فلما نظر عدو الله هجمة الإمام عليه وسرعته إليه سبق ناقد وتاخر إلى ورائه وصرح بقدمه فمالت إليه الكتائب وخرج إليه مساور من الحصن بقومه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 98 ]

وانجده وقال الإمام إلى أين يا ابن أبي طالب من يخلصك مني واين ابن عمك محمد هيهات ان عاد ينظر إليك بعد هذا اليوم فتقدم الإمام إليه وضربه ضربة هاشمية علوية وقال مع ضربته الله اكبر خذها يا عدو الله من يد علي ولي الله فتلقاها عدو الله في درقته فقطع السيف الدرقة ونزل إلى راس عدو الله فجرحه جرحا يسيرا فلما احس عدو الله بالضربة ولى هاربا وللنجاة طالبا فاستجار في قومه فتقدمت الرغداء بنت الخطاف إلى الإمام وقالت له يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم اتاذن لي ان احمل عليهم وابددهم فاذن الإمام وكشف لثامها واطلقت عنان جوادها وحملت على القوم وحمل الإمام معها وقال لها يارغداء لا تخافي ومعك اميرك فلما سمعت الرغداء ذلك من الإمام صارت كالاسد إذا عاين فريسته وحطت في القوم فصارت كل من ملكته ترسل راسه عن جثته وجالت فيهم يمينا وشمالا حتى قتلت منهم مقتلة عظيمة فلما عاين المشركون ذلك منها قالوا لاصبر لنا على هذا ثم تأخروا إلى ورائهم فصاحت بهم إلى أين يا اولا د اللئام فتقدمت إليها الفرسان واحتاطت بها الشجعان وسار الإمام في اثر الرغداء واحتاطت الرجال وكثر القتال ولم تزل الحرب بين الفريقين وازدادت العساكر وعلا الصياح بين الفريقين فقال الإمام لأصحابه يا قوم في هذه الساعة ينصرنا الله عليهم فاحملوا بارك الله فيكم واصدقوا الحملة بالضرب ثم حمل الإمام ومازال حتى صار في وسط المشركين فنظر علما كبيرا هائلا وقد نظم رمحه من اعلا ه إلى اسفله با للؤلؤ الرطب وكان ذلك العلم هدية إلى الهضام فقال يا اخي خذ هذا العلم معك لتفتخر به على ابن أبي طالب وليعلم ابن عمه محمد وجميع من معه لا يقدرون على مثله وكان إذا سار نصب ذلك العلم على راسه فاخذه غمام وسار إلى الإمام في ذلك اليوم ونظر إلى حسنه ولمعان جواهره وكانت احباله من الا برسم موثوقة بجوانبه تحمله الرجال وتمسكه الابطال فلما نظر الإمام ذلك العلم وصفته قال لا صحابه يا قوم احملوا عليهم فاني حامل على صاحب العلم فغمني ان املكه منه واقتلعه من يده ان شاء الله تعالى فتقدم إليه ناقد وقال وانا معك يا أمير المؤمنين وتبادر القوم إلى الإمام وكل منهم يقول وانا معك يا ابن عم الرسول فلما وصل إليهم الإمام رضي الله عنه تصارخوا باجمعهم وصاح كبيرهم يا للعرب انجدوني قبل ان ياخذ العلم فتصارخت الرجال بالإمام من كل جانب ومكان ولم يرجع عن الذي معه العلم حتى ضربه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 99 ]

ضربة هاشمية عربية فقسمه قسمين ولم ينطق بكلام ولم يبرح من مكانه فمال العلم من يده فلما راه الذين هم ماسكون الاحبال تركوه وولو هاربين وللنجاة طالبين فبادر الإمام رضي الله عنه إلى العلم واخذه قبل سقوطه إلى الأرض وضمه بين يديه فاسرع القوم وهم يظنون ان لا يطيق بحمله الإمام ولما حمل العلم وضمه بين يديه فاسرع القوم وهم يظنون ان لا يستطيع بحمله الإمام ولما حمل العلم انطلق به ولوى عنان جواده إلى قومه فلحقه غمام ومساور ويتصارخون بالإمام وكان قد خرج الإمام بالعلم من بين المشركين ولم يرمح جواده إلى ان دخل إلى وسط عسكر المسلمين وقال الله اكبر وكبر المسلمون معه وفرحوا فرحا شديدا في ذلك اليوم فلما اخذ العلم من المشركين تحسرت قلوبهم وانقهروا قهرا عظيما حتى كادوا ان يتفرقوا من شدة غيضهم ثم اقبل الإمام على أصحابه وقيل لهم يا قوم ان هذا اليوم قد ولى بضيائه واقبل الليل بظلامه فاحملوا بنا على القوم حملة رجل واحد فانا لا نامن من ان القوم عندما ينسدل يذهبون إلى حصن ويتعجبون فيه فيعظم علينا الأمر فركب القوم خيوله وانشدوا با سلحتهم إلى ان صاروا كالاسود المغلة الضاربة وقد اشتد عزمهم باخذهم العلم ونصرهم عليهم فعند ذلك قال لهم الإمام عليهم بارك الله فيكم وعليكم فحمل الإمام وحمل القوم في اثره فلم يكن الا كلمح والبصر وقد انهزمت المشركون فولوا الادبار وركنوا إلى الفرار فاخذهم السيف من جميع الجهات والاقطار فتفرقوا يمينا وشمالا وقد عمد غمام ومساور إلى الحصن ومعهم فيئة قليلة من قومهم والإمام في اثرهم يحصد فيهم إلى ان ايقنوا بالهلاك فدخلوا الحصن وهم لا يقصدون بالدخول فغلقوا الباب وتركوا أصحابهم من خارج الحصن وكان الحصن الاسود لا تعمل فيه المعاويل فلما اوثقوا الحصن بالترايس رجع الإمام إلى من كان بخارج الحصن ومكن السيف فيهم فقتلهم عن آخرهم وتفرق المسلمون إلى وراء المنهزمين وصار كل من القوة قتلوه واخذوا سيفه وفرسه ثم اتى المسلمون الإمام فوجدوه قد افنى من كان قصد باب الحصن عن آخرهم فاقبلوا من كل الجهات واتوا إلى مكان المعركة واخذوا جميع ماكان على المشركين وقرنوا الخيل بالخيل وحملوا عددهم على الرواحل وقد اقر الله على اعين المسلمين بقتل ملكهم وعدوهم واخذوا الغنيمة ودفعوها إلى الحصن المشرق وارتدوا سالمين ثم نزل الإمام متباعدا عن الحصن

--------------------------------------------------------------------------------

[ 100 ]

المشرق فجعل في حيلة يملك الحصن قبل وصول الجيش إليه وقد قدم الإمام وامر أصحابه جميعا بالسهر وترك المنام فإن هذه الليلة أعظم مما تقدم لكم من الليالي لاننا قريبون من جيش الملك ولا نامن ان يهجم علينا هذا الفاجر ان اللذان في هذا الحصن ومن معهم ويدهموننا في ظلام الليل وإذا هجم عليكم القوم فليحرص كل منكم الآخر حين ينام وها أنا اطوف عليكم وجعل الإمام رضي الله عنه يطوف با صحابه وقد مضى من الليل نصفه فبينما هو شاخص وإذا هو قد لاح على بعدو وهو يظهر تارة ويخفي تارة فتأمله الإمام رضي الله عنه فلما تحققه الإمام امسكه وقال اخبرني ما اسمك قال يا ابن عم الكرام الي الامان إذا قلت قال نعم وحق ابن عمي ان اصدقتني فلك الامان فقال الرجل يا ابا الحسن ان غماما اخا الملك لما هرب ودخل الحصن الزمني ان اكشف له خبر جرجس اخيه بذلك كرها لك وها أنا بين يديك فامننت فطالما احسنت وان هلكت فما أنا متعرض لك فيما فعلت فعند ذلك تبسم الإمام من قوله وفرح فرحا شديدا وقال له من أين نزلت امن الباب خرجت فقال الرجل لا وحياتك يا مولاي انهم من حين دخلوا الحصن هربا منك واوثقوه بالاقفال والنرابيس وما جسروا ان يفتحوه خوفا منك وانما اوثقوني بالاحبال وارسلوني من اعلا الحصن فلما سمع الإمام فلما سمع الإمام ذلك قال وكيف تصنع حين يرفعوك إليهم إذا رجعت فقال يا ابا الحسن انهم عهدوا الي بعلامات جعلوها بيني وبينهم آخذ حجرا من الحجارة وانقر جدران الحصن ثلاث نقرات فإذا سمعوها علموا اني صاحبهم فيرسلوا الي الاحبال فاوثق بها نفسي ويبقى بيني وبينهم علامة اخرى وهو اني اجر الاحبال ثلاث مرات على الحائط فيرفعوني إليهم فقال الإمام لما سمع ذلك اكبر نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ثم التفت إليه وقال ما اسمك يا هذا قال اسمي غالب فقال الإمام قم يا غالب وانزع ثيابك فقال له وما تريد بثيابي فقال الإمام ارى فيها رايا فعند ذلك نزع غالب ثيابه وهو يظن ان الإمام يقطع راسه وقال له بحق ابن عمك لا تقتلني فقال له الإمام يا غالب لك الامان ولا اهلك واولادك فطيب خاطرك وقر عينك فلا ينالك مني الا الخير فلما سمع غالب ذلك طابت نفسه وناوله ثيابه وكانت قديمة ونزع عمامته وناوله اياها فاخذها الإمام ولبسها وتقلد بسيفه من تحت اطماره واقبل على أصحابه وسلم وامر عليهم ناقد وجنبل والرغداء وخالد واوصاهم بحقل

--------------------------------------------------------------------------------

[ 101 ]

العسكر وجميع ما معهم ثم قال لهم يا قوم كونوا على خيولكم وتقربوا إلى الحصن فإذا سمعتم نداء فاتوني مسرعين ولتكن منكم جماعة ينظرون صوب الطريق فإذا اشرف عليكم جيش ووصل إليكم فاعتنوا بالتهليل والتكبير فاني اسرع إليكم ان شاء الله تعالى ثم صار إلى جهة الحصن والقوم يتعجبون مما عزم عليه فقال غالب يا أمير المؤمنين أنا اشهد ان لا الله الا الله واشهدوا ان محمدا رسول الله فسر الإمام لذلك سرورا عظيما ثم سار الإمام وهو غير مكترث إلى ان وصل الحصن وكان غالب قد وصف له الموضع الذي نزل منه هذا واهل الحصن منتظرون من خبره فبينما هم كذلك إذ لاح لهم خيال الإمام وهو مقبل فظنوه صاحبهم مساور يا غمام قد جاء رسولك ارجو ان يكون جاء بسرورك ومازال الإمام سائر إلى ان جاء إلى الحصن فاخذ حجرا ونقر به جدران الحصن ثلاث نقرات متواليات فلما سمع القوم نقر الحصن ايقنوا انه غالب فارسلوا له حبلا من ليف النحل فاخذه الإمام وشد به وسطه وهو يفكر كيف يطيقون حمله وخشى ان ينكروه لثقله فلما مكن الإمام نفسه بالحبل صبر وحمد الله وحرك نفسه بالحبل ثلاث مرات فايقنوا انه صاحبهم غالب فجروه فلم يستطيعوا ان يحركوه فقالوا هذا ثقيل علينا اثقل من المرة الاولى فقال لهم مساور لاشك انه كسب من مكان الواقعة وحمل نفسه من الاسلحة والدروع فارسلوا إليه حبلا اخر واجمعوا عليه الرجال وقالوا طلعوه من قبل ان يسمع بنا علي بن أبي طالب فياتي إلينا فلا حاجة به وارسلوا إليه حبلا ثانيا فخف نفسه معهم فهان عليهم وما زالوا كذلك إلى ان وصل إلى أعلى الحصن ووقف على رجليه فتقدم إليه مساور وقال ما ابطاك وما كان من امرك وخبرك يا غالب فرفع الإمام راسه إليه وقال يا ويلك يا مساور بل أنا علي بن أبي طالب فلما سمع القوم ذكر علي التجموا على الكلام ونظر بعضهم إلى بعض من أعلى الحصن فتقدم الإمام إلى مساور السفاك ورفعه بين يديه والقى به من أعلى الحصن على راسه فهوى إلى الأرض فتهشم عظمه في لحمه فلم ينطق ولا يتحرك في مكانه وعجل الله روحه إلى النار ثم التفت الإمام إلى غمام وجرد سيفه وقد وقف من دونه الرجال فصرخ فيهم صرخته المعروفة عنه ففرقتهم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 102 ]

يمينا وشمالا وتقدم الإمام إلى غمام وهم ان يعلوه بالسيف فقال يا ابن عم رسول الله كرهت ان اموت تحت السيف ولآن فانا اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله فقال له الإمام يا غمام لقد افلحت ونجحت وعمم الله بك السرور وفرح الإمام باسلامه فرحا شديدا ثم ان غمام لصق جنبه إلى جنب الإمام وصاروا يضربون بالسيف في أهل الحصن إلى ان قالوا باجمعهم نحن نشهد ان لا الله الا الله ففرح الإمام باسلامهم فرحا شديدا ثم انحدر إلى اسفل الحصن ليفتح الباب فلما فتح باب الحصن كان اول من لقيه من أصحابه الرغداء بنت الخطاف وسيفها مشهورا في يدها فرات غماما إلى جانب الإمام فقالت يا سيدي ما ابقالك على غمام وهو راس القوم فقال لها يارغداء انه قد اصبح اخا لك في الدين وصار من جماعة المسلمين فلما سمعت ذلك تقدمت الرغداء إلى غمام وقبلت راسه وقالت له زادك الله فخرا على فخرك وعزا على عزك ثم اقبل ناقد ابن الملك فلما نظر إلى عمه غماما وهو واقف بازاء أمير المؤمنين قال يا أمير المؤمنين هل باقي على كفره وغيه أو لا فقال له يا ناقد قبل راس عمك فانه صار شريكك في الدين فاقبل ناقد على عمه وقبل راسه وصافحه مصافحة الإسلام وفرح به فرحا شديدا ثم ان الإمام أمر الناى ان يجمعوا الاسلاب فجمعوها ووضعهم بين يديه فاخذ الاموال والامتعة ووضعها في دار عدو الله مساور وختم عليها واخذ جميع الخيول والمواشي وحصنهم في الحصن وجعل فيه اقواما مسلمين يحرسونه وامر عليهم من يحفظه واقام الإمام ينتظر ما يكون من أمر الله عز وجل .

(قال الراوي): وكان الملك هضام حين ارسل اخاه غماما ومعه السبعة آلاف المتقدم ذكرهم اوصاهم ان يقدموا بعلي بن أبي طالب إلى بين يديه وجهزاخاه علقمة في سبعة آلاف اخر وامره ان يسير في الوادي حتى ياتي إلى ابن بن أبي طالب من خلفه فهذا ماكان من أمر غمام وقد هداه الله إلى الإسلام وهذا ماكان من أمر علقمة فقد اخفى الله امره وبطء غمام خبره وقد من الله على الإمام بفتح الحصن وقتل صاحبه مساور واسلام جميع قومه ثم بعث الإمام رجلا من قومه وقال له اكشف لنا الطريق عن عدو الله الهضام وانظر ما يظهر لك وعد الي بالخبر راجعا بلا تعويق وبعث رجلا وقد كل واحد ناحيته كما امره الإمام وامر جنبل ان يذهب بالاسلاب إلى الحصن المشرف وياخذ معه مائة عبد

--------------------------------------------------------------------------------

[ 103 ]

فصار كما يهره الإمام ولم يزلوا كذلك على ما امرهم الإمام إلى ان ولى نصف النهار وقد ابطا على الإمام خبر الفارسين والطليعة فقلق الإمام من ذلك قلقا شديدا وكان علقم لما خرج إلى الحرب الإمام حاد عن الطريق آخر لأجل ان يقطع خط الرجعة على الإمام فتقابل مع جنبل وأراد أن ياخذ عنه الاسلاب والاموال فبرز إليه فارس وصار ينادي يا ويلك الق حسامك وقف مكانك فقصر جنبل حتى كاد عدو الله ان يصل إليه فعطف عليه جنبل كانه شعلة نار وضربه بالسيف إلى صدره ولم يزل حتى وصل إلى السرج فتجندل عدو الله إلى الأرض صريعا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار واخذ جنبل جواده ودفعه إلى رجل من أصحابه ثم وقف وهز سيفه وقال ويلكم يا اعداء الله فانا رفيق ولي الله أبي الحسن .

(قال الراوي): فلما سمع عدو الله علقمة ذلك من جنبل اشتد غضبه حتى قام في سرجه وقعد من شدة قهره وقال وحق المنيع لقد كبر عارنا وزاد شرنا وصول هذا العبد اللئيم إلى عبث صاحبنا ولقد غفل المنيع ورمانا بكل أمر شنيع ثم عطف جنبل وسيفه بيده مخضب بالدم إلى عدو الله علقمة ومازال كذلك إلى ان اراد قتاله فنادى برفيع صوته يا أهل الكفر والطغيان هلموا إلى أهل القرآن ومن رفضوا عبادة الاصنام والاوثان وعكفو على عبادة الله العظيم الملك الديان هل من مبارز هل من مناجز فانا الاسد الظمآن إلى شرب دماء الابطال الشجعان فلما سمع عدو الله علقمه ذلك من جنبل نزع عمامته من فوق راسه غاضبا وجلد بها الأرض في انفعال وقال وحق المنيع وزلاه بعد العز والملك تنادينا العبيد الاراذل ان هذا من أعظم النكال ثم قال وحق المنيع لازيلن عن المملكة حجابها ولاهدن من سورها ولا خرجن إلى هذا العبد اللئيم بنفسي ولابردن بقتله كبدي ثم اصلبه واخذ عدة حربه وهم بالخروج إلى ان جنبل فتعلق به رجل يقال له شكا وكان ذلك الرجل شجاع ومن أصحاب الملك الهضام وكان شديدا الباس قوي سريع الاختلاس فقال له أيها السيد اني وحق المنيع عازم على الخروج إليه وقاصد بالهجمة عليه وقد كنت اقسمت بالمنيع ان لا اقاتل احدا حتى اقاتل علي بن أبي طالب والآن قد هاجت شعوري ومروءتي ولا عاد لي مصطبر عن الخروج الا هذا العبد الذميم فخرج شكا كانه سهما غليظ من النار وهز سيفه وزاد رمحه إلى ان دنا من جنبل ونادى ويحك يا جنبل لقد مت امجنون أنت أم سكران وحمل عليه وارسل سنان رمحه

--------------------------------------------------------------------------------

[ 104 ]

إليه فعطف على جنبل ولو ضربه بالسيف فقصفه من اعلاه باليسنتان وسار بقية العود في يده كالجريد فالقاه من يده إلى الأرض وأراد أن يجرد سيفه فبادر جنبل بضربة قبل ان يمس حسامه وضربه بالسيف على راسه فقطع البيضة ونزو إلى ان وصل السيف إلى محارمه وسحب السيف منه فنكس عدو الله على راسه وعجل الله بروحه إلى النار فلما نظر عدو الله علقمة إلى ذلك لم يطق صبرا دون ان صرخ بقومه فاجتمعوا كلهم بين يديه وقالوا ما تريد أيها السيد اتريد ان نحمل عليه لجمعنا فقال لا وحق المنيع لا يخرج إليه غيري فكفاني هذا العار وكان علقمة جريئا على قتال الرجل لا يهاب الابطال يبادر إلى النزال فلما نظر جنبل إلى خروجه تهيا لقتاله وبادر بالخديعة قبل ان يصل إليه وقال يا سيدي طابت نفسك ان تخرج لقتالي وسفك دمي ونسيت ما واليتني واكرمتني وما كنت الذي امدد يدي إليك بسوء لقد قدمت على فعلي ولو علمت ما في قلبك علي من الغيض فلا أمر لك فصاح به علقمة عند ذلك وقال إليك عني فما اسواك من عبد لقد تعلمت الخداع يا ملعون دع هذا الكلام فلابد لي من قتلك وآخذك وارميك في النار المنيع بكل أمر شنيع يقال جنبل وحق الذي من على بالإسلام وهو الذي خلق السموات والارض لئن اظفرني الله بك يالعين لاقطعن راسك هذا ماكان منهما واما كان من الملك الهضام لبس خلعة الغضب ولبس درع الغضب فالويل لمن لقيه من اعدائه ثم سار ولم تقدم إليه طليعة بل تقدم بنفسه امام القوم وتلاحقت به العساكر بالخيل والرايات والبنود واقبلت الكتائب تلو بعضها بعض قبيلة اثر قبيلة وساروا إلى ان وقعت العين على العين فنظر الإمام صفوف المشركين فصاح بأعلى صوته معاشر المسلمين ان اعدائكم متاهبون لقتالكم فكونوا على صفوفكم ومراتبكم إلى ان اعود إليكم ثم خرج أمير المؤمنين بنفسه وتقدم إلى القوم بالاعذار والانذار ولم يزل يتقرب إليهم حتى كاد ان يخالطهم وهو يسير على مهل من غير طيش ولا عجل فاضطربت الصفوف وتصارجت الرجال من حول الملك العظيم وقالوا له قف مكانك يا غلام فهذا محل الواقعة ومرتبة بالمملكة ومواقف السلطنة والملك بعينه يراك ويرعاك فإن كنت رسولا فقل ما عندك هذا والإمام لا يسمع كلامهم ولا يرد جوابهم إلى ان دنا بهم .

(قال الراوي): ففرح الملك بذكل فرحا شديدا

--------------------------------------------------------------------------------

[ 105 ]

وكان نيته ان يسير الإمام تحت طاعته ثم قال يا مسطاح ولئن رغبت بن أبي طالب في جنتي حتى يدخل تحت طاعتي لاجعلنه الموكل بناري وجنتي واما أنت يا مسطاح فلك عندي ما تطاولت إليه يدك من الاحسان فعند ذلك عطف مسطاح جواده نحو الإمام فناداه الملك قف مكانك يا مسطاح فامسك جواده ووقف مكانه فمر له الملك بخلع الديباج وتاج مرصع الدر وعقد به قبة ثم قال يا مسطاح كن في هذه القبة ليراك بعين المهابة والفخار ويشاهد عليك من هذه المملكة آثار ثم خلع من اصبعه خاتما من ياقوت وقال خذ هذا الخاتم قل له هذا خاتم الامان من عند الملك وسيرى بين يديه العجائب عليها سروج الذهب الاحمر وقد نثر على راسه علمين زاهرين والعبيد يقودوا النجائب وسار مسطاح إلى ان وصل إلى الإمام فنظر الإمام إليه والى زينته فظن انه الملك الهضام فتاهب الإمام فلما قرب منه الإمام تقدم مسطاح وصاح به الإمام قف مكانك واحبس زمامك واظهر كلامك فاللسان ترجمان الانسان فمن أنت يا هذا وفيما اقبلت فناداه مسطاح يا مولاي أنا راجل محبك ومن اجلك مجروح وانا بغير مطال وكثرة مقال اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله فناداه الإمام سعدت يا هذا بالايمان فما الذي قدمت إليه فقال له مسطاح الاقرن يا مولاي ان لي أمر اتيت إليك مساعدا ومسارعا أنا صاحب حصن الفواكه وان معي رجالا في الحصن يسمعون قولي فإن احببت ان ارجع إليهم وادعوه للاسلام وما من الله على من الايمان واكرههم في الكفر والفسوق والعصيان واتسبب ان اهذهم من ضلالة الكفر والطغيان واني يا مولاي آمن من الله تعالى ان يكون هلاك القوم وعد والله على يدي ان شاء الله تعالى فشكره الإمام وجازاه خيرا وقال له يا مسطاح ارجع إلى ان يحكم الله بما يشاء ويختار فرجع إلى الملك الهضام وقد اشرق وجهه بنور الايمان فنظر إليه الملك فراى نور الهداية يلوح من وجهه وعليه هيبة الإسلام فاستقبل الملك وقال مسطاح ارى وجههك منيرا فقال أيها الملك اني لما سرت وتوجهت إلى ناحية القوم مازلت سائرا إلى ان اتيت رجل في الناس مثله لا يجوز عليه خديعة ولا يخفى عليه نكر واني ذكرت له مناقب الملك وكرمه ورغبته في جنتك وحذرته من نارك فلان واستكان

--------------------------------------------------------------------------------

[ 106 ]

ودخل تحت الطاعة والامانة الا انه ذكر لي ان له معك خطابا وعتابا وامر ان يظهر عندك هناك في مشهد من قومك فلما سمع الملك الهضام من مسطاح ذلك الكلام فرح فرحا شديدا وظن ان ذلك حق وغرق في بحر التحير وامر الناس بالنزول فنزلوا وتفرقوا في تلك الليلة على القوم ما عمهم ودفع منها لمسطاح مائة ينحرها لاهل الحصن وقال يا مسطاح خذ هؤلاء النياق وانحرها لقومك ليكونوا معنا في السرور فقام مسطاح وقاد المطايا بين يديه إلى ان وصل إلى الحصن فجمع قومه وقام فيهم كالخطيب وشوقهم إلى الجنة وحذرهم من النار ورغبهم في عبادة الملك الجبار ودعاهم إلى الإسلام وشوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقالوا يا سيدنا ما الذي تريد منا ان نفعله فقال لهم ان تقروا لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم بالرسالة فقالوا باجمعهم نحن نشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله فعند ذلك خر مسطاح ساجدا شاكرا لله تعالى ثم قال لهم انحروا الآن الجزور على اسم الله تعالى فقد جمعت فرحتان ونحن مسرورون باخذ الامان من ابن أبي طالب فابشروا يا قوم فاني نجيتكم في الدنيا من العار فهذا ماكان من خبر الإمام فانه حين رجع مسطاح من عنده نزل وامر الناس بالنزول ثم جمع أصحابه وقال هذه الليلة آخر الليالي مع الكفرة اللئام فاستبشروا بقوله فلما اتى الليل واسدل الظلام واضرمت المشركون النيران وتحارست الفئتان فلم ير الناس في تلك الليلة أكثر حرسا على القوم من الإمام حذار من حيلة أو كسبة في ظلام الليل فكان يحوم بنفسه على أصحابه إذ لاح له فارس يركض جواده ركضا خفيفا فامتشق الإمام سيفه بيديه ومازال سائرا إلى ان وصل إلى الفارس وهم ان يضربه فصاح به فإذا هو مسطاح فقال له اهلا وسهلا ومرحبا يا مسطاح ما الذي اتاك في هذا الوقت قال يا سيدي فرج عاجل وسرور شامل فيما أنت إليه متطاول فقال الإمام اتبشرني باسلام قومك فقال يا سيدي قومي اسلموا وابشرك بالوصول إلى عدوك وعدوي الهضام وان قومي قد اسلموا اربعة الاف فارس والملك الهضام قد وصل الي في عسكر قليل من قومه وهو الآن داخل الحصن واعلم يا مولاي ان القوم متحيرون فلما سمع الإمام ذلك الكلام من مسطاح تقلد بسيفه وتمنطق بجحفته وركب جواده

--------------------------------------------------------------------------------

[ 107 ]

وسار مسطاح بازائه فلما وصلوا إلى الحصن وجدوا الناس جالسين في انتظارهم فقالوا اهلا وسهلا بسيد الشجعان فناداه الملك الهضام أين كنت يا مسطاح قال أيها الملك كنت عند صديق لي ولك دعوته ياكل معك الطعام ليشمله من الملك الاكرام فلما نظر الملك إلى أمير المؤمنين والى هول خلقته وكبر جثته وعرض مناكبه امتلا قلبه خوفا وفزعا وقال من هذا يا مسطاح فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم تقدم إليه أمير المؤمنين فتوثب القوم واسرع مسطاح إلى باب الحصن فاغلقه واخترط حسامه وقال الله اكبر فتح ونصر من آمن وخذل من كفر يالئام والتفت إلى قومه وقال يا جند اظهروا سيوفكم فاظهروا سيوفهم ونادوا باجمعهم نحن نشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله وما القوم باجمعهم إلى ناحية الإمام وهو مضيق على الهضام وأصحابه فناداهم الإمام أيها الناس امهلوا عليه وتفرقوا عنه وتركوه فرجع الناس عنه وسيوفهم مشهورة في ايديهم ثم ان الملك الهضام قال يا ابن أبي طالب عليك بالمهل وترك العجل فقد رفعت عندي منزلتك ولولا انه لاح لي من امرك الحق وبان الصدق قال هو فيه شيء غيرذلك فقال الإمام لا يكون شيء من امرك الحق وبان الصدق قال وهو فيه شيء غير ذلك فقال الإمام لا يكون شيء ذلك فقال الإمام قم بنا الآن ان كنت آمنت بالله ورسوله وادع قومك إلى الإسلام وان كنت غيرذلك فانه اعلم ثم اتى الإمام إلى الهضام فقال لهم أنتم قائلون فقالوا ما نحول عن ديننا ابدا فقال الإمام لمسطاح وقومه دونكم واياهم فما استتم كلامه حتى عطفوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم والهضام ينظر بعينه واصطكت اسنانه بعضها في بعض فالتفت إليه أمير المؤمنين وقال دونك وقومك ياهضام امض إليهم واسرع بالجواد فقد امهلتك وامهلت قومك وجميع من معك إلى الصباح فإن اصبح الصباح واتيت مسلما فلك الامان ومن طلعت عليه وهو مصر على دينه فلا امان له عندي الا السيف فتقدم الهضام إلى جواده فركبه حين اعطاه الإمام الامان وكان لا يصدق بالخلاص فصار مسطاح وقومه يشيرون للإمام ان يسمح له بالخروج لما يعلمون من كفره وخديعته فتبسم ضاحكا من كلامهم فلما خرج الهضام قال مسطاح يا أمير المؤمنين لقد اطلقت من يدك اسدا عظيما وقل ان يعود وان يقع في يدك

--------------------------------------------------------------------------------

[ 108 ]

مثل هذه المرة فقال أمير المؤمنين يا مسطاح لقد حمى نفسه بقوله لا اله الا الله محمد رسول الله ولا سبيل لنا على من قالها والليلة آخر لياليه والله مهلكه وانكم سترون منه ومن صمته عجائب وغرائب ثم هم الإمام بالخروج فقال مسطاح يا سيدي اما تأكل من طعامنا وتشرفنا وتسر قلوبنا قد ذبحنا على اسم الله تعالى فقال اني اخشى على اخوانكم ان يطرقهم طارق من هذا المنافق فجاء الاكل فاكل الإمام وحمد الله واثنى عليه وركب جواده وهم بالخروج واوصاهم وقال اغلقوا حصنكم ولا تخافوا فاني راجع إليكم واطلق عنان جواده وخرج من الحصن فنظر الأرض وهي تموج من اسطكاك الأرض وصهيلها وزعيق الابطال فقال الإمام لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم وكان عدو الله الهضام لما خرج من الحصن وفاز بنجاة نفسه اطلق عنان جواده حتى وصل إلى معسكره وصرخ فيهم وقال يا ويلكم اركبوا الخيل واهجموا على القوم في الليل فقد حصدوا قومكم بالسيف وقد كاد ان يحصد صاحبكم لولا سبق الاجل فاغتنموا غفلة القوم لان الإمام قد خلف اغنامه سائبة وقام عبد الله بنفسه إلى أصحاب الإمام الا وقد غشيهم جنود عدو الله الهضام وزحف عليهم الرجال وتزاعقت الابطال وكان أصحاب الإمام متاهبين للقتال كما امرهم وقد تولى حرسهم ناقد بن الملك والرغداء وجنبل فلما سمعوا زعقة عدو الله على قومه فتواثبت أصحاب الإمام كالاسود الزائرة واجتمعوا ولصقوا مناكبهم إلى بعض والتفوا حتى صاروا كالحلقة الدائرة وقال بعضهم لبعض كونوا اشداء لان اميركم لا يغفل عنكم فاحتوت عليهم جنود الهضام من كل جهة وهم يظنون انهم ظافرون بهم فلما التقى الجمعان أصحاب الهضام ان ما املوا منهم بعيد والوصول إليهم صعب فاشتد القتال وازدحمت الابطال وصار الرجل لا يعرف صديقه من عدوه فبينما هم كذلك إذ سمع الفريقان زجرات وصرخات مزعجات وكان الإمام قد اقبل وعلا صوته على جميع الاصوات فخمدت عند صرخته جميع الصرخات فلما سمعه أصحابه وهو يقول الله اكبر نصر من الله وفتح قريب يا معشر المسلمين اصبروا يا اولاد الكرام فقد آتاكم الاسد الضرغام ليث بني غالب علي بن أبي طالب ثم حمل الإمام عقب كلامه وكبر تكبيرة عظيمة فاجابه قومه عند ذلك التكبير وخمدت اصواتهم

--------------------------------------------------------------------------------

[ 109 ]

ولم يزل الإمام يخترق المواكب ويشتتها ويضرب فيهم السيف إلى ان وصل إلى قومه وقد طحن الابطال وهلك فلما وصل إلى أصحابه نادى معاشر الأصحاب قد اتاكم اميركم وحامي حومتكم احملوا بارك الله فيكم فحملوا وهو في اوائلهم وعمد إلى الكافر الغدار المنافق راس الكفار وقال له هلم إلى الموت والدمار من الفارس الكرار قاتل الفجار ومبيد الكفار وقامع الاشرار وسائقهم إلى الويل والدمار ومفنيهم بالصارم البتار فلم يرله الإمام خبر ولاوقع له على اثر وقد اختلط القوم في الظلام وإذا قوابعضهم الويل إلى ان كلت الخيل من تحتهم وكانت ليلة يالها من ليلة ماراى الناس أعظم من قتالها ولا اشد من نزلها ولم ير مثلها على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ولم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر فافترق القوم عند الصباح وقد ملئت الأرض اشباحا بلا ارواح إلى ان غاصت الخيل في الدماء فلم يكن غير قليل من الليل حتى فقد المشركون صاحبهم الهضام وافتقد المسلمون اميرهم فلم يروه ولا علموا بغية الهضام ولا المسلمون علموا بغيبة الإمام اما المسلمون فوضوا امرهم إلى الله عز وجل وقد اجمعوا امرهم على ان يقاتلوا إلى ان يفنوا عن آخرهم واما ما كان من أمر أمير المؤمنين فانه كان يدور من العسكر في القتال وهو يطلب عدو الله الهضام فلم يجده ولم يقع على خبره في وقت الحرب فبينما هو كذلك إذ نظر إلى عدو الله الهضام وهو خارج من معمعة هاربا وعلى وجهة طالبا إلى الحصن الذي هو حصن الحصون فخرج الإمام في اثره إلى ان وصل إلى الحصن فإذا عليه الحرس الشديد فاراد ان يصل إلى باب الحصن فلم يجد سبيلا فجعل يطوف حول الحصن يمينا وشمالا فإذا هو بخرق كانوا اصطنعوه لأجل خروج المطر منه إذا اجتمع في الحصن مكانه فنظر الإمام فيه فوجده ضيقا فشبك في حجر وجذبه من مكانه وازاله عن بنيانه ثم اقطع آخر ولم يزل كذلك إلى ان دخل الحصن والقوم لا يعلمون بشئ من ذلك بتوفيق الله تعالى واقبل الإمام يمشي في الحصن كانه يعرفه سابقا ويعرف طرقه ومسلكه هدي من الله سبحانه وتعالى ولم يزل كذلك إلى ان وصل إلى القبة التي

--------------------------------------------------------------------------------

[ 110 ]

فيها الصنم بتوفين من الله وهو متعلق في الهواء والقناديل موقودة لا تطفا ليلا ولا نهارا وليس عنده مساعد ولا خادم فنظر الإمام إليه فماج الصنم واضطرب في القبة وتخبط في حيطانها ورمت المردة الموكلون به بنيرنه وارتفع الصنم حتى صار في سماء القبة ورمي الإمام من أعلى القبة بالصخر والجنادل وخرج من فم الصنم لهيب النار وظهر للناس رؤوس بلا ابدان وابدان بلا رؤوس فلما نظر الإمام إلى تلك الفعال من الصنم والشياطين والمردة لم يكبر عليه شيء من ذلك بل تبسم ضاحكا وصاح بهم يا ويلكم أنا من تعرفوه ولا تنكروه أنا البلية أنا الصاعقة عليكم أنا مفنيكم جيلا بعد جيل فلما فرغ الإمام من اوصافه ازداد الأمر وكثر الشر وهجمت النيران وعلا الدخان وتصاعدت الزعقات وعظم الشان ودارت المردة والشيطاين حول الإمام من كل جانب ومكان فلما نظر الإمام ذلك عزم باسماء الله العظام فعند ذلك جمدت نيرانهم وذهب دخانهم وعاد الصنم المنيع ملقى صريع فاخذ الإمام ووضعه في مكان آخر واما الهضام فانه لما سمع زعقات الإمام خاف خوفا شديدا وولى هاربا من معمعة الحرب هاربا وركب جواده إلى ان وصل إلى الحصن الاقصى وكان قد ترك فيه سريه من الرجال فلما ان وصل باب الحصن صرخ بقومه فعرفوا صرخته فنزلوا إليه مسرعين وفتحوا له الباب وسالوه عن حاله فلم يرد عليهم غير انه قال اغلقوا بابكم واحفظوا حصنكم لئلا يدخل علي بن أبي طالب ومضى إلى الصنم المنيع قاصدا فنزل عن جواده وجعل يهرول ويوسع في خطاه حتى فتح القبة ودخل للصنم مستغيثا ومستجيرا فلما توسط القبة وكان الصباح قد اصبح نادى الهه المنيع وقال الهي هل عندك ملاذ من سيف الإمام علي ثم رفع إليه فلم يلقه فقال ما أنا وأنت الا في البلية سواء فكل منا هارب من علي بن أبي طالب فاما أنا فموجود واما أنت فمفقود ووقف وهو حائر واذ بقائل يقول له بل نزل البلاء من يد الإمام المرتضى فلما سمع الهضام التفت إلى ورائه فإذا هو بالإمام واقف يخاطبه فاندهش من ذلك وجار وقال يا ابن أبي طالب أنت من السماء نزلت أم من الأرض نبعت فقال له الإمام أنا معك اينما توجهت ثم اني لصنمك اخذت وهو بى يدي فلما نظر الهضام إلى صنمه وهو في يد الإمام جعل يقبله ويقبله ويبكي عليه ويضرع إليه انقض عليه الإمام وقبض عليه قبضة

--------------------------------------------------------------------------------

[ 111 ]

مزعجة وجلد به الأرض فقال يا ابن أبي طالب خذ الفداء عني وعن صنمي المنيع الاله الرفيع فقال له الإمام تعسا بك وبصنمك ثم مد يده إلى عمامته فحلها واوثقه كتافا وتركه لا يستطيع التحرك فبينما الإمام كذلك إذ سمع صرخات قد علك وضجات فلم تحقق ذلك ترك الهضام في مكانه وصعد حتى صار على أعلى السور وتخلط بالقوم وها لا يعلمون ما حل بالهضام ولم يعرفوا الإمام فبينما هو ينظر أعلى الوادي إذ رأى المنهزمين من المشركين متوجهين من حصن الفواكه إلى حصن الاقصى من يدي المسلمين والمسلمون من ورائهم ياخذونهم من كل جانب ففرح الإمام بذلك فرحا شديدا وسمع مسطاح وهو ينادي إلى أين يا ابناء الاوذال تمضون فلما نظر الإمام زادت به الافراح وهذا والمشركون ينادون ياسرار بن طارق افتح لنا الباب فصرخ سرارا لانفتح لكم الباب لئلا يدركنا يدركنا علي بن أبي طالب كل هذا والإمام بينهم ولم يرد عليهم جوابا ثم امتشق سيفه ووثب فيهم وقال يا ويلكم ان سلمتم لي انفسكم واستاسرتم باجمعكم والا محوتكم بهذا السيف عن آخركم فعند ذلك ساحوا باجمعهم الامان يا ابن أبي طالب فقال كتفوا بعضكم بعضا فاخذ القوم في تكتيفهم حتى لم يبقى احد منهم وإماما كان من جيش الهضام والمسلمون فانهم قد قد احاطوا بالمشركين فبينما هم كذلك وإذا بعاج قد طلع من ناحية حصن الفواكه وبينهم فارس على جواد سابق فلما وصل حمل هو بقومه ففرحت به المسلمون حين نظروه وإذا هو مسطاح الاقرن وهو ينادي ويقول ابشروا بالنصر ياحزب الرحمن فانا مسطاح أنا قاتل الفرسان فلما سمع المشركون ذلك ولت الادبار وتوجهوا نحو الحصن والديار فلما وصلوا إلى الحصن نادوا ياسرار يا ابن طلوق افتح لنا الباب والمسلمون من ورائهم هذا والإمام قد كتف الهضام في مكانه فسمع الضجات والصرخات وصعد إلى اعلا الحصن فلما وصل المنهزمين نزل الإمام من اعلا الحصن إلى المكان الذي فيه الهضام وقال ويحك ما أنت قائل فقال الهضام اشهد علي يا ابن أبي طالب انك اخذت بسحرك جميع اولاد الملوك فعند ذلك غضب غضبا شديدا فما صبر دون ان قام إليه ورفعه وجلد به الأرض فادخل اضلاعه بعضها في بعض ولم يتحرك ولم ينطق وعجل لله بروحه إلى النار وتقدم الإمام إلى الصنم واخذ صخرة عظيمة وضربه بها فقطعه قطعا وامر به الهضام ان يحملوهم ويطرحوهم في نارهم التي صنعوها وجعل على البيد زبانية واخذ جميع العبيد ودخل الجند وخذ كل شيء كان فيها من الذهب والجوهر واليواقيت فلما فرغ

--------------------------------------------------------------------------------

[ 112 ]

الإمام من ذلك ارسل إلى جميع الحصون واحضر امراءهم بين يديه واقام عليهم ناقد سلطانا كما كان ابوه اولا واقام بينهم شرئع الايمان والإسلام وامر ببناء المساجد وتلاوة آيات الله واكرام الفقراء والمساكين والايتام وامر على حصن الحصون عمه غمام كعادته في حياة الهضام واقام ايام قلائل وأراد أن يتوجه إلى مدينة يثرب لمشاهدة بن عمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه [وآله] وسلم فاقبل عليه ناقد ابن الملك وقال يا أمير المؤمنين لي حاجة فقال له الإمام اسال عما بذكل تعط كل ما تريد ان شاء الله تعالى فقال يا سيدي أريد ان اتزوج الرغداء بنت الخطاف فقال السمع والطاعة وارسل إلى الرغداء واعلمها بذكل فقالت له السمع والطاعة فصنع لهم الإمام رضي الله عنه وليمة عظيمة ولها بين العرب وزوجه أمير المؤمنين بالرغداء في تلك الليلة وعطاها جميع ما تحتاجه النساء واقام معها في عيشة هنيئة ثم ان الإمام رضي الله عنه وضع لهم الوليمة وارخيت عليهم سرادقات الخلوة وتجهز إلى السير نحو مدينة يثرب فقام معه ناقد وكبراء المؤمنين لي حاجة فقال له الإمام اسال عما بذكل تعط كل ما تريد ان شاء الله تعالى فقال يا سيدي أريد ان اتزوج الرغداء بنت الخطاف فقال السمع والطاعة وارسل إلى الرغداء واعلمها بذلك فقالت له السمع والطاعة فصنع لهم الإمام رضي الله عنه وليمة عظيمة ولها بين العرب وزوجه أمير المؤمنين بالرغداء في تلك الليلة وعطاها جميع ما تحتاجه النساء واقام معها في عيشة هنيئة ثم ان الإمام رضي الله عنه وضع لهم الوليمة وارخيت عليهم سرادقات الخلوة وتجهز إلى السير نحو مدينة يثرب فقام معه ناقد وكبراء قومه ورؤساء حصونه ومن معه من أصحاب المسلمين وصار يودعون أمير المؤمنين فكان كلما اتى إلى حصن من الحصون يقيم يوم أو يومين وهو يعلمهم في شرائع دينهم حتى خرج من الحصون وناقد معه وقومه يتبعونه ويودعونه فامرهم الإمام بالرجوع فسار وجد في السير وكان كلما اتى إلى حصن يقسم غنائمه خمسة خماس ويعطي الأمير الذي فيه هو وقومه خمسا ويجعل الاربعة اخماس إلى بيت مال المسلمين وسار علم الانوار الذي غنمه منصوب على راسه إلى ان اتى المدينة المنورة فلما قرب من المدينة هبط جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم سيد الانام ومصباح الظلام ورسول الله الملك العلام وبشر بقدوم الفارس الهمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه وبشره بما فتح على يده قتل عدو الله الهضام فأمر رسول الله المهاجرين والانصار إلى البراز لملاقاة علي الكرار ففرحوا بذلك فرحا شديدا وركبوا خيولهم وركب النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى ان تقابل معه وضمه إلى صدره فضمه المسلمون والجيوش وفرحوا فرحا شديدا واخذ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم الغنائم والعلم الانوار الذي جاء به الإمام وفرقها على أهل المدينة ولم يرك احد من المسلمين الا واعطاه نصيبه وكانت مدة غيبة الإمام ورجوعه اربعين يوما وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

***