ذريّة بعضها من بعض

كان عليّ بن أبي طالب من سلالة ذرية طيّبة وعائلة كريمة في صفاتها ، صالحة في أخلاقها وسيرتها ، محمودة في خصالها ، رفيعة في شمائلها ، متميّزة في رجالها وسيادتها ، فبنو هاشم ، سادة قريش بل سادة الدنيا ، «ملح الأرض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الأضخم ، والكاهل الأعظم ، ولباب كلّ جوهر كريم ، وسرّ كلّ عنصر شريف ، والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك ، والنصاب الوثيق ، والمعدن الفهم ، وينبوع العلم . . .»1.

فقد كان منها أكرم خلق الله تعالى على الإطلاق ، محمّد بن عبدالله وكان منهم آله الطاهرون ، وأعظمهم وأفضلهم سيّدهم عليّ بن أبي طالب الذي اجتمع فيه من الخصال ما لم يجتمع لغيره ، ومن المكارم ما لم يحظ بها أحد غيره ، ومن السجايا ما لم يحظَ بها الآخرون ، فحسبٌ شريف ، وخلقٌ عال ، وفطرةٌ سليمة لم تتلوّث ببراثن الجاهلية ، وعقيدةٌ صافية ، وعلم جمّ ، وشجاعة لا مثيل لها ...

فأبوه : شيبة بني هاشم شيخ قريش وزعيمها وسيّد قومه أبو طالب ، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ وعزّة وفضائل . . .

وهو الكافل المدافع الذابّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والذي أحاط رسول الله بعناية عظيمة ورعاية قلَّ نظيرها خصوصاً إذا عرفنا مكانته في قريش وبين زعمائها وما سبّبه ذلك من إحراج له وضيق وأذًى ، ومع هذا كلّه فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد ورسالته حتّى إنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع رغبتها في ذلك حتّى توفي أبو طالب فراحت تكيد له..

يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «والله ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبوطالب» .

ولم يهاجر إلى المدينة إلاّ بعد وفاة عمّه رضوان الله عليه . هذا أبوه .

وأمّا جدّه : فهو عبد المطّلب شيبة الحمد أمير مكّة وسيّد البطحاء له ولاية البيت الحرام من السقاية والرفادة . . وكان ذا مهابة ووقار وميل إلى الدين والنسك ، وهو الذي قام بحفر بئر زمزم التي تفجّرت تحت قدمي جدّه إسماعيل من قبل ، بعد أن غاب أثرها ولم يهتدِ إليها أحد حتّى هتف به هاتف في منامه ، فراح يحفر حتّى اهتدى إليها مستعيناً بابنه الحارث الذي كان وحيده وقتذاك .

ثمّ هو الذي خذل اللهُ على يديه ابرهة الحبشي وجنده الذين جاؤوا لهدم الكعبة وصرف الحاجّ عنها إلى بيت بناه في اليمن ، ولمّا التقى ابرهة بعبد المطلب أراد أن يستميله إلى جنبه ، فما وجد منه إلاّ الرفض ، وإلاّ الثقة العالية بالله ، مكتفياً بأن يرد إليه إبله وشويهاته التي أخذها جنده .

فقال ابرهة : كنت في نفسي كبيراً وسمعت أنّك وجيه في قومك ، فلمّا سألتك عن حاجتك وذكرت الإبل والشياه ونسيت بلدك وأهلك وبيتك المقدّس سقطت من عيني .

فقال عبد المطلب : الإبل لي ، وللبيت ربّ يحميه .

فقال ابرهة : ما كان ليمتنع منّي .

فقال عبد المطلب : أنت وذلك ، وصعد على الجبل وتضرّع إلى الله وأنشد :

يارب عادِ من عاداك وامنعهموا أن يهدموا حماك

ثمّ راح يستحثّ قومه على ترك مكّة واللجوء إلى الجبل خشية بطش ابرهة وجيشه ، والتوجّه إلى الله بالدعاء . فحلّت الكارثة بابرهة وجنده . . . وهناك سورة الفيل تحكي هذه الحادثة . .

أُمّه : فاطمة بنت أسد بن هاشم فهي ابنة عمّ أبي طالب وهي أوّل هاشمية تزوّجها هاشمي ، وعليّ أوّل مولود (مع اخوته) ولد لهاشميين فقد تعوّد بنو هاشم أن يصهروا إلى اُسر اُخرى . كانت ذات منزلة رفيعة ، جعلتها من اللائي امتازت حياتهنّ بمواقف جليلة في حركة الأنبياء ومسيرتهم عبر التاريخ ، فقد أثنى عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان شاكراً لها ولمعروفها ورعايتها له ، فكان يدعوها «اُمّي بعد اُمّي التي ولدتني»2 وراحت هي الاُخرى تفضّله على جميع أولادها الأربعة ، فقد كان طالب أكبر أولادها ثمّ عقيل ، ثمّ جعفر ثمّ عليّ ، وكلّ واحد أكبر من الذي بعده بعشر سنوات ، وكان عليّ(عليه السلام) أصغر أولادها .

حظيت هذه السيّدة والمرأة المؤمنة الطاهرة بمكانة عظيمة في قلب رسول الله ، وتركت في نفسه آثاراً طيّبة راح يذكرها طيلة حياته ، ويترحّم عليها ويدعو لها . . تقول الرواية :

لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ عليّ ـ وكانت قد أوصت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وقَبِل وصيتها ـ ألبسها النبي(صلى الله عليه وآله) قميصه واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا!

فقال : إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حُلل الجنّة واضطجعت معها ليُهوَّن عليها .

وفي دعاء خاص لها قال : اللّهم اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد ، ولقنها حجّتها ، ووسِّع عليها مدخلها . وخرج من قبرها وعيناه تذرفان .

لقد كانت رضوان الله عليها لرسول الله(صلى الله عليه وآله) بمنزلة الاُمّ ، بل كانت أُمّاً بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، وقد كانت بارّة برسول الله(صلى الله عليه وآله) «لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها»3 ، فحنانها وشفقتها ورعايتها له بلغت مبلغاً عظيماً حتّى فاقت رعايتها لأبنائها وكأنّها تعلم أنّ له مكانة عظيمة وشأنا جميلا ، تقول بعض الروايات كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً ويصبح رسول الله(صلى الله عليه وآله) كحيلا دهيناً . هذا في مداراتها لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وحبّها له .

أمّا في إيمانها فقد كانت بدرجة عظيمة ، ومن السابقات إلى الإسلام والمهاجرات الاُول إلى المدينة وهي بدرية4 .

فذاك أبوه وجدّه وهذه اُمّه ، فهو وليد هذه الاُسرة الهاشمية المباركة .

ثمّ بعد هذا كان عليّ(عليه السلام) قد اختصّ بقرابة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) فهو إضافة إلى كونه ابن عمّه وقد ربّاه في حجره تربية الوالد لولده و . . . كان زوجاً لابنته الزهراء التي كانت بضعة منه(صلى الله عليه وآله) ، وأباً لريحانتيه المباركتين الحسن والحسين(عليهما السلام) وكان أخاه يوم المؤاخاة ، وكان خليفته ووصيه ووزيره وعيبة علمه . . .

 

بين يدي النبوّة

لقد كنت سيّدي شجرة طيّبة توسّطت روضة فيحاء وباحة خضراء ودوحة معطاء ، فكان أصلها ثابتاً وفرعها في السماء تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها .

ففي ربى النبوّة أبصرت النور بعد أن انبرى رسول الرحمة لرعايتك وتربيتك ، ومن نسيمها العذب وأريجها الفوّاح تنشقت الحياة ، ومن نمير ساقيتها الصافي الذي كانت النبوّة نبعه الدافق ارتشفت أوّل قطرة ماء ، وعلى أديمها الأخضر كانت أوّل خطواتك . كان حضن النبوّة يرعاك فكنت في جنّة عالية ، قطوفها دانية .

شممت رائحة النبوّة في مراحل حياتك الأولى ، ورأيت نور الوحي والرسالة بعد أن وضعك رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجره وضمّك إلى صدره وكنفك في فراشه ومسّك جسده الطاهر وأشمّك عَرْفه . . فجنيت بروض النبوّة ورداً وذقت بكأسها شهداً .

وكيف لا تجني ذلك كلّه وقد اختارتك السماء برعماً تحتضنك شجرة النبوّة والرسالة ، ثمّ لتكون بعد ذلك بقية النبوّة والامتداد الطبيعي للرسالة . .؟!

روت فاطمة بنت أسد «اُمّ عليّ» : بينا أنا أسوق هدياً إذ استقبلني رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وهو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي : يا أمّاه إنّي أُعلمك شيئاً فهل تكتمينه عليَّ؟

قلت : نعم .

قال : اِذهبي بهذا القربان فقولي : كفرت بهبل (كبير آلهة المشركين وهو أوّل صنم نصب بمكة) وآمنت بالله وحده لا شريك له .

فقلتُ : أعمل ذلك لِما أعلمه من صدقك يا محمّد ، ففعلت ذلك .

فلمّا كان بعد أربعة أشهر ، ومحمّد يأكل معي ومع عمّه أبي طالب ، إذ نظر إليَّ وقال : يا اُمّ ما لَك! مالي أراك حائلة اللون؟!

ثمّ قال لأبي طالب : إن كانت حاملا اُنثى فزوجنيها .

فقال أبو طالب : إن كان ذكراً فهو لك عبد ، وإن كان اُنثى فهو لك جارية وزوجة .

فلمّا وضعتُه ـ في الكعبة ـ جعلته في غشاوة ، فقال أبو طالب : لا تفتحوها حتّى يجيء محمّد فيأخذ حقّه .

فجاء محمّد ففتح الغشاوة فأخرج منها غلاماً حسناً فشاله بيده ، وسمّـاه عليّاً ، وأصلح أمره ، ثمّ إنّه لقمه لسانه فما زال يمصّه حتّى نام .

وقد سمّته أوّل الأمر حيدرة بمعنى أسد على اسم أبيها ، فغلب عليه اسم عليّ الذي سمّـاه به محمّد(صلى الله عليه وآله) .

* * *

ثمّ راح عليّ(عليه السلام) الذي ما إن فتح عينيه في بيت أبي طالب حتى وجد محمّداً(صلى الله عليه وآله)يضمّه إلى صدره ويبثّه كلماته ويعلمه خطواته . . .

ولمّا تزوّج خديجة رضوان الله عليها انتقل إلى بيته الجديد ، ففارق بيت عمّه أبي طالب ولكنّه لم يترك برّه لعمّه ورعايته لابن عمّه عليّ(عليه السلام) ، ومنذ ذلك اليوم راح يتعهده رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويرعاه رعاية خاصّة ومنذ نعومة أظفاره . .

وبدأ عليّ(عليه السلام) يلتهم زاده الوحيد مبادئ السماء وقيمها حتّى شحن بها فكره الثاقب ، وغدت نفسه الطاهرة ترتشف الايمان وتستنشق عقيدته وعبيرها ; لتسمو نفسه ولتصبح مصباحاً يستضيء به من حوله .

 

اخترتُ من اختاره الله

ولمّا مرّ أبو طالب في سنة أصابته بل أصابت قريشاً وقحط حلّ بهم وهو ذو عيال كثيرة ، ويبدو أنّ الابتلاء هذا كان عامّاً لقريش بسبب ما عانته من الجفاف .

تقول الرواية : إنّ قريشاً أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعمّيه حمزة والعبّاس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل؟

فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم وِلدَه ليكفوه أمرهم ، فقال : دَعُوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ـ وكان شديد الحبّ لعقيل ـ فأخذ العبّاس طالباً ، وأخذ حمزة جعفراً ، وأخذ محمّد(صلى الله عليه وآله) عليّاً ، وقال لهم : «قد اخترتُ من اختاره الله لي عليكم ، عليّاً» .

فكان علي(عليه السلام) في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) منذ كان عمره ستّ سنين5 .

والذي أميل إليه أنّ عليّاً(عليه السلام) لم يكن ذلك القحط وهذا الجفاف هما السبب في ملازمته لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل إنّ الأمر سبق هذا كلّه وسبق هذا العمر الذي يحددونه لبداية هذه الملازمة (6 سنوات) نعم الانتقال من بيت أبي طالب إلى بيت رسول الله قد يكون تمّ وعليّ له 6 سنوات ، إلاّ أنّ تلك الرعاية من رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعليّ وذلك الاهتمام كان منذ اليوم الأوّل لولادته(عليه السلام) فرسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما عاد من غار حراء وقد بشّر بولادة علي راحت يده المباركة تتوسّده وتضفي عليه بركات انعكست ثمارها على حياته(عليه السلام) في كلّ الميادين . . .

تقول الرواية عن يزيد بن قعنب : ولدت (فاطمة بنت أسد) عليّاً . . . في بيت الله الحرام ، إكراماً من الله عزّ اسمه وإجلالا لمحلّه في التعظيم . . . ، فأحبّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) حبّاً شديداً وقال لها : «اجعلي مهده بقرب فراشي» ، وكان يتولى أكثر تربيته ، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرِّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره6 .

وهنا نعيش لحظات جميلة مع عليّ(عليه السلام) نفسه ، وهو يصوِّر لنا منزلته من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويصف رعايته له وتعلّقه به وملازمته له حتّى يمكن وصفها بأنّها ملازمة الظلّ لصاحبه لا يفارقه إلاّ في أوقاته المخصوصة ، فتواشجت روحه مع أجواء ذلك البيت الطاهر وهي أجواء الرسالة والنبوّة والوحي ، انظره في خطبة القاصعة حيث يصف تلك الملازمة والمواشجة بشكل دقيق طفلا وصبيّاً وفتًى . .

«ولقدعلمتم موضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبةوالمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ويُشمني عَرْفه ، وكان يمضغ الشيء ، ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به(صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر اُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري» .

 

ولدتُ على الفطرة

من اللافت الذي أدهش من تتبّع حياته أنّ ولادته(عليه السلام) ـ التي كانت في الكعبة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب على قول الأكثر ـ كانت في اليوم الأوّل لدخول رسول الله(صلى الله عليه وآله) غار حراء للتعبّد والمناجاة ، وللتدبّر والتفكير في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما . . وكان هذا بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، حقّاً أنّه أمر يثير العجب ، أن السماء راحت تعدّ أمرين في آن واحد ووظيفتين في وقت واحد; ففي غار حراء على بعد من الحرم المكّي أعدّت رسولا نبيّاً ، وفي داخل الحرم المكي راحت تعدّ إماماً ووزيراً وخليلا وفيّاً; ليكمل الشوط ويملأ الفراغ «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي أو لا نبوّة بعدي» «أنت أخي ووصيي وخليفتي . . .» .

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه القيم لنهج البلاغة في قوله(عليه السلام) : «فإنّي ولدتُ على الفطرة» وفي جوابه عن قول من يقول : كيف علّل نهيه عن البراءة منه(عليه السلام) ، بقوله : «فإنّي ولدتُ على الفطرة) ; فإنّ هذا التعليل لا يختص به(عليه السلام); لأنّ كلّ أحد (واحد) يولد على الفطرة ، قال النبي(صلى الله عليه وآله) : «كلّ مولود يولد على الفطرة; وإنّما أبواه يهودانه وينصّرانه»؟

فكان أحد أجوبته الثلاثة : بأنّه(عليه السلام) علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع اُمور وعلل وهي كونه ولد على الفطرة ، وكونه سبق إلى الإيمان والهجرة ، ولم يعلّل بآحاد هذا المجموع ، ومراده هاهنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية; لأنّه ولد(عليه السلام) لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل ، والنبي(صلى الله عليه وآله) أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل; وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه(صلى الله عليه وآله) مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء ، ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته(عليه السلام)فحُكم تلك السنين العشر حكم أيّام رسالته(صلى الله عليه وآله) فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيّام كأيّام النبوّة ، وليس بمولود في جاهلية محضة ، ففارقت حاله حال من يدّعي له من الصحابة مماثلته في الفضل .

وقد روي أنّ السنة التي ولد فيها عليٌّ(عليه السلام) هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فاُسمع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكشف عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ولم يخاطب فيها بشيء . وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل حتّى كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي . وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتيمّن بتلك السنة ، وبولادة علي(عليه السلام)فيها ، ويسمّيها سنة الخير وسنة البركة ، وقال لأهله ليلة ولادته ، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً : «لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة» .

وهنا يقول ابن أبي الحديد : وكان كما قال(صلى الله عليه وآله) فإنّه(عليه السلام) كان ناصره والمحامي عنه ، وكاشف الغماء عن وجهه ، وبسيفه ثبت دين الإسلام وأرست قواعده .

كما يذكر تفسيراً آخر : بأنّه(عليه السلام) أراد بالفطرة العصمة ، وأنه منذ أن ولد لم يواقع قبيحاً ولا كان كافراً طرفة عين قط ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء من الأشياء المتعلّقة بالدين وهذا تفسير الإمامية7 .

فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال : «إن سُبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا طرفة عين : علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصدِّيقون وعليّ أفضلهم»8 .

وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «ثلاثة لم يكفروا بالله قط : مؤمن آل ياسين وعلي بن أبي طالب وآسية امرأة فرعون»9 .

 

لم يسجد لصنم قطّ

بعد نعمة تربية رسول الله (صلى الله عليه وآله) له وصناعته كما تريدها السماء ، راحت نعمُ الله تترى على هذا العبد الصالح ، وتواكبه فلم تنجّسه الجاهلية بأنجاسها ، لم يعبد صنماً قطّ بل لم تمل نفسه إليها أبداً ، وهذا أمر ليس سهلا خاصةً وهو يعيش في مجتمع حالك متسربل برداء الشرك يعيش ركاماً من الجهل والعبودية والطغيان ، في بيئة أنّى اتجهت وجدت صنماً يُعبد وتمثالا يركع له ويسجد ، ومن حوله كبار قريش وزعماؤها وقد ملئت بيوتهم بهذه التماثيل وكانوا لها عاكفين .

في مجتمع فاسد كهذا تمّت صياغة علي (عليه السلام) لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحسن غذاءه وتنشئته وإعداده ، وراحت يداه المباركتان ترعاه أحسن رعاية وتحفظه من كلّ تحديات مجتمعه وانحرافاته، فولد وعاش طفولته وصباه وقد كرّم الله وجهه من أن يسجد للاّت أو يركع للعزّى أو يشطط به قدم هنا وهناك، ومثل هذا ما نراه في كلام العقّاد الآتي فيما بعد .

وكيف يسجد لصنم أو ينحرف به السير . . ولحمه لحم رسول الله ودمه دمه وهو وعلي من نور واحد ومن شجرة واحدة وفي صلبه ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو من رسول الله ورسول الله منه10؟!

ثمّ كيف يسجد لصنم وهو يكرهها صغيراً بل وهو جنين ـ فبغضه لها من بغض رسول الله(صلى الله عليه وآله) لها ـ وهو الذي راح يقلعها كبيراً ويطهِّر الأرض منها والقلوب؟!

يقول(عليه السلام) : انطلق رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة فقال لي : اجلس .

فجلست ، فصعد على منكبي .

فقال لي : انهض .

فنهضت فعرف ضعفي تحته .

قال لي : اجلس .

فجلست ، ثمّ نهض بي رسول الله(صلى الله عليه وآله) فخيّل إلي أنني لو شئت نلت أُفق السماء ، فصعدت إلى الكعبة .

وتنحّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال : ألق صنمهم الأكبر ، صنم قريش . وكان من نحاس مُوتّد بأوتاد من حديد في الأرض .

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : عالجه .

فجعلت أُعالجه ، حتى استمكنت منه . فقال : اقذفه ، فقذفته حتّى انكسر . ونزلت من فوق الكعبة ، وانطلقت أنا والنبي(صلى الله عليه وآله) نسعى وخشينا أن يرانا أحد من قريش وغيرهم .

وهناك مصادر تقول : إنّ هذه القصّة مع بعض التغيير وقعت بعد فتح مكّة .

 

إسلامه

وقد تعدّدت واختلفت أقوال المؤرِّخين في عمره الشريف حين إسلامه وتصديقه بالنبوّة ، بين من يقول كان له ثمان سنين وبين من يقول له تسع وآخر يقول له عشر ، ورابع يقول له إحدى عشرة سنة وخامس يقول له اثنتا عشرة سنة وسادس يقول له ثلاث عشرة سنة وهناك من يقول : له خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة ، وكلّ هذا إنّما يدلّ على تحديد عمره المبارك وقت أن أعلن الرسول رسالته للخاصّة من مريديه وموقفه الرسمي إن صحّ التعبير منها ، وإلاّ فإنّ روحه لم تتلوّث بالشرك فهو الذي لم يكفر بالله قط . وهذا ما نجده في الروايات أعلاه وفي قول الإمام زين العابدين جواباً عن سؤال من سأله عن عمر الإمام عليّ(عليه السلام) عند إيمانه ، فقال(عليه السلام) : أو كان كافراً؟! إنما كان لعلي حين بعث الله عزّوجلّ رسوله(صلى الله عليه وآله)عشر سنين ولم يكن كافراً11 .

والذي يؤيّد أن عمره كان عشر سنوات أنّ عمر الدعوة الإسلامية في مكّة ثلاث عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وله ثلاث وعشرون سنة وأنه استشهد سنة 40هـ وهو ابن ثلاث وستّين سنة .

ويميل ابن أبي الحديد إلى أنّ عمره الشريف كان ثلاث عشرة سنة ، متقيداً من قوله(عليه السلام) : «لقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة سبع سنين» ، وقوله(عليه السلام) : «كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعاً ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) حينئذ صامت ما أُذِنَ له في الإنذار والتبليغ» .

وذلك ـ والقول ما زال لابن أبي الحديد ـ لأنّه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أبيه وهو ابن ستّ ، فقد صحّ أنّه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ستّ تصحّ منه العبادة ، إذا كان ذا تمييز ، على أنّ عبادة مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب . . .12

وقد جاء في ترجمة الإمام علي(عليه السلام) في الاستيعاب أنّ : المروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخبّاب وأبي سعيد الخدري وزيد بن أسلمه أنّ علياً(عليه السلام) أوّل من أسلم وفضّله هؤلاء على غيره .

وقال ابن إسحاق : أوّل من آمن بالله وبمحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو قول ابن شهرآشوب إلاّ أنّه قال : من الرجال بعد خديجة .

وعن ابن عبّاس قال : سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أمّا عليّ ، فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول فيه ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنّ ، فكان أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي(صلى الله عليه وآله) بيده على منكب عليّ فقال له : يا عليّ أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّل المسلمين إسلاماً وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى13 .

يقول جورج جرداق عن إسلام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) :

وإذا أسلم بعض الوجوه من قريش منذ أوّل الدعوة احتكاماً للعقل وتخلّصاً من الوثنية ، وإذا أسلم كثير من العبيد والأرقّاء والمضطهدين طلباً للعدالة التي تتدفّق بها رسالة محمّد واستنكاراً للجور الذي يلهب ظهورهم بسياطه ، وإذا أسلم قوم بعد انتصار النبي امتثالا للواقع وتزلّفاً للمنتصر كما هي الحال بالنسبة لأكثر الأمويين . إذا أسلم هؤلاء جميعاً في ظروف تتفاوت من حيث قيمتها ومعانيها الإنسانية وتتّحد في خضوعها للمنطق أو للواقع الراهن فإنّ علي بن أبي طالب قد ولد مسلماً; لأنّه من معدن الرسالة مولداً ونشأةً وفي ذاته خلقاً وفطرةً ، ثمّ إنّ الظرف الذي أعلن فيه عمّا يكمن في كيانه من روح الإسلام ومن حقيقته لم يكن شيئاً من ظروف الآخرين ولم يرتبط بموجبات العمر; لأنّ إسلام عليّ كان أعمق من ضرورة الارتباط بالظروف ، إذ كان جارياً في روحه كما تجري الأشياء من معادنها والمياه من ينابيعها ، فإنّ الصبي ما كاد يستطيع التعبير عن خلجات نفسه حتى أدّى فرض الصلاة وشهد بالله ورسوله دون أن يستأذن أو يستشير .

لقد كان أوّل سجود المسلمين الأوّل لآلهة قريش ، وكان أوّل سجود عليّ لإله محمّد! إلاّ أنّه إسلام الرجل الذي اُتيح له أن ينشأ على حبّ الخير وينمو في رعاية النبي ويصبح إمام العادلين من بعده وربّان السفينة في غمرة العواصف والأمواج14 .

كما أنّ العقاد يقول عن إسلام علي :

ولد عليٌّ في داخل الكعبة ، وكرّم الله وجهه عن السجود لأصنامها ، فكأنّما كان ميلاده إيذاناً بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها . وكاد عليٌّ أن يولد مسلماً . . بل لقد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح; لأنّه فتح عينيه على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأصنام . . .15 .

 

الذبيح الثالث

إنّ من قدّر له أن يتصفّح حياته(عليه السلام) لا يجد فيها شيئاً من الخوف أو التردّد من الموت ، إنّ قاموس حياته المباركة خال من ذلك كلّه . إنّ عليّاً(عليه السلام) قهر الموت وقضى عليه فمن أي شيء يا ترى يخاف؟!

ولهذا تراه يستسلم ويطيع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يُلقي به في لهوات الحرب ويرمي به في أحلك الأمور وأعسرها .

حان الوقت ، وجاء اليوم الموعود وتشابكت خيوط المؤامرة وتسابق القوم من هنا وهناك ، واجتمع زعماء القبائل في دار الندوة في مكة ، وكان فيهم أبو جهل وعروة بن هشام وأبو البختري ، وقرّروا أن يضعوا لهذا الأمر نهاية وأن يطووا صفحته إلى الأبد . فجمعوا شجعانهم ليضربوا محمّداً ضربة رجل واحد فيتوزّع دمه هنا وهناك على جميع القبائل فيضيع وتضيع المطالبة به ، وحدّدوا لمكرهم هذا وقتاً وموعداً .

هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) خفيةً وأمر عليّاً بالمبيت تلك الليلة في فراشه ، ليعتّم عليهم هجرته ، إنّه فراش الموت ، فما كان من عليّ إلاّ التسليم والانقياد وهو يعلم جيّداً أنّ القوم قد تآمروا على ابن عمّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّهم قاتِلوه في فراشه ، وأنّهم مباغتوه لا محالة ، ولا ينجو منهم إلاّ وهو أشلاء ممزّقة وأعضاء مقطّعة ، مؤامرة نافذة واقعة لا شكّ فيها ولا ريب .

اختاره الرسول (صلى الله عليه وآله) لهذه المهمّة وهو شاب يافع في مقتبل العمر! إنّه ثالث قربان يقدَّم بعد إسماعيل وعبدالله والد النبي(صلى الله عليه وآله) وشتّان بين الذبيحين عليّ وإسماعيل ، وعليّ وعبدالله ، فكلّ منهما بيد أب شفيق رحيم يرقّ قلبه وترتجف يده ، وهو بسيف عدوٍّ نزعت الرحمة من قلبه ، وبخنجر يمسك بقوّة حاقد بغيض ، وبيد صلبة لا ينتابها الخوف ولا تربكها الرحمة . .

إنّه امتحان عصيب لهم جميعاً ، ولكن أي الثلاثة أشدّ محنةً وأقسى؟! وأيّ امتحان هذا لإيمانه وانقياده واستسلامه؟!

لقد تيقّن فتى بني هاشم أنّه ما إن يغمض عينيه حتّى تنهال عليه مديّهم التي امتشطوها وسيوفهم التي حملوها وتبضعه خناجرهم . . . فلا تردّد ولا خوف بل لسان حاله يقول : نعم ستجدني إن شاء الله من الصابرين . .

فأنجاهما الله برحمته من كيد المشركين ومكرهم ، وأنزل في ذلك : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}16 .

 

زواجه المبارك

كان عمره(عليه السلام) حينما هاجر إلى المدينة بعد هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثلاثاً وعشرين سنة ، وهناك كانت بضعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي طالما تمنى التشرف بها كبار الصحابة; ومن أهل السابقة في الإسلام والفضل والشرف والمال ; لأنّها بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولكثرة ما كانوا يسمعون منه(صلى الله عليه وآله) في ثنائه عليها واحترامها وتقديرها ، ولموقعها العظيم منه(صلى الله عليه وآله) . راحت نفوسهم تطمح للاقتران بها ، وكانوا كلّما تقدّم واحد منهم لم يجد عنده(صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يعرض بوجهه الكريم حتّى يخرج منه القادم وهو يظنّ أنّه(صلى الله عليه وآله)ساخط عليه وغير راض عنه ، وإلاّ الرفض ، وأنّه ينتظر في زواجها أمر الله وقضاءه17 .

تقدّم عليٌّ(عليه السلام) بخطوات يكتنفها الحياء ، وراحت نظراته تتوزع هنا وهناك ، نظرة إلى وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخرى يرسلها بعيداً ، وثالثة إلى ما بين يديه ، ماذا يقول ويده خالية .

حانت نظرة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) إليه فعرف ما يريد : إنّ علياً جاء لحاجة ، وحاجة عليّ يمنعه حياؤه من التحدّث بها ، فبادره رسول الله(صلى الله عليه وآله) مشجّعاً حتّى ينطق ، وما إن نطق حتّى كان ذلك البيت من أبهى وأزهى وأزكى وأعظم بيوت الدنيا بل وأغناها إيماناً وطهارةً وأثراها أخلاقاً وعلماً . . . إنّه بيت عليّ وفاطمة ثمّ ريحانتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين(عليهما السلام) والذرّية الصالحة!

وفي السنن الكبرى يقول عليّ(عليه السلام) : «لقد خطبت فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقالت لي مولاة : هل علمت أنّ فاطمة تخطب؟

قلت : لا ـ أو نعم ـ

قالت : فاخطبها إليك .

قال : قلت : وهل عندي شيء أخطبها عليه؟! قال : فوالله ما زالت ترجيني حتّى دخلت عليه ، ـ وكنّا نجلّه ونعظّمه ـ فلمّا جلستُ بين يديه ألجمت حتّى ما استطعت الكلام .

قال : هل لك من حاجة؟ فسكتُ فقالها ثلاث مرّات .

قال : لعلّك جئت تخطب فاطمة!

قلت : نعم يا رسول الله .

قال : هل عندك من شيء تستحلّها به؟

قال : قلت : لا والله يا رسول الله .

قال : فما فعلت بالدرع التي كنتُ سلّحتكها؟

قال عليّ : والله إنّها درع حُطمية ما ثمنها إلاّ أربعمائة درهم .

قال : اِذهب فقد زوّجتكها ، وابعث بها إليها فاستحلّها به»18 .

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ»19 .

وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً : «والله ما ألوت (أي ما قصّرت في أمرك وأمري) أن أزوجك خير أهلي»20 .

وعن عائشة وأمّ سلمة : أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن نجهّز فاطمة حتّى ندخلها على عليّ ، فعمدنا إلى البيت ففرشناه تراباً ليّناً من أعراض البطحاء ، ثمّ حشونا مرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا ثمّ أطعمنا تمراً وزبيباً وسقينا ماءً عذباً ، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ، ويعلّق عليه السقاء ، فمارأينا عرساً أحسن من عرس فاطمة21 .

 

العبادة عند عليّ(عليه السلام)

{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}22 .

العبادة كانت عنده(عليه السلام) وقفة مع السماء يتأمّل فيها ، ويتدبّر حياته وسيرته ، ويربّي فيها نفسه ويبعدها عن كلّ مزالق الشيطان ، ويقوّي فيها إيمانه ، ويكسب فيها مزيداً من التقوى .

العبادة عنده(عليه السلام) عبادة الأحرار لا عبادة التجّار أو العبيد «وجدته أهلا للعبادة فعبدته» إذن لا طمع في جنّة وثواب ولا خوف من نار وعذاب .

العبادة عنده(عليه السلام) نموّ مستمر وسمو متواصل واستلهام واع لكلّ معاني العزّ والفخر والخير والعطاء . «إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً ، أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحبّ» .

العبادة عند عليّ(عليه السلام) خشوع وتواضع لخالق السماوات والأرض .

العبادة عند أمير المؤمنين(عليه السلام) شكر لنعمه تعالى المتواصلة على العباد .

العبادة عنده(عليه السلام) اعتراف بخالق الكون ورضا بقضائه وتسليمٌ لقدره .

العبادة عنده(عليه السلام) تحمّل لأمانة السماء ، ومسؤولية كبرى أمام الله سبحانه وتعالى من جهة وإزاء المجتمع من جهة اُخرى .

إذن فهي ليست عبارات جوفاء ومفردات لا معنى لها و حركات منتظمة وحسب.

هكذا يؤدّي عليّ(عليه السلام) عبادته بخشوع عظيم وبصوت حزين ونغمة شجيّ .

فيما رواه عروة بن الزبير : كنّا جلوساً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)فتذاكرنا أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا أُخبركم بأقلّ القوم مالا وأكثرهم ورعاً وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟

قالوا : مَنْ هو؟

قال : علي بن أبي طالب .

قال : فوالله لقد رأيت كلّ من كان في المجلس إلاّ أعرض بوجهه عنّي . فقال : يا عَوَيمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد مذ أتيت بها .

فقال أبو الدرداء : يا قوم إنّي قائل ما رأيته . وليقلّ كلّ قوم ما رأى . شهدت علي بن أبي طالب(عليه السلام) بسويحات بني النجار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر ببعيلات النخل فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه ، فقلت لحق بمنزله . فإذا بصوت حزين ، ونغمة شجي وهو يقول :

«إلهي كم من موبقة حملتُها فقابلتَها بنعمتك . وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك . إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا بغير غفرانك طامع ، ولا أنا براج غير رضوانك» .

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر . فإذا هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)بعينه . فاستترت له لأسمع كلامه ، فركع ركعات في جوف الليل ، ثمّ فزع إلى الدعاء والتضرّع والبكاء والبثّ والشكوى . فكان ممّا ناجى به الله أن قال :

«إلهي أُفكّر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك ، فتعظم عليَّ بليتي» .

ثمّ قال :

«آه إن أنا قرأتُ في الصحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول خذوه فيا لَه من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولاتنفعه قبيلته. يرحمه الملأ إذاأذّن فيه النداء» .

ثمّ قال :

«آه من نار تنضح الأكباد والكلى . آه من نار نزّاعة للشوى . آه من غمرة من ملهبات لظى» . ثمّ انفجر في البكاء ، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة فقلت غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظهُ لصلاة الفجر (قال أبو الدرداء) فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، قلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون . مات والله علي بن أبي طالب . فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم .

فقالت فاطمة(عليها السلام): «ياأباالدرداء، ماكان من شأنهومن قصّته؟»، فأخبرتهاالخبر.

فقالت : «هي والله يا أباالدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله» ، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إليَّ وأنا أبكي .

فقال : ممَّ بكاؤك يا أباالدرداء؟

فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك .

فقال : يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ ، وزبانية حفاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنتَ أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية .

فقال أبوالدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)23 .

 

ممّا قالوه

ما تقول في عليٍّ(عليه السلام)؟

سؤال أجاب عنه الخليل بن أحمد الفراهيدي .

«فقال : هو إمام الكلّ .

قالوا : ما دليلك عليه؟

قال : استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه ، دليل على أنّه إمام الكلّ» .

حقّاً سيّدي إنّك لم تكن نبيّاً ولكنّك كنت إماماً ووصيّاً ، لم تكن رسولا ولكنّك كنت أخاً ووزيراً ، وكنت قدوةً ، وكنت جوهرةً يتيمةً ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)وضيّعها الناس ، كلمة ما أعظمها نطق بها جورج جرداق حينما سئل عن الإمام عليّ(عليه السلام) : «ما عساني أن أقول في جوهرة يتيمة ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)!»

إذن ما عسانا أن نقول فيك ـ وأنت إمام الكلّ ـ وفي فضائلك ومناقبك وفي إيمانك وتقواك وجهادك وشجاعتك ، وفي علمك وأدبك وفي فصاحتك وبلاغتك ، أنستطيع أن نصوغ معانيها البليغة والجميلة والعظيمة؟ وكيف نجرؤ أن نفرغ منقبة من مناقبك سيدي في قوالب حروف وكلمات لا نراها إلاّ ميتة؟ اللّهم إلاّ أن نقول وهو الحقّ : إنّها تبعث حيّة بذكر خصالك وفضائلك . . .

وحقّاً ما يقوله أبو إسحاق النظام : «عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم ، إن وفاه حقّه غلا وإن بخسه حقّه أساء!» .

وحقّاً أيضاً ما يقوله المتنبي في جواب من اعترض عليه في عدم مدحك على كثرة أشعاره وقصائده . .

وتركتُ مدحي للوصي تعمّداً إذ كان نوراً مستطيلا شاملا وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

حقّاً كلمة يتيمة ولدت في غير زمنها ولكنّها مشيئة الله .

مسك كلما حاول أعداؤه إخفاءَه انتشر عَرفه ، وكلّما بذلوا جهودهم لأن يكتموه تضوع نشره ، فشمسك يا سيدي لا تخفيها أكفُّ الظالمين والحاسدين والمبغضين . . .

نعم كانوا لا يُطيقون ظهور فضائلك ولا الإصغاء إليها فضلا عن الارتواء من نميرها .

لقد عثرتُ على قول آخر للخليل بن أحمد الفراهيدي :

«ما أقول في حقّ امرئ كتمت مناقبه أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسداً ، ثمّ ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين . بل ظهر نزر يسير فكان له كلّ هذا» .

 

ممّا فعلوه

لقد كنت سيّدي فريداً نأت عنه هذه الأمّة بسوء حظّها ، ووحيداً جفته لسوء طالعها .

كم دأب الأعداء على محو آثارك ومعالمك ، فلعلّ ذاكرة التاريخ تنساها ، فخاب كيدهم ، وأنصفك التاريخ ، فهذه كتب التأريخ والحديث والآثار تحكي لنا أنّ الذي زيّن صفحاتها كان ذِكرك ، وأنّ الذي لوّن لوحاتها كانت مناقبك وفضائلك ، فقد بهر ما ظهر منها العيون وحيّر العقول خاصة إذا تتبعنا ما أفرغه الأعداء من جهود وما بذلوه من أموال لشراء الذمم وما سخّروه من وسائلهم الإعلامية ـ بعد أن عقد حبّك وولاؤك على قلوب محبّيك ومريديك ـ على مدى سبعين سنة أو تزيد : منابر تشتمك ، وألسن تتبرأ منك ، وأخرى تلعنك . . وفي قبالها نفوس تزهق ، وألسن قطعت; لأنّها لا تقول فيك شيئاً نكراً لطمس فضائلك ودفنها ، فخابت جهودهم وبطلت أحلامهم .

لم يكتفوا بالحسد «فكلّ ذي نعمة محسود» ونعمتك ما أعظمها : فآيات نزلت بحقّك ، وروايات تواترت بفضلك ، وأقوال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أخذت تشيد بك ، ومواقف رسالية راحت تتباهى بك . . هذا فضلا عن الصياغة الربّانية لك : قدرات عجيبة ، وصفات فريدة ، ومناقب جليلة . . . فكيف لا يحسدوك وكلّ منهم خال الوفاض منها؟!

{ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}

إن يحسدوك على علاك فإنّما متسافل الدرجات يحسد من علا

بل مزجوا حسدهم بحقد دفين وثارات عقيمة ، في حصيلتها النهائية كانت بغضاً لله ولرسوله وعداءً للدين الذي حلّ بين ظهرانيهم ، فلم يستطيعوا الكيد له ، رغم كلّ جهودهم ، فكادوك لأنّ سيفك كان على رؤوسهم لينطقوا بالحقّ ، وما كانوا ليهتدوا فقالوها مرغمين ، ولم يستطيعوا شتم الرسول(صلى الله عليه وآله) فشتموك . .

فهذا عبدالله بن عبّاس حبر الأمّة وترجمان القرآن ، كان يقوده سعيد بن جبير ـ وقد كفّ بصره ـ فمرّ على زمزم فإذا بقوم من أهل الشام يسبّون عليّاً كرّم الله وجهه ، فسمعهم عبدالله بن عبّاس ، فقال لسعيد : ردّني إليهم ، فردّه إليهم فقال :

أيّكم السابّ لله عزّوجلّ؟

فقالوا : سبحان الله ما فينا من سبّ الله عزّوجلّ!

فقال : أيّكم السابّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

فقالوا : ما فينا من سبَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)!

فقال : أيكم السابّ لعليّ بن أبي طالب؟

فقالوا : أما هذا فكان منه شيء .

فقال : شهدت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما سمعته يقول لعليّ بن أبي طالب : «يا عليّ مَنْ سبّك فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله ، أكبّه الله على منخريه في النار» . ثمّ تولّى عنهم . . .24

يقول عبدالله بن أحمد بن حنبل : «سألت أبي عن عليّ وأعدائه ، فقال : يا بني إنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتش عليه أعداؤه شيئاً مكروهاً ولم يجدوا ، وجاؤوا إليه وحاربوه وقاتلوه وخلعوه كيداً منهم له» .

نعم ، حاربوك فكانت حربهم ظالمة ، كادوا لك فردّ كيدهم إلى نحورهم ، افتروا عليك فكانت افتراءاتهم جائرة .

لم يجدوا عيباً فيك سيّدي فلاذوا بطمس معالمك وفضائلك وألجموا الألسنة الناطقة بمناقبك ، لقد بنوا كيانهم على شتمك وسبّك وطمس آثارك . . وكأن حكمهم ليس له هدف إلاّ إنهاء ذكرك ، وكأن ليس لهم همٌّ إلاّ إخفاء فضلك . . .

أما آن لك ـ يا معاوية ـ أن تترك عليّاً وشأنه ، وتأمر بترك مسبّته على المنابر؟

قال : لا ، حتّى يموت عليها الكبير ويربو عليها الصغير .

فقد أبت نفوس هؤلاء الطلقاء قبول عليّ بفضائله ومناقبه ومواقفه الجليلة التي كانت دفاعاً عن الرسالة والرسول ، وعن كلمة الحقّ والعدل . . أبت قلوبهم ذلك كلّه ، فراحت سياستهم تقوم على نبذ هذه المناقب والفضائل بل التصدّي لها بكلّ حزم حتّى صارت أساس سياستهم والبناء الذي تقوم عليه ، فأصدر زعيم هؤلاء القوم وعميدهم معاوية بن أبي سفيان أمراً سلطانياً : برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته .

ولم يكتف بهذا بل عمّم كتاباً آخر إلى جميع عمّاله يقول فيه :

إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب ، إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني ، وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته25 .

وبسبب هذا كلّه وتشجيعاً من السلطان الظالم ظهر الوضّاعون وكثروا ، وظهر البهتان وانتشر وشاعت المختلقات من الروايات وذاعت بين الآفاق ، وتجرأ أعداء الدين على تشويه معالمه والكيد له . .

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجاحظ ، زهرة الآداب : 59 .

(2) كنز العمّال 13 : 636 ، 37607 .

(3) الاستيعاب 4 : 446 ، 3486 ، سير أعلام النبلاء 2 : 118 .

(4) انظر مقالتنا (جعفر الطيّار) في العدد 8 مجلّة ميقات الحجّ مع بعض التغيير .

(5) انظر شرح نهج البلاغة 1 : 15 ، وانظر المستدرك على الصحيحين 3 : 666 ، 6463 ، وسيرة ابن هشام 1 : 262 ، والطبري 2 : 313 .

(6) انظر : ارشاد القلوب : 211 ، كشف اليقين : 32 .

(7) شرح نهج البلاغة 4 : 114 ـ 115 .

(8) المناقب لابن شهرآشوب 2 : 61 .

(9) تاريخ دمشق 42 : 313 ، 8864 .

(10) مضامين لأحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأقواله في عليّ(عليه السلام) . انظر الخصال 31 : 108 وآمال الصدوق : 307 ، 351 ، وشرح الأخبار 1 : 220 ، 200 ، والفضائل : 82 و 108 .

(11) الكافي 8 .

(12) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 14 .

(13) تاريخ دمشق 42 : 167 ، 8581 .

(14) الإمام علي ، صوت العدالة الإنسانية : 38 .

(15) المجموعة الكاملة 2 : 35 .

(16) الأنفال : 30 .

(17) انظر ذخائر العقبى : 70 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 41 ، المعجم الكبير 10 : 156 ، 10350 ، تاريخ دمشق 42 : 125 ، 8494 .

(18) السنن الكبرى 7 : 383 ، 14351 ، البداية والنهاية 3 : 346 ، الطبقات الكبرى 8 : 20 . . .

(19) المعجم الكبير 10 : 156 ، 10305 .

(20) الطبقات الكبرى 8 : 24 ، كنزالعمال 11 : 605 ، 32926 .

(21) انظر سنن ابن ماجة 1 : 616 ، 1911 .

(22) البيّنة : 5 .

(23) الأمالي للصدوق : 136 ـ 137 وغيره .

(24) نور الأبصار للشبلنجي : 110 .

(25) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 11 : 44 ـ 46 .