الفصل الثامن:
علي (عليه السلام) في بني النضير..
بنو النضير بعد قتل ابن الأشرف:
لقد فاجأت نتائج حرب بدر اليهود، وقام كعب بن الأشرف بتحرك واسع ضد المسلمين، حتى لقد ذهب إلى مكة ليحرضهم على حرب رسول الله "صلى الله عليه وآله"، وهجا النبي "صلى الله عليه وآله"، وصار يشبب بنساء المسلمين في شعره، حتى آذاهم..
فانتدب النبي "صلى الله عليه وآله" إليه من قتله، فخافت اليهود خوفاً شديداً، وذهبوا إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فدعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحاً..
قالوا: فذلك الكتاب مع علي(1).
ونقول:
____________
1- المصنف للصنعاني ج5 ص204 ومجمع الزوائد ج6 ص195 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص142 وجامع البيان ج4 ص267 وراجع الحديث أيضاً في: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص23 ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص198 وراجع: المغازي للواقدي ج1 ص192.
ألف: قتل كعب بن الأشرف فلا يعد فتكاً، لأنه كان كافراً معلناً بعداوته، ومحارباً، والمحارب تترصّد غفلته ويقتل، وليس له أن يدعى أنه آمن، وأن قتله من الفتك الممنوع، فإن الفتك الممنوع هو قتل من لم يعلن الحرب.
ولذلك لم يقتل مسلم بن عقيل عبيد الله بن زياد، الذي كان يتظاهر بالإسلام. وقال: الإسلام قيد الفتك.
ب: وقد يتساءل البعض هنا عن سر كون هذا الكتاب مع علي "عليه السلام"، فهل يشير ذلك إلى خصوصية له "عليه السلام" فيما يرتبط بالمجال السياسي المتعلق برسول الله "صلى الله عليه وآله"، أو حتى فيما يرتبط بموقعه "عليه السلام" من بعده؟!
بنو النضير ينقضون العهد:
ويذكر المؤرخون هنا غزوة النبي "صلى الله عليه وآله" لبني النضير، وسببها: أنه كان هناك عهد بين بني النضير وبين النبي "صلى الله عليه وآله"، وبالإستناد إلى ذلك العهد، فجاءهم النبي "صلى الله عليه وآله" في أقل من عشرة أشخاص من أصحابه يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر كان عمرو بن أمية الضمري قتلهما دون أن يشعر بوجود عهد بين قبيلتهما وبين النبي "صلى الله عليه وآله"، وحلف وعهد آخر كان بين بني عامر وبين بني النضير أيضاً..
فرحب به بنو النضير، ولكنهم حين رأوه في قلة من أصحابه تآمروا
على قتله، بإسقاط رحى عليه من سطح المنزل الذي كان "صلى الله عليه وآله" يجلس مع بعض أصحابه إلى جواره..
فأخبر جبرئيلُ رسولَ الله "صلى الله عليه وآله" بأمرهم، فخرج "صلى الله عليه وآله" راجعاً إلى المدينة، ثم دعا علياً "عليه السلام"، وقال: لا تبرح مقامك، فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة.
ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوا النبي "صلى الله عليه وآله" ولحقوا به.
وأرسل "صلى الله عليه وآله" إلى بني النضير يأمرهم بالجلاء، لأنهم نقضوا العهد، فرفضوا ذلك استناداً إلى وعود المنافقين لهم بنصرتهم.. فقدم النبي "صلى الله عليه وآله" لحصارهم، وقال لعلي "عليه السلام": تقدم إلى بني النضير.
فأخذ "عليه السلام" الراية وتقدم، وأحاط بحصنهم.
وقال الواقدي: استعمل علياً "عليه السلام" على العسكر، وقيل: أبا بكر، وقاتلهم إلى الليل حتى أظلموا(1).
____________
1- المغازي للواقدي ج1 ص371 وراجع: السيرة الحلبية ج2 ص265 وتفسير القمي ج2 ص359 وبحار الأنوار ج20 ص164 و 168 وتفسير الثعلبي ج4 ص35 وتفسير البغوي ج2 ص19 والأصفى ج2 ص1281 والصافي ج5 ص153 وج7 ص148 وعمدة القاري ج17 ص125 والميزان ج9 ص127 وتاريخ الخميس ج1 ص460 وشرح بهجة المحافل ج1 ص214 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص57.
الفتح على يد علي (عليه السلام) :
وضرب قبته "صلى الله عليه وآله" في أقصى بني خطمة من البطحاء.
فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم، فأصاب القبة، فأمر النبي "صلى الله عليه وآله" أن تحول قبته إلى السفح، وأحاط بها المهاجرون والأنصار. (وعند الواقدي: أنها حولت إلى مسجد الفضيخ).
فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين "عليه السلام"؛ فقال الناس: يا رسول الله، لا نرى علياً.
فقال "صلى الله عليه وآله": أراه(1) في بعض ما يصلح شأنكم.
فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي "صلى الله عليه وآله" ـ وكان يقال له: عزورا ـ فطرحه بين يدي النبي "صلى الله عليه وآله".
فقال له النبي "صلى الله عليه وآله": كيف صنعت؟!
فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريَّاً شجاعاً؛ فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، يطلب منا غرة.
فأقبل مصلتاً بسيفه، في تسعة نفر من اليهود؛ فشددت عليه، وقتلته،
____________
1- في مغازي الواقدي، والسيرة الحلبية: دعوه فإنه في بعض شأنكم.
فأفلت أصحابه، ولم يبرحوا قريباً؛ فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم.
فبعث رسول الله "صلى الله عليه وآله" معه عشرة، فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف؛ فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن؛ فقتلوهم، وجاؤوا برؤوسهم إلى النبي "صلى الله عليه وآله" فأمر أن تطرح في بعض آبار بني خطمة.
وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير.
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
| لله أي كريـهــة أبلـيـتـهـا | ببني قريظـة والنـفوس تطلع |
| أردى رئيسهم وآب بتسـعة | طوراً يشلهم(1) وطوراً يدفـع |
إلى أن تقول الرواية: فيئسوا من نصرهم (أي من نصر المنافقين لهم)، فقالوا: نحن نخرج من بلادك الخ..(2).
____________
1- يشلهم بالسيف: يضربهم ويطردهم. 2- راجع ما تقدم في المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ص49 ـ 50 و (ط دار المفيد) ج1 ص92 ـ 93 وبحار الأنوار ج20 ص172 و 173 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص196 و 197 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص169 و 170 والمغازي للواقدي ج1 ص371 و 372 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص200 والسيرة الحلبية ج2 ص265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص262 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص322 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص340.
قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب، وقال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، ولم أر أحداً يعرفها لعلي:
| عرفـت ومـن يعتـدل يعرف | وأيقنــت حقـاً ولم أصـدف |
| عن الكـلم المحكـم اللاء من | لدى الله ذي الـرأفــة الأرأف |
| رسـائـل تـدرس في المؤمنين | بهـن اصطفى أحمـد المـصـطـفي |
| فـأصبح أحـمـد فـيـنـا عزيزاً | عـزيـز الـمـقـامـة والمـوقـف |
| فـيـا أيـهـا الموعـدوه سفـاهـاً | ولـم يـأت جـوراً ولـم يـعـنـفِ |
| ألستم تـخـافون أدنى العذاب | ومـا آمــن الله كـالأخــوف |
| وأن تـصـرعوا تـحت أسيـافه | كـمـصـرع كعب أبي الأشرف |
| غـداة رأى الله طـغـيـانــه | وأعـرض كـالجـمـل الأجـنف |
| فـأنـزل جـبـريـل فـي قـتله | بـوحـي إلـى عـبـده مـلـطـف |
| فـدس الـرسـول رسـولاً لـه | بـأبـيـض ذي هـبـة مـرهـف |
| فـبـاتـت عـيـون لـه معولات | مـتـى يـنـع كـعـب لها تذرف |
| وقـلـن لأحـمـد ذرنـا قليـلاً | فـإنـا مـن الـنـوح لـم نـشـتـف |
| فـخـلاهـم ثـم قـال اظـعـنوا | دحـوراً عـلـى رغـم الآنـف |
| وأجـلى الـنـضـيـر إلـى غربة | وكـانـوا بــدار ذوى أخـرف |
| إلـى أذرعـات ردافـاً وهـم | عـلـى كـل ذي ذمـر أعـجـف |
ونقول:
أبو بكر قائد العسكر:
ما زعمه الواقدي من أن ثمة من قال: بأن النبي "صلى الله عليه وآله" جعل أبا بكر على العسكر، لا يمكن أن يكون صحيحاً، وذلك لما يلي:
أولاً: ما تقدم في غزوة أحد، من أن علياً "عليه السلام" كان حامل لواء رسول الله "صلى الله عليه وآله" في بدر وفي كل مشهد..
ثانياً: إن ما ذكره الواقدي لم يعرف قائله، ولا مستنده، في حين أن الكثيرين صرحوا: بأن القيادة وراية العسكر في بني النضير ـ بالتحديد، كانت لعلي "عليه السلام"(1).
____________
1- الثقات لابن حبان ج1 ص242 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص58 وج2 ص123 ووفاء الوفاء ص689 وتاريخ الخميس ج1 ص461 وعيون الأثر ج2 ص25 وبحار الأنوار ج20 ص165 و 169 عن الكازروني وغيره، وراجع: الكامل في التاريخ ج2 ص74 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص555 وزاد المعاد ج1 ص71 وحبيب السير ج1 ص355 والسيرة الحلبية ج2 ص264 و 265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 وإمتاع الأسماع ج1 ص189 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص322 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص261 وتفسير القمي ج2 ص359 والصافي ج5 ص154 وج7 ص148 ونور الثقلين ج5 ص272 والأصفى ج2 ص1282 وشرح الأخبار ج1 ص321 والميزان ج19 ص208.
ثالثاً: صرحوا أيضاً بأن رسول الله "صلى الله عليه وآله" لم يؤمر على علي "عليه السلام" أحداً(1).
____________
1- راجع: مناقب آل أبي طالب ج4 ص223 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص351 = = و 404 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص418 ودلائل الإمامة ص261 وشرح الأخبار ج1 ص320 ونوادر المعجزات ص144 ومدينة المعاجز ج5 ص434 والطرائف لابن طاووس ص277 وبحار الأنوار ج37 ص335 وج38 ص79 و 188 وج47 ص127 وج49 ص209 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص121 والنص والإجتهاد ص338 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص96 والغدير ج1 ص212 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص123 و 135 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص151 ونهج الإيمان ص467 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص114 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص19 وإعلام الورى ج1 ص315 والدر النظيم ص248 وفصل الحاكم في النزاع والتخاصم ص215 وغاية المرام ج2 ص316 والصراط المستقيم ج2 ص9 و 304 والشافي في الإمامة ج2 ص65.
رابعاً: لم يكن أبو بكر معروفاً بشجاعة وبسالة، وهو بالأمس قد فر في أحد، ويبدو أنه بقي معتصماً بالجبل مع طائفة من الفارين إلى أن عاد المشركون إلى بلادهم، كما أنه في بدر نأى بنفسه عن الحرب، وبقي في العريش محتمياً برسول الله، ومتترساً به .
خامساً: إن النبي "صلى الله عليه وآله" كان يريد أن يلقي الرعب في قلوب الأعداء، فيسقط بذلك مقاومتهم، ولا يريد أن يعرض أرواح المؤمنين للخطر، فإن كان ولا بد من خسائر، فالمطلوب هو أن تكون في أدنى مستوى ممكن..
وهو يعرف أن ما فعله علي "عليه السلام" في بدر وفي أحد، ثم لحاقه بالمشركين إلى حمراء الأسد، وفرارهم من مواجهته، قد أصبح على كل شفة ولسان، واصبح اسمه مرعباً، لا سيما لليهود الذين هم أحرص الناس على حياةٍ (أي مهما كانت تافهة، وحقيرة، وذليلة).. فهل يترك علياً والحال هذه، ويجعل قيادة جيشه لمن عرف الناس بهزيمته هنا وتحاشيه للحرب هناك؟!.
الشعور بالمسؤولية:
لا شك في أن ثمة قواعد عامة، من شأنها أن تساعد الإنسان على بلوغ أهدافه، وأن تصونه عن المزالق، وتحفظه من المهالك، شرط أن يعيها الإنسان، ويعرف قيمتها، ويحسن الإستفادة منها، من خلال دقة معرفته بمواردها ومصادرها، ومنطبقاتها، وهي تغنيه عن التلقين المستمر، والذي يصبح تكراراً مملاً حين تتشابه الموارد، وتتشابه معالجاتها..
فضلاً عن أن هذا التلقين قد لا يتوفر له، إذ قد يواجه بعض العوائق في الحصول عليه، أو يعرض الخلل في وسائل الوصول إليه، الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بمستوى الطمأنينة لهذا التلقين، أو الإعتماد عليه بسبب الشوائب التي لحقت به..
وأمير المؤمنين "عليه السلام" كان يعرف واجبه وما هو المطلوب منه لمواجهة خطر اليهود، فكان يندفع لإنجاز ذلك الواجب، معتمداً على الله تعالى، من دون الحاجة إلى إصدار الأوامر له، حين لا يكون لهذه الأوامر أثر في الإعلام بالمطلوب، لأنه عارف به، واقف عليه، فيتمحض تأثيرها في إيجاد الدافع، الذي لا ريب في وجوده لديه أيضاً، في أفضل حالاته وأقصى درجاته.. فيكون تسجيل الأمر في مورده من باب تحصيل الحاصل أيضاً.
وهذا الشعور بالمسؤولية، والإندفاع لانجاز المهمات، لم نجده عند سائر الصحابة الذين كانوا حاضرين مع النبي "صلى الله عليه وآله"، وشهدوا ما شهد علي، وعاينوا ما عاينه، وعرفوا ما عرف..
لا أخفي عنكم سراً إلا في حرب:
وقد رأينا أن أمير المؤمنين "عليه السلام" انطلق للقيام بواجبه، مراعياً عنصر السرية التامة، على قاعدة: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان..
وعلى قاعدة: إن لكم عليَّ أن لا أحتجز عنكم سراً إلا في حرب(1).
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص79 والأمالي للطوسي ج1 ص221 و (ط دار الثقافة) ص217 وبحار الأنوار ج33 ص76 و 469 وج72 ص354 وميزان الحكمة للريشهري ج1 ص124 وأعيان الشيعة ج1 ص463 والمعيار والموازنة ص104 وشرح النهج للمعتزلي ج17 ص16 صفين للمنقري ص107 ونهج السعادة ج4 ص229.
وقد كانت المهمة عسكرية حربية هنا، ثم رأينا كيف راعى النبي "صلى الله عليه وآله" خصوصية السرية فيها أيضاً، حين سئل عن علي "عليه السلام" فأشار إلى أنه في مهمة، ولكنه لم يفصح لهم عن طبيعتها، بل هو لم يشر إلى طابعها: هل هو عسكري، أو استطلاعي، أو تمويني، أو غير ذلك.
ولو أن النبي أو علياً "صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما" أفصحا عن شيء من ذلك، فإن المنافقين قد يوصلون الخبر إلى بني النضير، وربما يتمكن بنو النضير من إفشال المهمة، أو على الأقل يتمكنون من تقليل مستويات النجاح فيها، ولو من خلال إنجاد سريتهم العاملة، أو مساعدتها على الفرار والنجاة، أو الإختفاء في الأمكنة المناسبة.
دراسة شخصية العدو:
وقد قال أمير المؤمنين "عليه السلام": "إني رأيت هذا الخبيث جرياً شجاعاً، فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل فيطلب مناغرة".
وهذا يعطينا أمرين:
الأول: أنه لا بد من دراسة شخصية العدو، وحالاته، وخصائصه.
الثاني: أن تكون لدينا القدرة على توقع ما يمكن أن يقدم عليه ذلك العدو، من خلال فهمنا لحالاته، وطبيعة تفكيره..
الثالث: المبادرة إلى تفويت الفرصة عليه، وضربه قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، وعدم الإنتظار لما يصدر منه وعنه، فلا تكون حركتنا مجرد ردات فعل لما يكون منه.
وهذه المعرفة بالعدو، ثم توقع طبيعة تصرفاته، ثم الإقدام على توجيه الضربات المناسبة له، تجعل في الحرب حيوية، وتعطيها معنى جديداً في اسلوبها وفي حركتها، ثم في نتائجها. وبذلك يفقد العدو القدرة على التركيز، ويقع في حالة من الإرباك والضياع..
وهذا هو الذي يقرر مصير الحرب.
إختيار القيادات:
وبناء على ما ذكرناه آنفاً: تمس الحاجة إلى قيادات ذات قدرات وكفاءات فكرية وتحليلية، ومعرفة بأحوال العدو أفراداً وجماعات، ودراسة حالاتهم وشخصياتهم.. كما لا بد من جمع المعلومات المختلفة عن العناصر المؤثرة في جيشه.
كما أن ذلك يشير إلى ضرورة الإلمام بعلوم أخرى غير العلوم العسكرية مما له مساس بالحرب، وليعطي المزيد من القدرة على التنبؤ بما
يمكن أن يفكر فيه العدو، أو يخطط له..
ولا بد من طرح كافة الخِيارات، وبحث مختلف الإفتراضات، وكل ما هو معقول، أو غير معقول، مما يمكن أن يلجأ إليه العدو. فلا يتمكن العدو من أن يفاجئنا بأي إجراء أو تصرف، يجعلنا نتصرف معه من موقع العفوية، والإرتجال، أو الإنفعال..
العمليات الوقائية ومفاجأة العدو:
ثم إن هذه المبادرة من أمير المؤمنين "عليه السلام" تؤذن بضرورة القيام بضربات وقائية، تهدف إلى إفشال المخططات المحتملة للعدو..
كما أنها تتضمن الإستفادة من عنصر المفاجأة الذي يصرف اهتمامات العدو إلى التفكير بحفظ نفسه، عوضاً عن وضع الخطط لمهاجمة غيره..
والعنصر الثالث: هو أن هذه الضربة كانت في مواقع العدو، التي يشعر فيه بالأمن، وحرية الحركة، وهذا يمثل ضربة روحية له تكسر من عنفوانه، وتطيح بكبريائه.. فإنه ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا(1).
____________
1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص67 والكافي ج5 ص4 ودعائم الإسلام ج1 ص390 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص310 وج3 ص3 وكتاب سليم بن قيس ص213 والغارات للثقفي ج2 ص475 وشرح الأخبار ج2 ص75 والإرشاد للمفيد ج1 ص281 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص256 والمبسوط للسرخسي ج10 ص35 وعيون الحكم والمواعظ ص110 وبحار الأنوار ج29 ص465 وج34 ص64 و 138 ورياض السالكين ج1 ص560 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص9 والغدير ج11 ص17 ونهج السعادة ج2 ص561 و 571 وج5 ص313 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص74 و 84 وأحكام القرآن للجصاص ج3 ص206 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص292 والأخبار الطوال ص211 و 310 وشرح السير الكبير ج3 ص894 وأنساب الأشراف ص382 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص76 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص130 و (تحقيق الشيري) ج1 ص172.
قاتل العشرة هو علي (عليه السلام) :
إن شعر حسان الآنف الذكر يدل على: أن علياً "عليه الصلاة والسلام" هو الذي آب بالتسعة، وأنه قد قتل بعضهم، وآب بالبعض الآخر أحياء.
ولعل دور العشرة الذين أرسلهم رسول الله "صلى الله عليه وآله" معه قد اقتصر على أمور ثانوية وهامشية في عملية أسر التسعة، أو قتلهم، وإن الدور المصيري والأهم إنما كان لأمير المؤمنين "عليه السلام".
ولأجل ذلك لا يصغى إلى ما ذكره الحلبي، من إرسال العشرة مع علي "عليه السلام" كان لقتل التسعة فقتلوهم، وطرحوهم في بعض الآبار، قال
الحلبي: "..وفي هذا رد على بعض الرافضة حيث ادَّعى: أن علياً هو القاتل لأولئك العشرة"(1).
علي (عليه السلام) فاتح بني النضير:
وكان من الطبيعي: أن يكون لهذه الضربة تأثير كبير على معنويات بني النضير، وأن يضج الرعب في قلوبهم. فإن تصدي رجل واحد من المسلمين لعشرة منهم، ثم قتل العشرة جميعاً، يؤذن بأن المسلمين قادرون على إبادتهم، واستئصال شأفتهم بسهولة ويسر.
وإذا كان يمكن اعتبار حرق الأشجار وقطعها تهديداً، وممارسة لمستوى من الضغط، قد يتم التراجع عنه، حين يؤول الأمر إلى مواجهة خيار سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، فإن هذا التراجع قد أصبح الآن غير محتمل على الإطلاق، بعد أن باشر المسلمون عملاً عسكرياً بهذا المستوى، وبهذه الشدة والصلابة والتصميم.
ولقد باشر هذا الأمر رجل هو أقرب الناس إلى رسول الله، وأعرفهم بنواياه وآرائه، وأشدهم اتباعاً له. رجل عرفوا بعض مواقفه المرعبة في بدر، وفي أحد.. وهو علي بن أبي طالب "عليه الصلاة والسلام".
إذاً.. وبعد أن تخلى عنهم حلفاؤهم، ولم يفِ لهم المنافقون بما وعدوهم
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 وأعيان الشيعة ج1 ص260 و 392.
به، فإنهم لم يبقَ لهم إلا هذه الأحجار التي يختبئوون خلفها كالفئران. ولكن إلى أي حد يمكن لهذه الحجارة أن تدفع عنهم، وكيف وأنى لهم برد هجوم الجيش الإسلامي عنها حين يصمم على تدميرها؟!
فقد جاءهم ما لم يكن بالحسبان، {فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}(1) و "كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير" كما تقدم في النص السابق.
هذا كله بالنسبة لبني النضير، وأما بالنسبة للمسلمين أنفسهم، فإن هذه الضربة الموفقة لا بد أن تقوي من معنوياتهم، وقد حصنتهم من أن الضعف والوهن لدى المواجهة الأولى مع عدو لا يرون سبيلاً إليه، ما دام بالحصون المنيعة، بالإضافة إلى إعتقاد الكثيرين أن لديه قدرات قتالية عالية.
ومما ذكرناه: يتضح معنى العبارة المنقولة عن النبي "صلى الله عليه وآله" هنا، حينما سئل عن علي "عليه السلام" حيث يقول: "أراه في بعض ما يصلح شأنكم".
فإن هذه العملية كان لها أثر كبير في إصلاح شأن المسلمين ـ كل المسلمين ـ وإفساد أمر أعدائهم، ودحرهم وكسر شوكتهم، حيث أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.
____________
1- الآية 2 من سورة الحشر.
قتل قائد المجموعة:
ونلاحظ أيضاً: أن الهدف العسكري الذي وضعه علي "عليه السلام"، هو قتل قائد المجموعة بالذات.
وهذا العمل يعتبر نموذجياً، وناجحاً من الناحية العسكرية مائة في المائة، فإن حدوث فراغ على مستوى القيادة يزعزع كل الثوابت، ويفقد المجموعة بأسرها كل فاعليتها وحيويتها، وتتحول إلى ركام خاو، ورماد خامد وهامد.
أموال بني النضير:
إن أموال بني النضير كانت خالصة لرسول الله "صلى الله عليه وآله"، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل قذف الله الرعب في قلوبهم، فرضوا بالجلاء عن منازلهم إلى، خيبر كما قال عمر بن الخطاب(1).
____________
1- مسند أحمد ج1 ص25 وفتح القدير ج5 ص199 عن الصحيحين وغيرهما، ومسند أبي عوانة ج4 ص132 و 140 وصحيح البخاري ج3 ص128 و (ط دار الفكر) ج3 ص227 وج6 ص58 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص151 وسنن الترمذي ج3 ص131 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص335 والجامع لأحكـام القرآن ج8 ص14 وج18 ص11 وأحكـام القـرآن للجصـاص ج3 ص429 وفـتـوح = = البلدان ج1 ص20 و 34 والجامع الصحيح ج4 ص216 وسنن النسائي ج7 ص132 والتراتيب الإدارية ج1 ص393 وسنن أبي داود ج3 ص141 و (ط دار الفكر) ج2 ص22 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص296 ونيل الأوطار ج8 ص230 والخراج للقرشي ص34 والمغني لابن قدامة ج7 ص308 و 309 والتبيان ج9 ص561 و 562 ومختصر المزني ص148 وكتاب الأم للشافعي ج4 ص146 والشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص548 وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج1 ص323 وبحار الأنوار ج29 ص348 وكتاب المسند للشافعي ص322 وشرح مسلم للنووي ج12 ص70 وفتح الباري ج6 ص69 و 143 وعمدة القاري ج14 ص185 وج19 ص224 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص46 وج5 ص377 وج6 ص484 ومسند أبي حنيفة ص258 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص112 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ص169 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص522 وأحكام القرآن لابن إدريس الشافعي ج1 ص154 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص91 وج6 ص61 وإمتاع الأسماع ج2 ص294 وج13 ص147 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص153 وراجع: أحكام القرآن لابن العربي ج4 ص1772 والدر المنثور ج6 ص192 عن بعض من تقدم، وعن ابن المنذر، والأموال ص14 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص123 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص208 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص262 و 263 والإكتفاء ج2 ص148 ومعجم البلدان ج5 ص290 ومدارك التنزيل مطبوع بهامش لباب التأويل ج4 ص247 لكن ليس في المصادر الثلاثة الأخيرة: أن القائل هو عمر.
هذا إن لم نقل إنها لعلي "عليه السلام" وحده، لأنه هو الفاتح الرابح.. كما اتضح مما سبق.
وعلى هذا فإن أعطى النبي "صلى الله عليه وآله" بعض أصحابه شيئاً من أموالهم، فإنما كان ذلك منه "صلى الله عليه وآله" على سبيل التفضل والإحسان(1)..
ولكن الهيئة الحاكمة بعد رسول الله "صلى الله عليه وآله" اغتصبت هذه الأموال من أهلها.. وصار أهلها يطالبون بها.
وسنعالج هذا الموضوع إن شاء الله في موضع آخر من هذا الكتاب، حين نتحدث عن مصادرة أموال رسول الله "صلى الله عليه وآله" بعد وفاته من قبل الذين أبعدوا أمير المؤمنين "عليه السلام" عن مقامه الذي جعله الله تعالى له، ونصبه فيه رسول الله "صلى الله عليه وآله" يوم الغدير..
علي (عليه السلام) وعثمان في بني النضير:
وذكر العلامة الحلي "رحمه الله": أن السدي روى أن قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ}(2) نزل في عثمان.
____________
1- راجع كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى الله عليه وآله" (الطبعة الخامسة) ج9 فصل: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء". 2- الآية 47 من سورة النور.
قال: لما فتح رسول الله "صلى الله عليه وآله" بني النضير، فغنم أموالهم قال عثمان لعلي: ائت رسول الله فسله أرض كذا وكذا، فإن أعطاكها فأنا شريكك فيها، وآتيه أنا فأساله إياها، فإن أعطانيها، فأنت شريكي فيها.
فسأله عثمان أولاً، فأعطاه إياها، فقال علي أشركني.
فأبى عثمان، فقال: بيني وبينك رسول الله "صلى الله عليه وآله".
فأبى أن يخاصمه إلى النبي.
فقيل له: لم لا تنطلق معه إلى النبي؟!
فقال: هو ابن عمه، فأخاف أن يقضي له.
فنزل قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ، وَإِن يَكُنْ لَـهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(1).
فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه أتى النبي "صلى الله عليه وآله"، فأقر لعلي بالحق(2).
____________
1- الآيات 48 ـ 50 من سورة النور. 2- نهج الحق ( مطبوع مع دلائل الصدق) ج3 ق1 ص203 و (ط دار الهجرة) ص305 والبرهان (تفسير) ج5 ص410 عن السدي، وبحار الأنوار ج31 ص238 و 239 ولا بأس بمراجعة ج22 ص98 والطرائف لابن طاووس ص493.
ونقول:
هنا أمور يحسن التوقف عندها، وهي التالية:
أولاً: إن السدي ليس من الشيعة، بل هو من قدماء مفسري علماء أهل السنة، وقد روى له أصحاب الصحاح باستثناء البخاري، وقد وثقه أحمد(1).
وقال ابن حجر في التقريب: صدوق.
وقال العجلي: ثقة عالم بالتفسير، راوية له.
وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد.
وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، صدوق(2).
ثانياً: تضمن هذا الحديث جرأة عظيمة من عثمان على ساحة قدس رسول الله "صلى الله عليه وآله"، حين عبر عن خشيته من أن يكون لدى النبي "صلى الله عليه وآله" هوى وعصبية تؤثر في قضائه، فيقضي بغير الحق؛ لصالح ابن عمه، مع أن الله تبارك وتعالى يأمر الأمة بالتسليم لرسول الله "صلى الله عليه وآله" والبخوع لقضائه، فيقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
____________
1- راجع: رجال الشيعة في أسانيد السنة للطبسي ص55 وتهذيب الكمال ج3 ص134 والكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج1 ص278. 2- راجع: الكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج1 ص278 وتهذيب الكمال ج3 ص137 رجال الشيعة في أسانيد السنة للطبسي ص55.
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مَمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}(1).
ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(2).
هذا فضلاً عن قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(3).
ثالثاً: إن عثمان هو الذي بادر إلى إعطاء العهد لعلي "عليه السلام"، ثم كان هو الذي نقضه مع أن الله تعالى يقول: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}(4).
رابعاً: إن الذي دعا عثمان إلى إبرام العهد أنّه أراد أن يحصل على تلك الأرض بكل صورة ممكنة، ولعله قدّر في نفسه أن رسول الله "صلى الله عليه وآله" قد لا يعطيه إياها، ويترجح له أن يعطيها إلى ابن عمه من منطلق العصبية له.
فلما رأى عملياً أن الأمور تسير على خلاف تقديره، دفعه حب المال إلى جحد حق علي "عليه السلام"، ونقض العهد الذي كان هو المقترح له،
____________
1- الآية 65 من سورة النساء. 2- الآية 56 من سورة الأحزاب. 3- الآيتان 3 ـ 4 من سورة النجم. 4- الآية 34 من سورة الإسراء.
والساعي لإبرامه بدافع من حب المال أيضاً.
خامساً: إنّ هذه الحادثة تشير أيضاً إلى: أن أراضي بني النضير كانت ممّا أفاءه الله على رسوله "صلى الله عليه وآله"، فكانت خالصة له "صلى الله عليه وآله"، ولا حق لأحد فيها، ولذلك كان "صلى الله عليه وآله" يتصرف فيها كيف يشاء.
سادساً: إنّ هذه الحادثة بيّنت: أنّ غصب فدك لم يكن هو المرة الأولى في تاريخ العدوان على حقوق أهل البيت "عليهم السلام" في حياة النبي "صلى الله عليه وآله"، بل سبقتها هذه الحادثة أيضاً وسواها ما تدخل فيه الوحي الإلهي الذي حسم الأمر، فإنّهم غصبوا بعد وفاة النبي "صلى الله عليه وآله" حق فاطمة "عليها السلام"، أراضي بني النضير أيضاً ، وكان عثمان نفسه من المساعدين على ذلك ولكن الوحي كان قد انقطع، ولم يعد يمكن استرداد الحق به، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
لعلها وقائع أخرى:
ويذكر في شأن نزول قوله تعالى في سورة النور: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ، وَإِن يَكُن لهُمُ الحَقُ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(1).
يذكر في شأن نزولها أيضاً، عدا رواية السدي المتقدمة ما يلي:
1 ـ عن أبي عبد الله: أنّها نزلت في علي وعثمان في منازعة كانت بينهما في حديقة، فقال أمير المؤمنين "عليه السلام": ترضى برسول الله "صلى الله عليه وآله"؟!
فقال عبد الرحمن بن عوف له: لا تحاكمه إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فإنّه يحكم له عليك، ولكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهودي.
فقال عثمان لأمير المؤمنين "عليه السلام": لا أرضى إلّا بابن شيبة.
فقال ابن شيبة: تأتمنون رسول الله على وحي السماء، وتتهمونه في الأحكام!! فأنزل الله على رسوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ..}(2).
2 ـ عن ابن عباس: لما قدم النبي "صلى الله عليه وآله" المدينة أعطى علياً "عليه السلام" وعثمان أرضاً، أعلاها لعثمان، وأسفلها لعلي "عليه السلام".
فعرض عليه علي "عليه السلام" أن يبيعه، أو أن يشتري منه، فباعه عثمان، فقال له أصحابه: أي شيء صنعت؟ بعت أرضك من علي، وأنت لو
____________
1- الآيات 47 ـ 52 سورة النور. 2- البرهان (تفسير) ج5 ص408 ـ 409 وتفسير القمي ج2 ص83.
أمسكت عنه الماء ما أنبتت أرضه شيئاً، حتى يبيعك بحكمك.
فجاء عثمان لعلي "عليه السلام"، فقال له: لا أجيز البيع.
فقال علي "عليه السلام": بعت ورضيت، وليس لك ذلك.
قال: فاجعل بيني وبينك رجلاً.
قال علي "عليه السلام": النبي "صلى الله عليه وآله".
فقال عثمان: هو ابن عمك. ولكن اجعل بيني وبينك رجلاً غيره.
فقال علي "عليه السلام": لا أحاكمك إلى غير النبي "صلى الله عليه وآله"، والنبي شاهد علينا.
فأبى ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات(1).
3 ـ عن أبي الجارود: إنّ هذه الآيات نزلت في رجل اشترى من علي "عليه السلام" أرضاً، ثم ندم، وندّمه أصحابه، فقال لعلي "عليه السلام": لا حاجة لي فيها.
فقال له: قد اشتريت ورضيت، فانطلق أخاصمك إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله".
فقال له أصحابه: لا تخاصمه إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله".
فقال: انطلق أخاصمك إلى أبي بكر وعمر، أيهما شئت كان بيني وبينك.
____________
1- تأويل الآيات ج1 ص367 والبرهان (تفسير) ج5 ص409.
قال علي "عليه السلام": لا والله، ولكن رسول الله بيني وبينك، فلا أرضى بغيره.
فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات(1).
4 ـ وعن البلخي: أن علياً "عليه السلام" اشترى من عثمان أرضاً؛ فخرجت فيها أحجار، فأراد ردها بالعيب، فلم يأخذها.
فقال: بيني وبينك رسول الله "صلى الله عليه وآله".
فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمك إلى ابن عمه حكم له، فلا تحاكمه إليه.
فنزلت الآيات.
وهو المروي عن أبي جعفر "عليه السلام"، أو قريب منه(2).
5 ـ عن الضحاك: أن النزاع كان بين علي "عليه السلام" والمغيرة بن وائل(3).
ونلاحظ هنا الأمور التالية:
أولاً: تضمنت هذه الروايات ما يدل على تعدد وقائعها، ففي رواية البلخي ورد ذكر الحكم بن أبي العاص. وهو إنّما قدم المدينة بعد الفتح ثم لما
____________
1- تأويل الآيات ج1 ص367 والبرهان ج5 ص409 ـ 410. 2- مجمع البيان ج7 ص263 والبرهان ج5 ص410. 3- الميزان (طبعة 1427هـ) ج15 ص115عن روح المعاني.
ظهرت عداوته لرسول الله "صلى الله عليه وآله"، وصار يجترئ عليه نفاه "صلى الله عليه وآله" إلى الطائف.
ورواية ابن عباس ذكرت: أن نزول الآيات كان لما قدم الرسول "صلى الله عليه وآله" المدينة، وإقطاعه أرضاً لعلي وعثمان، فإن كان المقصود بقوله: "لما قدم رسول الله"صلى الله عليه وآله" المدينة أعطى": دلّ على أن ذلك قد حصل فور قدومه إليها ويكون الفاصل بينها وبين التي ذكر فيها الحكم بن أبي العاص حوالي ثمان سنوات.
ورواية السدي المتقدمة ذكرت: أن ذلك كان في غزوة بني النضير.
ثانياً: إن اختلاف الشخصيات التي وردت أسماؤها في هذه الروايات يشير هو الآخر إلى تعدد الواقعة، وإن كان الأمر قد لا يكون كذلك، أحياناً فإن التي ذكرت أبا بكر وعمر، لا تناقض التي ذكرت ابن شيبة اليهودي، أو كعب بن الأشراف، أو عبد الرحمن بن عوف في هذه الجهة، فقد يحدث كل ذلك في واقعة واحدة بصورة متعاقبة، في مجلس واحد، أو أكثر، ولكن ذلك لا يمنع من أي يكون هناك تناقض في جهات أخرى.
ككون المشتري للأرض تارة، هو علي، وتارة هو عثمان.
وكون طرف النزاع في مقابل علي "عليه السلام" هو عثمان تارة، والمغيرة بن وائل أخرى.
ثالثاً: لا مانع من تعدد الواقعة، وتكرر نزول الآيات، ولذلك نظائر يذكرها الرواة والمفسرون.
ولا مانع من تكرر رفض بعض الناس رفع القضية المتنازع فيها إلى الرسول ليحكم فيها، ظناً منهم أن نزول الآية لن يتكرر، أو غفلةً منهم عن ذلك.
وكانوا ـ حتى المنافقون ـ يهتمون كثيراً لنزول آيات الذم فيهم وإفتضاح أمرهم، وفشل خططهم الماكرة وسرائرهم الخبيثة.. والتقريع لهم، حتى لو كانوا سيحصلون في مقابل ذلك على المال الذي يحبون، فقد قال تعالى: {يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ}(1) وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}(2) وقال: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ}(3) وآيات أخرى. أو لأجل أنهم يحسبون أن الأمر قد لا يبلغ إلى النبي "صلى الله عليه وآله"، أو لأن إيمانهم بصحة النبوة كان ضعيفاً.
رابعاً: إن دخول علي "عليه السلام" في هذه الشراكة مع عثمان أو مع غيره كان لحكمة بالغة، فقد انتهت بظهور البون الشاسع بين علي "عليه السلام" في علمه، وتقواه، وتوقيره لرسول الله "صلى الله عليه وآله"، ووقوفه عند حدود الله، وبين غيره، خصوصاً وأن الله تعالى هو الذي أظهر
____________
1- الآية 64 من سورة التوبة. 2- الآية 62 من سورة التوبة. 3- الآية 96 من سورة التوبة.
هذه الفوارق، وخلدها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.
خامساً: يمكن أن يكون بعض الرواة تلاعب في اسم من رفض التحاكم إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله"، للحفاظ على سمعة بعض الناس، والتشكيك بنسبة هذا الأمر الشنيع إليه، فإن عبد الرحمن بن عوف وعثمان كانا ممن يهم بعض الناس إبعاد أية شبهة عنهم.