الصفحة 5

الفصل الخامس:

علي (عليه السلام) في بني جذيمة..


الصفحة 6

الصفحة 7

رواية صحيحة عن الإمام الباقر (عليه السلام):

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال:

بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى حي يقال لهم: بنو المصطلق من بني جذيمة. وكان بينهم وبين بني مخزوم إحنة في الجاهلية.

فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخذوا منه كتاباً، فلما ورد عليهم خالد أمر منادياً فنادى بالصلاة، فصلى وصلوا. فلما كانت صلاة الفجر أمر مناديه فنادى، فصلى وصلوا. ثم أمر الخيل، فشنوا فيهم الغارة، فقتل، وأصاب.

فطلبوا كتابهم فوجدوه، فأتوا به النبي (صلى الله عليه وآله)، وحدثوه بما صنع خالد بن الوليد.

فاستقبل القبلة، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .

قال: ثم قدم على رسول الله تبر ومتاع، فقال لعلي (عليه السلام): يا علي، إئت بني جذيمة من بني المصطلق، فأرضهم مما صنع خالد.


الصفحة 8

ثم رفع (صلى الله عليه وآله) قدميه، فقال: يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك.

فأتاهم علي (عليه السلام)، فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم الله.

فلما رجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: يا علي، أخبرني بما صنعت.

فقال: يا رسول الله، عمدت، فأعطيت لكل دم دية، ولكل جنين غرة، ولكل مال مالاً.

وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لميلغة كلابهم، وحبلة رعاتهم.

وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لروعة نسائهم، وفزع صبيانهم.

وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لما يعلمون ولما لا يعلمون.

وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله.

فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي، أعطيتهم ليرضوا عني؟! رضي الله عنك، يا علي، إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي(1).

____________

1- الأمالي للشيخ الصدوق (ط سنة 1389 هـ) ص152 و 153 و (ط مؤسسة البعثة) ص238 وبحار الأنوار ج21 ص142 و ج101 ص423 و 424 ومستدرك الوسائل ج18 ص366 و 367 وعلل الشرائع (ط سنة 1385 هـ) ج2 ص473 و 474 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص486 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ج11 ص80 وغاية المرام ج2 ص76.


الصفحة 9

حديثان آخران:

وفي حديث آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) بعث خالداً والياً على صدقات بني المصطلق حي من خزاعة.

ثم ساق الحديث نحو ما تقدم، ولكنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) في آخره:

(أرضيتني، رضي الله عنك، يا علي، أنت هادي أمتي. ألا إن السعيد كل السعيد من أحبك، وأخذ بطريقتك. ألا إن الشقي كل الشقي من خالفك، ورغب عن طريقتك إلى يوم القيامة)(1).

وفي حديث المناشدة يوم الشورى، قال (عليه السلام):

(نشدتكم بالله، هل علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ففعل ما فعل، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر، فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) ثلاث مرات.

ثم قال: (اذهب يا علي).

فذهبت، فوديتهم، ثم ناشدتهم بالله هل بقي شيء؟!

فقالوا: إذا نشدتنا بالله، فميلغة كلابنا، وعقال بعيرنا.

____________

1- الأمالي للشيخ الطوسي (ط سنة 1414 هـ) ص498 وبحار الأنوار ج21 ص143 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ج11 ص219.


الصفحة 10

فأعطيتهم لهما(1). وبقي معي ذهب كثير، فأعطيتهم إياه، وقلت: وهذا لذمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولما تعلمون، ولما لا تعلمون، ولروعات النساء والصبيان.

ثم جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبرته، فقال: (والله، ما يسرني يا علي أن لي بما صنعت حمر النعم).

قالوا: اللهم نعم(2).

علي (عليه السلام) يصلح ما أفسده خالد:

وحين أوقع خالد ببني جذيمة، وقتلهم صبراً، وغدراً بعد أن أمنهم، وبلغ الخبر النبي (صلى الله عليه وآله) رفع (صلى الله عليه وآله) يده إلى السماء قال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، وبكى.

ثم أرسل (صلى الله عليه وآله) علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) بمال ورد إليه من اليمن، فودى به لهم الدماء، وما أصيب من الأموال، حتى إنه ليدي العقال وميلغة الكلب، وبقيت بقية من المال أعطاهم إياها، إحتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)(3).

____________

1- أي أنه أعطى بني جذيمة مالاً لأجل ميلغة الكلب، وعقال البعير.

2- الخصال ج2 ص562 وبحار الأنوار ج1 ص141 و 327.

3- سبل الهدى والرشاد ج6 ص201 وأشار في هامشه إلى: البخاري ج4 ص122، والنسائي ج8 ص237 وأحمد في المسند ج2 ص151 والبيهقي في السنن ج9 = = ص115. وراجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص153 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص33 و 34 والإصابة ج1 ص318 و 227 وج2 ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص147 و 148 والبداية والنهاية ج4 ص358 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص592 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص342 وأعيان الشيعة ج1 ص278 و 409 والكامل في التاريخ ج2 ص173 والغدير ج7 ص168 و 169 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص884 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص145 وأسد الغابة ج3 ص102 والمغازي للواقدي ج3 ص882 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والمنمق ص259 و 260 و217 وراجع: الثقات لابن حبان ج2 ص62 و 63.


الصفحة 11

وفي نص آخر: أنه (عليه السلام) فعل ذلك على أن يُحلُّوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما علم ومما لا يعلم.

فقال له (صلى الله عليه وآله): لما فعلت أحب إلي من حمر النعم، ويومئذ قال لعلي (عليه السلام): فداك أبواي(1). فلماذا قالوا: لم يحمع أبويه لأحد إلا لسعد؟!

وفي نص آخر: ثم دعا علياً (عليه السلام) فقال: أخرج إليهم، وانظر في أمرهم، وأعطاه سفطاً من ذهب، ففعل ما أمره، وأرضاهم(2).

وعن إبراهيم بن جعفر المحمودي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه

____________

1- تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج2 ص61.

2- بحار الأنوار ج21 ص140 وإعلام الورى ج1 ص228.


الصفحة 12

وآله): (رأيت كأني لقمت لقمة من حيس، فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل عليٌّ يده، فنزعه).

فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، هذه سرية من سراياك، تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض، فتبعث علياً فيسهله(1).

قال أبو جعفر، محمد بن علي (عليهما السلام): فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال:

(يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك).

فخرج علي (عليه السلام) حتى جاءهم، ومعه مال قد بعث به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليٌّ حين فرغ منهم: (هل بقي لكم مال لم يؤد إليكم)؟!

قالوا: لا.

قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مما لا يعلم ومما لا تعلمون).

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص200 و 201 عن ابن هشام، والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص883 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والغدير ج7 ص169.


الصفحة 13

ففعل، ثم رجع إلى رسو ل الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبره الخبر، فقال: (أصبت، وأحسنت).

ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد). ثلاث مرات(1).

وذكر الواقدي: أن علياً (عليه السلام) جاءهم بالمال الذي أعطاه إياه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فودى لهم ما أصاب خالد، ودفع إليهم ما

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص201 وأشار في هامشه إلى: البخاري ج4 ص122، والنسائي ج8 ص237 وأحمد في المسند ج2 ص151 والبيهقي في السنن ج9 ص115. وراجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص153 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص33 و 34 والإصابة ج1 ص318 و 227 وج2 ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص147 و 148 والبداية والنهاية ج4 ص358 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص592 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص342 وأعيان الشيعة ج1 ص278 و 409 والكامل في التاريخ ج2 ص173 والغدير ج7 ص168 و 169 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص884 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص145 وأسد الغابة ج3 ص102 والمغازي للواقدي ج3 ص882 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والمنمق ص259 و 260 و 217 وراجع: الثقات لابن حبان ج2 ص62 و 63.


الصفحة 14

لهم، وبقي لهم بقية من المال، فبعث علي (عليه السلام) أبا رافع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليستزيده، فزاده مالاً، فودى لهم كل ما أصاب(1).

ولما رجع علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له: ما صنعت يا علي؟!

فأخبره، وقال: يا رسول الله، قدمنا على قوم مسلمين، قد بنوا المساجد بساحتهم، فوديت لهم كل من قتل خالد حتى ميلغة الكلاب الخ..(2).

جرى لأبي زاهر مثل ما جرى لبني جذيمة:

ذكر ابن شهرآشوب قضية إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، فجاء سياقها موافقاً ـ تقريباً ـ لسياق قضية بني جذيمة، فقال:

(في رواية الطبري: أنه أمر بكتفهم، ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل.

فأتوا بالكتاب الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أماناً له ولقومه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وقالوا جميعاً: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد.

وفي رواية الخدري: اللهم إني أبرأ إليك من خالد ثلاثاً.

ثم قال: (أما متاعكم فقد ذهب، فاقتسمه المسلمون، ولكنني أرد عليكم

____________

1- المغازي للواقدي ج3 ص882 وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص7.

2- المغازي للواقدي ج3 ص882.


الصفحة 15

مثل متاعكم).

ثم إنه قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث رزم من متاع اليمن، فقال: يا علي، فاقض ذمة الله، وذمة رسوله. ودفع إليه الرزم الثلاث.

فأمر علي (عليه السلام) بنسخة ما أصيب لهم.

فكتبوا، فقال: خذوا هذه الرزمة، فقوّموها بما أصيب لكم.

فقالوا: سبحان الله هذا أكبر مما أصيب لنا!

فقال: خذوا هذه الثانية، فاكسوا عيالكم وخدمكم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا، وخذوا الثالثة بما علمتم وما لم تعلموا، لترضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فلما قدم علي (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بالذي كان منه، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بدت نواجذه، وقال: أدى الله عن ذمتك، كما أديت عن ذمتي.

ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة(1).

ونقول:

قد ناقشنا ما جرى لبني جذيمة في كتابنا الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، فصل: خالد يبيد بني جذيمة.. ونقتصر هنا على ذكر ما يرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذلك فيما يلي من عناوين..

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء سنة 1412 هـ) ج1 ص150 و 151 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص395 وبحار الأنوار ج38 ص73.


الصفحة 16

البراءة مما صنع خالد:

ويلاحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. ولم يصرح ببراءته من خالد نفسه.. ربما لان فعل خالد كانت تكتنفه الشبهة بحسب ظواهر الامور، التي يجب على النبي(صلى الله عليه وآله) أن يعامل الناس بها وعلى أساسها.. فالشبهة تدرأ المؤاخذة عن خالد.. ويبقى الفعل وآثاره التي يجب إزالتها في الواقع الخارجي..

ولأجل ذلك لم يكن التعرض لخالد بشيء مما يدخل في دائرة المؤاخذة، وترتيب الأمر على فعله هذا..

فداك أبواي:

تقدم: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) في قصة بني جذيمة: فداك أبواي، وعبارة اليعقوبي تشعر بأن قول النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الكلمة لعلي (عليه السلام)، كان شائعاً ومعروفاً، فإنه قال: (ويومئذٍ قال لعلي: فداك أبواي) فكأن قوله هذا لعلي (عليه السلام) كان مفروغاً عنه، ولكنه أراد أن يعين مناسبة وزمان حصوله.

وذلك يدل على كذب ما زعموه: من أن هذه الكلمة قالها النبي لسعد بن أبي وقاص، ثم رووا عن علي (عليه السلام) قوله: ما سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) جمع أبويه إلا لسعد)(1).

____________

1- راجع: المغازي للواقدي ج1 ص241 والسيرة الحلبية ج2 ص229 وتاريخ الخميس = = ج1 ص433 والمجموع للنووي ج19 ص288 ومسند أحمد ج1 ص137 وصحيح البخاري ج3 ص228 وج5 ص32 و 33 وج7 ص116 وصحيح مسلم ج7 ص125 وسنن الترمذي ج4 ص211 وج5 ص314 وفضائل الصحابة للنسائي ص34 والمستدرك للحاكم ج2 ص96 والسنن الكبرى ج9 ص162 وشرح مسلم للنووي ج15 ص184 وفتح الباري ج6 ص69 وج7 ص66 وعمدة القاري ج14 ص142 و 185 وج17 ص148 و 149 وج22 ص204 والأدب المفرد للبخاري ص174 ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص63 وكتاب السنة ص600 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص61 وج6 ص56 و 57 و 58 و 59 ومسند أبي يعلى ج1 ص334 وج2 ص35 وصحيح ابن حبان ج15 ص447 ومصادر كثيرة أخرى.


الصفحة 17

مع أنهم هم أنفسهم يدعون ـ زوراً أيضاً ـ أنه (صلى الله عليه وآله) قد قال هذه الكلمة للزبير يوم أحد، وقريظة(1).

____________

1- السيرة الحلبية ج2 ص229 و 217 و 327 و 328 عن الشيخين، والترمذي، وحسَّنه، والتاريخ الكبير للبخاري ج6 ص139 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص5 و 10 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص562 وحدائق الأنوار ج2 ص590 عن الصحيحين، وصحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، باب مناقب الزبير، وفضائل الصحابة للنسائي ص34 وفتح الباري ج10 ص469 وعمدة القاري ج14 ص142 وج16 ص225 وج22 ص204 وتحفة الأحوذي ج8 ص96 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص510 وج8 ص501 و 503 وكتاب السنـة ص597 والسنن الكـبرى للنسائي ج5 ص61 وج6 ص58 ومسند أبي = = يعلى ج2 ص35 والإستيعاب ج2 ص513 وكنز العمال ج13 ص206 و 208 و 210 و 211 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص106 وتاريخ ابن معين ج2 ص56 ومصادر كثيرة أخرى.


الصفحة 18

والمهم عند هؤلاء المنحرفين عن علي (عليه السلام) هو جحد كل فضيلة له (عليه السلام)، أو التشكيك بها ولو عن طريق نسبتها إلى غيره بلفظ قيل، ونحو ذلك.

وقد فات هؤلاء: أن عبد الله وآمنة بنت وهب أجل وأعظم عند الله من أن يفدّي النبي (صلى الله عليه وآله) بهما سعداً والزبير، اللذين ظهرت منهما المخزيات، والموبقات بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فأما عبد الله، فقد روي عن ابن عباس، وأبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}(1) قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح من لدن آدم (عليه السلام)(2).

____________

1- الآية 219 من سورة الشعراء.

2- راجع: بحار الأنوار ج15 ص3 وج16 ص204 وج86 ص118 وميزان الحكمة ج4 ص3019 ومجمع البيان ج7 ص358 والتفسير الصافي ج4 ص54 ونور الثقلين ج4 ص69 ومجمع البيان ج7 ص358 وتفسير الميزان ج15 ص336 ومدينة المعاجز ج1 ص347 ومجمع الزوائد ج7 ص86 وج8 ص214 وإختيار معرفة الرجال ج2 ص488 وتفسير السمعاني ج4 ص71 وتفسير القرآن العظيم= = ج3 ص365 ومعجم رجال الحديث ج18 ص132 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص235 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص49.


الصفحة 19

فهذا الحديث يدل على نبوة عبد الله ـ ولو لنفسه ـ ولا يمكن أن يكون أحد الأنبياء فداء لإنسان عادي، يرتكب المعاصي، ويقع في الموبقات.

قال المجلسي عن آباء النبي (صلى الله عليه وآله): (بل كانوا من الصديقين، إما أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين)(1).

كتابة الخسائر:

وتقدم: أن علياً (عليه السلام) أمر بكتابة خسائر حي أبي زاهر: وقال ابن شهرآشوب: (ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة)(2).

وهذا الإجراء له أهدافه ومبرراته، فمن ذلك:

1 ـ أن الكتابة تضمن حفظ حقوق الناس.

2 ـ إن ذلك يدخل في نظم الأمر والتخلص من الفوضى بصورة عملية.

3 ـ إنه يمنع محاولات الخداع، وأخذ ما لا يحق أخذه، ولو بالأخذ أكثر من مرة.

____________

1- بحار الأنوار ج15 ص117.

2- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص151 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص395 وبحار الأنوار ج38 ص73 ومكاتيب الرسول ج1 ص244.


الصفحة 20

4 ـ إنه درس عملي في ضبط الأمور ونظمها وحفظ الامانة وأدائها على أتم وجه..

5 ـ إن ذلك يمنع من اتهام أهل الأهواء بأن الإعطاء كان يقوم على أساس أهوائي، أو أنه يتضمن خللاً من حيث المقدار، أو بأن يأخذ البعض ويحرم البعض الآخر.

6 ـ إن ذلك يحفظ الآخذين من التحاسد، والتباغض، وإشاعة الشكوك ببعضهم البعض.

7 ـ إذا عرف الإنسان مقدار حقه بدقة، فإنك لو وفيته إياه، ثم زدته حبة لعرف ذلك، وشكره لك وذلك لأن المطلوب هوسل سخيمة هؤلاء الناس، الذين وقعوا ضحية أحكام الجاهلية، وأحقادها وعصبياتها البغيضة.

وذلك يدخل في سياق حفظ إيمانهم بعد أن ظلموا، حتى لا يتعرض لأية كدورة أو ضعف، وهو من مفردات إقامة صرح العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه.

مبررات إعطاء الاموال للمنكوبين:

هذا.. وقد ذكرت الروايات: المبررات والمعايير التي اعتمد علي (عليه السلام) في إعطاء المال لبني جذيمة، ونحن نعرضها وفق ما أشارت إليه النصوص، كما يلي:

1 ـ أعطى لكل دم دية.

2 ـ رد مثل متاعهم عليهم، وأما المتاع نفسه، فقد ذهب، بعد أن


الصفحة 21

اقتسمه المسلمون، فلا سبيل إلى رد عينه (وقد ورد ذلك في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: إنه قد روي نحو ذلك في بني جذيمة).

3 ـ أعطاهم إحتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، مما يعلمون، ومما لا يعلمون.

4 ـ وفي نص آخر: أعطاهم على أن يحلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما علم، ومما لا يعلم.

5 ـ ليرضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

6 ـ لروعة نسائهم، وفزع صبيانهم.

7 ـ قضاء، لذمة الله، وذمة رسوله.

8 ـ أعطاهم كسوة عيالهم، وخدمهم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا (كما ورد في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة).

9 ـ لكل جنين غرة.

10 ـ لكل مال مالاً.

11 ـ لميلغة كلبهم، وحبلة رعاتهم.

دلالات باهرة في فعل علي (عليه السلام):

وما نريد أن نقوله هنا هو: أن مجموع هذه النصوص يشير إلى أمور عديدة، كلها على جانب كبير من الأهمية، فلاحظ ما يلي:


الصفحة 22

ألف: إن ذلك يدل على: أن الذين قتلوا لم يكونوا جميعاً من الكبار والبالغين، بل كان فيهم أجنة أيضاً، ولذلك أعطى علي (عليه السلام) لكل جنين غرة.

ب : الغُرَّة ـ بالضم ـ عبد أو أمة.

ومنه: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجنين بغرة.

وقال الفقهاء: الغرة من العبد الذي ثمنه عشر الدية(1).

وزعم بعضهم: أن الغرة من العبيد الذي يكون ثمنه نصف عشر الدية(2).

ج ـ في قوله: (لكل جنين غرة) ـ: إشارة ضمنية إلى تعدد، أو كثرة القتلى من الأجنة، حتى ذكرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بصيغة الجمع إلى جانب ديات البالغين..

ثم إنه لم يتضح إن كان هناك قتلى من النساء، أو لم يكن..

د: إن علياً (عليه السلام) قد أعطى مالاً لروعات النساء، وعوضاً عما أصابهن من الحزن، وصرح: بأن المطلوب هو: أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.

____________

1- راجع: مجمع البحرين ج3 ص422 و (ط مكتب نشر الثقافة الإسلامية) ج3 ص302.

2- أقرب الموارد ج2 ص867 وراجع: عمدة القاري ج24 ص67 وتحفة الأحوذي ج4 ص554 ومرقاة المفاتيح ج7 ص40 والنهاية في غريب الأثر ج3 ص353 وكتاب الكليات ج1 ص670 والتعريفات للجرجاني ج1 ص208.


الصفحة 23

وهذا تأصيل لمعنى جديد لا بد من مراعاته في مجالات التعامل مع الناس، ولم يكن هذا المعنى معروفاً، ولا مألوفاً قبل هذه الحادثة.. كما أننا لم نجد أحداً قد راعى هذا المعنى في معالجته لآثار العدوان على الآخرين.

ولعل قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك).

يشير إلى هذا المعنى، ولا يختص ذلك بموضوع مقادير الديات، أو ما يرتبط بالثأر من غير القاتل الحقيقي.

بل إن الفقهاء وعلى مدى كل هذا التاريخ الطويل لم يشيروا في فتاواهم، ولو إلى رجحان التعرض لمعالجة هذا النوع من الآثار، ولا رسموا له حدوداً، ولا بينوا له أحكاماً، ولا حددواً له شروطاً!

فهل هذه غفلة كانت منهم؟!

أم أنهم فهموا: أن ذلك يختص بالمعصوم، من نبي وإمام؟! أم ماذا؟!

هـ: يلاحظ: أن علياً (عليه السلام)، قد بذل لبني جذيمة أموالاً من أجل أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.

أي أنه (عليه السلام) قد لاحظ مقدار الحزن، ومقدار الفرح، وأراد أن يكون هذا بقدر ذاك، ولذلك لم يقل : (ليفرحوا بعد ما حزنوا). بل قال: (ليفرحوا بقدر ما حزنوا ).

و: إن سرد ما اعطاه علي (عليه السلام) لبني جذيمة يصلح أن يكون هو الوصف الدقيق لحقيقة ما جرى على هؤلاء الناس من قتل وسلب وخوف. فهم قد سلبوهم كل شيء. حتى حبلة الرعاة، وميلغة الكلب، ولم


الصفحة 24

يتركوا لهم حتى كسوة العيال والخدم.. وأخذوا منهم ما يعلمون، وما لا يعلمون.

بالإضافة إلى قتل الرجال، وإسقاط الأجنة، وروعة النساء، وفزع الصبيان، وحزن العيال والخدم.

ز: واللافت هنا: أنه (عليه السلام) لم يهمل حتى الخدم، فقد أعطى مالاً أيضاً لحزن هؤلاء، مما يعني: أن كونهم خدماً لا تسقط الحقوق التي تترتب على روعاتهم، وحزنهم. ولا يصيرهم بمثابة الآلة التي لا مشاعر لها.

قد صرحت الكلمات الواردة في الروايات: بأن علياً (عليه السلام) يريد أن يقضي عن ذمة الله ورسوله. أي أن الذين قتلهم خالد، قد كانوا في ضمان ذمة الله، وذمة الرسول (صلى الله عليه وآله).

ولعل هذا يؤيد صحة القول: بأنه كان لديهم كتاب من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يضمن لهم سلامتهم، وأمنهم، ويعتبرهم في ذمة الله ورسوله.

وعدوان خالد عليهم يعتبر إخلالاً بهذه الذمة، وهذا يحتم الوفاء بها، وإعادة الأمور إلى نصابها.

بل قد يقال: إن هذا التعبير يدل على: أنه لو أن أحداً من غير المسلمين اعتدى على بني جذيمة لوجب نصرهم، وتحمل مسؤولية تعويض كل نقص يعرض لهم عليهم، في الأموال والأنفس على حد سواء..

ح: ذكرت النصوص المتقدمة: أنه (عليه السلام) أعطاهم مقداراً من المال، ليرضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مع العلم: بأن السخط


الصفحة 25

على الرسول (صلى الله عليه وآله) من موجبات الكفر، والخروج من الدين.

فكيف يمكن الجمع بين الحكم بإسلامهم، وبين عدم رضاهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!

ومن المعلوم: أن السخط والرضا لا يشترى ولا يعطى بالمال، فكيف نفهم هذا الإجراء منه (عليه السلام)؟!

ونجيب:

إن المراد بالرضا هنا ليس ما يقابل السخط، بل المراد به: الشعور بالرضا، بعد الشعور بالحاجة إلى الإنصاف، وبضرورة إيصال حقهم إليهم..

فإذا رأوا علياً (عليه السلام) قد اعطاهم فوق ما لهم من حق، فلابد أن يتكون لديهم شعور باستعادة كامل حقوقهم، وبما فوق مستوى الإنصاف والعدل الذي يتوقعونه أو ينتظرونه..

وهذا معناه: أنه (عليه السلام) لم يشتر رضاهم بالمال.. بل هو قد وفاهم حقهم، حتى تكوَّن لديهم الشعور بالرضا بهذا الوفاء.

ط: إن تخصيص جزء من المال لما يعلمون، وما لا يعلمون. قد يكون من أهم الأمور التي تبلِّغهم درجات ذلك الرضا بأكمل وجوهه، وأتمها، فإن هناك أموراً قد يفقدها الإنسان، ولكنها تكون من التفاهة إلى حد يرى أن مطالبته بها تنقص من قدره، وتحط من مقامه، فيعرض عنها.

ولكنه حتى حين يغض النظر عنها قد يبقى لديه شعور بالانتقاص من حقه، أو فقل بعدم بلوغه درجة الإشباع.

فإذا رضخ علي (عليه السلام) له مالاً في مقابل تلك الأمور أيضاً، فإنه


الصفحة 26

لا يبقى مجال لأي خاطر يعكر صفو الشعور بالإرتواء التام..

فإذا زاد على ذلك: بأن أعطاه أموالاً في مقابل ما ربما يكون قد عجز عن استحضاره في ذهنه، فإنه سينتقل إلى مرحلة الشعور بالامتنان. والإحساس بمزيد من اللطف به، والتفضل عليه، والنظر إليه، والشعور معه..

حكم علي (عليه السلام) حكم الله تعالى:

وقد صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر علياً (عليه السلام) بأن يضع قضاء الجاهلية تحت قدميه.. أي أنه (صلى الله عليه وآله) يعلن أن خالداً قد قضى في بني جذيمة بحكم الجاهلية..

وذلك يكذب ما زعمه خالد: من أنه قد نفذ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم.. حسبما تقدم. كما كذَّبه قبل ذلك حين أعلن ثلاث مرات براءته مما صنع خالد.

وهو يكذِّب أيضاً رواية محبي خالد: التي تزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان راضياً من خالد، ولم يعترض على فعله، ولم تسقط منزلته عنده.. فإن النبي الأعظم والأكرم (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يرضى بما يكون من قضاء الجاهلية، ولا يمكن أن يرضى بما يعلن أنه بريء إلى الله منه..

وفي المقابل نجد علياً (عليه السلام) كما يصرح به الإمام الباقر (عليه السلام): لما انتهى إلى بني جذيمة (حكم فيهم بحكم الله).

وهذا صريح: بأن جميع ما فعله علي (عليه السلام) إنما هو إجراء لحكم


الصفحة 27

الله تعالى، وليس مجرد تبرعات منه (عليه السلام)، تستند إلى الاستحسان، أو إلى تفاعل أو اندفاع عاطفي آني، أو رغبة أذكتها العصبية للقربى، أو محبة أكدتها علاقة المودة والإلف بينه وبين ابن عمه نبي الله (صلى الله عليه وآله)..

بل ما فعله كان ـ كما قلنا ـ إجراء وتنفيذاً لحكم الله تبارك وتعالى، من دون تأثر بهوى، أو ميل مع عصبية أو انسياقاً مع عاطفة..

ويؤكد هذا المعنى: أن المال الذي حمله (عليه السلام) معه إليهم، سواء أكان مُلْكاً شخصياً للنبي (صلى الله عليه وآله)، أو كان من بيت مال المسلمين، لا يجوز له الإسراف والتبذير فيه، فضلاً عن تمزيقه وبعثرته وفق ما يقود إليه الهوى، وما يرجحه الذوق والاستنساب، وتدعو إليه العاطفة والإنفعالات الشخصية.

حديث المنزلة كان في بني جذيمة:

روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)(1): أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) ـ في مناسبة ما فعله في بني جذيمة: (أنت مني

____________

1- راجع: الأمالي للصدوق ص238 وعلل الشرائع ج2 ص473 و 474 ومستدرك الوسائل ج18 ص366 و 367 وبحار الأنوار ج21 ص142 وج101 ص423 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص485 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) للنجفي ج11 ص79 و 80 وغاية المرام ج2 ص75 و 76.


الصفحة 28

بمنزلة هارون من موسى).

فقد ظهر أنه لو أراد النبي (صلى الله عليه وآله) ان يتولى هذا الأمر في بني جذيمة لم يزد على ما فعله علي (عليه السلام).

وسنشير إلى بعض ما يرتبط بهذا الحديث في غزوة تبوك إن شاء الله تعالى..

أنت هادي أمتي:

وفي النصوص: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) في بني جذيمة: (أنت هادي أمتي، ألا إن السعيد من أحبك، وأخذ بطريقتك، ألا إن الشقي كل الشقي، من خالفك، ورغب عن طريقك إلى يوم القيامة)(1).

فقد دلتنا هذه الكلمة على أمور ثلاثة أساسية وذات أهمية بالغة هي:

الأمر الأول:

إن وصف النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) بأنه هادي أمته، يدلنا على أن ما أجراه (عليه السلام) في بني جذيمة ـ ليس هو مجرد إيصال حقوق مالية إلى أصحابها.. وإنما هو يرتبط بالهداية إلى الحق، وتعريف الناس بما يرضى الله تعالى..

____________

1- الأمالي للطوسي (ط سنة 1414) ص498 وبحار الأنوار ج21 ص143 وموسوعة احاديث أهل البيت (عليهم السلام) ج11 ص219.


الصفحة 29

ولعل مما يدلنا على ذلك تنوّع العطاءات، وتنوع أسبابها، حيث أظهرت أحكاماً وأسراراً دقيقة وعميقة، مثل أن لروعات النساء، وفزع الصبيان قيمة مادية، وأنه لا بد من دية الأجنة إذا أسقطت في مثل هذه الحالات.

يضاف إلى ذلك: أنها دلتنا على مسؤولية حقيقية لولي الأمر وهو الرسول ووصيه والإمام من بعده.. عن أمثال هذه الأمور، وأنها ليست مسؤولية أدبية أو سلطوية، بل هي مسؤولية مادية حقيقية وواقعية، ويحتاج إلى إبراء ذمته من هذا الحق المالي، وأن هذا الحق قد أثبته الله على نفسه أيضاً.

ولأجل ذلك صرح (عليه السلام) بأنه أراد ببعض ما أعطاه أن يبرئ ذمة الله ورسوله.

وليتأمل المتأمل مليا في جعل ذلك من الوفاء بذمة الله تعالى أيضاً..

كما أن عدم علم صاحب الحق بمقدار الحق الذي ضاع له لا يعني أن لا يعطي ما يوجب براءة ذمة الله ورسوله مما لا يعلمه.. بل لا بد من إعطاء ما يفي بما يعلمون، وبما لا يعلمون أيضاً..

وهذه وسواها أمور لم تكن واضحة للناس، لولا فعل علي (عليه السلام) في هذه الحادثة، وقد لا تخطر لأحد على بال..

والأهم من ذلك كله: أنه (عليه السلام) أعطاهم من أجل أن يرضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليحفظ دينهم ويصون إيمانهم.

وهي تدل على أنه لا بد لمن يتصدى لإنصاف الناس، ويتحمل مسؤوليتهم أن يكون عارفاً بأسرار الشريعة، واقفاً على دقائقها وحقائقها، وكوامنها وأهدافها..