الصفحة 300

التنويه بعلي (عليه السلام)، وإظهار لفضائله، وإشاعتها ـ فأراحوا أنفسهم، ومن هم على شاكلتهم من تجشم المخارج والتأويلات، حين يواجههم المؤمنون بالحقيقة.

ثمة ما هو أعجب:

وتذكر الروايات: أنه (صلى الله عليه وآله) وهو عائد من تبوك إلى المدينة مروا بمساكن ثمود، وحدث أصحابه ببعض ما جرى لهم.. وقال:

(ألا أنبؤكم بأعجب من ذلك؟! رجل من أنفسكم، فينبؤكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئاً الخ..)(1).

ونقول:

لقد اقتصر (صلى الله عليه وآله) على ذكر علامة واحدة لرجل هو من أنفسهم، ينبؤهم بما كان وما هو كائن، ثم أمرهم (صلى الله عليه وآله) بالإستقامة والسداد..

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص446 و 447 عن مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن إسحاق، وقال في هامشه: أخرجه البخاري ج8 ص125 (4419) ومسلم ج4 ص2286 (38 و 39/2980) وأحمد ج2 ص9 و 58 و 72 و 74 و 113 و 137 والبيهقي في الدلائل ج5 ص233 وفي السنن ج2 ص451 والحميدي (653) وعبد الرزاق (1625) والطبراني في الكبير ج12 ص457 وانظر الدر المنثور ج4 ص104.


الصفحة 301

ولم يخبرهم بما سيكون حالهم معه، وحاله معهم، ربما لكي لا تتوهم الجبرية في جريان الأمور.. وليفهمهم أن الأمر بيدهم، فإن التزموا طريق الإستقامة على جادة الحق، والسداد في الأقوال والأفعال ربحوا، وإلا فسينالهم ما نال قوم صالح حين عقروا الناقة، ولا يعبأ الله بعذابهم شيئاً.

ثم قدم لهم دليلاً حسياً، فأخبرهم بما يجري في تلك الليلة مباشرة، مما لا يمكن أن يعلمه أحد إلا الله تعالى.. ثم أمرهم بأمره، ثم ظهر صدق كلامه في تلك الليلة بالذات، وجرى عليهم نفس ما وصفه لهم..

التوضيح.. والتطبيق:

وحين نتصفح تاريخ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإننا لا نجد فيهم من كان يخبر بما كان وما يكون غير علي (عليه السلام)، وقد بلغ من كثرة أخباره أن صاروا يتهمونه بالكذب والعياذ بالله، فقد:

1 ـ سمع أعشى همدان (وهو غلام) حديثه (عليه السلام)، فاعتبره حديث خرافة(1).

2 ـ وكان قوم تحت منبره (عليه السلام)، فذكر لهم الملاحم، فقالوا: قاتله الله، ما أفصحه كاذباً(2)..

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص289 وبحار الأنوار ج34 ص299 وج41 ص341.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.


الصفحة 302

وهناك قضية أخرى تشبه هذه القضية أيضاً، فراجعها(1)..

3 ـ وحين أخبر الناس بأنه لو كسرت له الوسادة لحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، وما من آية إلا وهو يعلم أين ومتى، وفي من نزلت.

قال رجل من القعود تحت منبره: يا لله وللدعوى الكاذبة(2)!!

4 ـ وكان ميثم التمار يحدث ببعض العلوم والأسرار الخفية، فيشك قوم من أهل الكوفة، وينسبون أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المخرقة، والإيهام، والتدليس الخ(3)..

5 ـ وقال (عليه السلام): (والله لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة، ثم لو شئت لحدثتكم إلى أن تغيب الشمس، لا أخبركم إلا حقاً، ثم لتخرجن فتزعمن: أني أكذب الناس وأفجرهم..)(4).

6 ـ وقال مخاطباً أهل العراق: (ولقد بلغني أنكم تقولون: علي يكذب! قاتلكم الله)(5)..

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.

3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص291 وبحار الأنوار ج34 ص302.

4- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص128.

5- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص119 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص99 والإختصاص ص155 عن كتاب ابن دأب، والإرشاد للمفيد = = ص162 والفصول المختارة ص262 والإحتجاج ج1 ص255 وينابيع المودة ج3 ص435 وبحار الأنوار ج34 ص103 و 136 وج35 ص421 وج38 ص269 وج40 ص111 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص127 ونهج الإيمان ص164 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) ج1 ص321.


الصفحة 303

7 ـ وقد تحدث ابن أبي الحديد عن أن قوماً من عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا يتهمونه فيما يخبرهم به عن النبي (صلى الله عليه وآله) من أخبار الملاحم، والغائبات. وقد كان شك منهم جماعة في أقواله، ومنهم من واجهه بالشك والتهمة(1)..

ملاحظات سديدة ومفيدة:

1 ـ إن الذي يملك علم ما كان وما يكون ليس إنساناً عادياً، لأن هذا العلم ليس مما يتداوله الناس، بل هو علم خاص، لرجل له طريق إلى الغيب، الذي يدرك الناس أن الله لم يطلع عليه أحداً سوى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

2 ـ إن هذا العلم هو ما نسميه بعلم الإمامة.. وهو أحد سبيلين يمكن معرفة الإمام بهما، هما: الإخبار بالغيب.. والنص..

وهناك أمور أخرى، مثل أن يتولى ما لا يصح لغير الإمام أن يتولاه، وكذلك الحال بالنسبة للتصرفات التي لا يقدر عليها إلا نبي أو وصي،

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص286.


الصفحة 304

ولهذا البحث مجال آخر.

3 ـ إن التعامل مع هذا الشخص يجب أن يكون بانتهاج سبيل الإستقامة والسداد، وإذا لم تفعل الأمة ذلك، فإنها تعرض نفسها للغضب وللعذاب الإلهي..

4 ـ إن الذي كان غائباً عن ذلك الجمع كله الذي سار إلى تبوك هو الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهو باب مدينة علمه.. في إشارة منه (صلى الله عليه وآله) إلى الشخص الذي يملك ذلك العلم الخاص ـ وهو علم الإمامة.

5 ـ ولا بد لنا أخيراً من أن نتذكر أن هذا الذي أبقاه النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة هو الذي كان (صلى الله عليه وآله) يقول: إن قاتله شقيق عاقر ناقة صالح(1).

وها هو النبي (صلى الله عليه وآله) يتحدث عن أنه (عليه السلام) باب

____________

1- راجع: العقد الفريد (ط دار الشرفية بمصر) ج2 ص210 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص591 ط مصطفى الحلبي وإحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص332 عن بحر المناقب لابن حسنويه، ومقاصد المطالب ص11 والبدء والتاريخ ج5 ص61 ونهاية الأرب ج2 ص190 ومجمع الزوائد ج9 ص137 ومستدرك الحاكم ج3 ص113 وأسد الغابة ج4 ص33 وتلخيص المستدرك للذهبي ج3 ص113 ونظم درر السمطين ص126 والفصول المهمة لابن الصباغ ص113 والمناقب للخوارزمي ونور الأبصار (ط دار العامرة بمصر) ص98.


الصفحة 305

مدينة العلم، كما تحدث عن منزلته منه.. فهل يمكن أن يكون الذي سيخبرهم بالغيوب، ويتوعد النبي الأمة بالعذاب الإلهي، إن هي نابذته وخالفته، ولم تلتزم معه سبيل الإستقامة والسداد؟! هل يمكن أن يكون شخصاً آخر غير باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى؟!

لماذا لم ينزل العذاب؟!:

وإنما لم ينزل العذاب على هذه الأمة كما نزلت على قوم صالح، مع أنها قد نابذت علياً (عليه السلام). لأن هذه المنابذة لم تكن من جميع الناس، بل كان خيار الأمة وصلحاؤها معه مغلوبين على أمرهم كما كان هو (عليه السلام)، مغلوباً على أمره..

كما أن الكثيرين من الناس لم تقم الحجة عليهم في إمامته بعد، فلا يصح إنزال العذاب الشامل لهم قبل إقامة الحجة عليهم..

علي (عليه السلام) في توصيات قيصر:

وتذكر الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، فأرسل قيصر رجلاً من غسان، وأمره أن يلاحظ في النبي أموراً ثلاثة، ويحفظها ليخبره بها حين يعود.. والأمور الثلاثة هي:

1 ـ من الذي يجلس عن يمين النبي (صلى الله عليه وآله).

2 ـ وعلى أي شيء يجلس.

3 ـ وخاتم النبوة.


الصفحة 306

فوجد الغساني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس على الأرض.

وكان علي (عليه السلام) عن يمينه.

ونسي الغساني الثالثة، فقال له (صلى الله عليه وآله): تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك.

فنظر إلى خاتم النبوة.

فعاد إلى هرقل فأخبره بما رأى وجرى، فقال: هذا الذي بشر به عيسى بن مريم أنه يركب البعير، فاتبعوه، وصدقوه.

ثم قال للرسول: اخرج إلى أخي فاعرض عليه، فإنه شريكي في الملك.

فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه(1).

ونقول:

أولاً: روى آخرون ما يقرب من هذه الرواية، ولكنهم قالوا: إن ذلك قد حصل في غزوة تبوك.. كما أن ما طلبه قيصر من رسوله قد اختلف عما في هذه الرواية ما عدا ذكر خاتم النبوة.. وتلك الرواية لا تخلوا عن إشكالات لا تشجع على اعتمادها، ومنها أنها تقول: إن أول وصية لقيصر إلى رسوله هي: هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟!..

فإن هذا ليس مما يمتحن به الأنبياء..

____________

1- الخرائج والجرائح ج1 ص104 وبحار الأنوار ج20 ص378 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص532.


الصفحة 307

بالإضافة إلى ملاحظات أخرى ذكرناها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج30.. فراجع..

ومهما يكن من أمر، فإن مجيء رسول قيصر كان إلى المدينة وفق الرواية التي ذكرناها، لأنها تذكر جلوس علي (عليه السلام) عن يمين النبي (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) لم يكن في تبوك..

ثانياً: لم تذكر هذه الرواية سبب طلب قيصر معرفة من يجلس على يمين النبي (صلى الله عليه وآله).. إلا أن من الواضح: أن المقصود هو معرفة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) من خلال معرفة اسم وصيه، لأنهما معاً مذكوران في كتب أهل الكتاب، لأن اسم النبي (صلى الله عليه وآله) قد يتعدد في أسماء الرجال، لكن اقترانه باسم وصيه، الذي يفترض أن يكون جلوسه على يمينه (صلى الله عليه وآله) يزيد الأمر وضوحاً، فإذا انضم إلى العلامات السلوكية والخَلْقِيّة، فلا مجال بعد هذا لأي شك أو شبهة في نبوته..

ثالثاً: قد لوحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) أضاف لذلك الرسول علامة أخرى، لعلها هي الأصرح والأوضح، وهي أنه أخبره بما دار بينه وبين صاحبه الذي أرسله، وحقيقة ما أوصاه به..

رابعاً: لا معنى لقول ذلك الرسول في آخر الرواية: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه، فإن قبول الإسلام لا يعني ذهاب الملك. وقد أسلم النجاشي، ولم يذهب ملكه، لأنه تصرف بحكمة وروية.. وحتى لو ذهب ملك الدنيا منه، فهل يقاس بملك الآخرة؟!


الصفحة 308

كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل مقنا:

ذكر المؤرخون: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كتب ـ وهو في تبوك ـ إلى أهل مقنا كتاباً يصالحهم فيه على ثمارهم وغيرها.. وفي الرواية أن الكاتب لهذا الكتاب هوعلي بن أبي طالب (عليه السلام).

غير أن ذلك غير دقيق، لأن علياً (عليه السلام) لم يحضر غزوة تبوك، بل بقي في المدينة. فلعلهم وفدوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مرتين مرة إلى تبوك، ولم يكتب لهم شيئاً، ومرة إلى المدينة، فكتب لهم كتاب الصلح، وكان بخط علي (عليه السلام). ولعل بعض الرواة خلط بينهما، حيث ظن أنه كتب لهم الكتاب في نفس قدومهم الأول.


الصفحة 309

الفصل الثالث:

تبوك بنحو آخر.. وأسر أكيدر..


الصفحة 310

الصفحة 311

محاولة قتل علي (عليه السلام) في المدينة:

ذكر المؤرخون: أن المنافقين حاولوا قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بواسطة تنفير ناقته به لتطرحه إلى الوادي، وذلك حين عودته من تبوك إلى المدينة.. وذكرت بعض الروايات: أن هذه القضية قد حصلت بعد حادثة الغدير، وذلك في طريق عودته من حجة الوداع إلى المدينة.. ونرجح نحن هذا، غير أننا نورد القضية هنا وفق ما جرى عليه المؤرخون.

ويذكرون هنا أيضاً أمراً آخر، وهو: أن محاولة بذلت لقتل علي (عليه السلام) في المدينة حين كان النبي (صلى الله عليه وآله) في تبوك..

وملخص ما ذكروه هنا:

أن بعض الروايات تقول: إن المنافقين كانوا قد دبروا لقتل علي (عليه السلام) في تبوك كما دبروا لقتل النبي (صلى الله عليه وآله) في العقبة، وذلك بأن حفروا في طريق علي (عليه السلام) في المدينة حفيرة طويلة بقدر خمسين ذراعاً، وقد عمقوها، ثم غطوها بحصر، ثم وضعوا فوقها يسيراً من التراب، فإذا وقع فيها كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه.

وقد أنجاه الله تعالى من كيدهم بكرامة منه، وعرَّفه أسماء تلك الجماعة التي فعلت ذلك، وأعلنها له، وهم عشرة، كانوا قد تواطأوا مع الأربعة


الصفحة 312

والعشرين، الذين دبروا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة.

ثم تذكر الرواية حديث العقبة، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) نزل بإزائها، وأخبر الناس بما جرى على علي (عليه السلام).. ثم أمرهم بالرحيل، وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد على العقبة، ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة، فينظر من يمر به، وأمره أن يتشبه بحجر، الخ..

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

1 ـ كانت المدينة بلداً صغيراً قليل السكان، وبيوتها متلاصقة، وحفر حفرة في أي طريق في بلد كهذا، لا بد أن يكون بمرأى ومسمع من الناس، ولا سيما الذين يسكنون في ذلك المحيط، فضلاً عن أنه سيرى ذلك الرجال والنساء والأطفال.

2 ـ إن حفرة مداها خمسون ذراعاً تحتاج إلى أن يعمل العشرات فيها، وإلى وقت طويل لإنجازها.. كما أن التراب المستخرج منها يحتاج إلى مكان يرمى فيه، وأن يتناسب مع حجمه..

3 ـ هل لم يكن أحد من أهل الإيمان قد رأى ما يجري في تلك المحلة، وبادر إلى إخبار علي (عليه السلام)؟!

وهل لم يتساءلوا عن المقصود بهذا العمل الكبير والخطير؟!

4 ـ هل كان علي (عليه السلام) يتجول في طرقات المدينة التي يتولاها


الصفحة 313

ومنها ذلك الطريق؟! وكيف تأكد لديهم حتمية مروره من نفس ذلك المكان، لكي يحل به ما خططوا له، فإن كان يمر في كل يوم، فلماذا لم يرهم يحفرون ويشتغلون؟! ولماذا لا يسألهم عما يفعلونه؟!

وإن كانوا قد حفروا هذه الحفرة في يوم واحد، فالسؤال هو: هل يكفي يوم واحد، خمسين ذراعاً؟!

5 ـ وإن كان يمر فيها مرة خلال عدة أيام، وبصورة منتظمة، فهل لم يكن يمر أحد في ذلك الطريق أحد سواه ليقع في تلك الحفرة؟!

أم أنهم كانوا يمنعون الناس من المرور في ذلك الطريق؟! ولو لم يمر فيها علي (عليه السلام) هل كانوا سيلجئونه إلى ذلك؟! وكيف؟!

6 ـ وكيف تسقف تلك الحفرة وتموه، ولا يتناقل الناس أخبارها؟!

7 ـ هل كان (عليه السلام) يمر من هناك في الليل أو في النهار؟! فإن كان يمر عليها ليلاً فلا بد أن تسقف وتموه في النهار، ويرى أهل المحلة ذلك، وإن كان يمر نهاراً فلا بد أن يلتفت إلى التمويه، وإلى التغييرات الحاصلة، ويتساءل عن السبب إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة.

حديث تبوك خلاصة أوضح:

وقد روي حديث تبوك، وما جرى فيها مما له ارتباط بعلي (عليه السلام) بنحو أوضح وأصرح، فقد جاء في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام)، ما يلي:

قال موسى بن جعفر (عليه السلام): ولقد اتخذ المنافقون من أمة محمد


الصفحة 314

(صلى الله عليه وآله) بعد موت سعد بن معاذ، وبعد انطلاق محمد (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك، أبا عامر الراهب أميراً ورئيساً، وبايعوا له، وتواطأوا على إنهاب المدينة، وسبي ذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر أهله وصحابته، ودبروا التبييت على محمد، ليقتلوه في طريقه إلى تبوك.

فأحسن الله الدفاع عن محمد (صلى الله عليه وآله)، وفضح المنافقين وأخزاهم، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لتسلكن سبل من كان قبلكم، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتموه).

قالوا: يا ابن رسول الله، من كان هذا العجل؟!(1) وماذا كان هذا التدبير؟!

فقال (عليه السلام): اعلموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل، وكان ملك تلك النواحي، له مملكة عظيمة مما يلي الشام، وكان يهدد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه يقصده، ويقتل أصحابه، ويبيد خضراءهم.

وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) خائفين وجلين من قِبَله، حتى كانوا يتناوبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل يوم عشرون منهم، وكلما صاح صائح ظنوا أنه قد طلع أوائل رجاله وأصحابه.

وأكثر المنافقون الأراجيف والأكاذيب، وجعلوا يتخللون أصحاب

____________

1- العجل: هو وصف أبي عامر الراهب.. الذي شبهوه بعجل بني إسرائيل الذي فتنهم.


الصفحة 315

محمد (صلى الله عليه وآله)، ويقولون: إن أكيدر قد أعد من الرجال كذا، ومن الكراع كذا، ومن المال كذا، وقد نادى فيما يليه من ولايته: ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة.

ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم: فأين يقع أصحاب محمد من أصحاب أكيدر؟! يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها، ويسبي ذراريها ونساءها.

حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هم عليه من الخدع.

ثم إن المنافقين اتفقوا، وبايعوا أبا عامر الراهب الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفاسق، وجعلوه أميراً عليهم، وبخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة، لئلا أتهم بتدبيركم.

وكاتبوا أكيدر في دومة الجندل، ليقصد المدينة، ليكونوا هم عليه، وهو يقصدهم، فيصطلموه(1).

فأوحى الله إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، وعرَّفه ما اجتمعوا عليه من أمرهم، وأمره بالمسير إلى تبوك.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد غزواً ورَّى بغيره إلا غزاة تبوك، فإنه أظهر ما كان يريده، وأمرهم أن يتزودوا لها، وهي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون، وذمهم الله تعالى في تثبيطهم عنها.

____________

1- الضمير يعود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).


الصفحة 316

وأظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أوحي إليه أن (الله) سيظفره بأكيدر، حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية من ذهب في صفر، وألف أوقية من ذهب في رجب، ومائتي حلة في صفر، ومائتي حلة في رجب، وينصرف سالماً إلى ثمانين يوماً.

فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن موسى وعد قومه أربعين ليلة، وإني أعدكم ثمانين ليلة، ثم أرجع سالماً غانماً، ظافراً بلا حرب يكون، ولا أحد يستأسر من المؤمنين.

فقال المنافقون: لا والله، ولكنها آخر كسراته التي لا ينجبر بعدها، إن أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، ورياح البوادي، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر، وقتيل وجريح.

واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتلّ بالحر، وبعضهم بمرض يجده، وبعضهم بمرض عياله، وكان يأذن لهم.

فلما صح عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الرحلة إلى تبوك عمد هؤلاء المنافقون فبنوا مسجداً خارج المدينة، وهو مسجد الضرار، يريدون الإجتماع فيه، ويوهمون أنه للصلاة، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة، فيتم لهم به ما يريدون.

ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك، وإنا نكره الصلاة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجداً، فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه، لنتيمَّن ونتبرك بالصلاة في موضع مصلاك.


الصفحة 317

فلم يعرّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما عرّفه الله من أمرهم ونفاقهم، وقال: ائتوني بحماري.

فأتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلما بعثه هو وأصحابه لم ينبعث ولم يمش، فإذا صرف رأسه إلى غيره، سار أحسن سير وأطيبه.

قالوا: لعل هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئاً كرهه، فلذلك لا ينبعث نحوه.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إيتوني بفرس (فأتي به)، فركبه، فكلما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حركوه نحوه لم يتحرك، حتى إذا ولوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير.

فقالوا: لعل هذا الفرس قد كره شيئاً في هذا الطريق.

فقال: تعالوا نمش إليه، فلما تعاطى هو و أصحابه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، ولم يقدروا على الحركة، و إذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، وحنت أبدانهم، ونشطت قلوبهم.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن هذا أمر قد كرهه الله، فليس يريده الآن، وأنا على جناح سفر، فأمهلوا حتى أرجع إن شاء الله تعالى، ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله تعالى.

وجدَّ في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا، فأوحى الله تعالى إليه: يا محمد، إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: (إما أن تخرج أنت ويقيم علي، وإما أن يخرج علي وتقيم أنت).


الصفحة 318

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ذاك لعلي).

فقال علي (عليه السلام): السمع والطاعة لأمر الله وأمر رسوله، وإن كنت أحب أن لا أتخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حال من الأحوال.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟!

فقال: رضيت يا رسول الله.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا أبا الحسن! إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، وإن الله قد جعلك أمة وحدك، كما جعل إبراهيم أمة، تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين.

فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشيعه علي (عليه السلام) خاض المنافقون وقالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له، وملاله منه، وما أراد بذلك إلا أن يبيته المنافقون فيقتلوه، ويحاربوه فيهلكوه.

فاتصل ذلك برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال علي (عليه السلام): تسمع ما يقولون يا رسول الله؟!

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما يكفيك أنك جلدة ما بين عيني، ونور بصري، وكالروح في بدني.

ثم سار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه، وأقام علي (عليه السلام) بالمدينة، وكان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي (عليه السلام)، وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك،


الصفحة 319

وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤوب منها.

فلما صار بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أكيدر مرحلة قال تلك العشية: يا زبير بن العوام، يا سماك بن خرشة، امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر أكيدر، فخذاه، وائتياني به.

قال الزبير: وكيف يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) نأتيك به ومعه من الجيش الذي قد علمت، ومعه في قصره ـ سوى حشمه ـ ألف ما دون عبد وأمة وخادم؟!

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تحتالان عليه، وتأخذانه.

قال: يا رسول الله، وكيف وهذه ليلة قمراء، وطريقنا أرض ملساء، ونحن في الصحراء لا نخفى؟!

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتحبان أن يستركما الله عن عيونهم، ولا يجعل لكما ظلاً إذا سرتما، ويجعل لكما نوراً كنور القمر لا تتبينان منه؟!

قالا: بلى.

قال: (عليكما بالصلاة على محمد وآله الطيبين، معتقدين أن أفضل آله علي بن أبي طالب، وتعتقد يا زبير أنت خاصة أن لا يكون علي (عليه السلام) في قوم إلا كان هو أحق بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدمه.

فإذا أنتما فعلتما ذلك، وبلغتما الظل الذي بين يدي قصره من حائط قصره، فإن الله سيبعث الغزلان والأوعال إلى بابه، فتحك قرونها به، فيقول: من لمحمد في مثل هذا؟! فيركب فرسه لينزل فيصطاد.


الصفحة 320

فتقول له امرأته: إياك والخروج، فإن محمداً قد أناخ بفنائك، ولست آمن أن يحتال عليك، ودس من يغزونك.

فيقول لها: إليك عني، فلو كان أحد يفصل عنه في هذه الليلة لتلقاه في هذا القمر عيون أصحابنا في الطريق. وهذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، فلو كان في ظل قصرنا هذا إنسي لنفرت منه الوحش.

فينزل ليصطاد الغزلان والأوعال، فتهرب من بين يديه، ويتبعها فتحيطان به وتأخذانه).

وكان كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذوه، فقال: لي إليكم حاجة.

قالوا: ما هي؟! فإنا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك.

قال: تنزعون عني ثوبي هذا، وسيفي ومنطقتي، وتحملونها إليه، وتحملوني في قميصي، لئلا يراني في هذا الزي، بل يراني في زي تواضع، فلعله أن يرحمني.

ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون والأعراب يلبسون ذلك الثوب ويقولون: هذا من حلل الجنة، وهذا من حلي الجنة يا رسول الله؟!

قال: (لا، ولكنه ثوب أكيدر، وسيفه ومنطقته، ولمنديل ابن عمتي الزبير وسماك في الجنة أفضل من هذا، إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر.

قالوا: وذلك أفضل من هذا؟!

قال: بل خيط من منديل بأيديهما في الجنة أفضل من ملء الأرض إلى


الصفحة 321

السماء مثل هذا الذهب.

فلما أتي به رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا محمد أقلني، وخلني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فإن لم تف به؟!

قال: يا محمد، إن لم أف لك، فإن كنت رسول الله فسيظفرك بي، من منع ظلال أصحابك أن يقع على الأرض حتى أخذوني؟! ومن ساق الغزلان إلى بابي حتى استخرجتني من قصري، وأوقعتني في أيدي أصحابك؟!

وإن كنت غير نبي، فإن دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة، والسبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها.

قال: فصالحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ألف أوقية من ذهب في رجب ومأتي حلة، وألف أوقية في صفر ومائتي حلة، وعلى أنهم يضيفون من مر بهم من العساكر ثلاثة أيام، ويزودونهم إلى المرحلة التي تليها، على أنهم إن نقضوا شيئاً من ذلك فقد برئت منهم ذمة الله، وذمة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم كرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) راجعاً إلى المدينة إلى إبطال كيد المنافقين في نصب ذلك العجل الذي هو أبو عامر، الذي سماه النبي (صلى الله عليه وآله) الفاسق.

وعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) غانماً ظافراً، وأبطل الله كيد المنافقين.


الصفحة 322

وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإحراق مسجد الضرار، وأنزل الله عز وجل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً}(1) الآيات.

وقال موسى بن جعفر (عليهما السلام): فهذا العجل في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) دمر الله عليه، وأصابه بقولنج، وفالج، وجذام، ولقوة. وبقي أربعين صباحاً في أشد عذاب، ثم صار إلى عذاب الله(2).

ونقول:

قد علقنا على هذه الرواية بما يحسن وقوف القارئ عليه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وذلك في الجزء الثلاثين منه، ولكننا نقتصر هنا على ما لم نذكره هناك مما يرتبط بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو ما يلي:

على الزبير أن يعترف:

تضمنت الرواية: أن النبي (صلى الله عليه وآله) طلب من الزبير خاصة أن يعترف بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)..

وعلينا أن نضم ذلك إلى ما أخبره به النبي (صلى الله عليه وآله)، من أنه

____________

1- الآية 107 من سورة التوبة.

2- راجع: تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) ص169 ـ 199 و (ط مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) سنة 1409 هـ) ص480 ـ 488 وبحار الأنوار ج21 ص257 ـ 263 عنه، وراجع: الصافي (تفسير) ج2 ص376.


الصفحة 323

سيقاتل علياً (عليه السلام) وهو له ظالم(1)..

____________

1- علي والخوارج للمؤلف ج1 ص253 و258 وراجع: أنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص258 ومستدرك الحاكم ج3 ص366 وأسد الغابة ج2 ص199 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج4 ص323 والوافي بالوفيات ج14 ص123 ورسائل المرتضى للشريف المرتضى ج4 ص72 وكفاية الأثر ص115 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج4 ص84 وكشف المحجة لثمرة المهجة للسيد ابن طاووس ص183.


وراجع: الصراط المستقيم ج3 ص120 و 171 والجمل لابن شدقم ص10 و 131 وبحار الأنوار ج18 ص123 وج30 ص19 وج32 ص173 وج36 ص324 وفتح الباري ج6 ص161 وج13 ص46 والمصنف للصنعاني ج11 ص241 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص719 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص234 وج 13 ص287 وكنز العمال ج11 ص330 وفيض القدير ج4 ص358 وكشف الخفاء ج2 ص423 والضعفاء للعقيلي ج3 ص65 والعلل للدارقطني ج4 ص245 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص409 و 410 وتهذيب الكمال للمزي ج18 ص93 والإصابة ج2 ص460 وتهذيب التهذيب ج6 ص290 والعثمانية للجاحظ ص335 والكامل في التاريخ ج3 ص240 والبداية والنهاية ج6 ص237 و 238 وج7 ص268 و 269 وكتاب الفتوح لأعثم ج2 ص470 والإستغاثة ج2 ص68 وبشارة المصطفى للطبري ص380 وإعلام الورى ج1 ص91 والمناقب للخوارزمي ص179 ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول = = (عليه السلام) لمحمد بن طلحة الشافعي ص215 وكشف الغمة ج1 ص242 وكشف اليقين ص154 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص412 و 415 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص149 وخزانة الأدب للبغدادي ج5 ص416 وج10 ص403.


الصفحة 324

بالإضافة إلى ما أخبر به الناس عامة، من أن علياً (عليه السلام) سيقاتل الناكثين (وهم بقيادة الزبير وعائشة وطلحة) والقاسطين (وهم معاوية ومن معه)، والمارقين، (وهم أصحاب النهروان)..

ذاك لعلي (عليه السلام):

لقد أرجع النبي (صلى الله عليه وآله): الأمر إلى علي (عليه السلام) بقوله: (ذاك لعلي) مع علمه بأنه (عليه السلام) تام التسليم لما يريده الله منه ورسوله، ـ إن ذلك ولا يقدم بين يدي الله ورسوله ـ وأريد به إظهار زيادة الإهتمام برضى أمير المؤمنين، واعتباره هو المعيار لاتخاذ الموقف، وهو أيضاً لتأكيد الوثوق بصحة ما يختاره (عليه السلام)، وأنه إنما يختار ما يحقق أقصى درجات الرضى الإلهي..

السمع والطاعة لله ولرسوله:

وقول علي (عليه السلام): (السمع والطاعة لله ولرسوله إلخ..) يظهر مدى دقة علي (عليه السلام) في فهم الأمور.. وتراتبية هذا الفهم والوعي، فإنه أعلن أن الطاعة لله، ثم هي لرسوله (صلى الله عليه وآله).


الصفحة 325

فدل ذلك على أنه (عليه السلام) لم يكن ليختار أمراً خارجاً عن هذه الدائرة. بل لا بد أن يرجع الأمر إلى الله أولاً، ثم إليه (صلى الله عليه وآله) ثانياً..

وهو يرى أنه (صلى الله عليه وآله) قد تهيأ للخروج، وجد في العزم عليه، فاعتبر ذلك ترجيحاً واختياراً منه (صلى الله عليه وآله) لذلك.. ثم اعتبر هذا الترجيح، أو الإختيار، أو ظهور هذا الميل بمثابة أمر إلهي نبوي، لعلمه بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يفعل إلا ما يحقق رضا الله تبارك، ولا يصدر ولا يورد الأمور من عند نفسه..

وحيث إنه (عليه السلام) لا يختار إلا ما يحقق أقصى درجات الرضا، فقد تحقق عنده الإلتزام بهذا الأمر من ناحيتين:

أولاهما: أنه أصبح بمثابة اختيار من الله ورسوله.. وهو بمثابة الأمر بالنسبة إليه..

الثانية: إنه يتوافق مع ما سعى إليه، وهو تحقيق أقصى درجات الرضا الإلهي..

لك أجر خروجك معي:

وأما حبه لأن يكون مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يتخلف عنه في حال من الأحوال.. فلا شك في أن الكون معه (صلى الله عليه وآله) شرف وفضل، وفيه مثوبات وفواضل يرغب فيها كل مؤمن، فكيف بعلي (عليه السلام)، ولكن قد يعرض ما يحتم التخلي عن هذا الأمر لمصلحة حفظ الإسلام التي هي الأهم والأولى بالمراعات، حين يتآمر عليه أهل


الصفحة 326

الباطل، ويكيد له أهل الزيغ، فيتخلى الإنسان عما يحب لينجز أمراً صار هو الأحب إلى الله تعالى، لعروض أمر طارئ..

ويؤيد هذا المعنى: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام):

(..يا أبا الحسن، إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة)، فدل ذلك على أن حب علي للخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن عشوائياً، ولا لمصلحة شخصية، بل لحبه نيل الثواب من الله..

يضاف إلى ذلك: ما روي في أن من أحب عمل قوم كان شريكاً لهم فيه، وهذا واضح.

علي (عليه السلام) أمة وحدة:

ثم إن الله تعالى قد زاد في إظهار مزايا علي (عليه السلام)، وفضله وشرفه بأن جعله أمة وحده، كما جعل إبراهيم (عليه السلام) أمة.. لأنه (عليه السلام) هو المتفرد من بين البشر بأنه الرجل الإلهي الخالص، الذي هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل خصال الخير، وفي كل المعاني والمزايا التي منحها الله لرسوله، باستثناء ميزة النبوة الخاتمة..

والذي يبدو لنا: هو أن علياً (عليه السلام) أمة وحده، من حيث أنه هو المعيار دون كل أحد لقبول الأعمال، وهو الذي يعطي الجواز لدخول الجنة، ولو أن أحداً صام نهاره، وقام ليله، وحج دهره ولم يأت بولاية علي (عليه السلام)، فليس له في الجنة نصيب.


الصفحة 327

وبعبارة أخرى.. إن الإيمان بالنبوة لا يكفي إذا لم ينضم إليه الإيمان بالولاية أيضاً، وهذا الأمر ثابت حتى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله).. وبعد وفاته.. وهذا هو أحد معاني قوله (صلى الله عليه وآله): إن علياً أمة وحده حتى في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه لم يقل له: أنت أمة وحدك بعد وفاتي، فظهر أن هذا الأمر مما يمتاز به علي (عليه السلام) على جميع البشر على الإطلاق.

ونستطيع أن نستفيد من ذلك: أن إقامته بالمدينة حين سار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك لا تعني أنه (عليه السلام) ليس له ولاية على غير المدينة، بل ولايته واستخلافه يشمل جميع الناس في المدينة وخارجها، وفي جميع البلاد التي كانت خاضعة لسلطان الإسلام.. ولا سيما بملاحظة قوله (صلى الله عليه وآله) له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى حسبما أوضحناه فيما سبق.

تأثير الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله):

وقد تضمنت الرواية أيضاً: بيان أن اقتران بعض الأعمال بإيمان ذي مواصفات بعينها، يجعلها تؤثر في الواقع الخارجي، ومن هذه الأعمال الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وآله الطيبين، فإنها:

أولاً: تستر فاعلها عن عيون أعدائه.

ثانياً: لا تبقي له ظلاً.

ثالثاً: تغمره بالنور، وتستره عن عيون الناس.


الصفحة 328

ولكنها ذكرت: أن مجرد التفوه بالصلاة لا يجدي، بل لا بد أن يصاحب ذلك الإعتقاد بأن علياً (عليه السلام) هو أفضل آل النبي..

فعالم الروح متصل بعالم المادة، والتفوه بالألفاظ يترك آثاراً لها نوع ارتباط بسنخ مضمون تلك الألفاظ.. كما أن الإعتقاد مؤثر في الواقع العملي الخارجي..

ولكن هذه الآثار لا يمكن التكهن بها للبشر، ولا طريق لهم لاكتشاف الصلة بينها، بالعلم البشري، بل هي مما يختص الله بعلمه، فلا بد من أخذ العلم بها من الله تعالى، فإذا أخبر الله عنها أمكن تلمسها بالممارسة..

الظل.. والنور:

1 ـ قد بين هذا النص أن الظل أيضاً يمكن التحكم به، وجعله ورفعه وليس كالزوجية للأربعة، أي أنه ليس من اللوازم التي لا تنفك عن النور، وما يعترضه من أجسام..

2 ـ بيَّن أيضاً: أن النور الذي يفترض أن يكون كاشفاً للأجسام، ومن أسباب رؤيتها، يمكن أن يكون بتلألئه ساتراً وحاجباً لما وراءه، ومن أسباب العمى عنه، ومانعاً للبصر من الوصول والإمتداد..



***