الصفحة 30

الأمر الثاني:

إنه (صلى الله عليه وآله) بين أن حقيقة السعادة تنال بأمرين:

أحدهما: أن يحب عليا (عليه السلام) كما هو في جميع حالاته يحبه وفي الرضا وفي الغضب، في الرخاء وفي البلاء، بل هو يحبه حتى حين يحكم عليه، أو على ولده بالقتل حين يستحق ذلك، ولا ينقص ذلك من محبته وتفانيه فيه شيئاً.

أما حب علي (عليه السلام) لأنه شجاع مثلاً، فهو ليس حباً لعلي (عليه السلام)، بل هو حب للشجاعة التي سيحبها حتى لو كانت في أعداء الله، وأعداء الإنسانية، فهذا الحب لا ينفع صاحبه، ولا يسعده في الدنيا والآخرة، ولا ينيله رضا الله تبارك وتعالى.

الثاني: الأخذ بطريقة علي (عليه السلام)، بمعنى أن ينسجم فيه العمل الجوارحي مع المشاعر، ويستجيب لدعوتها، وهذا ما يعبر عنه بالتأسي والإقتداء، وأما الحب العقيم، الذي لا يلد العمل الصالح، فليس بذي قيمة، وليس من موجبات السعادة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

الأمر الثالث:

إنه (صلى الله عليه وآله) تحدث عن الأخذ بطريقة علي (عليه السلام)، ولم يأمر بعمل نفس علي، لا من حيث الكم، ولا من حيث الكيف، بحيث يكون لعمل الناس نفس قيمة وخلوص عمل علي (عليه السلام).. وسائر حالاته وآثاره، بل المطلوب هو أن يتبع المؤمن سبيله، وطريقته، وعلي (عليه


الصفحة 31

السلام) هو القائل: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)(1).

وهذا هو السبب أيضاً في أنه (صلى الله عليه وآله) قد رتب الشقاء والبوار على مخالفة طريقة علي (عليه السلام)، لا على فقدان الأعمال لخصوصيات وقيمة عمل علي (عليه السلام)، وذلك لطف آخر من الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) في هذه الأمة، وذلك واضح لا يخفى..

____________

1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص71 ومختصر بصائر الدرجات ص154 ومستدرك الوسائل ج12 ص54 وبحار الأنوار ج33 ص474 وج40 ص340 وج67 ص320 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص34 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) للنجفي ج5 ص91 وج7 ص165 وج8 ص425 ونهج السعادة ج4 ص33 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص205 وينابيع المودة (ط دار الأسوة) ج1 ص439 وقواعد المرام في علم الكلام لابن ميثم البحراني ص185 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص305.


الصفحة 32

الصفحة 33

الفصل السادس:

علي (عليه السلام) في غزوة حنين..


الصفحة 34

الصفحة 35

علي (عليه السلام) صاحب اللواء الأعظم:

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن علياً (عليه السلام) كان حامل اللواء الأكبر في حنين. وكثير من المؤرخين وإن لم يجرؤا على التصريح بإسمه، أو عزفوا عن ذلك خيانة منهم للحقيقة، ولكن هناك من صرح به، فقد قال القمي (رحمه الله): (فرغب الناس، وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج في اثني عشر ألف رجل إلخ..)(1).

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص147 و 149 و 155 و 165 وتفسير القمي ج1 ص286 والبرهان (تفسير) ج2 ص113 ونور الثقلين ج2 ص199 وإعلام الورى ج1 ص228 وراجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص140 وتحفة الأحوذي ج5 ص139 والتفسير الأصفى ج1 ص459 والتفسير الصافي ج2 ص330 وشرح النهج للمعتزلي ج15 ص106 وجوامع الجامع للطبرسي ج2 ص55 وجامع البيان ج10 ص130 وكشف الغمة ج1 ص220 و 221 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص341 وشجرة طوبى ج2 ص307 وزاد المسير ج3 ص281 وتفسير القرطبي ج8 ص100 والبحر المحيط ج5 ص25 وفتح القدير ج2 ص348.


الصفحة 36

وكان معه (عليه السلام) لواء المهاجرين أيضاً.

ولا يصح ما زعموه من أنه (دفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، ولواء إلى علي بن أبي طالب، ولواء إلى سعد بن أبي وقاص إلخ..)(1).

أولاً: لأنهم هم أنفسهم يصرحون بأنه (صلى الله عليه وآله) أعطى لواء المهاجرين لعلي (عليه السلام)، وأعطى راية لعمر بن الخطاب(2).

ثانياً: إن لواء المهاجرين لا يعطى إلا للشجعان الأكفاء، ولم يظهر من عمر ما يدل على ذلك، بل ظهر منه ما يدل على خلافه، وهو الفرار في أحد، وخيبر، وقريظة، وغيرها وها هو يفر في حنين أيضاً..

ما جرى في حنين:

وفي غزوة حنين انهزم المسلمون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رغم كثرتهم التي لم يسبق أن حصلت لهم قبل ذلك، والتي جعلت بعضهم

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص101 السيرة الحلبية ج3 ص107 و (ط دار المعرفة) ص64 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص109 وراجع: الطبقات الكبرى ج2 ص150 وأعيان الشيعة ج1 ص279 وإمتاع الأسماع ج2 ص12 وج7 ص170.

2- السيرة الحلبية ج3 ص107 و (ط دار المعرفة) ص64 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص109 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص150 وإمتاع الأسماع ج7 ص170.


الصفحة 37

يقول: (لن نغلب اليوم من قلّة)(1).

نعم لقد هزم الجيش كله، ولم يبق معه (صلى الله عليه وآله) سوى بعض بني هاشم، أحاطوا به (صلى الله عليه وآله)، ليكونوا جداراً بشرياً يحميه، وعلي (عليه السلام) وحده، هو الذي كان يقاتل المشركين حتى هزمهم..

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص317 عن الواقدي، وأبي الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبزار، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص100 والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج5 ص25 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص110 و (ط دار المعرفة) ص69 والإفصاح للمفيد ص68 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص180 وبحار الأنوار ج21 ص155 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص106 وتفسير الآلوسي ج10 ص73 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص150 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص574 والبداية والنهاية ج4 ص369 وأعيان الشيعة ج1 ص279 وكشف الغمة ج1 ص221 وكشف اليقين ص143 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص610 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج1 ص255 ونهج الحق للحلي ص251 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وراجع: مجمع الزوائد ج6 ص178 و 181 وزاد المسير لابن الجوزي ج3 ص281 وتفسير السمعاني ج2 ص298 وتفسير أبي السعود ج4 ص55 وراجع: بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص139.


الصفحة 38

الثابتون في حنين:

زعموا: أن عدداً من المسلمين قد ثبتوا في حرب حنين، ولم يفروا عن النبي (صلى الله عليه وآله).. وقد اختلفوا في أعدادهم، وأوردوا طائفة من الأسماء، ونحن هنا نقتبس بعض المقاطع مما ذكرناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) في الجزء الرابع والعشرين منه..

مكتفين بها عما سواها.. وذلك على النحو التالي:

لم يثبت سوى علي (عليه السلام):

لا مجال لتأييد أي من الدعاوى حول ثبات أي كان من الناس سوى علي (عليه السلام)..

غير أنه يمكن ترجيح أن يكون هناك أفراد قليلون من بني هاشم أحاطوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى لا يناله سلاح الكفار.

أما القتال فكان محصوراً به (عليه السلام).

ونستند في ذلك إلى ما يلي من نصوص:

1 ـ قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ولم يبق منهم مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة، وعاشرهم أيمن ابن أم أيمن، فقتل أيمن رحمة الله عليه، وثبت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان انهزم.

فرجعوا أولاً فأولاً حتى تلاحقوا، وكانت لهم الكرة على المشركين، وفي ذلك أنزل الله تعالى، وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة: ..


الصفحة 39

{..وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ}(1).

يعني: أمير المؤمنين علياً (عليه السلام).

ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين (عليه السلام) تاسعهم:

العباس بن عبد المطلب، عن يمين رسول الله (صلى الله عليه وآله).

والفضل بن العباس عن يساره.

وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته.

وأمير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه يضرب بالسيف.

ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب حوله.

وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه(2).

____________

1- الآيتان 25 و 26 من سورة التوبة.

2- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج1 ص140 و 141، ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص30 وراجع: بحار الأنوار ج38 ص220 وج21 ص156 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص81 و 82 وشجرة طوبى ج2 ص308 وأعيان الشيعة ج3 ص522 وإعلام الورى ج1 ص386= = وقريب منه ذكره الطبرسي في مجمع البيان ج5 ص18 و 19.


الصفحة 40

وكذلك عدهم ابن قتيبة في المعارف، والثعلبي في الكشف(1).

وأضافوا إلى هؤلاء: أيمن مولى النبي (صلى الله عليه وآله)(2).

قال ابن شهرآشوب: (وكان العباس عن يمينه، والفضل عن يساره، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، وسائرهم حوله، وعلي (عليه السلام) يضرب بالسيف بين يديه)(3).

2 ـ وفي ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي:


لم يواس النبي غير بني هاشم عند السيوف يوم حنين
هرب الناس غير تسعة رهط فهم يهتفون بالناس: أين
ثم قاموا مع النبي على المو ت فآبوا زيناً لنا غير شين
وسوى أيمن الأمين من القوم شهيداً فاعتاض قرة عين(4)

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص93 و 94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص330.

2- بحار الأنوار ج41 ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 و 605 و (ط المكتبة الحيدرية) ص330.

3- المصدر السابق.

4- الإرشاد للمفيد ج2 ص141. وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص31 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص305 وج2 ص331 وبحار الأنوار ج38 ص220 وج21 ص156 والمستجاد من كتاب الإرشـاد (المجموعة) = = ص83 وأعيان الشيعة ج1 ص280 وج3 ص522 وكشف الغمة ج1 ص221 وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص162.


الصفحة 41

3 ـ وقال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام:


نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه على القوم أخرى يا بني ليرجعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه لما ناله في الله لا يتوجع(1)

4 ـ وفي احتجاج المأمون على علماء عصره، يقول المأمون عن نزول السكينة في حنين: (إن الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا سبعة من بني هاشم: علي (عليه السلام) يضرب بسيفه، والعباس أخذ بلجام بغلة النبي (صلى الله عليه وآله)، والخمسة محدقون

____________

1- الإرشاد للمفيد ص141 و 142 والمواهب اللدنية ج1 ص164 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص30 وفي بحار الأنوار ج21 ص156 وج38 ص220 وج41 ص94 ومجمع البيان ج5 ص18 و 19 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص35 وكشف الغمة ج1 ص221 وأعيان الشيعة ج1 ص280 وج3 ص522 وتفسير الميزان ج9 ص231 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص98 وتفسير البحر المحيط ج5 ص26 وروح المعاني ج10 ص74 وتفسير الآلوسي ج10 ص74 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص348 و 349 وفي المعارف لابن قتيبة ص164 ونصب الراية للزيلعي ج4 ص180 وأسد الغابة ج1 ص161 والوافي بالوفيات ج10 ص20: سبعة، بدل: تسعة. وثامننا، بدل: وعاشرنا.


الصفحة 42

بالنبي (صلى الله عليه وآله)، خوفاً من أن يناله سلاح الكفار، حتى أعطى الله تبارك وتعالى رسوله (عليه السلام) الظفر.

عنى بالمؤمنين في هذا الموضع(1): علياً (عليه السلام)، ومن حضر من بني هاشم.

فمن كان أفضل؟! أمَن كان مع النبي (صلى الله عليه وآله)، ونزلت السكينة على النبي (صلى الله عليه وآله) وعليه؟!

أم من كان في الغار مع النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن أهلاً لنزولها عليه؟!(2).

5 ـ قال ابن قتيبة: (كان الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم حنين، بعد هزيمة الناس: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب ـ آخذ بحَكَمَةِ بغلته ـ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد ـ وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحاضنته، وقتل يومئذٍ هو وابن أبي سفيان، ولا عقب لابن أبي سفيان ـ وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة..)(3).

____________

1- أي في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ}.

2- بحار الأنوار ج49 ص199 وج69 ص144 وعيون أخبار الرضا ج2 ص193 وحياة الإمام الرضا (عليه السلام) للقرشي ج2 ص264.

3- المعارف لابن قتيبة ص164وبحار الأنوار ج38 ص220 عنه، ومناقب آل أبي = = طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص330 وأعيان الشيعة ج1 ص279.


الصفحة 43

فتجد أنه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة من ثبت.

6 ـ وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول: أين تفرون عن الله، وعن رسوله؟!

ومر بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟!

فقال لها: هذا أمر الله(1).

وهذا يدل على عدم صحة قولهم: إنه كان في جملة من ثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حنين. حتى ادَّعوا: أنه كان آخذاً بلجام بغلته (صلى الله عليه وآله)..

7 ـ عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه كان يحدث الناس عن يوم حنين، قال: (فر الناس جميعاً، وأعروا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يبقَ معه إلا سبعة نفر، من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي، وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مصلت سيفه في المجتلد، وهو على بغلته الدلدل، وهو يقول:


أنا النبي لا كَذِبْ أنا ابن عبد المطَلِبْ

____________

1- تفسير القمي ج1 ص287 وبحار الأنوار ج21 ص150 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص106 وشجرة طوبى ج2 ص308 والتفسير الصافي ج2 ص331 ونور الثقلين ج2 ص200.


الصفحة 44

إلى أن قال: (التفت العباس يومئذٍ وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير علياً (عليه السلام) في من ثبت، فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو صاحب ما هو صاحبه؟! يعني المواطن المشهورة له.

فقلت: نقِّص قولك لابن أخيك يا أبه.

قال: ما ذاك يا فضل؟!

قلت: أما تراه في الرعيل الأول؟! أما تراه في الرهج؟!

قال: أشعره لي يا بني.

قلت: ذو كذا، (ذو كذا)، ذو البردة.

قال: فما تلك البرقة؟!

قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران.

قال: برّ، ابن بر، فداه عم وخال.

قال: فضرب علي يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدّه حتى أنفه وذكره، قال: وكانت ضرباته مبتكرة)(1).

8 ـ وقال اليعقوبي: (فانهزم المسلمون عن رسول الله (صلى الله عليه

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو 585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.


الصفحة 45

وآله) حتى بقي في عشرة من بني هاشم.

وقيل: تسعة.

وهم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. وقيل: أيمن ابن أم أيمن)(1).

9 ـ (..وفي رواية: لما فرّ الناس يوم حنين عن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، والعباس ـ وهما بين يديه ـ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر. ولا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل)(2).

10 ـ وقال الطبرسي: (الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي، والعباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك بن مزاحم)(3).

11 ـ عن البراء بن عازب قال: (ولم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص62 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج1 ص254.

2- راجع المصادر المتقدمة.

3- مجمع البيان ج5 ص17 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص32 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص147.


الصفحة 46

وآله) إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث)(1).

12 ـ ويقول البعض: (وانهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟!

قال: أمر الله.

ثم تراجع الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).

13 ـ قال المجلسي: (إن الإمام الباقر (عليه السلام) قد احتج على الحروري: بأنهم (كانوا تسعة فقط: علي، وأبو دجانة، وأيمن؛ فبان أن أبا بكر لم يكن من المؤمنين)(3).

____________

1- التفسير الكبير للرازي ج16 ص22 والكشاف ج2 ص259 والمواهب اللدنية ج1 ص163 عن البخاري في الصحيح، وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج3 ص39.

2- السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص624 وراجع ص623 عن البخاري وبقية الجماعة إلا النسائي. والمغازي للواقدي ج3 ص908 وصحيح البخاري (ط دار ابن كثير) ج4 ص1570 و (ط دار الفكر) ج5 ص101 وعمدة القاري ج17 ص300 و 302 والسيرة الحلبية ج3 ص65 وفتح الباري ج8 ص29 والبداية والنهاية ج4 ص329 وراجع: نيل الأوطار ج8 ص92 وعون المعبود ج7 ص275 والمنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص111 وشرح الزرقاني على الموطأ ج3 ص28.

3- بحار الأنوار ج27 ص323.


الصفحة 47

14 ـ وعند الطبرسي: فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد، والقنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب(1).

15 ـ وعند بعضهم: أن الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا اثني عشر رجلاً(2).

16 ـ عن أنس بن مالك، قال: ولى المسلمون مدبرين، وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده(3).

____________

1- إعلام الورى ص121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص230 وبحار الأنوار ج21 ص166 وقصص الأنبياء للراوندي ص347 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص181 وشجرة طوبى ج2 ص309 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص182.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص348 عن النووي، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص108 و (ط دار المعرفة) ص65 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص110 وتاريخ الخميس ج2 ص102 وعمدة القاري ج14 ص157 وفتح الباري (ط دار المعرفة ـ الطبعة الثانية) ج8 ص23 و (تحقيق محب الدين الخطيب) ج8 ص30.

3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص248 و 225 عن أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي. وفي هامشه عن: ابن أبي شيبة ج14 ص530 و 531 = = وعن أحمد ج3 ص190 و 279 وج5 ص286 وابن سعد ج2 ق1 ص113 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص141 والسنن الكبرى ج6 ص206 وعن الدولابي في الكنز ج1 ص42 وراجع: الدر المنثور ج3 ص224 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص555 وكنز العمال ج10 ص552 والبداية والنهاية ج4 ص374 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص620.


الصفحة 48

17 ـ عن عكرمة: لما كان يوم حنين، ولى المسلمون، وثبت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: أنا محمد رسول الله ثلاث مرات، وإلى جنبه عمه العباس(1).

حنين تشبه بدراً:

ونلاحظ هنا: أن ما جرى في حنين يشبه ما جرى في بدر من نواح عدة، نذكر منها:

1 ـ الإمداد بالملائكة للمسلمين في الغزوتين..

2 ـ إن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة في كليهما..

3 ـ إن النكاية في العدو كانت لعلي..

4 ـ تقارب عدد الذين قتلهم علي (عليه السلام) في الغزوتين، فقد قتل بيده أربعين رجلاً في حنين(2).. وفي بدر قتل نصف السبعين، وشارك في قتل

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص226 والدر المنثور ج3 ص225.

2- الجامع لأحكام القرآن ج8 ص99 وراجع: كشف الغطاء (ط ق) ج1 ص15 = = والكافي ج8 ص376 وشرح أصول الكافي ج12 ص542 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص452 وج21 ص176 و 178 و 179 وج41 ص94 و 66 والتفسير الصافي ج2 ص332 ونور الثقلين ج2 ص201 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة ج1 ص257 وج9 ص341.


وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 و 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 والأمالي لابن الشيخ ص585 والإرشاد للمفيد ج1 ص144.


الصفحة 49

النصف الآخر(1)، وهو الذي قتل عتبة وشيبة كما ظهر من سياق رواية قتلهما.

5 ـ إن ظروف الحرب، والإمتيازات التي تؤثر على مسار القتال كانت لصالح المشركين في بدر، وكذلك الحال في غزوة حنين(2).

6 ـ إن كلاً من حرب بدر وحرب حنين كانت مصيرية بالنسبة

____________

1- راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج2 ص353. ولم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء. ونور الأبصار ص86 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص24، وقال: إذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي، وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري، وغيرها علمت صحة ذلك. وكتاب الأربعين للشيرازي ص419 وبحار الأنوار ج41 ص146 وشجرة طوبى ج2 ص273 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج9 ص339 وأعيان الشيعة ج1 ص330 و 395 وكشف اليقين ص126 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وشرح إحقاق الحق ج32 ص334.

2- راجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) ج24.


الصفحة 50

للمسلمين، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) في بدر وحنين: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد..

7 ـ توافق عدد قتلى المشركين في بدر وحنين وهو عدد سبعين(1).

8 ـ إن عدد الشهداء فيهما كان خمسة على بعض الأقوال(2)..

9 ـ حاجة المسلمين إلى الماء كانت في حنين، كما كانت في بدر(3).

10 ـ كانت غزوة بدر أول غزوة للعرب، وحنين كانت آخر غزوة

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص588 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 وعيون الأثر ج2 ص218.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تفسير الميزان ج9 ص235 ومجمع الزوائد ج6 ص189 و 190 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص352 والبداية والنهاية ج4 ص389 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص906 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص644 وتاريخ خليفة بن خياط ج1 ص88.

3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص335 وج9 ص454 عن أبي نعيم، وعمدة القاري ج13 ص43 وراجع: الفايق في غريب الحديث ج3 ص307 وتاج العروس ج10 ص126 ومسند الروياني ج2 ص257 والخصائص الكبرى ج1 ص450 وغريب الحديث للخطابي ج1 ص412 والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص18.


الصفحة 51

لهم، فخمدت جمرة العرب بهاتين الغزوتين.

11 ـ إنه (صلى الله عليه وآله) رمى في الغزوتين بالتراب في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه..

12 ـ كلتا الغزوتين كانت بين المسلمين والمشركين..

وقد ذكرنا تفاصيل هذه الغزوة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فليراجع.

أحداث ما بعد الهزيمة:

ويقولون: إنه لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الهزيمة وقعت على المسلمين في حنين ركض بغلته نحو علي، فرآه قد شهر سيفه، فأمر العباس بأن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، ويا أصحاب الشجرة إلى أين تفرون؟! هذا رسول الله إلخ..(1).

ولم يفصح لنا هذا النص عن سبب توجه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام)، فهو لم يذهب نحوه ليتأكد من فراره وعدمه، فهو

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص150 و 151 والتفسير الصافي ج2 ص331 و 332 والتفسير الأصفى ج1 ص459 و 460 وتفسير الميزان ج9 ص234 ونور الثقلين ج2 ص199 و 200 وتفسير القمي ج1 ص287 و 288 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص104 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111.


الصفحة 52

يعرف علياً، وقد خبره طيلة عشرين عاماً من الجهاد والتضحية، ولكنه أراد أن يطمئن إلى سلامة علي (عليه السلام)، لأن هذا الفرار الذي وقع على المسلمين لا مبرر له، إلا إن كانوا قد فقدوا الحامي والناصر، وهو علي (عليه السلام) بأن يكون قد أصيب بمكروه، لأنه (عليه السلام) كان هو العماد للجيش، وهو الآتي بالنصر في جميع الحروب.. وكم من مرة هزم الجيش كله، أو أخذه الرعب حتى حجزه عن القتال.. ثم كان (عليه السلام) هو المنقذ، وهو الحامي.

كما أن هذه اللفتة النبوية المباركة قد بينت لنا مقام علي (عليه السلام)، وأهمية موقعه في ساحات الجهاد.. لكي يصونه من الأباطيل التي ربما يحاول المغرضون نسبتها إليه، وخداع بسطاء الناس بها، مثل أن يزعموا للناس أن علياً (عليه السلام) قد فر ايضاً.. فإن علياً (عليه السلام) كان قد غاص في أوساط الأعداء حتى افتقده العباس، وظن أنه تخلى عن موقعه، وعن دوره، فأطلق كلمات تعبر عن تبرم وشك(1)، فدلوه عليه وهو في جموع أولئك الأعداء المتكالبين على قتله، وقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن معهما من المؤمنين..

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو ص585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.


الصفحة 53

علي (عليه السلام) يقتل ذا الخمار:

وقالوا: لما انهزمت هوازن كانت راياتهم مع ذي الخمار، فلما قتله علي (عليه السلام) أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فقاتل بها حتى قتل(1).

ويلاحظ: أن عامة الذين يذكرون قتل عثمان بن عبد الله، قد ذكروا أنه أخذ الراية بعد قتل ذي الخمار، ولكنهم لا يصرحون بإسم الذي قتل ذا الخمار هذا(2).

كما أنهم لم يذكروا لنا إسم الذي قتل عثمان بن عبد الله.. ونكاد نطمئن إلى أن قاتله هو علي (عليه السلام) دون سواه.. لأنه هو الذي هزم المشركين دون سواه علي (عليه السلام)..

وسيأتي: أن الظاهر هو أن أحداً من المسلمين لم يقتل أحداً من المشركين

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص96 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص606 (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص333 عن محمد بن إسحاق، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص898 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.

2- راجع على سبيل المثال: تاريخ الخميس ج2 ص106 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص334 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.


الصفحة 54

في هذه الحرب، في ساحات القتال. بل انهم حين رجعت راجعة المسلمين وجدوا الأسرى مكتفين. وقد ذكرنا بعض الدلائل على هذا(1).

قتل أبي جرول:

ويذكرون في قتل أبي جرول ما يشبه ما ذكروه في قتل ذي الخمار فقد رووا:

عن البراء بن عازب قال: كان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء، على رمح طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه. إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته الناس، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله.

واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).

____________

1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج24.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص319 وتاريخ الخميس ج2 ص102 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111 والسيرة الحلبية ج3 ص111 و (ط دار المعرفة) ص69 وراجع: مسند أحمد ج3 ص376 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص348 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص373 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص896 وعيون الأثر ج2 ص216 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص618 ومصادر كثيرة تقدمت.


الصفحة 55

ونقول:

إن الصحيح هو أن علياً (عليه السلام) هو الذي قتل أبا جرول، فلاحظ ما يلي:

1 ـ قال اليعقوبي: (ومضى علي بن أبي طالب إلى صاحب راية هوازن فقتله، وكانت الهزيمة)(1).

2 ـ لعل هذا النص قد تعرض للتحريف، والتصرف والتزييف كما تعودناه في كثير من المواضع، من قبل شانئي علي (عليه السلام).. إذ قد روى الآخرون حادثة قتل أبي جرول، مصرحين، بأن الذي قتله هو علي (عليه السلام) وحده..

وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): وإذا فاته الناس دفع لمن وراءه، وجعل يقتلهم وهو يرتجز:


أنا أبو جرول لا براح حتى نبيح القوم أو نباح

قال: فصمد له أمير المؤمنين (عليه السلام)، فضرب عجز بعيره، فصرعه، ثم ضربه فقطره، ثم قال:


قد علم القوم لدى الصباح أني لدى الهيجاء ذو نصاح

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول.

قال: وقتل علي (عليه السلام) أربعين رجلاً بعد قتل أبي جرول(2).

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص63.

2- الإرشـاد للمفيـد ج1 ص142 ـ 144 وبحار الأنـوار ج21 ص157 وج41 = = ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 ـ 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص331 والدر النظيم ص183 وكشف الغمة ج1 ص222.


الصفحة 56

3 ـ قال ابن شهرآشوب: (وفارسهم أبو جرول، وإنه قدَّه عظيماً بنصفين، بضربة في الخوذة، والعمامة، والجوشن، والبدن إلى القربوس، وقد اختلفوا في اسمه)(1).

بيانات ضرورية:

وهنا بيانات يحسن التعرض لها، وهي التالية:

1 ـ قالوا: (في عقر علي (عليه السلام) بعير حامل راية الكفار دليل جواز عقر فرس العدو، ومركوبه، إذا كان ذلك عوناً على قتله)(2).

2 ـ إن اللواء هو محط أنظار جميع المقاتلين، فقتل حامله، وسقوط اللواء، يرعب الجيش، ويشوش حركته، ويصيب المقاتلين بحالة من الضياع والإحباط.. ويهيؤهم للهزيمة، ويدخلهم في التفكير فيها فعلاً.. وهذا ما حصل بقتل أبي جرول..

3 ـ لا منافاة بين قولهم: إن هزيمة المشركين كانت حين رماهم النبي (صلى الله عليه وآله) بكف من تراب أو حصى.. وبين كون السبب هو قتل أبي جرول، فإن قتله قد يكون متصلاً بما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) من

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص66 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 ـ 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص542.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص350 وزاد المعاد ج3 ص483.


الصفحة 57

حيث الزمان..

4 ـ قول ابن شهرآشوب: إن علياً قدّ أبا جرول بنصفين يدل على عدم صحة قولهم: إن أنصارياً قد شارك علياً في ذلك.. وإن كنا لا نستبعد أن يكون ذلك الأنصاري حاضراً وناظراً.. لكن إثبات مشاركته غير ظاهر..

5 ـ لو صح ما ذكروه لبادروا إلى ذكر إسم ذلك الأنصاري، ولعل ذكر اسمه أولى عند هؤلاء من ذكر اسم علي (عليه السلام).. إذ ليس من الإنصاف أن يذكروا اسم من ضرب الجمل، ويهملوا من قتل ذلك الفارس العظيم القائد لجيوش المشركين!!

6 ـ ما ذكرته الرواية من اجتلاد المسلمين والمشركين بعد عودة المسلمين من الهزيمة، يتناقض مع ما صرحت به بعض النصوص من أن الهزيمة وقعت على المشركين، ولم يضرب المسلمون بسيف، ولا طعنوا برمح.

شعر علي (عليه السلام) في حرب حنين:

وذكروا أيضاً: أن علياً (عليه السلام) قال في حرب حنين؛ وأنكرها ابن هشام:


ألم تر أن الله أبلى رسوله بلاء عزيز ذى اقتدار وذي فضل
وقد أنزل الكفار دار مذلة فلاقوا هواناً من أسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره وكان أمين الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل مبينة آياته لذوي العقل


الصفحة 58


فآمن أقوام بذاك فأيقنوا فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم فزادهم ذو العرش خبلاً على خبل
وحكم فيهم(1) يوم بدر رسوله وقوماً كماة(2) فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف قواطع وقد حادثوها بالجلاء وبالصقلِ
فكم تركوا من ناشئ ذي حمية صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهل
وتبكي عيون النائحات عليهم تجود بإرسال الرشاش وبالوبل
نوائح تبكي عتبة الغي وابنه وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل
وذا الذحل تنعى وابن جدعان فيهم مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة ذوو نجدات في الحروب وفي المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه وللغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشغب والعدوان في أسفل السفل(3)

ونقول:

أولاً: إن الشعر طريقة تعبير لها أثر في النفوس، ويستهويها لحفظه،

____________

1- وأمكن منهم.

2- غضاباً.

3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج4 ص125 وبحار الأنوار ج19 ص321 وج41 ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص75 وج2 ص331 والبداية والنهاية ج3 ص404 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص538 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص525.


الصفحة 59

وترديده، وتناقله، والإحتفاظ به، وإبلاغه للأجيال كما أنه يستفز المشاعر، ويلهب الأحاسيس في كثير من الأحيان، فإذا أمكن الإستفادة منه في خدمة الحق والدين فلا ضير في ذلك، ولا حرج إذا التزموا بحدود الله فيه.

ثانياً: إن علياً حين يقول الشعر، فإنك لا تجد في شعره (عليه السلام) تلك السلبيات التي ألمح القرآن إليها.. فهو لا يستهوي الغاوين عن الحق، وليس فيه هيمان في كل واد، ولا هو يقول ما لا يفعل..

بل هو شعر يستهوي الباحثين عن الحق، وفيه إتباع لسبيل الرشد، ولا يحيد عن سبيل الله له سبحانه، ولو بمقدار ذرة أو شعرة.. وهو تقرير للحقائق، وإخبار عن الوقائع، وقول فصل، ووعد صادق..

كما أنك لا تجد فيه أي نوع من أنواع الخيال الباطل، والأوهام الرعناء، والزائفة..

ثالثاً: إنه (