على صدقهم في هذا الأمر..
فعليٌّ، وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام) شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. وهذا من أفضل المناقب التي خص الله بها أهل بيت نبيه(1).
وتقدم قول الزمخشري: (وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء).
وقال الطبرسي وغيره: (قال ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.
وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية)(2).
على أن من الثابت عندنا: أنه يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لم يمنع ذلك من كونهم أكمل البشر عقلاً.. إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم.
ويؤيده من الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ابناي هذان
____________
1- راجع: تفيسر الميزان ج3 ص224 ودلائل الصدق ج2 ص84 والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص270. 2- ومن الواضح: أنه قد لوحظ في ذلك عامة الناس وغالبهم.
إمامان، قاما، أو قعدا)(1).
ونكتفي هنا بهذا المقدار، وبقية الكلام حول حديث المباهلة أوردناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أواخر الجزء الثامن والعشرين، وأوائل الجزء التاسع والعشرين، وإنما ذكرنا هنا خصوص ما يرتبط بأمير المؤمنين (عليه السلام).
____________
1- مجمع البيان ج2 ص452 و 453 و 311 وغنية النزوع للحلبي ص299 والسرائر لابن إدريس ج3 ص157 وجامع الخلاف والوفاق للقمي ص404 والإرشاد للمفيد ج2 ص30 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص303 والمسائل الجارودية للمفيد ص35 والنكت في مقدمات الأصول للمفيد ص48 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص141 و 368 وبحار الأنوار ج16 ص307 وجوامع الجامع للطبرسي ج3 ص70 وإعلام الورى ج1 ص407. وكلام ابن أبي علان موجود في التبيان أيضاً ج2 ص485، وفي بحار الأنوار للمجلسي بحث حول إيمان علي (عليه السلام)، وهو لم يبلغ الحلم.
الفصل الثالث:
علي (عليه السلام) في اليمن..
خالد وعلي في اليمن:
عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام.
قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا.
ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث علي بن أبي طالب مكان خالد، وأمره أن يقفل خالداً، وقال:
(مر أصحاب خالد: من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل).
قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسلمت همدان جميعاً.
فكتب علي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإسلامهم.
فلما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكتاب خر ساجداً، ثم رفع رأسه وقال: (السلام على همدان)، مرتين.
زاد في نص آخر أنه (صلى الله عليه وآله) قال أيضاً: نِعم الحي همدان،
ما أسرعها إلى النصر! وأصبرها على الجهد ! فيهم أبدال، وفيهم أوتاد(1).
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص235 و 427 عن البيهقي في السنن بإسناد صحيح، والدلائل، والمعرفة، وعن البخاري مختصراً، وقال في الهامش: أخرجه البيهقي في السنن ج2 ص366 و 369 وفي الدلائل ج5 ص369 والبخاري ج7 ص663 (4349). وراجع: المواهب اللدنية للزرقاني ج5 ص176 و 177 وج4 ص34. وأشار في مكاتيب الرسول ج3 ص387 إلى المصادر التالية أيضاً: السيرة الحلبية ج3 ص259 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج3 ص31 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص300 وتاريخ الأمم والملوك للطبري ج3 ص131 و 132 وأنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص384 وعن فتح الباري ج8 ص53 وينابيع المودة ص219 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ص833 و (في ط أخرى) ج2 ق2 ص55 وبحار الأنوار ج21 ص360 و 363 عن إعلام الورى، وغيره، وج38 ص71 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص129 والإرشاد للمفيد (رحمه الله) ص28 والبداية والنهاية ج5 ص105 وزاد المعاد ج3 ص36 ومجموعة الوثائق السياسية ص132/80 عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج1 ص504 و 509 و 510، وحياة الصحابة ج1 ص95 والعدد القوية ص251 والتنبيه والإشراف ص238 وذخائر العقبى ص109 وتاريخ الخميس ج2 ص145 وملحقات إحقاق الحق ج18 ص64 وج21 ص620 عن: الجامع بين الصحيحين ص731 ونثر الدر المكنون ص43 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص201 من طرق كثيرة، والتدوين للقزويني ج2 ص429.
وعند البخاري عن البراء أنه قال عن سفره ذاك: (فغنمت أواق ذوات عدد)(1).
علي (عليه السلام) في اليمن:
قال محمد بن عمر، وابن سعد، واللفظ للأول: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً إلى اليمن في شهر رمضان، وأمره أن يعسكر بقناة، فعسكر بها حتى تتامّ أصحابه. فعقد له رسول الله (صلى الله عليه وآله) لواءً، وأخذ عمامته فلفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه. وعممه بيده عمامة ثلاثة أكوار، وجعل له ذراعاً بين يديه، وشبراً من ورائه، وقال له: (امض ولا تلتفت).
فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله، ما أصنع؟!
قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، وادعهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فإن قالوا: نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا، فمرهم بالزكاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك. والله، لَأَن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت).
فخرج علي (عليه السلام) في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد. فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد من مذحج فرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبايا، نساءً وأطفالاً، ونعماً وشاءً، وغير ذلك.
____________
1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص110 وراجع: عمدة القاري ج18 ص6 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص235.
فجعل علي (عليه السلام) على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقى لهم جمعاً. ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، ورموا أصحابه بالنبل والحجارة.
فلما رأى أنهم لا يريدون إلا القتال صف أصحابه، ودفع اللواء إلى مسعود بن سنان السلمي، فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن خزاعي، فقتله الأسود، وأخذ سلبه.
ثم حمل عليهم علي (عليه السلام) وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، وتركوا لواءهم قائماً، وكفَّ علي (عليه السلام) عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا.
وتقدم نفر من رؤسائهم، فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا. وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله تعالى.
وجمع علي (عليه السلام) ما أصاب من تلك الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها لله، ثم أقرع عليها، فخرج أول السهمان سهم الخمس، وقسم علي (عليه السلام) على أصحابه بقية المغنم. ولم ينفل أحداً من الناس شيئاً.
وكان من كان قبله يعطون خيلهم الخاص دون غيرهم من الخمس، ثم يخبرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فلا يردُّه عليهم، فطلبوا ذلك من علي (عليه السلام)، فأبى، وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرى فيه رأيه(1).
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص238 والسيرة الحلبيـة ج3 ص206 والطبقـات = = الكبرى لابن سعد ج2 ق1 ص122 وشرح المواهب اللدنية ج5 ص177 عن ابن سعد، وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص96 و 97 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص627.
وأقام فيهم يقرئهم القرآن، ويعلمهم الشرائع، وكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يخبره الخبر.
فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد الله بن عمرو بن عوف إلى علي (عليه السلام) بذلك، فانصرف علي (عليه السلام) راجعاً.
فلما كان بالفتق تعجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره الخبر، وخلَّف على أصحابه والخمس أبا رافع، فوافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة قد قدمها للحج.
وكان في الخمس ثياب من ثياب اليمن، أحمال معكومة، ونعم وشاء مما غنموا، ونعم من صدقة أموالهم. فسأل أصحاب علي (عليه السلام) أبا رافع أن يكسوهم ثياباً يحرمون فيها، فكساهم منها ثوبين ثوبين.
فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي (عليه السلام) ليتلقَّاهم ليقدم بهم، فرأى على أصحابه الثياب، فقال لأبي رافع: ما هذا؟!
فقال: (كلموني، ففرِقْت من شكايتهم، وظننت أن هذا ليسهل عليك، وقد كان مَنْ قبلك يفعل هذا بهم).
فقال: (قد رأيت امتناعي من ذلك، ثم أعطيتهم؟! وقد أمرتك أن
تحتفظ بما خلَّفت، فتعطيهم)؟!.
فنزع علي (عليه السلام) الحلل منهم.
فلما قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) شكوه، فدعا علياً (عليه السلام)، فقال: (ما لأصحابك يشكونك)؟!
قال: ما أشكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس حتى يقدم عليك، فترى فيه رأيك.
فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله)(1).
ونقول:
إن هذا النص قد تضمن أموراً عديدة يحسن الوقوف عندها، وهي التالية:
امضِ ولا تلتفت:
تقدم: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين أرسل علياً (عليه السلام) إلى اليمن قال له: إذهب ولا تلتفت.. وهذه هي نفس الكلمة التي قالها (صلى الله عليه وآله) له في خيبر حين أرسله لقتل مرحب فقتله، وقلع باب الحصن، ولا ندري إن قد قال له هذه الكلمة في غير هذين الموردين.
ولعل سبب ذلك هو:
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص239 وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص97 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص628.
1 ـ اشتراك خيبر واليمن في أن ظهور الإسلام فيهما فيه إسقاط لهيمنة اليهود على المنطقتين، وكسر لشوكتهم، وإذلال لهم.
2 ـ إن هذه الحادثة تمهد لإظهار مدى طاعة علي (عليه السلام)، وإلتزامه بحرفية الأوامر النبوية، وعلى الناس أن يوازنوا بينه وبين غيره ممن يحاولون مناوأته، ويعرضون صدورهم لأمور لا يقدرون عليها، أوليسوا أهلاً لها، مع أنهم يتصرفون من خلال أهوائهم وطموحاتهم الدنيوية.
3 ـ إن هذا التوجيه النبوي الكريم يعطي درساً في أنه يجب الكف عن التوسع الإجتهادي في امتثال الأوامر الصادرة عن القيادة، ولا سيما إذا كانت قيادة معصومة، مسددة بالوحي الإلهي..
4 ـ هو يشير إلى أن من يكلفه النبي، والإمام والقائد المنصوب من أحدهما بمهمة جهادية، فعليه أن يكون كل همه تنفيذ الأمر الصادر إليه، وإنجاز المهمة، وأن يقطع تعلقاته بكل ما يمكن أن يصرفه عن مهمته هذه مهما كان..
لا تقاتلهم حتى يقاتلوك:
وكان علي (عليه السلام) يعرف ما كان يجب عليه فعله.. ولكنه أراد أن يسمع الناس كيف أن النبي (صلى الله عليه وآله) يحتم على الناس أن لا يقاتلوا أحداً حتى يقاتلوهم.. لأن المهمة منحصرة في الدعوة إلى الله، وإصلاح أمر الناس، وسلوك طريق الرشاد والسداد.
فما ذكرته بعض الروايات المتقدمة، من أنه (عليه السلام) لما وصل إلى أدنى ما يريد من مذحج فرق أصحابه، فأتوه بنهب وسبايا، قبل أن يلقى
لهم جمعاً، فلما لقيهم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، لا يتنافى مع ما ذكرناه. لأن الأصحاب هم الذين أتوا بالنهب والسبايا، ولعله بمبادرة منهم، ولكنه (عليه السلام) لم يتصرف بما جاؤوا به، بل جمعه في مكان، ووكل به من يحفظه حتى يدعو أهل الحي، فإن قبلوا الدعوة رد المال والسبي إليهم، وإن أبوا كانوا من المحاربين.. فيجري عليهم أحكام أهل الحرب.. فيكون ما فعله (عليه السلام) منسجماً مع وصية النبي (صلى الله عليه وآله) له بأن لا يقاتلهم حتى يقاتلوه؟! فهو لم يقاتلهم، ولا دليل على أنه رضي من أصحابه ما فعلوه، بل ظاهر فعله أنه لم يرض به. ولعل الرواية مختصرة، أو أن ما فعله خالد نسب لعلي (عليه السلام).
وكثرة أفراد السرية لم يكن لأجل أن مهمتهم كانت قتالية، بل لأجل صيانة حرية الدعاة، وحفظهم من أي سوء قد يتعرضون له من أهل العدوان أو الطغيان..
التدرج في الدعوة:
ويلاحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) أراد أن تكون الدعوة تدريجية وعلى مراحل.. وأن المطلوب انحصر بأمور ثلاثة، ومنع من طلب الزائد عليها:
أولها: أن يشهدوا الشهادتين.. فإذا فعلوا لم يجز التعرض لهم بشيء، بل هو قد منع من التدقيق في أي شيء آخر، وبعد أن يتحقق ذلك، ينتقل إلى الطلب.
الثاني: وهو أن يصلُّوا.. فإن فعلوا ذلك، انتقل إلى الطلب.
الثالث: وهو أن يزكوا.
ثم قال (صلى الله عليه وآله): ولا تبغ منهم غير ذلك..
ومعنى ذلك: أن على من يشارك في تلك السرايا أن يعرف حده فيقف عنده، فلا يسعى للإبتزاز، أو للحصول على الغنائم بإسم الدين، أو باسم الدعوة..
كما أن على الذين يطلب منهم الدخول في هذا الدين أن لا يتوهموا: أن هذه الدعوة تخفي وراءها الطمع بأموالهم، أو بنسائهم، أو بالهيمنة عليهم.
لمن يعود نفع هذه المطالب؟!:
وإذا فكروا فيما يطلب منهم، فسيجدون أن الشهادتين من أعمال القلب، التي ليس فيها مكسب مادي أو معنوي لغير من يشهدهما..
وأن الصلاة هي صلة بين الإنسان وربه.
وأن الزكاة نفع يعود على الفقراء والمساكين الذين هم منهم، ويعيشون معهم، ولا يتحرج أحد في برهم، وسد حاجاتهم.. ولا يجوز للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا لأحد من أهل بيته أن يستفيد منها بشيء، ولو بمقدار حبة.
دلالات إرجاع خالد:
وحول أمر النبي (صلى الله عليه وآله) علياً بأن يقفل خالداً إليه نقول:
إن هذا يضع علامة استفهام كبيرة حول خالد، وحول طبيعة أدائه، وسلامة تصرفاته، ويؤكد هذه الشبهة حوله أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يلزم أحداً ممن كان معه بالرجوع أو بالمضي.
فهل الهدف من ذلك هو الإشارة إلى أنهم لا مسؤولية لهم عما جرى،
وأن المسؤولية منحصرة بشخص خالد..
أو أن الهدف هو تحقيق فرز طبيعي وطوعي لمن كان منسجماً مع مسلكية خالد، عمن لم يكن كذلك، بل كان لا يوافقه الرأي، ولا يرضى مسلكيته، ويكون هذا الفريق الأخير هو الذي يلتحق بعلي (عليه السلام).
غير أن النصوص المتوفرة لا تحدد لنا طبيعة الخلل الذي ظهر من خالد، ولم تشر إلى من أيده فيه.. ونحن لا نستغرب شحة النصوص في ذلك، ما دام أن الأمر يرتبط برجل كان بمجرد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيف السلطةالذي اشهرته في وجه معارضيها ممن رفض البيعة لأبي بكر..
كما أن هذا الأمر يرتبط أيضاً بعلي (عليه السلام) الذي لم يزل محارباً على كل صعيد، وتمارس ضده مختلف أساليب القهر، والتزوير والتحامل.. وإلى يومنا هذا..
يقبلون من علي (عليه السلام)، لا من خالد:
وقد يقال: إن الإسلام الذي دعا إليه خالد أهل اليمن هو الإسلام الذي دعا إليه علي (عليه السلام)، فلماذا لم يقبلوا دعوة خالد، وقبلوا دعوة علي؟!.. مع أن خالداً بقي ستة أشهر يدعوهم.. وعلي (عليه السلام) ذهب إليهم، وصلى بأصحابه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسلمت همدان كلها في ساعة واحدة!
وأجاب البعض: بأن الناس الذين لا يقبلون دعوة الدعاة إلى الإسلام، يواجهون التجريدات العسكرية، وبذلك تحمل القوة الحربية رسالة هؤلاء
الدعاة السلمية، وحين ذهب خالد إلى اليمن سنة عشر، ولم تثمر جهوده طيلة ستة أشهر، عززت قوة خالد بجيش يقوده علي، فأسلمت همدان في يوم واحد(1).
ونقول:
هذا كلام باطل من عدة جهات.
فأولاً: إن خالداً أرسل إلى اليمن في سنة ثمان، بعد الفراغ من غزوة الفتح، وحنين، والطائف. وقد أرسله (صلى الله عليه وآله)، حين كان لا يزال بالجعرانة..
ثانياً: إن علياً (عليه السلام) ذهب إلى خالد بعد ستة أشهر لكي يقفله، فأقفله ومن معه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا ليعينه، وبعد أن ذهب إليهم، وصلى بأصحابه، وقرأ كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أسلمت همدان في يوم واحد..
ثالثاً: إن قبائل اليمن لا تنحصر بهمدان، فكانت همدان هي البادئة بالإسلام ثم تبعها غيرها، أي أن أهل اليمن لم يسلموا دفعة واحدة خوفاً من السيف، كما زعمه ذلك القائل.
رابعاً: إن هذا الرجل يريد أن يدعى أن هؤلاء أسلموا تحت وطأة التهديد والجبر والقهر.. وأن الإسلام كان يفرض على الناس بقوة
____________
1- نشأة الدولة الإسلامية (تأليف عون شريف قاسم) ص227 و 240.
السيف.. وهو كلام باطل جزماً، فقد قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(1).
وقال: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(2).
وقال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(3).
والقتال في الإسلام كان دفاعياً، أو استباقاً لخطر يكون المشركون قد أعدوا واستعدوا له بالفعل، ويريدون الإنقضاض على المسلمين على حين غفلة منهم، ولم يكن في أي وقت هجومياً إبتدائياً..
والجواب الأقرب والأصوب هو التالي:
أولاً: إن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب(4)، وقد أسلم خالد أو استسلم في سنة ثمان، أي قبل أشهر يسيرة من إرساله إلى اليمن، بعد أن بقي يحارب الله ورسوله أكثر من عشرين سنة، رغم ما يراه من معجزات وكرامات، وما يشاهده من محاسن الإسلام، التي كان يجسدها سلوك النبي والوصي صلى الله عليهما وعلى آلهما، والأخيار من الصحابة..
____________
1- الآية 256 من سورة البقرة. 2- الآية 99 من سورة يونس. 3- الآية 29 من سورة الكهف. 4- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص287 وراجع: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج2 ص8 وشرح اللمعة للشهيد الثاني ج1 ص661 وإثنا عشر رسالة للمحقق الداماد ج8 ص1 و 3 و 20 و 28 والحديقة الهلالية للشيخ البهائي ص13.
ولم يدخل في الإسلام إلا بعد أن أيقن بسطوع نجمه، وظهوره على الدين كله.. وأفول نجم الشرك، وصيرورته إلى البوار والتلاشي والسقوط في حمأة الذل والخزي والعار..
فكان خالد ـ كما أظهرته سيرة حياته وممارساته قبل وبعد سفره إلى اليمن ـ لا يزال يعيش مفاهيم الجاهلية، وعصبياتها، وانحرافاتها، وتهيمن عليه أهواؤه وشهواته وغرائزه..
أما علي (عليه السلام) فهو الرجل الإلهي الخالص، الذي وهب كل حياته ووجوده لله تعالى.. ورضاه عنده كان هو الأغلى والأسمى والأعلى.
فإذا دعا خالد إلى الإسلام، فإن دعوته لن تخرج من قلبه كي تدخل في قلوب الآخرين، ولن تكون أكثر من حركات يجريها، أو كلمات يؤديها، تنوء بثقل الشكليات ولا تتجاوز التراقي أو اللهوات..
ثانياً: لعل خالداً لم يستوف شرائط الدعوة، مع أولئك الناس، أي أنه لم يدع إلى سبيل الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، ولا جادلهم بالتي هي أحسن..
أو أن الناس لم يروا محاسن الإسلام في تصرفاته، ولا في أقواله وكلماته، فهو يترك ما يأمرهم به، ويرتكب ما ينهاهم عنه..
ولعله أساء إليهم، أو حاول أن يبتزهم في أموالهم، أو يتجاوز على أعراضهم.. أو أن يفرض عليهم الإسلام، والخضوع لأوامره ونواهيه، أي أنه قدم لهم دعوة لسانية مقرونة بكثير من الصوارف والمنفرات العملية..
وربما يدلنا على ذلك، ما ورد في النصوص المتقدمة من أنه (صلى الله عليه وآله) أمر علياً (عليه السلام) بأن يقفل خالداً إليه، أما من كان مع
خالد فهم بالخيار بين القفول والبقاء..
أما علي (عليه السلام) فإنه بمجرد وصوله إلى أولئك القوم أفهمهم بطريقة عفوية، وعملية أنه ملتزم بفروض الطاعة والعبودية لله تعالى من خلال إلتزامه بالإسلام، الذي يجعل من المتفرقين عشائرياً، ومناطقياً، وطبقاتياً، أو غير ذلك نموذجاً فذاً في مجتمعاتهم ـ سواء من الناحية الإقتصادية، أو العرقية، أو الثقافية، أو غير ذلك من خصوصيات جعلها الله تعالى من أسباب التكامل، والتعاون بين البشر، فجعلت منها الأهواء أسباباً للتفرق والتشتت والتمزق.
وأفهمهم أيضاً أن هذا الدين سبب للقوة، والتعاون، والتوحد في الله كأنهم بنيان مرصوص، لهم نهج واحد، وقائد واحد، وهدف واحد.
يرسل الخمس للنبي (صلى الله عليه وآله):
لا شك في أن الخمس للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولبني هاشم، ولكنه كان يرى أن في الناس حاجة، ولهم بالمال رغبة، فكان يعطيهم إياه رفقاً بهم، ومراعاةً لحالهم.
ولكنهم صاروا يستأثرون بهذا الخمس، فيعطيه قادة السرايا إلى خيلهم الخاص، ثم يخبرون النبي (صلى الله عليه وآله) بما فعلوا، فلا يطالبهم به..
ولكن علياً (عليه السلام) أبى أن يعطي الخمس لهؤلاء، رغم طلبهم ذلك، وحمله الى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما رجعوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شكوا علياً (عليه السلام)، فسأله فأخبره، فسكت (صلى الله عليه وآله).. فنلاحظ هنا ما يلي:
1 ـ لم يكن من اللائق أن يستأثر أولئك القادة بالخمس بقرار من عند أنفسهم، ومن دون استئذان من صاحبه (صلى الله عليه وآله)
2 ـ وأقبح من ذلك: أن يشتكوا علياً (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنه أراد أن يوصل الحق إلى صاحبه، وأن يلتزم بقواعد الدين، فلا يتصرف في مال الغير بدون إذن.
بل إن شكواهم هذه تفيد: أنهم أصبحوا يرون الخمس صار لهم، وها هم يطالبون صاحبه الشرعي بأن يصحح ما يرونه خطأ وقع فيه وكيله ونائبه..
3 ـ إنهم يريدون أن يستفيدوا من هذا المال الذي لا حق لهم به، في صلاتهم، وفي حجهم، وفي سائر شؤونهم، غير متحرجين من ذلك.
4 ـ إن علياً (عليه السلام) قد وضع حداً لهذه التصرفات.. ولولاه (عليه السلام) لصار ذلك سنة جارية، ولأصبح من العسير إعادة الحق إلى أهله..
5 ـ لو أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يفعل ذلك لاتهموه بالإمساك والبخل والعياذ بالله..
6 ـ إنهم قد انتهزوا فرصة غياب علي (عليه السلام) لمعاودة السعي لنقض قراره، ومحاولة الحصول على تلك الأموال التي لا حق لهم بها..
وكأنهم ظنوا أن غيبته (عليه السلام) تزيل عنه صفة الأمين الذي لا بد أن يؤدي الأمانة إلى أهلها.
7 ـ إنه (عليه السلام) رفض المبررات التي ساقها أبو رافع لتقسيمه
الحلل على أفراد السرية، والمبررات هي:
ألف: خاف من شكايتهم..
ب : ظن أن الأمر يسهل على علي (عليه السلام).
ج: إن من كان قبل علي (عليه السلام) كان يفعل ذلك..
وهي مبررات لا قيمة لها.
فأولاً: لا معنى للخوف من شكايتهم، إذا كان علي (عليه السلام) منعهم أمراً لا يستحقونه.
ثانياً: إن علياً مؤتمن على مال الغير، فلا بد من تأدية ذلك المال إلى صاحبه، من دون تفريط، فكيف يسهل عليه إعطاؤه لغير صاحبه؟!
ثالثاً: إن فعل السابقين على علي (عليه السلام) إذا كان خطأ لم يجز لعلي (عليه السلام) ولا لغيره أن يتأسى بهم فيه..
التكريم والتعظيم:
وقد بادر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى تعميم علي (عليه السلام) بيده بصورة لافتة، ميزت فعله عما هو مألوف ومعهود، وأخذ عمامته وجعلها مثنية مربعة في رأس الرمح.. وقد فعل ذلك بعد أن تتام أصحابه (عليه السلام)..
وهذا كله يعد من التكريم والتعظيم لعلي (عليه السلام)، الذي يشد أنظار الناس، ويثير لديهم مشاعر متمازجة بالإعجاب والرضا، ويفسح المجال لسياحات مرضية في آفاق البهاء والصفاء، والجمال والجلال، والمحبة والرضا.
هل كان ثمة غنائم؟!:
ملاحظة الروايات تعطي: أنها لا تخلو من شائبة ثم إن خلط فيما بينها..
ولعل الأقرب إلى الحقيقة هو السياق التالي:
أن النبي (صلى الله عليه وآله) أرسل خالداً إلى اليمن، ثم أرسل علياً بعده.. وبعد رجوعهما أرسل (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) في سرية، وخالداً في سرية أخرى، وقال لهما النبي (صلى الله عليه وآله): إن التقيتما فعلي الأمير.
ثم فتحت بعض الحصون على يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأخذ منها سبايا وغنائم، فحصل البراء من الغنائم على أواقي ذوات عدد..
ولا ندري إن كان خالد قد حصل على بعض السبايا من قتاله في مجال آخر أو لا. ولكن من الثابت أن علياً (عليه السلام) اصطفى جارية من السبي وأخذها من الخمس.. فشكوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).. إلى آخر ما جرى..
سرور النبي (صلى الله عليه وآله) بإسلام همدان:
لا شك في أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان أحرص الناس على إخراج الناس من الظلمات إلى النور.. مما يعني أنه أشد الناس سروراً بما يتحقق من ذلك.
ولكن الملاحظ هنا هو أن سروره (صلى الله عليه وآله) بإسلام همدان كان غير عادي، إذا قورن بما أظهره من سرور في موارد أخرى قد يكون
الذين أسلموا فيها أكثر عدداً، أو أن لهم موقعاً ـ كقريش ـ أشد حساسية، وأعظم أهمية مما عُرِف لقبيلة همدان في اليمن.
فهل تراه (صلى الله عليه وآله) كان ينظر في ذلك إلى الغيب، وتكشف له الحجب عن موقف سوف تتخذه قبيلة همدان، يحبه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
إننا إذا راجعنا التاريخ، فلا نجد لهمدان موقفاً مميزاً سوى مناصرتها لعلي (عليه السلام)، حتى استحقت منه القول الشهير:
| فلو كنت بواباً على باب جنةٍ | لقلت لهمدان ادخلوا بسلام(1) |
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص394 وبحار الأنوار ج32 ص477 وج38 ص71 وأصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص9 والغدير ج11 ص222 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص552 والإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) للهمداني ص770 ومكاتيب الرسول ج2 ص556 و 575 ومواقف الشيعة ج1 ص390 ونهج السعادة ج5 ص43 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص217 وج8 ص78 وتفسير الآلوسي ج19 ص149 وتاريخ مدينة دمشق ج45 ص487 والأعلام للزركلي ج8 ص94 وأنساب الأشراف للبلاذري ص322 والأنساب للسمعاني ج5 ص647 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص25 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق1 ص252 وتاريخ الكوفة للسيد البراقي ص234 و 531 وأعيان الشيعة ج1 ص410 و 489 و 505 و 553 وج2 ص515 وج4 ص160 و 366 وج7 ص43 و 243 و 245 وج9 = = ص234 وصفين للمنقري ص274 و 437 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص604 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن الدمشقي ج2 ص255 والخصائص الفاطمية للشيخ الكجوري ج2 ص110.
وهذا لا ينافي ما ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أنه قسيم الجنة والنار، لأن المقصود بهذا الشعر المبالغة في مدح هذه القبيلة، حتى إنها لتستحق أن لا ينظر في أعمال أفرادها، فيؤخذ المسيء بإسائته، ةالمحسن بإحسانه.. بل هي بمجرد أن ترد عليه، فإنه يصدرها مباشرة إلى الجنة.
ومن أمثلة نصرة همدان هذه:
1 ـ أنه حين أراد أهل الكوفة بعد موت يزيد (لعنه الله) أن يؤمروا عليهم الخبيث المجرم عمر بن سعد لعنه الله واخزاه، جاءت نساء همدان، وربيعة، وكهلان، والأنصار، والنخع إلى الجامع الأعظم صارخات، باكيات، معولات، يندبن الحسين (عليه السلام) ويقلن: أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسين حتى أراد ان يكون أميراً علينا على الكوفة؟!
فبكى الناس، وأعرضوا عنه(1).
____________
1- مروج الذهب ج2 ص105 ومقتل الحسين للمقرم ص246 عنه. وأنصار الحسين (عليه السلام) للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص199 عن المبرد (أبي العباس محمد بن يزيد) في: الكامل (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاتة ـ مطبعة نهضة مصر) (غير مؤرخة) ج1 ص223.
2 ـ إنه حين طعن الإمام الحسن (عليه السلام) دعا ربيعة وهمدان. فأطافوا به ومنعوه، فسار ومعه شوب من غيرهم(1).
____________
1- كشف الغمة للأربلي ج2 ص163 وراجع: الأخبار الطوال ص217 والإرشاد للمفيد ج2 ص12 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص41 وأعيان الشيعة ج1 ص569.
الفصل الرابع:
علي (عليه السلام) في بني زبيد..
علي (عليه السلام) في بني زبيد:
وقالوا: (وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، وقال: (إذا اجتمعتما فعلي الأمير، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير)(1).
فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معد يكرب مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه(2). فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم، فإني لم أسمَّ لأحد قط إلا هابني.
فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور، وأنا عمرو بن معد يكرب.
فابتدره علي وخالد، وكلاهما يقول لصاحبه: خلني وإياه، ويفديه بأمه وأبيه.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص386 و 246 عن مناقب الإمام الشافعي لمحمد بن رمضان بن شاكر، وفي هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج4 ص14 والإصابة ج3 ص18 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج2 ص522 و (ط دار الجيل) ج3 ص1203 وأسد الغابة ج4 ص133. 2- أي مترئِّساً على جماعة من قومه.
فقال عمرو إذ سمع قولهما: العرب تُفَزَّع بي، وأراني لهؤلاء جزراً.
فانصرف عنهما.
وكان عمرو فارس العرب، مشهوراً بالشجاعة. وكان شاعراً محسناً(1).
وقالوا أيضاً: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال له: (إن مررت بقرية فلم تسمع أذاناً، فاسبهم).
فمر ببني زبيد، فلم يسمع أذانا، فسباهم.
فأتاه عمرو بن معد يكرب، فكلمه فيهم، فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة، فتسلمه خالد. ومدح عمرو خالداً في أبيات له(2).
ونقول:
1 ـ لقد ظن عمرو بن معدي كرب أن جميع الناس على شاكلته، من حيث تعلقهم بالحياة الدنيا، وخشيتهم من الموت، فكلما زادت احتمالات تعرضهم للخطر ازداد حبهم لما يقرِّبهم من السلامة والأمن..
وقد اعتاد أن يرى ذوي السطوة والنفوذ يدفعون من هم تحت أيديهم
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص246 و 386 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1204 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص569 وعيون الأثر ج2 ص292. 2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص246 عن ابن أبي شيبة من طرق. وفي هامشه عن: الإصابة ج3 ص18 و (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص569 وتاريخ مدينة دمشق ج46 ص377 وراجع: كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص483.
إلى مواجهة الأخطار، ودرئها عن أنفسهم، وأن يستغنوا بذلك عن التعرض لها ومكابدتها. ولكنه رأى هؤلاء القادمين عليه يتسابقون إلى الموت حباً بسلامة إخوانهم ففاجأه ذلك.
2 ـ إن غرور ابن معد يكرب بنفسه، واعتماده على بعد صيته دفعه إلى التهويل باسمه على هؤلاء القادمين، فلم يجد عندهم ما تعوده في غيرهم، فاضطر إلى التراجع الذليل، ولم يكلف نفسه عناء خوض معركة لعلها هي أول معركة حقيقية يشهدها في حياته.
فرضي بوصمة الخوف والجبن، والتراجع الذليل، حين أعلن أن هؤلاء القادمين يعتبرونه جزراً.
3 ـ إننا نلمح في هذه الواقعة: أن ما كان يشاع عن هذا الرجل بين الناس كانت تشوبه شائبة التزوير للحقائق، وهو إعلام معتمد على التهويل الكاذب، وعلى الدعايات الفارغة.
ولعل عمرواً كان يبطش ببعض الضعفاء، أو الجبناء، أو يغدر ببعض الآمنين، ثم يخلط ذلك بكثير من الشائعات التي تصل إلى حد الخرافة، ويشيعه بين الناس على أنه بطولات، وإنجازات، وهي لا تعدو كونها أوهاماً وخيالات باطلة.
ولأجل ذلك كله كان عمرو بن معدي كرب هذا قد عرف بالكذب بين الناس.
فقد رووا: أنه كان يحدث بحديث، فقال فيه: لقيت في الجاهلية خالد بن الصقعب، فضربته وقددته، وخالد في الحلقة.