الصفحة 180

فقال له رجل: إن خالداً في الحلقة.

فقال له: أسكت يا سيء الأدب، إنما أنت مُحدَّث، فاسمع أو فقم.

ومضى في حديثه، ولم يقطعه، فقال له رجل: أنت شجاع في الحرب والكذب معاً.

قال: كذلك أنا تام الآلات(1).

أسئلة بلا جواب:

وقد ادعت الرواية المتقدمة: أن عمرواً انصرف عن علي (عليه السلام) فهنا أسئلة تحتاج إلى جواب، فهل كان علي (عليه السلام)، وخالد بن سعيد، ومن معهما يقصدون بني زبيد؟!

أم كانوا يقصدون قوماً آخرين؟!

أم كانوا يقصدون دعوة كل من يصادفونه إلى الإسلام؟!

فإن كانوا يقصدون بني زبيد.. فعلى أي شيء اتفقوا مع عمرو وجماعته؟!

وكيف تركوهم ينصرفون من دون دعوة؟!

وإن كانوا يقصدون قوماً غيرهم، فمن هم أولئك القوم؟!

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج46 ص389 وقال في هامشه: رواه المعافي بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ج2 ص214 و 215 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص362.


الصفحة 181

ولماذا تعرض لهم عمرو..

ولو أنهم هابوه وضعفوا أمامه، فما كان سيصنع بهم؟!

هل سيأسرهم؟!

أم يقتلهم؟!

أو يسلبهم ويخلي سبيلهم؟!

وإن كانوا يقصدون دعوة كل من يصادفونه، فلماذا لم يدعوا عمروا ومن معه..

سبي بني زبيد لماذا؟!(1):

1 ـ إن عدم سماع المسلمين آذاناً من بني زبيد، لا يبرر لهم الإغارة عليهم، أو ترويعهم، فضلاً عن سبيهم، فلعل المؤذن استغرق في نومه.. أو لعلهم لا يزالون على شركهم، لكنهم لا يعاندون الحق لو عرض عليهم.. علماً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يزل يصدر أوامره لسراياه، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم..

____________

1- الكافي ج5 ص36 وبحار الأنوار ج19 ص167 وج97 ص34 وج101 ص364 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص502 والنوادر للراوندي ص139 ومشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص193 وتذكرة الفقهاء (ط.ج) ج9 ص44 و 45 و (ط.ق) ج1 ص409 ومنتهى المطلب (ط.ق) ج2 ص904 ورياض المسائل للطباطبائي ج7 ص493.


الصفحة 182

وقد صدر هذا الأمر لخصوص علي (عليه السلام) في نفس مسيره إلى اليمن، فقد أمره (صلى الله عليه وآله) بأن لا يقاتل أحداً حتى يدعوه..

وقد أوجب الله على نبيه أن يدعو الناس إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.

2 ـ أين كان عمرو بن معد يكرب الزبيدي حين سبا خالد بن سعيد قومه؟! فإن كان حاضراً فلماذا لم يدفع عن قومه؟! وإن كان غائباً، فماذا كان موقفه مما جرى؟!

النص الأوضح والأصرح:

ولعل النص الأوضح والأصرح هنا هو التالي:

قالوا: لما عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معدي كرب، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الأكبر.

قال: يا محمد، وما الفزع الأكبر؟! فإني لا أفزع.

فقال: يا عمرو، إنه ليس كما تظن وتحسب، إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميت إلا نشر، ولا حي إلا مات، إلا ما شاء الله، ثم يصاح بهم صيحة أخرى، فينشر من مات، ويصفون جميعاً، وتنشق السماء، وتهد الأرض، وتخر الجبال هداً، وترمي النار بمثل الجبال شرراً، فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه، وذكر ذنبه، وشغل بنفسه إلا من شاء الله، فأين أنت يا عمرو من هذا؟!


الصفحة 183

قال: ألا إني أسمع أمراً عظيماً؛ فآمن بالله ورسوله، و آمن معه من قومه ناس، ورجعوا إلى قومهم.

ثم إن عمرو بن معدي كرب نظر إلى أبي بن عثعث الخثعمي، فأخذ برقبته، ثم جاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: أَعْدِني على هذا الفاجر الذي قتل والدي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية، فانصرف عمرو مرتداً، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، ومضى إلى قومه.

فاستدعى رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن الوليد في الأعراب وأمَّره أن يعمد لجعفي(1). فإذا التقيا فأمير الناس أمير المؤمنين (عليه السلام).

فسار أمير المؤمنين (عليه السلام)، واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، واستعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري.

فأما جعفي فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين: فذهبت فرقة إلى اليمن، وانضمت الفرقة الأخرى إلى بني زبيد.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتب إلى خالد بن الوليد: أن قف حيث أدركك رسولي، فلم يقف.

____________

1- جعفي بن سعد العشيرة، بطن من سعد العشيرة، من مذحج، من القحطانية.


الصفحة 184

فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص: تعرض له حتى تحبسه.

فاعترض له خالد حتى حبسه، وأدركه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعنفه على خلافه.

ثم سار حتى لقي بني زبيد بواد يقال له: كثير (أو كسير)، فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة؟!

قال: سيعلم إن لقيني.

قال: وخرج عمرو فقال: من يبارز؟!

فنهض إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقام إليه خالد بن سعيد وقال له: دعني يا أبا الحسن ـ بأبي أنت وأمي ـ أبارزه.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف مكانك، فوقف.

ثم برز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فصاح به صيحة، فانهزم عمرو، وقتل (عليه السلام) أخاه وابن أخيه، وأخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسبي منهم نسوان.

وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، و يؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلماً.

فرجع عمرو بن معدي كرب، واستأذن على خالد بن سعيد، فأذن له، فعاد إلى الإسلام، فكلمه في امرأته وولده، فوهبهم له.


الصفحة 185

وقد كان عمرو لما وقف بباب خالد بن سعيد وجد جزوراً قد نحرت، فجمع قوائمها ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعاً، وكان يسمى سيفه الصمصامة.

فلما وهب خالد بن سعيد لعمرو امرأته وولده وهب له عمرو الصمصامة.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال له: تقدم الجيش إليه، فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه.

فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه، فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي (عليه السلام) وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.

فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي (عليه السلام).

فدخل بريدة على النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه كتاب من خالد بما أرسل به بريدة، فجعل يقرأه ووجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتغير،


الصفحة 186

فقال بريدة: يا رسول الله، إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقاً؟!

إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحل له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة، احذر أن تبغض علياً، فيبغضك الله.

قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي، فسخت فيها، وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله. يا رسول الله، استغفر لي فلن أبغض علياً أبداً، ولا أقول فيه إلا خيراً.

فاستغفر له النبي (صلى الله عليه وآله)(1).

وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وشرحه: أن عمرو بن معدي كرب خاطب علياً (عليه السلام) حين واجهه:


الآن حين تقلصت منك الكلى إذ حر نارك في الوقيعة يسطعُ
والخيل لاحقة الأياطل شزب قب البطون ثنيها والأقرع
يحملن فرساناً كراماً في الوغا لا ينكلون إذا الرجال تكعكع
إني امرؤ أحمي حماي بعزة وإذا تكون شديدة لا أجزع
وأنا المظفر في المواطن كلها وأنا شهاب في الحوادث يلمع
من يلقني يلق المنية والردى وحياض موت ليس عنه مذيع
فاحذر مصاولتي وجانب موقفي إني لدى الهيجا أضر وأنفع

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص356 ـ 358 عن إعلام الورى (ط1) ص87 و (ط2) ص134 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص252 و 253 والإرشاد للمفيد ج1 ص159 ـ 161 وكشف اليقين ص151 و 152 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص98 و 99 وكشف الغمة ج1 ص229 و 230.


الصفحة 187

فأجابه (عليه السلام):


يا عمرو قد حمي الوطيس وأضرمت نار عليك وهاج أمر مفظع
وتساقت الأبطال كأس منية فيها ذراريح وسم منقع
فإليك عني لا ينالك مخلبي فتكون كالأمس الذي لا يرجع
إني امرؤ أحمي حماي بعزة والله يخفض من يشاء ويرفع
إني إلى قصد الهدى وسبيله وإلى شرايع دينه أتسرع
ورضيت بالقرآن وحياً منزلاً وبربنا ربا يضر وينفع
فينا رسول الله أيد بالهدى فلواؤه حتى القيامة يلمع(1)

ونقول:

إن المقارنة بين هذه الرواية، والروايات التي ذكرناها فيما سبق تظهر مدى انسجام هذه، وانسيابها ومدى ما نال تلك من تزوير وتحوير، هروباً من الإقرار ببعض الحقائق، وسعياً في طمس ما لا يروق لهم ظهوره، ولا تذوق أعينهم طعم النوم حين يسطع نوره.

ومهما يكن من أمر، فإننا نحب لفت النظر إلى ما يلي:

عمرو يرتد بعد النبي (صلى الله عليه وآله):

صرحت هذه الرواية: بأن عمرو بن معد يكرب ارتد عن الإسلام في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجة أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص359 عن الديوان المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام) ص79 و 80.


الصفحة 188

يقتص له من قاتل أبيه، لأن الإسلام يجب ما قبله.. ولم يلتفت عمرو إلى أنه (صلى الله عليه وآله) لو قبل طلبه فالمفروض أن يطبق هذا الحكم على الجميع، ومنهم عمرو نفسه، فيقتله بمن قتلهم قبل إسلامه.

ويبدو: أن عمرواً قد ارتد مرة أخرى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، كما دلت عليه الروايات، فراجع(1).

خالد أمير على الأعراب:

وصرحت الرواية المتقدمة: بأن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر علياً على المهاجرين، وخالد بن الوليد على الأعراب.. وفي هذا الإجراء إشارة لطيفة فيما يرتبط بكل من علي (عليه السلام) وخالد، ولا سيما بملاحظة ما يزعمه خالد لنفسه، ويزعمه له بعض محبيه، وقد أكد خالد ذلك عملياً في ممارساته السابقة

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج46 ص372 و 373 و 377 والطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص526 وتاريخ الأمم والملوك (بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم) ج3 ص134 و (ط دار صادر) ج2 ص391 و 538 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص377 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص112 ومستدركات علم رجال الحديث ج6 ص64 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص281 والأعلام للزركلي ج5 ص86 والبداية والنهاية ج5 ص84 وج6 ص364 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1005 وعيون الأثر ج2 ص291 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص139 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص386 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص259 و 260.


الصفحة 189

مع بني جذيمة، ثم في اللاحقة ولا سيما بالنسبة لقتله مالك بن نويرة، وزناه بزوجته في نفس الليلة.

لماذا ولى خالداً؟!:

وقد علمنا أن خالداً قد فعل ببني جذيمة ما فعل، فلماذا لم يعاقبه (صلى الله عليه وآله).. ولماذا عاد فولاه في هذه الغزوة أيضاً؟!

ونجيب:

أولاً: إن فعل خالد كان محفوفاً بالشبهة في مرحلة الظاهر، لأنه ادعى أن الذين قتلوا كانوا على الكفر. وإنما تدرأ الحدود بالشبهات..

ثانياً: قد كان ثمة حاجة لإشراك قريش في حسم الأمور في المنطقة، لأن ذلك يطمئن الكثيرين إلى أن أحداً لن يحاسبهم على قبولهم الإسلام. ولن يجعل ذلك ذريعة للتنكيل بهم، أو الإنتقام منهم، أو اتهامهم بالتسبيب للهزيمة، وما إلى ذلك..

ولا سيما في مناطق اليمن التي تكون مكة أقرب إليها من المدينة.. ويرى أهلها منقطعون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي قد يحتاجون لحمايته من المكيين، لو حدث ما يقتضي ذلك.

لماذا المهاجرون؟!:

ولعل الهدف من اختيار المهاجرين لمواجهة عمرو بن معدي كرب المرتد عن الإسلام، هو إفهامه أن عليه أن لا يتوهم بأن أحداً في الجزيرة العربية قادر على مساعدته.. أو أن من الممكن أن يتعاطف معه.. فإن الذين


الصفحة 190

كانوا أكثر الناس حرصاً على هدم الإسلام قد أصبحوا هم الذين يفترض فيهم أن يدافعوا عنه..

وقد جاءه المكيون أنفسهم لمحاربته وإرجاعه إلى جادة الصواب، ولا بد أن يدرك أن قتال هؤلاء لن يكون في صالحه، فإن أي سوء يلحق بأي منهم يزيد في محنته، ويعقد الأمور ضده، لأنه سيغضب أهل مكة، كما سيغضب أهل المدينة، وكل من صح إسلامه منهم، ومن لم يكن كذلك أيضاً..

إخضاع عمرو بن معد يكرب:

تقدم: أن عمرو بن معد يكرب لم يقتصر على الإرتداد، بل بدأ بارتكاب الجرائم، وبالإغارة على الناس الآمنين، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، ومضى إلى قومه..

وهذا يشير إلى وقاحة وجرأة على الدماء، واستهانة بكرامات الناس، وسقوط حجاب الأمن المفروض على دماء الناس، وأعراضهم وأموالهم..

فكان لا بد من وضع حد له بصرامة وحزم واقتلاع مصدر الأذى.. ولكن من دون قتله، وذلك رفقاً منه (صلى الله عليه وآله) بقومه، وتسهيلاً عليهم لقبول الإسلام عن قناعة ورضا.. بعيداً عن أي إكراه وقهر.

فبادر (صلى الله عليه وآله) إلى إرسال علي (عليه السلام) للقيام بهذه المهمة، وهكذا كان.

قالوا: (..ومع مبارزته جذبه أمير المؤمنين (عليه السلام) والمنديل في


الصفحة 191

عنقه، حتى أسلم)(1).

ولأجل خشيته منه (عليه السلام) كان كثيراً ما سأل عن غاراته فيقول: قد محا سيف علي الصنائع.

والصنيع(2): هو السيف الصقيل المجرب(3).

تمرد خالد:

وتقدم: أن خالداً تمرد على الأمر الذي صدر إليه من علي (عليه السلام)، فأرسل إليه خالد بن سعيد، فحبسه حتى أدركه علي (عليه السلام) فعنفه على ما كان منه.

وهذا معناه:

1 ـ أن خالداً قد أثبت عملياً أنه غير منضبط..

2 ـ أن علياً (عليه السلام) عامله بالحكمة والحزم..

3 ـ إنه أرسل إليه خالد بن سعيد، الذي كان خالد بن الوليد لا يستطيع مناوأته، لقرشيته ولموقعه.. إلا إن كان يريد أن يتمادى في غيه، إلى حيث لا رجعة، وكان خالد يعلم عواقب ذلك، وأنه ليس في صالحه، ولا

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص96 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص334 وسفينة البحار ج6 ص482.

2- راجع الهامش السابق.

3- أقرب الموارد ج1 ص665.


الصفحة 192

سيما مع علي (عليه السلام)..

4 ـ إن هذا يدل على أن ما جعله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) كان أكثر من مجرد جعل الإمارة له حين يلتقي بخالد.. بل كان خالد ملزماً بطاعة علي (عليه السلام) في جميع الأحوال، أي سواء التقيا أو افترقا.

والدليل على ذلك: أن علياً (عليه السلام) لو كان قد تعدى صلاحياته مع خالد، فإن خالداً كان يشتكيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله)..

كما أنه سوف لا يستجيب لطلب خالد بن سعيد، وسيعلن مظلوميته، وسيبادر إلى الإحتجاج على هذا الإجراء..

ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، ولم يعترض، ولم يعتذر بأنه كان يجهل أنه مكلف بطاعة علي (عليه السلام)، كما هو ظاهر..

هزيمة ذليلة، وسبي نساء:

إن قوم عمرو بن معد يكرب، حاولوا إثارة حفيظته بقولهم له: لعل هذا الوافد يجبره على دفع الإتاوة، مع وصفهم لذلك الوافد بكلمة (الغلام)، المشعرة بتقدم عمرو عليه بالسن، وبالتجربة، وغير ذلك..

ثم وصفوا هذا الغلام بـ (القرشي) ليشعر ذلك بغربته، وبالإختلاف معه في العدنانية والقحطانية، وفي طبيعة الحياة، فإن هذا الوافد حضري، يفترض أن تكون حياته أقرب إلى الراحة والسعة والرفاه، أما عمرو وقومه، فإنهم يعيشون حياة البداوة والخشونة، ويدَّعون لأنفسهم الإمتياز بالقدرة


الصفحة 193

على تحمل المكاره، ومواجهة الصعاب، والإعتزاز بالشجاعة وبالفروسية، وما إلى ذلك..

ولكن كل ذلك لم ينفع في تحريك عمرو، بل هو قد زاد من شعور بمرارة الهزيمة التي حلت به، ومما زاد في خزي عمرو أن هزيمته قد جاءت بعد أن استعرض قوته أمام الملأ، قائلاً: من يبارز؟!

وكان يرى أن الناس يهابونه، وأنه يكفي أن يذكر لهم اسمه حتى تتبدل أحوالهم، ويدب الرعب في قلوبهم، ويتخذوا سبيل الإنسحاب من ساحة المواجهة، بكل حيلة ووسيلة، وإذ به يرى أن هؤلاء يتنافسون على مبارزته، وعلى سفك دمه.

وكان الأخطر والأمرّ، والأشر والأضر هو: أن هزيمة عمرو أمام نفس هذا الغلام القرشي لم تكن نتيجة قتال، بل كانت من مجرد صيحة أطلقها، دون أن يلوح له بسيف، أو يشرع في وجهه رمحاً!

فما هذه الفضيحة النكراء، والداهية الدهياء؟!

ثم كان الأخزى من ذلك، والأمضّ ألماً، والأعظم ذلاً أن يقتل هذا الغلام القرشيّ على حد تعبيرهم أخا عمرو وابن أخيه، ويسبي ريحانة بنت سلامة زوجة عمرو، بالإضافة إلى نساء أخريات.

ثم انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) مطمئناً إلى عدم جرأة عمرو وغيره على القيام بأية مبادرة تجاه خالد بن سعيد، الذي أبقاه (عليه السلام) في بني زبيد أنفسهم، ليقبض صدقاتهم، ويؤمِّن من عاد إليه من هُرّابهم مسلماً.


الصفحة 194

استجداء عمرو.. وأريحية خالد!:

وتواجهنا هنا مفارقة، وهي: أن عمرو بن معد يكرب جاء إلى خالد بن سعيد بن العاص الذي خلّفه علي (عليه السلام) في بني زبيد، فأظهر عودته إلى الإسلام، ثم كلّمه في امرأته وولده، فوهبهم له.

ولكن هذا المستكبر المغرور بنفسه بالأمس، والذي جرَّ على نفسه هذه الهزيمة الفضيحة اليوم، وكان سبباً في قتل أخيه، وابن أخيه، ثم في سبي زوجته وولده.. لا لشيء إلا لأن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يجب له طلباً ظالماً رفعه إليه..

إن هذا الرجل بالذات يتراجع عن موقفه، ويستعطف ذلك الذي خلَّفه ابن عم الرسول (صلى الله عليه وآله) في قومه ليجبي صدقاتهم، ويؤمِّن من عاد إليه من هرّابهم مسلماً..

وقد كان هذا الرجل في غنى عن هذا الإستعطاف هنا، وعن الإستكبار هناك..

والأغرب من ذلك: أن نجده حتى حين يرى نفسه بحاجة إلى الإستعطاف والخضوع، ويمارسه، لا يتخلى عن العنجهية والغرور، وحب الظهور، وإثبات الذات، وإظهار القوة بغباوة وحمق. فإنه لما وقف على باب خالد وجد جزوراً قد نحرت، فجمع قوائمها، ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعاً..

ثم وهب سيفه الذي كان يسميه بالصمصامة لخالد بن سعيد، إمعاناً منه في ادِّعاء الشدة، والقوة لنفسه..


الصفحة 195

وذلك كله ـ إن صح ـ يجعلنا نقول:

لقد صدق من وصفه: بأنه (مائق بني زبيد)(1).

فإن المائق هو: الأحمق في غباء، أو الهالك حمقاً وغباوة(2).

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج41 ص96 عن ابن إسحاق، ومناقب آل أبي طالب ج2 ص333.

2- أقرب الموارد ج2 ص1252.


الصفحة 196

الصفحة 197

الفصل الخامس:

حديث بريدة..


الصفحة 198

الصفحة 199

بغضهم علياً (عليه السلام):

وعن البراء قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن جيشين، وأمَّر علياً على أحدهما. وعلى الآخر خالد بن الوليد. وقال: (إذا كان قتال فعلي رضي الله تعالى عنه الأمير).

قال: فافتتح علي حصناً، فغنمت أواقي ذوات عدد، وأخذ علي منه جارية.

قال: فكتب معي خالد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يشي به) كما في جامع الترمذي.

قال: فلما قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقرأ الكتاب رأيته يتغير لونه، فقال: (ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله تعالى ورسوله)؟!

فقلت: أعوذ بالله من غضب الله تعالى وغضب رسوله، إنما أنا رسول.

فسكت(1).

____________

1- سبل الهدى ج6 ص235، وقال في هامشه: أخرجه الترمذي ج4 ص180 ونهج السعادة ج5 ص285 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 وبحار الأنوار ج39 ص11 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص142 وينابيع المودة ج1 ص169.


الصفحة 200

وعن بريدة بن الحصيب قال: (أصبنا سبياً، فكتب خالد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ابعث إلينا من يخمسه). وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي.

فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً إلى خالد ليقبض منه الخمس، وفي رواية: ليقسم الفيء، فقبض منه، فخمس وقسم، واصطفى علي سبية، فأصبح وقد اغتسل ليلاً.

وكنت أبغض علياً بغضاً لم أبغضه أحداً، وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا لبغضه علياً.

فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟!

وفي رواية: فقلت: يا أبا الحسن، ما هذا؟!

قال: ألم تر إلى الوصيفة، فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم في آل علي، فوقعت بها.

فلما قدمنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكرت له ذلك(1).

____________

1- سبل الهدى ج6 ص235 و 236 عن أحمد، والبخاري، والنسائي، والإسماعيلي، وفي هامشه قال: أخرجه البخاري في كتاب النكاح (5210). وراجع: فتح الباري ج8 ص52 ونيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 ونهج السعادة ج5 ص284 ومسند أحمد ج5 ص351 ومجمع الزوائد ج9 ص127 وخصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص102 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 و البداية والنهاية ج5 ص120 وج7 ص380 والسيرة النبوية= = لابن كثير ج4 ص202 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ للريشهري ج11 ص260 وشرح إحقاق الحق ج21 ص630 وج23 ص5 و 274 و 276 وج30 ص272.


الصفحة 201

وفي رواية: فكتب خالد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب وأقول: صدق، فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) قد احمر وجهه، فقال: (من كنت وليه فعلي وليه).

ثم قال: (يا بريدة أتبغض علياً)؟!

فقلت: نعم.

قال: (لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك)(1).

____________

1- سبل الهدى ج6 ص236 وراجع: نيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 ونهج السعادة ج5 ص283 ومسند أحمد ج5 ص359 وصحيح البخاري (ط دار المعرفة) ج5 ص110 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص6 وتحفة الأحوذي ج10 ص145 وخصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص102 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص156 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص194 و 195 وأسد الغابة ج1 ص176 وتهذيب الكمال ج20 ص460 والبداية والنهاية ج7 ص380 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن الدمشقي ج1 ص88 وشرح إحقاق الحق ج6 ص86 وج16 ص453 ج21 ص532 وج23 ص275 و 276 و 277 و 278 وج30 ص278.


الصفحة 202

وفي رواية: (والذي نفسي بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من وصيفة، وإن كنت تحبه فازدد له حباً)(1).

وفي رواية: (لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي)(2).

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص236 ونيل الأوطار ج7 ص111 والعمدة لابن البطريق ص275 وبحار الأنوار ج39 ص277 ونهج السعادة ج5 ص285 ومسند أحمد ج5 ص351 ومجمع الزوائد ج9 ص127 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص7 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص136 وخصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص103 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 والبداية والنهاية ج5 ص121 وج7 ص381 وكشف الغمة ج1 ص293 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص202 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن الدمشقي ج1 ص87 وشرح إحقاق الحق ج6 ص85 وج16 ص451 ج21 ص630 وج23 ص6 و 275 و 276 وج30 ص272.

2- سبل الهدى ج11 ص297 وج6 ص236 وقال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج5 ص356، وذكره الهيثمي في المجمع ج9 ص128 وراجع: ذخائر العقبى ص68 وبحار الأنوار ج37 ص220 وج38 ص326 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص560 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص7 وتحفة الأحوذي ج10 ص146 و 147 وكنز العمال ج11 ص608 وفيض القدير ج4 ص471 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص388 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص190 والبداية والنهاية ج7 ص380 وكشف الغمة ج1 ص294 وجـواهـر = = المطالب لابن الدمشقي ج1 ص87 وينابيع المودة ج2 ص159 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص288 و 290 و 292 وج15 ص103 و 106 و 107 وج20 ص527 وج23 ص544.


الصفحة 203

قال بريدة: فما كان في الناس أحد أحب إلي من علي.

وعن بريدة: بعث (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وخالد بن الوليد كل واحد منهما وحده، وجمعهما، فقال: إن اجتمعتما فعليكم علي.

قال: فأخذا يميناً ويساراً، فدخل علي، وأبعد وأصاب سبياً، وأخذ جارية من السبي، قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضاً لعلي.

قال: فأتى رجل خالد بن الوليد فذكر أنه أخذ جارية من الخمس.

فقال: ما هذا؟!

ثم جاء آخر، ثم تتابعت الأخبار على ذلك، فدعاني خالد، فقال: يا بريدة قد عرفت الذي صنع، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فكتب إليه، فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذ الكتاب بشماله، وكان كما قال الله عز وجل: لا يقرأ ولا يكتب، وكنت إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي، فطأطأت رأسي، فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غضب غضباً لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير.


الصفحة 204

فنظر إليّ، فقال: يا بريدة، أحِبَّ علياً، فإنما يفعل ما أمر به، فقمت وما من الناس أحد أحب إليّ منه(1).

____________

1- المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص117 ومجمع الزوائد ج9 ص128 عنه.


وراجع روايات بريدة على اختلافها في المصادر التالية: شرح الأخبار ج1 ص94 والعمدة لابن البطريق ص198 والطرائف لابن طاووس ص66 وذخائر العقبى ص68 والصراط المستقيم ج2 ص59 وكتاب الأربعين للشيرازي ص111 وبحار الأنوار ج37 ص220 وج38 ص326 وكتاب الأربعين للماحوزي ص32 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص306 و 307 والمراجعات للسيد شرف الدين ص223 والنص والإجتهاد ص339 و 560 والغدير ج3 ص244 ومكاتيب الرسول ج1 ص564 ونهج السعادة ج5 ص277 و 278 ومسند أحمد ج5 ص356 ومجمع الزوائد ج9 ص128 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج16 ص214 وج18 ص7 وتحفة الأحوذي ج10 ص146 و 147 وكنز العمال ج11 ص608 وفيض القدير ج4 ص471 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص388 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص189 و 190 ومناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابن مردويه ص119 والبداية والنهاية ج5 ص104 وج7 ص342 و344 و 380 وكشف الغمة للشعراني ج2 ص114 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص294 ومجمع الفوائد ج2 ص68 والمنهل العذب المورود ج1 ص114 ومشكل الآثار ج4 ص160 ونهج الإيمان لابن جبر ص483 و 483 وجـواهـر المطـالب لابن الدمشقـي ج1 = = ص87 والسيرة الحلبية ج3 ص338 وينابيع المودة ج2 ص159 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص243 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص26 ونظرة في كتاب البداية والنهاية للشيخ الأمينيي ص93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص288 و 290 و 291 و 292 وج15 ص103 و106 و 107 وج16 ص157 وج20 ص527 وج21 ص23 و 144 وج22 ص582 وج23 ص161 و 544 وج30 ص415 والفضائل لأحمد بن حنبل ج2 ص351 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وخصائص أمير المؤمنين علي (عليها السلام) للنسائي (ط التقدم بمصر) ص25 وتيسير الوصول ج2 ص132 ومناقب علي (عليها السلام) للعيني الحيدر آبادي ص48 وإزالة الخفاء ج2 ص449 وقرة العين في تفضيل الشيخين ص169 والتاج الجامع للأصول ج3 ص298.


الصفحة 205

وعن بريدة: أنه لما استلم علي (عليه السلام) الغنائم من خالد بن الوليد في غزوتهم لبني زبيد، حصلت جارية من أفضل السبي في الخمس، ثم صارت في سهم آل علي، فخرج عليهم علي (عليه السلام) ورأسه يقطر، فسألوه؛ فأخبرهم: أنه وقع بالوصيفة التي صارت في سهم آل علي.

فقدم بريدة في كتاب من خالد على النبي (صلى الله عليه وآله)، وصار يقرؤه عليه بريدة، ويصدق (أي بريدة) ما فيه، فأمسك (صلى الله عليه وآله) بيده، وقال: يا بريدة أتبغض علياً؟!

قال: نعم.


الصفحة 206

فقال (صلى الله عليه وآله): لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حباً، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة.

وفي نص آخر: فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول الله غضب غضباً لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال: يا بريدة، أحب علياً، فإنه يفعل ما آمره. وكذا روي عن غير بريدة(1).

____________

1- راجع: المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص117 مجمع الزوائد ج9 ص128 عنه، وخصائص النسائي ص102 و 103 ومشكل الآثار ج4 ص160 ومسند أحمد ج5 ص359 و 350 و 351 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وقال: رواه البخاري في الصحيح، وحلية الأولياء ج6 ص294 وسنن الترمذي ج5 ص632 و 639 وكنز العمال ج15 ص124 و 125 و126 ـ 271 والمناقب للخوارزمي ص92 والمستدرك للحاكم ج3 ص110 و 111 على شرط مسلم، وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه وسكت عنه، والبداية والنهاية ج7 ص344 و345 عن أحمد والترمذي، وأبي يعلى وغيره بنصوص مختلفة. والغدير ج3 ص216 عن بعض من تقدم وعن نزل الأبرار للبدخشي ص22 والرياض النضرة ج3 ص129 و 130 وعن مصابيح السنة للبغوي ج2 ص257. والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثـار المستخرجـة من لجـة البحر الزخـار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد والصفحة، عن البخاري والترمذي. وراجع: الأمالي للطوسي ص250 والطرائف لابن طاووس ص67 وبحـار الأنـوار ج38 = = ص116 و 117 وج39 ص281 و 282 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص191 وبشارة المصطفى ص194 و 195 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص414.


الصفحة 207

وفي الرواية التي عند المفيد (رضوان الله عليه): (فسار بريدة، حتى انتهى إلى باب النبي (صلى الله عليه وآله)، فلقيه عمر، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه؛ فأخبره: أنه إنما جاء ليقع في علي، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له؛ فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي)(1).

قال الصالحي الشامي:

تنبيهات:

الأول: قال ابن إسحاق وغيره: كانت غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن مرتين، قال في العيون: ويشبه أن تكون هذه السرية الأولى، وما ذكره ابن سعد هي السرية الثانية كما سيأتي.

الثاني: قال الحافظ: كان بعث علي بعد رجوعهم من الطائف، وقسمة الغنائم بالجعرانة.

الثالث: قال الحافظ أبو ذر الهروي: إنما أبغض بريدة علياً، لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غلّ.

____________

1- الإرشاد للمفيد ص93 و (ط دار المفيد) ج1 ص161 وقاموس الرجال ج2 ص173 عنه، والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص98 وبحار الأنوار ج21 ص358 وكشف الغمة ج1 ص230.


الصفحة 208

فلما أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه أخذ أقل من حقه أحبه.

قال الحافظ: وهو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي رواه أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال، ونهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بغضه.

الرابع: استشكل وقوع علي رضي الله تعالى عنه على الجارية.

وأجيب: باحتمال أنها كانت غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ، كما صار إليه غيره من الصحابة.

أو أنها كانت حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم وليلة، ثم وقع عليها.

أو كانت عذراء.

الخامس: استشكل أيضاً قسمته لنفسه.

وأجيب: بأن القسمة في مثل ذلك جائزة ممن هو شريكه فيما يقسمه، كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك ممن نصبه الإمام، فإنه مقامه(1).

لعله يغضب لابنته:

وذكرت بعض نصوص حديث بريدة المتقدم: أنه لما ارتد عمرو بن معد يكرب أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) إلى بني

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص236 وفتح الباري ج8 ص53.


الصفحة 209

زبيد، فغنم وسبى، واصطفى (عليه السلام) جارية، وذهب بريدة ليشتكي على علي (عليه السلام).

فسار حتى انتهى إلى باب النبي (صلى الله عليه وآله)، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه. فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي (عليه السلام)، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.

فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي.

ثم ذكرت الرواية: أن بريدة دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل يحدثه بما جرى، فتغير وجه النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال له بريدة: إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم..

فقال له (صلى الله عليه وآله): ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقاً!

إن علي بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحل لي.

إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي.

يا بريدة، احذر أن تبغض علياً فيبغضك الله.

قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها الخ..(1).

____________

1- الإرشاد للمفيد ج1 ص160 و 161 وراجع: قاموس الرجال ج2 ص288 عنه. وراجع: المستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص98 وبحار الأنوار ج21 ص358 وكشف الغمة ج1 ص230.