الفروع المختلفة من العلوم(6)‏

الفهرس

الباب العاشر: سلوني قبل أن تفقدوني


5673 - الإمام عليّ(عليه السلام) : سلوني قبل أن تفقدوني‏(1).
5674 - تاريخ دمشق عن عمير بن عبداللَّه: خطبنا عليّ على منبر الكوفة، فقال: أيّها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فبين الجبلين‏(2) منّي علمٌ جمّ‏(3).
5675 - الإمام عليّ(عليه السلام) : سلُوني قبل أن تفقدوني، فَلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض، قبل أن تَشغَر(4) برجلها فتنةٌ تَطأُ في خِطامها(5) وتذهب بأحلام قومها(6).
5676 - عنه(عليه السلام) : سلوني عن طرق السماء، فإنّي أعلم بها من طرق الأرض، سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّ بين جنبيَّ علوماً كثيرة كالبحار الزواخر(7).
5677 - عنه(عليه السلام) : سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي لا اُسأل عن شي‏ءٍ دون العرش إلّا أخبرت عنه‏(8).
5678 - عنه(عليه السلام) : سلوني عمّا فوق العرش، سلوني عمّا تحت العرش، سلوني قبل أن تفقدوني‏(9).
5679 - عنه(عليه السلام) : سلوني قبل أن تفقدوني، فواللَّه لا تسألوني عن شي‏ءٍ مضى ولا عن شي‏ءٍ يكون إلّا أنبأتكم به‏(10).
5680 - عنه(عليه السلام) : سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شي‏ءٍ يكون إلى يوم القيامة إلّا حدّثتكم به، وسلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّه ما منه آية إلّا أنا أعلم بليلٍ نزلت أم بنهار، أم بسهلٍ نزلت أم بجبل‏(11).
5681 - تفسير الطبري عن أبي‏الطفيل: سمعت عليّاً(رضى اللّه عنه) يقول: لا تسألوني عن كتاب ناطق ولا سنّة ماضية إلّا حدّثتكم، فسأله ابن الكوّاء عن الذاريات. فقال: هي الرياح‏(12).
5682 - المستدرك على الصحيحين عن أبي‏الطفيل: رأيت أميرالمؤمنين عليّ بن أبي‏طالب(رضى اللّه عنه) قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي.
قال: فقام ابن الكوّاء فقال: يا أميرالمؤمنين، ما الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا(13)؟ قال: الرياح.
قال: فما الْحَامِلَاتِ وِقْرًا(14)؟ قال: السحاب.
قال: فما الْجَارِيَاتِ يُسْرًا(15)؟ قال: السفن.
قال: فما الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا(16)؟ قال: الملائكة.
قال: فمن الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ(17)؟ قال: منافقو قريش‏(18).
5683 - الإمام عليّ(عليه السلام) : واللَّه لو شئت أن اُخبر كلّ رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلتُ، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) .
ألا وإنّي مُفضيه إلى الخاصّة ممّن يُؤمَن ذلك منه، والذي بعثه بالحقّ واصطفاه على الخلق، ما أنطِقُ إلّا صادقاً، وقد عهد إليّ بذلك كلّه، وبِمَهلك من يَهلِكُ، ومَنجى من ينجو، ومآل هذا الأمر، وما أبقى شيئاً يمرّ على رأسي إلّا أفرغه في اُذنيّ وأفضى به إليّ‏(19).
5684 - عنه(عليه السلام) -من خطبة له ذكر فيها الفتنة، ثمّ قال-: فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شي‏ءٍ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة، إلّا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومُناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومن يُقتل من أهلها قتلاً ومن يموت منهم موتاً.
ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائهُ الاُمور، وحوازب الخطوب‏(20)، لأطرق كثير من السائلين، وفشل كثير من المسؤولين، وذلك إذا قلّصت‏(21) حربكم وشمّرت عن ساقٍ، وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً، تستطيلون معه أيّام البلاء عليكم، حتى يفتح اللَّه لبقيّة الأبرار منكم‏(22).
5685 - عنه(عليه السلام) : سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي‏عن قليل مقتول، فما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم أعلاها، فوالذي فلق البحر وبرأ النسمة، لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فتنة تُضلّ مائة أو تهدي مائة إلّا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة.
إنّ القرآن لا يعلم علمه إلّا من ذاق طعمه، وعلم بالعلم جهله، وأبصر عمله، واستمع صممه، وأدرك به مأواه، وحيّ به إن مات، فأدرك به الرضى من اللَّه، فاطلبوا ذلك عند أهله. فإنّهم في بيت الحياة، ومستقرّ القرآن، ومنزل الملائكة، وأهل العلم الذين يخبركم عملهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم. هم الذين لايخالفون الحقّ، ولا يختلفون فيه، قد مضى فيهم من اللَّه حكمٌ صادق، وفي ذلك ذكرى للذاكرين‏(23).
5686 - الأمالي للطوسي عن عباية بن ربعي: كان عليّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) كثيراً ما يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فوَاللَّه ما من أرض مخصبة(24) ولا مجدبة(25)، ولا فئة تُضلّ مائة أو تهدي مائة إلّا وأنا أعلم قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة(26).
5687 - بصائر الدرجات عن سلام: قلت لأبي عبداللَّه(عليه السلام) : إنّا نروي أحاديث لم نجد عند أحد من أهل بيتك فيها شيئاً.
فقال: ما هي؟
قلت: يروون أنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول وهو يخطب الناس: يا أيّها الناس، سلوني فإنّكم لن تسألوني عن شي‏ء فيما بيني وبين الساعة، لا عن أرض مجدبة ولا عن أرض مخصبة، ولا فرقة تُضلّ مائة وتهدي مائة إلّا أن لو شئت اُنبئكم بناعقها وقائدها وسائقها.
قال: وإنّه حقّ‏(27).
5688 - الكافي عن زرارة: كنت عند أبي‏جعفر(عليه السلام) ، فقال له رجل من أهل الكوفة يسأله عن قول أميرالمؤمنين(عليه السلام) : سلوني عمّا شئتم، فلا تسألوني عن شي‏ء إلّا أنبأتكم به.
قال: إنّه ليس أحد عنده علم شي‏ء إلّا خرج من عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، فليذهب الناس حيث شاؤوا، فواللَّه ليس الأمر إلّا من هاهنا. وأشار بيده إلى بيته‏(28).
5689 - الاستيعاب عن سعيد بن المسيّب: ما كان أحد من الناس يقول: «سلوني»، غير عليّ بن أبي‏طالب(رضى اللّه عنه)(29).
5690 - التوحيد عن الأصبغ بن نباته: لمّا جلس عليّ(عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) لابساً بردة رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) متنعّلاً نعل رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) متقلّداً سيف رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فصعد المنبر فجلس‏(عليه السلام) عليه متمكّناً، ثمّ شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بَطنه ثمّ قال:
يا معشرَ الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط(30) العلم، هذا لعاب رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) هذا ما زقّني رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) زقّاً زقّاً. سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما واللَّه لو ثُنيت لي الوِسادة فجلست عليها؛ لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذَب لقد أفتاكم بما أنزل اللَّه فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذَب لقد أفتاكم بما أنزل اللَّه فيّ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدَق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللَّه فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ ولولا آية في كتاب اللَّه لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(31).
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللَّه الذي فلق الحبّة وبرأ النسَمة لو سألتموني عن آية آية في ليل اُنزلت أو في نهار اُنزلت، مكّيها ومدنيّها، سفريّها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، محكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم.
فقام إليه رجل يقال له ذعلب وكان ذرِبَ اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب فقال: لقد ارتقى ابن أبي‏طالب مِرقاة صعبة لاُخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال: يا أميرالمؤمنين هل رأيت ربّك؟
قال: ويلك يا ذعلب! لم أكن بالذي أعبد ربّاً لم أره.
قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا.
قال: ويلك! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان! ويلك يا ذعلب! إنّ ربّي لا يُوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولابالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يُوصف باللطف، عظيم العظمة لا يُوصف بالعِظم، كبير الكبرياء لا يُوصف بالكبر، جليل الجلالة لايُوصف بالغِلَظ. رؤوف الرحمة لا يُوصف بالرقّة. مؤمن لا بعبادة، مدرك لابمِجسّة، قائل لا باللفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شي‏ء فلا يقال: شي‏ء فوقه، أمام كلّ شي‏ء فلا يقال: له أمام، داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل، وخارج منها لا كشي‏ء من شي‏ء خارج.
فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه، ثمّ قال: تاللَّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، واللَّه لاعُدت إلى مثلها.
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: ياأميرالمؤمنين، كيف يؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبيّ؟
قال: بلى يا أشعث قد أنزل اللَّه عليهم كتاباً وبعث إليهم رسولاً، حتى كان لهم ملك سَكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيّها الملك دنّست علينا دِيننا وأهلكته فاخرج نطهّرك ونُقم عليك الحدّ.
فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلّا فشأنكم. فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أنّ اللَّه لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم واُمّنا حوّاء؟
قالوا: صدقت أيّها الملك. قال: أفليس قد زوّج بنيه من بناته وبناتَه من بنيه؟
قالوا: صدقت هذا هو الدِّين. فتعاقدوا على ذلك، فمحا اللَّه ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب. والمنافقون أشدّ حالاً منهم.
قال الأشعث: واللَّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، واللَّه لا عدت إلى مثلها أبداً.
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عصاه، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه فقال: يا أميرالمومنين دُلّني على عمل أنا إذا عملته نجّاني اللَّه من النار.
قال له: اِسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالِم ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دين اللَّه، وبفقير صابر. فإذا كتم العالم علمه وبخل الغنيّ ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور! وعندها يعرف العارفون باللَّه أنّ الدار قد رجعت إلى بَدئها أي الكفر بعد الإيمان. أيّها السائل فلا تغترّنَّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى. أيّها السائل، إنّما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشي‏ء من الدنيا أتاه ولايحزن على شي‏ء منها فاته، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يُبالي من حِلٍّ أصابها أم من حرام.
قال له: يا أميرالمؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟
قال: ينظر إلى ما أوجب اللَّه عليه من حقٍّ فيتولّاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه وإن كان حميماً قريباً. قال: صدقت واللَّه يا أميرالمومنين. ثمّ غاب الرجل فلم نره فطلبه الناس فلم يجدوه. فتبسّم عليّ(عليه السلام) على المنبر ثمّ قال: ما لكم هذا أخي الخضر(عليه السلام) .
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد، فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، ثمّ قال للحسن(عليه السلام) : يا حسن قُم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لاتجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إنّ الحسن بن عليّ لا يُحسن شيئاً.
قال الحسن:(عليه السلام) يا أبتِ كيف أصعد وأتكلّم وأنت في الناس تسمع وترى؟
قال له: بأبي واُمّي اُواري نفسي عنك وأسمع وأرى وأنت لا تراني.
فصعد الحسن(عليه السلام) المنبر فحمد اللَّه بمحامد بليغة شريفة، وصلّى على النبيّ وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيّها الناس سمعت جدّي رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول: أنا مدينة العلم وعليّ بابها وهل تُدخل المدينةُ إلّا من بابها ثمّ نزل.
فوثب إليه عليّ(عليه السلام) فحمله وضمّه إلى صدره، ثمّ قال للحسين: يا بنيّ قم فاصعد المنبر وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إنّ الحسين بن عليّ لايُبصر شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.
فصعد الحسين(عليه السلام) المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) صلاة موجزة، ثمّ قال: معاشر الناس سمعت جدّي رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) وهو يقول: إنّ عليّاً هو مدينة هدى فمَن دخلها نجا ومن تخلّف عنها هلك.
فوثب إليه عليّ فضمّه إلى صدره وقبّله ثمّ قال: معاشر الناس اشهدوا أنّهما فرخا رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) وديعته التي استودعنيها وأنا أستودعُكموها، معاشر الناس ورسولُ‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) سائلكم عنهما(32).

خزي من قال: «سلوني» غير النبيّ والإمام


5691 - العلّامة الأميني(قدس سره) في الغدير: لم أرَ في التاريخ قبل مولانا أميرالمؤمنين مَن عرض نفسه لمعضلات المسائل وكراديس الأسئلة، ورفع عَقِيرته‏(33) بجأش رابط بين الملأ العلمي بقوله: سلوني، إلّا صنوه النبيّ الأعظم؛ فإنّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان يكثر من قوله: «سلوني عمّا شئتم»، وقوله: «سلوني، سلوني»، وقوله: «سلوني، ولا تسألوني عن شي‏ء إلّا أنبأتكم به». فكما ورث أميرالمؤمنين علمه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ورث مكرمته هذه وغيرها، وهما صنوان في المكارم كلّها.
وما تفوّه بهذا المقال أحد بعد أميرالمؤمنين(عليه السلام) إلّا وقد فُضح ووقع في رَبِيكة(34)، وأماط بيده الستر عن جهله المطبق، نظراء:
1 - إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي والي مكّة والمدينة والموسم لهشام بن عبدالملك، حجّ بالناس سنة (107)، وخطب بمنى، ثمّ قال: سلوني؛ فأنا ابن الوحيد، لا تسألوا أحداً أعلم منّي!
فقام إليه رجل من أهل العراق، فسأله عن الاُضحيّة أواجبة هي؟ فما درى أيّ شي‏ء يقول له، فنزل عن المنبر(35).
2 - مقاتل بن سليمان: قال إبراهيم الحربي: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عمّا دون العرش إلى لويانا(36)!
فقال له رجل: آدم حين حجَّ مَن حلَق رأسه؟
قال: فقال له: ليس هذا من عملكم، ولكنّ اللَّه أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي!(37)
3 - قال سفيان بن عيينة: قال مقاتل بن سليمان يوماً: سلوني عمّا دون العرش!
فقال له إنسان: يا أباالحسن، أرأيت الذرّة أو النملة أمعاؤها في مقدّمها أو مؤخّرها؟
قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له. قال سفيان: فظننت أنّها عقوبة عوقب بها(38).
4 - قال موسى بن هارون الحمّال: بلغني أنّ قتادة قدم الكوفة، فجلس في مجلس له وقال: سلوني عن سنن رسول‏اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) حتى اُجيبكم.
فقال جماعة لأبي حنيفة: قم إليه فسلْه. فقام إليه فقال: ما تقول يا أباالخطّاب في رجل غاب عن أهله فتزوّجت امرأته، ثمّ قدم زوجها الأوّل فدخل عليها وقال: يا زانية، تزوّجت وأنا حيّ؟! ثمّ دخل زوجها الثاني فقال لها: تزوّجت يا زانية ولك زوج؟! كيف اللعان؟
فقال قتادة: قد وقع هذا؟
فقال له أبوحنيفة: وإن لم يقع نستعدّ له!
فقال له قتادة: لا اُجيبكم في شي‏ء من هذا؛ سلوني عن القرآن.
فقال له أبوحنيفة: ما تقول في قوله عزّ وجلّ: قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ(39)؛ من هو؟
قال قتادة: هذا رجل من ولد عمّ سليمان بن داود؛ كان يعرف اسم اللَّه الأعظم.
فقال أبوحنيفة: أكان سليمان يعلم ذلك الاسم؟
قال: لا.
قال: سبحان اللَّه! ويكون بحضرة نبيّ من الأنبياء من هو أعلم منه؟!
قال قتادة: لا اُجيبكم في شي‏ء من التفسير؛ سلوني عمّا اختلف الناس فيه.
فقال له أبوحنيفة: أمؤمن أنت؟
قال: أرجو.
قال له أبوحنيفة: فهلّا قلت كما قال إبراهيم فيما حكى اللَّه عنه حين قال له: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى‏(40).
قال قتادة: خذوا بيدي؛ واللَّه لا دخلت هذا البلد أبداً!(41)
5 - وحكي عن قتادة أنّه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس، فقال: سلوا عمّا شئتم، وكان أبوحنيفة حاضراً وهو يومئذٍ غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم اُنثى؟ فسألوه فاُفحم.
فقال أبوحنيفة: كانت اُنثى. فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ فقال: من قوله تعالى: قَالَتْ(42)، ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة؛ مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والاُنثى‏(43).
6 - قال عبيداللَّه بن محمّد بن هارون: سمعت الشافعي بمكّة يقول: سلوني عمّا شئتم اُحدّثكم من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه.
فقيل: يا أباعبداللَّه، ما تقول في محرم قتل زنبوراً؟
قال: وَمَآ ءَاتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ(44)(45)(46).
5692 - قال زين الدين العاملي في الصراط المستقيم: ممّا سمعناه مذاكرةً أنّ ابن الجوزي قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني. فسألته امرأة عمّا روي أنّ عليّاً سار في ليلة إلى سلمان فجهّزه ورجع.
فقال: روي ذلك.
قالت: وعثمان تمّ ثلاثة أيّام منبوذاً في مزابل البقيع، وعليّ حاضر؟
قال: نعم.
قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما!
فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن بعلك فعليك لعنة اللَّه وإلّا فعليه!
فقالت: خرجت عائشة إلى حرب عليّ بإذن النبيّ أو لا؟! فانقطع‏(47).
راجع: القسم الثالث عشر / إخباره بالأمور الغيبيّة.

الباب الحادي عشر: سرعة البديهة


5693 - نهج‏البلاغة: قال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم فيه!
فقال(عليه السلام) له: إنّما اختلفنا عنه لا فيه‏(48)، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَل لَّنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(49)!(50)
5694 - نهج‏البلاغة: سئل(عليه السلام) : كيف يحاسب اللَّه الخلق على كثرتهم؟!
فقال(عليه السلام) : كما يرزقهم على كثرتهم.
فقيل: كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال(عليه السلام) : كما يرزقهم ولا يرونه‏(51).
5695 - الأمالي للسيّد المرتضى: قال له(عليه السلام) ابن الكوّاء: يا أميرالمؤمنين، كم بين السماء والأرض؟
قال: دعوة مستجابة(52).
5696 - نهج‏البلاغة: سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب، فقال(عليه السلام) : مسيرة يوم للشمس‏(53).
5697 - الغارات عن أبي‏عمرو الكندي - في ذكر أسئلة ابن الكوّاء منه(عليه السلام) -:
قال [ابن الكوّاء]: فكم بين السماء والأرض؟
قال: مدّ البصر، ودعوة بذكر اللَّه فيُسمع. لا نقول غير ذلك؛ فاسمع، لا أقول غير ذلك‏(54).
5698 - الإمام عليّ(عليه السلام) -حين قال له ابن الكوّاء: يا أميرالمؤمنين، كم بين موضع قدمك إلى عرش ربّك؟ قال-: ثكلتك اُمّك يابن الكوّاء! سل متعلّماً ولا تسأل متعنّتاً؛ مِن موضع قدمي إلى عرش ربّي أن يقول قائل مخلصاً: لا إله إلّا اللَّه‏(55).
5699 - عنه(عليه السلام) - في جواب سائل -: أمّا الابن الذي أكبرُ من أبيه وله ابن أكبر منه فهو عزير؛ بعثه اللَّه وله أربعون سنة ولابنه مائة وعشر سنين‏(56).
5700 - خصائص الأئمّة(عليهم السلام)-:قال كعب الأحبار:...أخبرني يا أباالحسن عمّن لا أب له، وعمّن لا عشيرة له، وعمّن لا قبلة له؟
قال: أمّا من لا أب له فعيسى(عليه السلام) ، وأمّا [من‏](57) لا عشيرة له فآدم(عليه السلام) ، وأما من لاقبلة له فهو البيت الحرام؛ هو قبلة ولا قبلة لها.
هات يا كعب.
فقال: أخبرني يا أباالحسن عن ثلاثة أشياء لم ترتكض في رحم ولم تخرج من بدن؟
فقال(عليه السلام) : هي عصا موسى(عليه السلام) ، وناقة ثمود، وكبش إبراهيم.
ثمّ قال: هات يا كعب.
فقال: يا أباالحسن، بقيت خصلة؛ فإن أنت أخبرتني بها فأنت أنت! قال: هلمّها ياكعب.
قال: قبرٌ سار بصاحبه؟
قال: ذلك يونس بن متّى إذ سجنه اللَّه في بطن الحوت‏(58).
5701 - تذكرة الخواصّ عن ابن المسيّب: كتب ملك الروم إلى عمر:... أمّا بعد؛ فإنّي مُسائلك عن مسائل، فأخبرني عنها: ما شي‏ء لم يخلقه اللَّه؟ وما شي‏ء لا يعلمه اللَّه؟و... فقرأ عليٌ(عليه السلام) الكتاب، وكتب في الحال خلفه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم،... أمّا الذي لا يعلمه اللَّه فقولكم: له ولد وصاحبة وشريك؛ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَاهٍ(59)؛ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (60).
وأمّا الذي ليس عند اللَّه: فالظلم؛ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(61).
وأمّا الذي كلّه فم: فالنار تأكل ما يُلقى فيها.
وأمّا الذي كلّه رجل: فالماء.
وأمّا الذي كلّه عين: فالشمس.
وأمّا الذي كلّه جناح: فالريح.
وأمّا الذي لا عشيرة له: فآدم(عليه السلام) .
وأمّا الذين لم يحمل بهم رحم: فعصا موسى، وكبش إبراهيم، وآدم، وحوّاء.
وأمّا الذي يتنفّس من غير روح: فالصبح؛ لقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ(62)....
وأمّا الظاعِن‏(63): فطور سيناء(64)؛ لمّا عصت بنو إسرائيل، وكان بينه وبين الأرض المقدّسة أيّام، فقلع اللَّه منه قطعة وجعل لها جناحين من نور، فنَتَقَه‏(65) عليهم؛ فذلك قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعُ‏م بِهِمْ(66)، وقال لبني إسرائيل: إن لم تؤمنوا وإلّا أوقعته عليكم، فلمّا تابوا ردّه إلى مكانه.
وأمّا المكان الذي لم تطلع عليه الشمس إلّا مرّة واحدة: فأرض البحر لمّا فلقه اللَّه لموسى(عليه السلام) ، وقام الماء أمثال الجبال، ويبست الأرض بطلوع الشمس عليها، ثمّ عاد ماء البحر إلى مكانه.
وأمّا الشجرة التي يسير الراكب في ظلّها مائة عام: فشجرة طوبى؛ وهي سدرة المنتهى في السماء السابعة، إليها ينتهي أعمال بني آدم، وهي من أشجار الجنّة، ليس في الجنّة قصر ولا بيت إلّا وفيه غصن من أغصانها. ومثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد وضوؤها في كلّ مكان.
وأمّا الشجرة التي نبتت من غير ماء: فشجرة يونس، وكان ذلك معجزة له؛ لقوله تعالى: وَأَم‏نبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ(67).
وأمّا غذاء أهل الجنّة: فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن اُمّه؛ فإنّه يغتذي من سرّتها ولايبول ولا يتغوّط.
وأمّا الألوان في القصعة الواحدة: فمثله في الدنيا البيضة فيها لونان أبيض وأصفر ولايختلطان.
وأمّا الجارية التي تخرج من التفّاحة: فمثلها في الدنيا الدودة تخرج من التفّاحة ولاتتغيّر.
وأمّا الجارية التي تكون بين اثنين: فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك، وهي لي في الآخرة دونك؛ لأنّها في الجنّة وأنت لا تدخلها!
وأمّا مفاتيح الجنّة: فلا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول‏اللَّه.
قال ابن المسيّب: فلمّا قرأ قيصر الكتاب قال: ما خرج هذا الكلام إلّا من بيت النبوّة!(68)
5702 - بحارالأنوار: قضى [عليّ(عليه السلام) ] بالبصرة لقوم حدّادين اشتروا باب حديد من قوم، فقال أصحاب الباب: كذا وكذا منّاً، فصدّقوهم وابتاعوه، فلمّا حملوا الباب على أعناقهم قالوا للمشتري: ما فيه ما ذكروه من الوزن، فسألوهم الحطيطة فأبوا، فارتجعوا عليهم، فصاروا إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، فقال: أدلّكم؛ احملوه إلى الماء. فحُمل فطُرح في زورق صغير وعُلّم على الموضع الذي بلغه الماء. ثمّ قال: أرجِعوا مكانه تمراً موزوناً. فما زالوا يطرحون شيئاً بعد شي‏ء موزوناً حتى بلغ الغاية. قال: كم طرحتم؟ قالوا: كذا وكذا منّاً ورطلاً. قال(عليه السلام) : وزنه هذا(69).
5703 - الفضائل: روي أنّ امرأة تركت طفلاً ابن ستّة أشهر على سطح، فمشى الصبيّ يحبو حتى خرج من السطح وجلس على رأس الميزاب، فجاءت اُمّه على السطح فما قدرت عليه، فجاؤوا بسلّم ووضعوه على الجدار فما قدروا على الطفل؛ من أجل طول الميزاب وبعده عن السطح، والاُمّ تصيح وأهل الصبيّ كلّهم يبكون، وكان في أيّام عمر بن الخطّاب، فجاؤوا إليه فحضر مع القوم فتحيّروا فيه، وقالوا: ما لهذا إلّا عليّ بن أبي‏طالب! فحضر عليّ(عليه السلام) ، فصاحت اُمّ الصبيّ في وجهه، فنظر أميرالمؤمنين إلى الصبيّ، فتكلّم الصبيّ بكلام لا يعرفه أحد، فقال(عليه السلام) : أحضِروا هاهنا طفلاً مثله، فأحضروه، فنظر بعضهما إلى بعض وتكلّم الطفلان بكلام الأطفال، فخرج الطفل من الميزاب إلى السطح، فوقع فرح في المدينة لم يُرَ مثله‏(70).

كلام ابن أبي‏الحديد في علوم الإمام


قال ابن أبي‏الحديد في مقدّمة شرح نهج‏البلاغة: قد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه(عليه السلام) اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ.
فإنّ المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم تعلّم الناس هذا الفنّ - تلامذته وأصحابه؛ لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذُ أبي‏هاشم عبداللَّه بن محمّد ابن الحنفيّة، وأبوهاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه(عليه السلام) .
وأمّا الأشعريّة: فإنّهم ينتمون إلى أبي‏الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي‏بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي‏عليّ الجبّائي، وأبوعليّ أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخرةٍ إلى اُستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو عليّ بن أبي‏طالب(عليه السلام) .
وأمّا الإماميّة والزيديّة فانتماؤهم إليه ظاهر.
ومن العلوم علم الفقه، وهو(عليه السلام) أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه، ومستفيد من فقهه.
أمّا أصحاب أبي‏حنيفة، كأبي‏يوسف ومحمّد وغيرهما، فأخذوا عن أبي‏حنيفة.
وأمّا الشافعي فقرأ على محمّد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي‏حنيفة.
وأمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي‏حنيفة، وأبوحنيفة قرأ على جعفر بن محمّد(عليه السلام) ، وقرأ جعفر على أبيه(عليه السلام) ، وينتهي الأمر إلى عليّ(عليه السلام) .
وأمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عِكْرمة، وقرأ عكرمة على عبداللَّه بن عبّاس، وقرأ عبداللَّه بن عبّاس على عليّ بن أبي‏طالب. وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك.
فهؤلاء الفقهاء الأربعة.
وأمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر. وأيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كانوا: عمر بن الخطّاب، وعبداللَّه بن عبّاس؛ وكلاهما أخذ عن عليّ(عليه السلام) .
وأمّا ابن عبّاس فظاهر، وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرّة: «لولا عليّ لهلك عمر!»، وقوله: «لا بقيتُ لمعضلة ليس لها أبوالحسن!»، وقوله: «لا يُفتِينَّ أحد في المسجد وعليّ حاضر».
فقد عُرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه.
وقد روت العامّة والخاصّة قوله(صلى اللّه عليه وآله وسلم) : «أقضاكم عليّ». والقضاء هو الفقه، فهو إذاً أفقههم.
وروى الكلّ أيضاً أنّه(عليه السلام) قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضياً: «اللهمّ اهدِ قلبه، وثبِّت لسانه». قال: فما شككتُ بعدها في قضاءٍ بين اثنين.
وهو(عليه السلام) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية، وهو الذي قال في المِنْبريّة(71): «صار ثُمنها تُسعاً». وهذه المسألة لوفكّر الفَرَضي‏(72) فيها فكراً طويلاً لاستُحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنّك بمن قاله بديهةً، واقتضبه ارتجالاً!
ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه اُخذ، ومنه فرّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك؛ لأنّ أكثره عنه وعن عبداللَّه بن عبّاس، وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف، وقد عرفت أنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون. وقد صرّح بذلك الشِّبْلي، والجُنَيد، وسَرِيّ، وأبويزيد البسْطامي، وأبومحفوظ معروف الكرخي، وغيرهم.
ويكفيك دلالة على ذلك، الخِرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متّصل إليه(عليه السلام) .
ومن العلوم علم النحو والعربيّة، وقد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي‏الأسود الدؤلي جوامعه واُصوله؛ من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف. ومن جملتها: تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجرّ والجزم، وهذا يكاد يُلحق بالمعجزات؛ لأنّ القوّة البشريّة لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط(73).

1) التوحيد: 305/1، الاحتجاج: 1/610/138 كلاهما عن الأصبغ بن نباتة، تاريخ اليعقوبي: 2/193، تفسير العيّاشي: 2/282/22 عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عن آبائه عنه(عليهم السلام)، الملاحم والفتن: 221/319 عن زرّ بن حبيش، غرر الحكم: 5637، المناقب لابن شهرآشوب: 2/38 وفيه «روى ابن البختري من ستّة طرق وابن القصل من عشر طرق، وإبراهيم الثقفي من أربعة عشر طريقاً»؛ المناقب للخوارزمي: 91/85 عن أبي‏البختري.
2) وفي نسخة: «الجنبين».
3) تاريخ دمشق: 42/400؛ التوحيد: 92/6 عن وهب بن وهب القرشي عن الإمام الصادق عن أبيه عنه(عليهم السلام)، تفسير العيّاشي: 2/282/22 عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه عنه(عليهم السلام) وفيهما «فإنّ بين جوانحي علماً جمّاً» بدل «فبين الجبلين...».
4) الشَّغرُ: الرفع (لسان العرب: 4/417).
5) الخطم من كلّ طائر: منقارُهُ. والحظم من كلّ دابة: مُقَدَّمُ أنفها وفمها نحو الكلب والبعير (لسان العرب: 12/186).
6) نهج‏البلاغة: الخطبة 189، غرر الحكم: 5635، عيون الحكم والمواعظ: 285/5145 كلاهما إلى «بطرق الأرض» وفيهما «أخبر» بدل «أعلم».
7) ينابيع المودّة: 3/208 وص 223 وفيه من «سلوني قبل أن تفقدوني...».
8) كنز العمّال: 13/165/36502 نقلاً عن ابن النجّار عن أبي‏المعتمر مسلم بن أوس وجارية بن قدامة السعدي وراجع إرشاد القلوب: 377.
9) الفضائل لابن شاذان: 117، بحارالأنوار: 46/135/25.
10) الأمالي للصدوق: 196/207 عن الأصبغ بن نباتة، كامل الزيارات: 155/191.
11) جامع بيان العلم: 1/114، الاستيعاب: 3/208/1875، كنز العمّال: 2/565/4740، ذخائر العقبى: 151، شواهد التنزيل: 1/42/31؛ سعد السعود: 109 كلّها عن أبي‏الطفيل، غرر الحكم: 5637 كلاهما نحوه.
12) تفسير الطبري: 13/الجزء 26/186، تفسير ابن كثير: 7/390 عن أبي‏الطفيل نحوه.
13) تفسير الطبري: 13/الجزء 26/186، تفسير ابن كثير: 7/390 عن أبي‏الطفيل نحوه.
14) تفسير الطبري: 13/الجزء 26/186، تفسير ابن كثير: 7/390 عن أبي‏الطفيل نحوه.
15) تفسير الطبري: 13/الجزء 26/186، تفسير ابن كثير: 7/390 عن أبي‏الطفيل نحوه.
16)- ) الذاريات: 1 - 4.
17) إبراهيم: 28 و 29.
18) المستدرك على الصحيحين: 2/506/3736؛ الاحتجاج: 1/612/139 عن الأصبغ بن نباتة نحوه، وراجع المستدرك على الصحيحين: 2/383/3342 والمعيار والموازنة: 298.
19) نهج‏البلاغة: الخطبة 175، غرر الحكم: 7606، عيون الحكم والمواعظ: 416/7071 وليس فيهما «ومآل هذا الأمر»؛ ينابيع المودّة: 1/207/8.
20) حوازب الخطوب: الأمر الشديد (لسان العرب: 1/309).
21) قلّصت الإبل: استمرّت في مضيّها (لسان العرب: 7/81).
22) نهج‏البلاغة: الخطبة 93، الغارات: 1/7 عن ابن أبي‏ليلى، شرح الأخبار: 2/39/410 كلاهما نحوه، المناقب لابن شهرآشوب: 2/39 وفيه إلى «موتاً» وراجع عوالي اللآلي: 4/129/221.
23) تاريخ اليعقوبي: 2/193، الملاحم والفتن: 221/319 عن زرّ بن حُبَيش، شرح الأخبار: 2/286/601 كلاهما نحوه إلى «وسائقها».
24) المُخصِبة: الأرض المُكلِئَةُ (لسان العرب: 1/356).
25) الجَدْبة: الأرضُ التي ليس بها قليلٌ ولا كثيرٌ ولا مَرْتَفعٌ ولا كلأٌ (لسان العرب: 1/256).
26) الأمالي للطوسي: 58/85، الإرشاد: 1/330 عن أبي‏الحكم نحوه، الاختصاص: 279 عن الأصبغ بن نباتة، بصائر الدرجات: 299/13 عن سعد بن الأصبغ وليس فيهما «وناعقها إلى يوم القيامة»؛ ينابيع المودّة: 1/222/45.
27) بصائر الدرجات: 296/2 وص 297/8.
28) الكافي: 1/399/2، بصائر الدرجات: 12/1 وفيه «المدينة» بدل «بيته».
29) الاستيعاب: 3/206/1875، اُسد الغابة: 4/95/3789، جامع بيان العلم: 1/114؛ المناقب لابن شهرآشوب: 2/39.
30) السَّفَطْ، الذي يُعَبَّى فيه الطِّيب ونحوه (مجمع الحرين: 2/850).
31) الرعد: 39.
32) التوحيد: 305/1، الأمالي للصدوق: 423/560، الاختصاص: 235، الاحتجاج: 1/609/138 وفيه إلى «هذا أخي الخضر(عليه السلام)»؛ ينابيع المودّة: 2/337/982 نحوه إلى «نهاراً».
33) العَقِيْرة: الصَّوْت (النهاية: 3/275).
34) يقال: إرْتَبَك الرجُلُ في الأمر: أي نَشِب فيه ولم يَكَدْ يتخلّص منه. وارْتَبَك في كلامه: تَتَعْتَعَ (انظر لسان العرب: 10/431).
35) راجع: تاريخ دمشق: 7/261/535 وتاريخ الطبري: 7/53.
36) كذا في المصدر.
37) راجع: تاريخ بغداد: 13/163/7143 وتهذيب الكمال: 28/447/6161.
38) راجع: تاريخ بغداد: 13/166/7143 وتهذيب الكمال: 28/447/6161.
39) النمل: 40.
40) البقرة: 260.
41) راجع: الانتقاء لإبن عبدالبرّ: 156.
42) النمل: 18.
43) راجع: حياة الحيوان الكبرى: 2/368 والكشّاف: 3/137 وفيض القدير: 4/673 وبحارالأنوار: 14/95.
44) الحشر: 7.
45) راجع: تذكرة الحفّاظ: 2/755/756 والسنن الكبرى: 5/347/10055.
46) الغدير: 6/195.
47) الصراط المستقيم: 1/218.
48) أي في أخبار وردت عنه، لا في صدق نبوّته.
49) الأعراف: 138.
50) نهج‏البلاغة: الحكمة 317، الأمالي للسيّد المرتضى: 1/198 وراجع جواهر المطالب: 1/259.
51) نهج‏البلاغة: الحكمة 300، الأمالي للسيّد المرتضى: 1/103، روضة الواعظين: 41، بحارالأنوار: 7/271/37.
52) الأمالي للسيّد المرتضى: 1/198، المناقب لابن شهرآشوب: 2/383، بحارالأنوار: 10/84/5.
53) نهج‏البلاغة: الحكمة 294، الغارات: 1/180، بحارالأنوار: 58/166/25.
54) الغارات: 1/180، بحارالأنوار: 58/93/13، نهج‏السعادة: 2/632/342؛ كنز العمّال: 13/161/36492 نقلاً عن ابن منيع عن زاذان وفيهما «قدر دعوة عبدٍ دعا اللَّه، لا أقول غير ذلك».
55) الاحتجاج: 1/614/139، بحارالأنوار: 10/122/2.
56) المناقب لابن شهرآشوب: 2/385، الصراط المستقيم: 2/19 نحوه، بحارالأنوار: 10/88/7 وراجع تفسير العيّاشي: 1/141/468.
57) إضافة يقتضيها السياق.
58) خصائص الأئمّة(عليهم السلام): 89 وراجع الخصال: 456/1 وبحارالأنوار: 10/3/1.
59) المؤمنون: 91.
60) الإخلاص: 3.
61) فصّلت: 46.
62) التكوير: 18.
63) اسم فاعل من ظَعَن يظْعَن: أي ذَهَب وسارَ (انظر لسان العرب: 13/270).
64) طُور سَيْناء: سينا - بفتح السين أو كسرها - اسم موضع بالشام يضاف إليه الطور فيقال: طُور سَيْناء، الجبل الذي كلّم اللَّه تعالى عليه موسى بن عمران(عليه السلام) (معجم البلدان: 3/300).
65) النَّتْق: أن تَقْلَع الشي‏ءَ فتَرفَعه من مكانه لِتَرمي به (النهاية: 5/13).
66) الأعراف: 171.
67) الصافّات: 146.
68) تذكرة الخواصّ: 145؛ الغدير: 6/248 عن ابن المسيّب.
69) بحارالأنوار: 40/286/45 نقلاً عن كتاب صفوة الأخبار.
70) الفضائل لإبن شاذان: 56، بحارالأنوار: 40/267/36.
71) راجع: علم الحساب.
72) هو الذي يعرف الفرائض (لسان العرب: 7/202).
73) شرح نهج‏البلاغة: 1/17.
الصفحة اللاحقة طباعة موسوعة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في الكتاب و السنة و التاريخ الصفحة السابقة