5760 - الإمام الباقر(عليه السلام) : دخل أميرالمؤمنين(عليه السلام) المسجد فاستقبله شابّ يبكي وحوله قوم يُسكتونه، فقال عليّ
(عليه السلام) : ما أبكاك؟ فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّ شريحاً قضى عليَّ بقضيّة ما أدري ما هي؟ إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالاً، فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمتُ - يا أميرالمؤمنين - أنّ أبيخرج ومعه مال كثير، فقال لهم أميرالمؤمنين(عليه السلام) : ارجعوا، فرجعوا والفتى معهم إلى شريح.
فقال له أميرالمؤمنين(عليه السلام) : يا شريح! كيف قضيت بين هؤلاء؟ فقال: يا أميرالمؤمنين، ادّعى هذا الفتى على هؤلاء النفر أنّهم خرجوا في سفر وأبوه معهم، فرجعوا ولم يرجع أبوه، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما خلّف مالاً، فقلت للفتى: هل لك بيّنة على ما تدّعي؟ فقال: لا، فاستحلفتهم فحلفوا.
فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام) : هيهات يا شريح! هكذا تحكم في مثل هذا؟! فقال: يا أميرالمؤمنين، فكيف؟
فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام) : واللَّه لأحكمنّ فيهم بحكمٍ ما حكم به خلق قبلي إلّا داود النبيّ(عليه السلام) . يا قنبر! ادعُ لي شَرَطة الخميس، فدعاهم، فوكّل بكلّ رجل منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون؟ أتقولون: إنّي لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى؟ إنّي إذاً لجاهل!
ثمّ قال: فرِّقوهم وغطُّوا رؤوسهم، ففُرّق بينهم واُقيم كلّ رجل منهم إلى اُسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطّاة بثيابهم، ثمّ دعا بعبيد اللَّه بن أبيرافع كاتبه فقال: هاتِ صحيفة ودواة، وجلس أميرالمؤمنين صلوات اللَّه عليه في مجلس القضاء وجلس الناس إليه، فقال لهم: إذا أنا كبّرت فكبّروا، ثمّ قال للناس: افرجوا(1)، ثمّ دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه.
ثمّ قال لعبيد اللَّه بن أبيرافع: اكتب إقراره وما يقول، ثمّ أقبل عليه بالسؤال، فقال له أميرالمؤمنين(عليه السلام) : في أيّ يوم خرجتم من منازلكم وأبوهذا الفتى معكم؟ فقال الرجل: في يوم كذا وكذا. قال: وفي أيّ شهر؟ قال: في شهر كذا وكذا. قال: في أيّ سنة؟ قال: في سنة كذا وكذا. قال: وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبوهذا الفتى؟ قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: وفي منزل مَن مات؟ قال: في منزل فلان بن فلان، قال: وما كان مرضه؟ قال: كذا وكذا، قال: وكم يوماً مرض؟ قال: كذا وكذا، قال: ففي أيّ يوم مات؟ ومن غسّله؟ ومن كفّنه؟ وبما كفّنتموه؟ ومن صلّى عليه؟ ومن نزل قبره؟
فلمّا سأله عن جميع ما يريد كبّر أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، وكبّر الناس جميعاً، فارتاب اُولئك الباقون، ولم يشكّوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يُغطّى رأسه ويُنطلق به إلى السجن، ثمّ دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثمّ قال: كلّا، زعمتم أنّي لا أعلم بما صنعتم؟ فقال: يا أميرالمؤمنين، ما أنا إلّا واحد من القوم، ولقد كنت كارهاً لقتله، فأقرّ.
ثمّ دعا بواحد بعد واحد كلّهم يقرّ بالقتل وأخْذ المال، ثمّ ردّ الذي كان أمر به إلى السجن فأقرّ أيضاً، فألزمهم المال والدم.
فقال شريح: يا أميرالمؤمنين، وكيف حكم داود النبيّ(عليه السلام) ؟
فقال: إنّ داود النبيّ(عليه السلام) مرّ بغلمة يلعبون وينادون بعضهم: ب «يا مات الدِّين»، فيُجيب منهم غلام، فدعاهم داود(عليه السلام) فقال: يا غلام، ما اسمك؟ قال: مات الدين، فقال له داود(عليه السلام) : من سمّاك بهذا الاسم؟ فقال اُمّي.
فانطلق داود(عليه السلام) إلى اُمّه، فقال لها: يا أيّتها المرأة! ما اسم ابنك هذا؟ قالت: ماتالدين، فقال لها: ومن سمّاه بهذا؟ قالت: أبوه، قال: وكيف كان ذاك؟ قالت: إنّ أباه خرج في سفرٍ له ومعه قوم، وهذا الصبيّ حملٌ في بطني، فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فقلت لهم: فأين ما ترك؟ قالوا: لم يخلّف شيئاً، فقلت: هل أوصاكم بوصيّة؟ قالوا: نعم، زعم أنّكِ حبلى، فما ولدتِ من ولد جارية أو غلام فسمّيه «مات الدِّين» فسمّيتُه.
قال داود(عليه السلام) : وتعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك؟ قالت: نعم، قال: فأحياءٌ هم أم أموات؟ قالت: بل أحياء، قال: فانطلقي بنا إليهم، ثمّ مضى معها فاستخرجهم من منازلهم، فحكم بينهم بهذا الحكم بعينه وأثبت عليهم المال والدم وقال للمرأة: سمّي ابنك هذا «عاش الدِّين»(2).
5761 - الكافي عن ابن أبيليلى: قضى أميرالمؤمنين(عليه السلام) بين رجلين اصطحبا في سفر، فلمّا أرادا الغداء أخرج أحدهما من زاده خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة، فمرّ بهما عابر سبيل، فدعواه إلى طعامهما، فأكل الرجل معهما حتى لم يبقَ شيء، فلمّا فرغوا أعطاهما العابر بهما ثمانية دراهم ثواب ما أكله من طعامهما، فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحب الخمسة أرغفة: أقسمها نصفين بيني وبينك، وقال صاحب الخمسة: لا بل يأخذ كلّ واحد منّا من الدراهم على عدد ما أخرج من الزاد.
قال: فأتيا أميرالمؤمنين(عليه السلام) في ذلك، فلمّا سمع مقالتهما قال لهما: اصطلحا؛ فإنّ قضيّتكما دنيّة، فقالا: اقضِ بيننا بالحقّ، قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهماً، وقال: أليس أخرج أحدكما من زاده خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة؟
قالا: نعم. قال: أليس أكل معكما ضيفكما مثل ما أكلتما؟ قالا: نعم. قال: أليس أكل كلّ واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلثها؟ قالا: نعم.
قال: أليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة ثلاثةَ أرغفة غير(3) ثلث، وأكلت أنت يا صاحب الخمسة ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ أليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك، وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث، وأكلت ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ فأعطاهما لكلّ ثلث رغيف درهماً؛ فأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم، وأعطى صاحب ثلث رغيف درهماً(4).
5762 - الإمام الصادق(عليه السلام) : إنّ رجلاً أقبل على عهد عليّ(عليه السلام) من الجبل حاجّاً ومعه غلام له فأذنب، فضربه مولاه، فقال: ما أنت مولاي، بل أنا مولاك! فما زال ذا يتوعّد ذا، وذا يتوعّد ذا ويقول: كما أنت حتى نأتي الكوفة يا عدوّ اللَّه، فأذهب بك إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام).
فلمّا أتيا الكوفة أتيا أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، فقال الذي ضرب الغلام: أصلحك اللَّه! هذا غلام لي وإنّه أذنب فضربته فوثب عليَّ. وقال الآخر: هو واللَّه غلام لي؛ إنّ أبي أرسلني معه ليعلّمني، وأنّه وثب عليَّ يدّعيني ليذهب بمالي.
فأخذ هذا يحلف وهذا يحلف، وهذا يكذّب هذا وهذا يكذّب هذا، فقال: انطلقا فتصادقا في ليلتكما هذه ولا تجيئاني إلّا بحقّ، فلمّا أصبح أميرالمؤمنين(عليه السلام) قال لقنبر: اثقب في الحائط ثقبين، وكان إذا أصبح عقّب -حتى تصير الشمس على رمح- يُسبّح، فجاء الرجلان واجتمع الناس، فقالوا: لقد وردت عليه قضيّة ما ورد عليه مثلها لا يخرج منها! فقال لهما: ما تقولان؟ فحلف هذا أنّ هذا عبده، وحلف هذا أنّ هذا عبده، فقال لهما: قوما؛ فإنّي لست أراكما تصدقان، ثمّ قال لأحدهما: أدخِل رأسَك في هذا الثقب، ثمّ قال للآخر: أدخِل رأسك في هذا الثقب، ثمّ قال: ياقنبر! عليَّ بسيف رسولاللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، عجّل اضرب رقبة العبد منهما.
فأخرج الغلام رأسه مبادراً، فقال عليّ(عليه السلام) للغلام: ألست تزعم أنّك لست بعبدٍ؟ ومكث الآخر في الثقب. فقال: بلى ولكنّه ضربني وتعدّى عليَّ، فتوثّق له أميرالمؤمنين(عليه السلام) ودفعه إليه(5).
5764 - الإمام الكاظم عن آبائه عن الإمام عليّ(عليهم السلام)-:أنّه أتاه رجل بعبده فقال: إنّ عبدي تزوّج بغير إذني، فقال عليّ(عليه السلام) لسيّده: فرِّقْ بينهما، فقال السيّد لعبده: يا عدوّ اللَّه! طلِّق، فقال عليّ(عليه السلام) : كيف قلت له؟ قال: قلت له: طلّق، فقال عليّ(عليه السلام) للعبد: أمّا الآن فإن شئت فطلّق، وإن شئت فأمسك، فقال السيّد: يا أميرالمؤمنين! أمر كان بيدي فجعلتَه بيد غيري؟! قال: ذلك لأنّك حيث قلت له: طلِّق، أقررت له بالنكاح(7).
5765 - الإمام الباقر(عليه السلام) : قضى أميرالمؤمنين(عليه السلام) في رجلٍ أعور اُصيبت عينه الصحيحة ففُقئت - أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفى عن عين صاحبه(8).
5766 - الكافي عن الحسن بن كثير عن أبيه: اُصيبت عين رجل وهي قائمة فأمر أميرالمؤمنين(عليه السلام) فرُبطت عينه الصحيحة، وأقام رجل بحذاه بيده بيضة، يقول: هل تراها؟ قال: فجعل إذا قال: نعم، تأخّر قليلاً حتى إذا خفيت عليه علّم ذلك المكان، قال: وعصبت عينه المصابة، وجعل الرجل يتباعد وهو ينظر بعينه الصحيحة حتى إذا خفيت عليه، ثمّ قِيس ما بينهما فاُعطي الأرش على ذلك(9).
5767 - الخرائج والجرائح: إنّ سبعة إخوة أو عشرة في حيّ من أحياء العرب كانت لهم اُخت واحدة، فقالوا لها: كلّ ما يرزقنا اللَّه من عرض الدنيا وحطامها فإنّا نطرحه بين يديك ونُحكّمك فيه؛ فلا ترغبي في التزويج؛ فحميّتنا لا تحتمل ذلك، فوافقتهم في ذلك ورضيت به وقعدت في خدمتهم وهم يُكرِمونها.
فحاضت يوماً، فلمّا طهرت أرادت الاغتسال وخرجت إلى عين ماء كانت بقرب حيّهم، فخرجت من الماء عَلَقة(10) فدخلت في جوفها وقد جلست في الماء، فمضت عليها أيّام والعَلَقة تكبر حتى علا بطنها، وظنّ الإخوة أنّها حبلى وقد خانت، فأرادوا قتلها.
قال بعضهم: نرفع خبرها إلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالب(عليه السلام) ؛ فإنّه يتولّى ذلك.
فأخرجوها إلى حضرته وقالوا فيها ما ظنّوا بها، فاستحضر طشتاً مملوءاً بالحَمْأَة(11) وأمرها أن تقعد عليه، فلمّا أحسّت العلقة برائحة الحمأة نزلت من جوفها. فقالوا: يا عليّ، أنت ربّنا! أنت ربّنا العليّ! فإنّك تعلم الغيب! فزبرهم وقال: إنّ رسولاللَّه
(صلى اللّه عليه وآله وسلم) أخبرنا بذلك عن اللَّه بأنّ هذه الحادثة تقع في هذا اليوم، في هذا الشهر، في هذه الساعة(12).
5768 - الإمام الصادق(عليه السلام) : رُفع إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) ستّة غلمان كانوا في الفرات، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنّهما غرّقاه، وشهد اثنان على الثلاثة أنّهم غرّقوه، فقضى(عليه السلام) بالدية أخماساً؛ ثلاثة أخماس على الاثنين، وخُمسين على الثلاثة(13).
5769 - الإمام الصادق(عليه السلام) : إنّ رجلاً لقي رجلاً على عهد أميرالمؤمنين(عليه السلام) فقال له: إنّي احتلمت باُمّك، فرُفِع إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) فقال: إنّ هذا افترى عليَّ، فقال: وما قال لك؟ قال: زعم أنّه احتلم باُمّي! فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام) : في العدل إن شئتَ أقمته لك في الشمس وجلدت ظلّه؛ فإنّ الحلم مثل الظلّ، ولكنّا سنضربه إذا آذاك حتى لا يعود يؤذي المسلمين(14).
5770 - الكافي عن أبيمريم: اُتي أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالنجاشي الشاعر قد شرب الخمر في شهر رمضان، فضربه ثمانين ثمّ حبسه ليلة، ثمّ دعى به من الغد فضربه عشرين سوطاً، فقال له: يا أميرالمؤمنين! فقد ضربتني في شرب الخمر، وهذه العشرين ما هي؟ فقال: هذا لتجرّيك على شرب الخمر في شهر رمضان(15).
5771 - الإمام الصادق(عليه السلام) : ولد على عهد أميرالمؤمنين(عليه السلام) مولودٌ له رأسان وصدران في حَقْوٍ(16) واحد، فسئل أميرالمؤمنين(عليه السلام) : يُورَّث ميراث اثنين أو واحد؟ فقال: يُترك حتى ينام ثمّ يُصاح به؛ فإن انتبها جميعاً معاً كان له ميراث واحد، وإن انتبه واحد وبقي الآخر نائماً يُورَّث ميراث اثنين(17).
5772 - شرح الأخبار عن جابر بن عبداللَّه بن يحيى: جاء رجل إلى عليّبن أبيطالب(عليه السلام) فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّي كنت أعزل عن امرأتي، وإنّها جاءت بولد. فقال عليّ(عليه السلام) : اُناشدك اللَّه، هل وطئتها ثمّ عاودتها قبل أن تبول؟ قال: نعم، قال: فالولد لك(18).
5773 - الإمام الباقر(عليه السلام) : قضى أميرالمؤمنين(عليه السلام) في الرجل الذي له امرأة بالبصرة، ففجر بالكوفة أن يُدرأ عنه الرجم ، ويُضرب حدّ الزاني(19). 5774 - عنه(عليه السلام) : قضى [عليّ](عليه السلام) في رجلٍ محبوس في السجن وله امرأة حرّة في بيته في المصر وهو لا يصل إليها، فزنى في السجن، قال: عليه الجلد، ويُدرأ عنه الرجم(20).
5775 - بعض الصادقين(عليهم السلام)-:جاء رجل إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) فأقرّ بالسرقة، فقال له أميرالمؤمنين(عليه السلام) : أتقرأ شيئاً من كتاب اللَّه؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة. فقال الأشعث: أتُعطّل حدّاً من حدود اللَّه؟!
فقال: وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الرجل على نفسه فذلك إلى الإمام؛ إن شاء عفا، وإن شاء قطع(21).
5776 - الإمام الصادق(عليه السلام) : بينا أميرالمؤمنين(عليه السلام) في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أميرالمؤمنين، إنّي قد أوقبت على غلام فطهّرني، فقال له: يا هذا، امضِ إلى منزلك، لعلّ مراراً(22) هاجَ بك، فلمّا كان من غدٍ عاد إليه فقال له: ياأميرالمؤمنين، إنّي أوقبت على غلام فطهّرني، فقال له: يا هذا، امضِ إلى منزلك؛ لعلّ مراراً هاجَ بك، حتى فعل ذلك ثلاثاً بعد مرّته الاُولى، فلمّا كان في الرابعة قال له: يا هذا، إنّ رسولاللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) حكم في مثلك بثلاثة أحكام، فاختر أيّهنّ شئت، قال: وما هنّ يا أميرالمؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو إهداءٌ من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار.
فقال: يا أميرالمؤمنين، أيّهنّ أشدّ عليَّ؟ قال: الإحراق بالنار، قال: فإنّي قد اخترتها يا أميرالمؤمنين.
قال: خذ لذلك اُهبتك، فقال: نعم، فقام فصلّى ركعتين، ثمّ جلس في تشهّده فقال: اللهمّ إنّي قد أتيت من الذنب ما قد علمتَه، وإنّي تخوّفت من ذلك، فجئت إلى وصيّ رسولك، وابن عمّ نبيّك فسألته أن يطهّرني، فخيّرني بين ثلاثة أصناف من العذاب، اللهمّ فإنّي قد اخترت أشدّها، اللهمّ فإنّي أسألك أن تجعل ذلك كفّارة لذنوبي، وأن لا تُحرقني بنارك في آخرتي.
ثمّ قام وهو باكٍ حتى جلس في الحفرة التي حفرها له أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو يرى النار تتأجّج حوله، فبكى أميرالمؤمنين(عليه السلام) وبكى أصحابه جميعاً، فقال له أميرالمؤمنين
(عليه السلام) : قم يا هذا! فقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض؛ فإنّ اللَّه قد تاب عليك، فقم ولا تعاودنّ شيئاً ممّا قد فعلت(23).
5777 - الكافي عن أحمد بن محمّد بن خالد رفعه إلى الإمام عليّ(عليه السلام) : أتاه رجل بالكوفة فقال: يا أميرالمؤمنين، إنّي زنيت فطهّرني، قال: ممّن أنت؟ قال: من مُزَينة، قال: أتقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: بلى، قال: فاقرأ، فقرأ فأجاد، فقال: أبِكَ جِنّة؟ قال: لا، قال: فاذهب حتى نسأل عنك.
فذهب الرجل ثمّ رجع إليه بعدُ فقال: يا أميرالمؤمنين، إنّي زنيت فطهّرني، فقال: ألك زوجة؟ قال: بلى. قال: فمُقيمة معك في البلد؟ قال: نعم، قال: فأمره أميرالمؤمنين(عليه السلام) فذهب، وقال: حتى نسأل عنك، فبعث إلى قومه فسأل عن خبره، فقالوا: يا أميرالمؤمنين، صحيح العقل.
فرجع إليه الثالثة فقال له مثل مقالته، فقال له: اذهب حتى نسأل عنك، فرجع إليه الرابعة، فلمّا أقرّ قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) لقنبر: احتفظ به، ثمّ غضب ثمّ قال:
ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش، فيفضح نفسه على رؤوس الملأ! أفلا تاب في بيته؟! فواللَّه لتوبته فيما بينه وبين اللَّه أفضل من إقامتي عليه الحدّ.
ثمّ أخرجه ونادى في الناس: يا معشر المسلمين اخرجوا ليُقام على هذا الرجل الحدّ، ولا يعرفنّ أحدكم صاحبه، فأخرجه إلى الجبّان(24)، فقال: يا أميرالمؤمنين، أنظرني اُصلّي ركعتين.
ثمّ وضعه في حفرته واستقبل الناس بوجهه فقال:
يا معاشر المسلمين. إنّ هذا حقّ من حقوق اللَّه عزّوجلّ؛ فمن كان للَّه في عنقه حقّ فلينصرف ولا يُقيم حدود اللَّه من في عنقه للَّه حدّ، فانصرف الناس وبقي هو والحسن والحسين (عليهما السلام) ، فأخذ حَجَراً، فكبّر ثلاث تكبيرات، ثمّ رماه بثلاثة أحجار في كلّ حَجَر ثلاث تكبيرات، ثمّ رماه الحسن(عليه السلام) مثل ما رماه أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، ثمّ رماه الحسين(عليه السلام) ، فمات الرجل.
فأخرجه أميرالمؤمنين(عليه السلام) فأمر فحُفِر له وصلّى عليه ودفنه، فقيل: ياأميرالمؤمنين، ألا تُغسّله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة، لقد صبر على أمرٍ عظيم(25). 5778 - الكافي عن ميثم: أتت امرأة مُجِحٌ(26) أميرالمؤمنين(عليه السلام) فقالت: يا أميرالمؤمنين، إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللَّه؛ فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع، فقال لها: ممّا اُطهّرك؟ فقالت: إنّي زنيت، فقال لها: أوَذات بعل أنتِ أم غير ذلك؟ فقالت: بل ذات بعل، فقال لها: أفحاضراً كان بعلكِ إذ فعلتِ ما فعلتِ أم غائباً كان عنك؟ فقالت: بل حاضراً، فقال لها: انطلقي، فضعي ما في بطنك، ثمّ ائتني اُطهّرْك، فلمّا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهمّ إنّها شهادة.
فلم يلبث أن أتته، فقالت: قد وضعت فطهّرني، فتجاهل عليها، فقال: اُطهّرك يا أمة اللَّه ممّاذا؟ فقالت: إنّي زنيت فطهّرني، فقال: وذات بعل إذ فعلتِ ما فعلتِ؟ قالت: نعم، قال: وكان زوجك حاضراً أم غائباً؟ قالت: بل حاضراً، قال: فانطلقي وارضعيه حولين كاملين كما أمرك اللَّه، فانصرفت المرأة، فلمّا صارت من حيث لاتسمع كلامه قال: اللهمّ إنّهما شهادتان.
فلمّا مضى حولان أتت المرأة فقالت: قد أرضعته حولين، فطهّرني يا أميرالمؤمنين، فتجاهل عليها وقال: اُطهّرك ممّاذا؟ فقالت: إنّي زنيت فطهّرني، قال: وذات بعلٍ أنت إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: نعم، قال: وبعلك غائب عنك إذ فعلت ما فعلت أو حاضر؟ قالت: بل حاضر، قال: فانطلقي فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهوّر في بئر.
فانصرفت وهي تبكي، فلمّا ولّت فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهمّ إنّها ثلاث شهادات، فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال لها: ما يُبكيك يا أمة اللَّه وقد رأيتك تختلفين إلى عليّ تسألينه أن يطهّرك؟ فقالت: إنّي أتيت أميرالمؤمنين(عليه السلام) فسألته أن يطهّرني فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهوّر في بئر، وقد خفت أن يأتي عليَّ الموت ولميطهّرني.
فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفله.
فرجعت فأخبرت أميرالمؤمنين(عليه السلام) بقول عمرو، فقال لها أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو متجاهل عليها: ولِمَ يكفل عمرو ولدك؟ فقالت: يا أميرالمؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فقال: وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم، قال: أفغائباً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضراً؟ فقالت: بل حاضراً، قال: فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات، وإنّك قد قلت لنبيّك(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيما أخبرته به من دينك: يا محمّد من عطّل حدّاً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادّتي، اللهمّ فإنّي غير معطّل حدودك، ولا طالب مضادّتك، ولا مضيّع لأحكامك، بل مطيع لك، ومتّبع سنّة نبيّك(صلى اللّه عليه وآله وسلم) .
فنظر إليه عمرو بن حريث وكأنّما الرمّان يفقأ في وجهه، فلمّا رأى ذلك عمرو قال: يا أميرالمؤمنين، إنّني إنّما أردت أكفله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك، فأمّا إذا كرهته فإنّي لست أفعل.
فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام) : أبعدَ أربع شهادات باللَّه؟! لتكفلنّه وأنت صاغر.
فصعد أميرالمؤمنين(عليه السلام) المنبر فقال: يا قنبر! نادِ في الناس الصلاة جامعة، فنادى قنبر في الناس، فاجتمعوا حتى غصّ المسجد بأهله، وقام أميرالمؤمنين صلوات اللَّه عليه، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال:
أيّها الناس إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظَّهْر ليُقيم عليها الحدّ إنشاءاللَّه، فعزم عليكم أميرالمؤمنين لمّا خرجتم وأنتم متنكّرون ومعكم أحجاركم لايتعرّف أحد منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء اللَّه ثمّ نزل.
فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم وبأرديتهم والحجارة في أرديتهم وفي أكمامهم حتى انتهى بها والناس معه إلى الظَّهْر بالكوفة، فأمر أن يُحفر لها حفيرة ثمّ دفنها فيها، ثمّ ركب بغلته وأثبت رجليه في غرز الركاب، ثمّ وضع إصبعيه السبّابتين في اُذنيه، ثمّ نادى بأعلى صوته:
يا أيّها الناس! إنّ اللَّه تبارك وتعالى عهد إلى نبيّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) عهداً عهده محمّد(صلى اللّه عليه وآله وسلم) إليَّ بأنّه لا يُقيم الحدّ من للَّه عليه حدٌّ؛ فمن كان عليه حدّ مثل ما عليها فلا يُقيم عليها الحدّ.
فانصرف الناس يومئذٍ كلّهم ما خلا أميرالمؤمنين(عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) ، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحدّ يومئذٍ وما معهم غيرهم(27).
5779 - الكافي عن الحسن: إنّ عليّاً(عليه السلام) لمّا هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين، فمرّوا بامرأة حامل على الطريق، ففزعت منهم، فطرحت ما في بطنها حيّاً، فاضطرب حتى مات، ثمّ ماتت اُمّه من بعده، فمرّ بها عليّ(عليه السلام) وأصحابه وهي مطروحة وولدها على الطريق، فسألهم عن أمرها، فقالوا له: إنّها كانت حبلى ففزعت حين رأت القتال والهزيمة.
قال: فسألهم أيّهما مات قبل صاحبه؟ فقيل: إنّ ابنها مات قبلها. قال: فدعا بزوجها أبيالغلام الميّت، فورّثه من ابنه ثلثي الدية، وورّث اُمّه ثلث الدية، ثمّ ورّث الزوج من امرأته الميّتة نصف ثلث الدية الذي ورثته من ابنها، وورّث قرابة المرأة الميّتة الباقي، ثمّ ورّث الزوج أيضاً من دية امرأته الميّتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم، وورّث قرابة المرأة الميّتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم، وذلك أنّه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت، قال: وأدّى ذلك كلّه من بيت مال البصرة(28).