القول في شرح خطبة نهج البلاغة

قال الرضي رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه و معاذا من بلائه و وسيلا إلى جنانه و سببا لزيادة إحسانه و الصلاة على رسوله نبي الرحمة و إمام الأئمة و سراج الأمة المنتجب من طينة الكرم و سلالة المجد الأقدم و مغرس الفخار المعرق و فرع العلاء المثمر المورق و على أهل بيته مصابيح الظلم و عصم الأمم و منار الدين الواضحة و مثاقيل الفضل الراجحة فصلى الله عليهم أجمعين صلاة تكون إزاء لفضلهم و مكافأة لعملهم و كفاء لطيب أصلهم و فرعهم ما أنار فجر طالع و خوى نجم ساطع اعلم أني لا أتعرض في هذا الشرح للكلام فيما قد فرغ منه أئمة العربية و لا لتفسير ما هو ظاهر مكشوف كما فعل القطب الراوندي فإنه شرع أولا في تفسير قوله أما بعد ثم قال هذا هو فصل الخطاب ثم ذكر ما معنى الفصل و أطال فيه و قسمه أقساما يشرح ما قد فرع له منه ثم شرح الشرح و كذلك أخذ يفسر قوله من بلائه و قوله إلى جنانه و قوله و سببا و قوله المجد و قوله

[ 43 ]

الأقدم و هذا كله إطالة و تضييع للزمان من غير فائدة و لو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظة أما المفتوحة و أن نذكر الفصل بينها و بين إما المكسورة و نذكر هل المكسورة من حروف العطف أو لا ففيه خلاف و نذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة و مهملة أو عاملة و نفسر معنى قول الشاعر

أبا خراشة أما كنت ذا نفر
فإن قومي لم تأكلهم الضبع

بالفتح و نذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الإضافة و لم فتحت هاهنا حيث أضيفت و نخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها . و نبتدئ الآن فنقول قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا هو الفخار بكسر الفاء قال و هذا مما يغلط فيه الخاصة فيفتحونها و هو غير جائز لأنه مصدر فاخر و فاعل يجي‏ء مصدره على فعال بالكسر لا غير نحو قاتلت قتالا و نازلت نزالا و خاصمت خصاما و كافحت كفاحا و صارعت صراعا و عندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء و تكون مصدر فخر لا مصدر فاخر فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على فعال بالفتح نحو سمح سماحا و ذهب ذهابا اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به نقلا صريحا فتزول الشبهة و العصم جمع عصمة و هو ما يعتصم به و المنار الأعلام واحدها منارة بفتح الميم و المثاقيل جمع مثقال و هو مقدار وزن الشي‏ء تقول مثقال حبة و مثقال قيراط و مثقال دينار و ليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة فقوله مثاقيل الفضل أي زنات الفضل و هذا من باب الاستعارة و قوله تكون إزاء لفضلهم أي مقابلة له و مكافأة بالهمز من كافأته أي جازيته و كفاء بالهمز و المد أي نظيرا

[ 44 ]

و خوى النجم أي سقط و طينة الكرم أصله و سلالة المجد فرعه و الوسيل جمع وسيلة و هو ما يتقرب به و لو قال و سبيلا إلى جنانه لكان حسنا و إنما قصد الإغراب على أنا قد قرأناه كذلك في بعض النسخ و قوله و مكافأة لعملهم إن أراد أن يجعله قرينة لفضلهم كان مستقبحا عند من يريد البديع لأن الأولى ساكنة الأوسط و الأخرى متحركة الأوسط و أما من لا يقصد البديع كالكلام القديم فليس بمستقبح و إن لم يرد أن يجعلها قرينة بل جعلها من حشو السجعة الثانية و جعل القرينة و أصلهم فهو جائز إلا أن السجعة الثانية تطول جدا و لو قال عوض لعملهم لفعلهم لكان حسنا قال الرضي رحمه الله فإني كنت في عنفوان السن و غضاضة الغصن ابتدأت تأليف كتاب في خصائص الأئمة ع يشتمل على محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب و جعلته أمام الكلام و فرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا ص و عاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الأيام و مماطلات الزمان و كنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا و فصلته فصولا فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه ع من الكلام القصير في المواعظ و الحكم و الأمثال و الآداب دون الخطب الطويلة و الكتب المبسوطة فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره معجبين ببدائعه و متعجبين من نواصعه و سألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين ع في جميع فنونه و متشعبات غصونه من خطب و كتب و مواعظ و أدب علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربية و ثواقب الكلم الدينية و الدنياوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام و لا مجموع الأطراف

[ 45 ]

في كتاب إذ كان أمير المؤمنين ع مشرع الفصاحة و موردها و منشأ البلاغة و مولدها و منه ع ظهر مكنونها و عنه أخذت قوانينها و على أمثلته حذا كل قائل خطيب و بكلامه استعان كل واعظ بليغ و مع ذلك فقد سبق و قصروا و تقدم و تأخروا لأن كلامه ع الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي و فيه عبقة من الكلام النبوي عنفوان السن أولها و محاجزات الأيام ممانعاتها و مماطلات الزمان مدافعاته و قوله معجبين ثم قال و متعجبين فمعجبين من قولك أعجب فلان برأيه و بنفسه فهو معجب بهما و الاسم العجب بالضم و لا يكون ذلك إلا في المستحسن و متعجبين من قولك تعجبت من كذا و الاسم العجب و قد يكون في الشي‏ء يستحسن و يستقبح و يتهول منه و يستغرب و مراده هنا التهول و الاستغراب و من ذلك قول أبي تمام

أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب
و آل ما كان من عجب إلى عجب

يريد أنها كانت معجبة به أيام الشبيبة لحسنه فلما شاب انقلب ذلك العجب عجبا إما استقباحا له أو تهولا منه و استغرابا و في بعض الروايات معجبين ببدائعه أي أنهم يعجبون غيرهم و النواصع الخالصة و ثواقب الكلم مضيئاتها و منه الشهاب الثاقب و حذا كل قائل اقتفى و اتبع و قوله مسحة يقولون على فلان مسحة من جمال مثل قولك شي‏ء و كأنه هاهنا يريد ضوءا و صقالا و قوله عبقة أي رائحة

[ 46 ]

و لو قال عوض العلم الإلهي الكتاب الإلهي لكان أحسن قال الرضي رحمه الله فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع و منشور الذكر و مذخور الأجر و اعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين ع في هذه الفضيلة مضافة إلى المحاسن الدثرة و الفضائل الجمة و أنه انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر و الشاذ الشارد فأما كلامه ع فهو البحر الذي لا يساجل و الجم الذي لا يحافل و أردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به ص بقول الفرزدق

أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع

المحاسن الدثرة الكثيرة مال دثر أي كثير و الجمة مثله و يؤثر عنهم أي يحكى و ينقل قلته آثرا أي حاكيا و لا يساجل أي لا يكاثر أصله من النزع بالسجل و هو الدلو الملي‏ء قال

من يساجلني يساجل ماجدا
يملأ الدلو إلى عقد الكرب

و يروى و يساحل بالحاء من ساحل البحر و هو طرفه أي لا يشابه في بعد ساحله و لا يحافل أي لا يفاخر بالكثرة أصله من الحفل و هو الامتلاء و المحافلة المفاخرة بالامتلاء ضرع حافل أي ممتلئ .

[ 47 ]

و الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي و من هذه الأبيات

و منا الذي اختير الرجال سماحة
و جودا إذا هب الرياح الزعازع
و منا الذي أحيا الوئيد و غالب
و عمرو و منا حاجب و الأقارع
و منا الذي قاد الجياد على الوجا
بنجران حتى صبحته الترائع
و منا الذي أعطى الرسول عطية
أسارى تميم و العيون هوامع

الترائع الكرام من الخيل يعني غزاة الأقرع بن حابس قبل الإسلام بني تغلب بنجران و هو الذي أعطاه الرسول يوم حنين أسارى تميم .

و منا غداة الروع فرسان غارة
إذا منعت بعد الزجاج الأشاجع
و منا خطيب لا يعاب و حامل
أغر إذا التفت عليه المجامع

أي إذا مدت الأصابع بعد الزجاج إتماما لها لأنها رماح قصيرة و حامل أي حامل للديات

[ 48 ]

أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
بهم أعتلي ما حملتنيه دارم
و أصرع أقراني الذين أصارع
أخذنا بآفاق السماء عليكم
لنا قمراها و النجوم الطوالع
فوا عجبا حتى كليب تسبني
كأن أباها نهشل أو مجاشع

قال الرضي رحمه الله و رأيت كلامه ع يدور على أقطاب ثلاثة أولها الخطب و الأوامر و ثانيها الكتب و الرسائل و ثالثها الحكم و المواعظ فأجمعت بتوفيق الله سبحانه على الابتداء باختيار محاسن الخطب ثم محاسن الكتب ثم محاسن الحكم و الأدب مفردا لكل صنف من ذلك بابا و مفصلا فيه أوراقا ليكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلا و يقع إلي آجلا و إذا جاء شي‏ء من كلامه الخارج في أثناء حوار أو جواب سؤال أو غرض آخر من الأغراض في غير الأنحاء التي ذكرتها و قررت القاعدة عليها نسبته إلى أليق الأبواب به و أشدها ملامحة لغرضه و ربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متسقة و محاسن كلم غير منتظمة لأني أورد النكت و اللمع و لا أقصد التتالي و النسق قوله أجمعت على الابتداء أي عزمت و قال القطب الراوندي تقديره أجمعت عازما على الابتداء قال لأنه لا يقال إلا أجمعت الأمر و لا يقال أجمعت على الأمر قال سبحانه فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ .

[ 49 ]

هذا الذي ذكره الراوندي خلاف نص أهل اللغة قالوا أجمعت الأمر و على الأمر كله جائز نص صاحب الصحاح على ذلك . و المحاسن جمع حسن على غير قياس كما قالوا الملامح و المذاكر و مثله المقابح و الحوار بكسر الحاء مصدر حاورته أي خاطبته و الأنحاء الوجوه و المقاصد و أشدها ملامحة لغرضه أي أشدها إبصارا له و نظرا إليه من لمحت الشي‏ء و هذه استعارة يقال هذا الكلام يلمح الكلام الفلاني أي يشابهه كان ذلك الكلام يلمح و يبصر من هذا الكلام قال الرضي رحمه الله و من عجائبه ع التي انفرد بها و أمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد و المواعظ و التذكير و الزواجر إذا تأمله المتأمل و فكر فيه المفكر و خلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره و نفذ أمره و أحاط بالرقاب ملكه لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظ له في غير الزهادة و لا شغل له بغير العبادة قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى سفح جبل لا يسمع إلا حسه و لا يرى إلا نفسه و لا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقط الرقاب و يجدل الأبطال و يعود به ينطف دما و يقطر مهجا و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد و بدل الأبدال و هذه من فضائله العجيبة و خصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد و ألف بين الأشتات و كثيرا ما أذاكر الإخوان بها و أستخرج عجبهم منها و هي موضع العبرة بها و الكفرة فيها

[ 50 ]

قبع القنفذ يقبع قبوعا إذا أدخل رأسه في جلده و كذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه و كل من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع و كسر البيت جانب الخباء و سفح الجبل أسفله و أصله حيث يسفح فيه الماء و يقط الرقاب يقطعها عرضا لا طولا كما قاله الراوندي و إنما ذاك القد قددته طولا و قططته عرضا قال ابن فارس صاحب المجمل قال ابن عائشة كانت ضربات علي ع في الحرب أبكارا إن اعتلى قد و إن اعترض قط و يجدل الأبطال يلقيهم على الجدالة و هي وجه الأرض و ينطف دما يقطر و الأبدال قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث . كان أمير المؤمنين ع ذا أخلاق متضادة فمنها ما قد ذكره الرضي رحمه الله و هو موضع التعجب لأن الغالب على أهل الشجاعة و الإقدام و المغامرة و الجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية و فتك و تمرد و جبرية و الغالب على أهل الزهد و رفض الدنيا و هجران ملاذها و الاشتغال بمواعظ الناس و تخويفهم المعاد و تذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقة و لين و ضعف قلب و خور طبع و هاتان حالتان متضادتان و قد اجتمعتا له ع . و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و إراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية و طباع حوشية و غرائز وحشية و كذلك الغالب على أهل الزهادة و أرباب الوعظ و التذكير و رفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق و عبوس في الوجوه و نفار من الناس

[ 51 ]

و استيحاش و أمير المؤمنين ع كان أشجع الناس و أعظمهم إراقة للدم و أزهد الناس و أبعدهم عن ملاذ الدنيا و أكثرهم وعظا و تذكيرا بأيام الله و مثلاته و أشدهم اجتهادا في العبادة و آدابا لنفسه في المعاملة و كان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا و أسفرهم وجها و أكثرهم بشرا و أوفاهم هشاشة و أبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر أو تجهم مباعد أو غلظة و فظاظة تنفر معهما نفس أو يتكدر معهما قلب حتى عيب بالدعابة و لما لم يجدوا فيه مغمزا و لا مطعنا تعلقوا بها و اعتمدوا في التنفير عنه عليها

و تلك شكاة ظاهر عنك عارها

و هذا من عجائبه و غرائبه اللطيفة . و منها أن الغالب على شرفاء الناس و من هو من أهل بيت السيادة و الرئاسة أن يكون ذا كبر و تيه و تعظم و تغطرس خصوصا إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى و كان أمير المؤمنين ع في مصاص الشرف و معدنه و معانيه لا يشك عدو و لا صديق أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه ص و قد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة قد ذكرنا بعضها و مع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير و كبير و ألينهم عريكة و أسمحهم خلقا و أبعدهم عن الكبر و أعرفهم بحق و كانت حاله هذه في كلا زمانيه زمان خلافته

[ 52 ]

و الزمان الذي قبله لم تغيره الإمرة و لا أحالت خلقه الرئاسة و كيف تحيل الرئاسة خلقه و ما زال رئيسا و كيف تغير الإمرة سجيته و ما برح أميرا لم يستفد بالخلافة شرفا و لا اكتسب بها زينة بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر و علي و قالوا فأكثروا فرفع رأسه إليهم و قال قد أكثرتم أن عليا لم تزنه الخلافة و لكنه زانها و هذا الكلام دال بفحواه و مفهومه على أن غيره ازدان بالخلافة و تممت نقصه و أن عليا ع لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة و كانت الخلافة ذات نقص في نفسها فتم نقصها بولايته إياها . و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و قتل الأنفس و إراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو لأن أكبادهم واغرة و قلوبهم ملتهبة و القوة الغضبية عندهم شديدة و قد علمت حال أمير المؤمنين ع في كثرة إراقة الدم و ما عنده من الحلم و الصفح و مغالبة هوى النفس و قد رأيت فعله يوم الجمل و لقد أحسن مهيار في قوله

حتى إذا دارت رحى بغيهم
عليهم و سبق السيف العذل
عاذوا بعفو ماجد معود
للعفو حمال لهم على العلل
فنجت البقيا عليهم من نجا
و أكل الحديد منهم من أكل
أطت بهم أرحامهم فلم يطع
ثائرة الغيظ و لم يشف الغلل

و منها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط كان عبد الله بن الزبير شجاعا و كان أبخل الناس و كان الزبير أبوه شجاعا و كان شحيحا قال له عمر لو وليتها لظلت تلاطم الناس

[ 53 ]

في البطحاء على الصاع و المد و أراد علي ع أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال فاحتال لنفسه فشارك الزبير في أمواله و تجاراته فقال ع أما إنه قد لاذ بملاذ و لم يحجر عليه و كان طلحة شجاعا و كان شحيحا أمسك عن الإنفاق حتى خلف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصر و كان عبد الملك شجاعا و كان شحيحا يضرب به المثل في الشح و سمي رشح الحجر لبخله و قد علمت حال أمير المؤمنين ع في الشجاعة و السخاء كيف هي و هذا من أعاجيبه أيضا ع قال الرضي رحمه الله و ربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد و المعنى المكرر و العذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول إما بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن عبارة فتقتضى الحال أن يعاد استظهارا للاختيار و غيره على عقائل الكلام و ربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا فأعيد بعضه سهوا و نسيانا لا قصدا أو اعتمادا و لا أدعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه ع حتى لا يشذ عني منه شاذ و لا يند ناد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي و الحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي و ما علي إلا بذل الجهد و بلاغة الوسع و على الله سبحانه نهج السبيل و إرشاد الدليل . و رأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها و يقرب عليه طلابها و فيه حاجة العالم و المتعلم و بغية البليغ و الزاهد و يمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد و العدل و تنزيه الله سبحانه و تعالى عن شبه الخلق ما هو بلال كل غلة و شفاء كل علة و جلاء كل شبهة و من الله أستمد التوفيق و العصمة و أتنجز التسديد و المعونة و أستعيذه من خطإ الجنان قبل خطإ

[ 54 ]

اللسان و من زلة الكلم قبل زلة القدم و هو حسبي و نعم الوكيل في أثناء هذا الاختيار تضاعيفه واحدها ثني كعذق و أعذاق و الغيرة بالفتح و الكسر خطأ و عقائل الكلام كرائمه و عقيلة الحي كريمته و كذلك عقيلة الذود و الأقطار الجوانب واحدها قطر و الناد المنفرد ند البعير يند الربقة عروة الحبل يجعل فيها رأس البهيمة و قوله و على الله نهج السبيل أي إبانته و إيضاحه نهجت له نهجا و أما اسم الكتاب فنهج البلاغة و النهج هنا ليس بمصدر بل هو اسم للطريق الواضح نفسه و الطلاب بكسر الطاء الطلب و البغية ما يبتغى و بلال كل غلة بكسر الباء ما يبل به الصدى و منه قوله انضحوا الرحم ببلالها أي صلوها بصلتها و ندوها قال أوس

كأني حلوت الشعر حين مدحته
صفا صخرة صماء يبس بلالها

و إنما استعاذ من خطإ الجنان قبل خطإ اللسان لأن خطأ الجنان أعظم و أفحش من خطإ اللسان أ لا ترى أن اعتقاد الكفر بالقلب أعظم عقابا من أن يكفر الإنسان بلسانه و هو غير معتقد للكفر بقلبه و إنما استعاذ من زلة الكلم قبل زلة القدم لأنه أراد زلة القدم الحقيقية و لا ريب أن زلة القدم أهون و أسهل لأن العاثر يستقيل من عثرته و ذا الزلة تجده ينهض من صرعته و أما الزلة باللسان فقد لا تستقال عثرتها و لا ينهض صريعها و طالما كانت لا شوى لها قال أبو تمام

يا زلة ما وقيتم شر مصرعها
و زلة الرأي تنسى زلة القدم

[ 55 ]