القول في أديان العرب في الجاهلية

فأما الأمة التي بعث محمد ص فيها فهم العرب و كانوا أصنافا شتى

[ 118 ]

فمنهم معطلة و منهم غير معطلة فأما المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق و البعث و الإعادة و قالوا ما قال القرآن العزيز عنهم ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا اَلدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ اَلدَّهْرُ فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلك لهم الدهر و بعضهم اعترف بالخالق سبحانه و أنكر البعث و هم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله قالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ و منهم من أقر بالخالق و نوع من الإعادة و أنكروا الرسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة و حجوا لها و نحروا لها الهدي و قربوا لها القربان و حللوا و حرموا و هم جمهور العرب و هم الذين قال الله تعالى عنهم وَ قالُوا ما لِهذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْواقِ . فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثي قتلى بدر

فما ذا بالقليب قليب بدر
من الفتيان و القوم الكرام
و ما ذا بالقليب قليب بدر
من الشيزى تكلل بالسنام
أ يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا
و كيف حياة أصداء وهام
إذا ما الرأس زال بمنكبيه
فقد شبع الأنيس من الطعام
أ يقتلني إذا ما كنت حيا
و يحييني إذ رمت عظامي

[ 119 ]

و كان من العرب من يعتقد التناسخ و تنقل الأرواح في الأجساد و من هؤلاء أرباب الهامة التي

قال ع عنهم لا عدوى و لا هامة و لا صفر و قال ذو الإصبع

يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني

و قالوا إن ليلى الأخيلية لما سلمت على قبر توبة بن الحمير خرج إليها هامة من القبر صائحة أفزعت ناقتها فوقصت بها فماتت و كان ذلك تصديق قوله

و لو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي و دوني جندل و صفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
إليها صدى من جانب القبر صائح

و كان توبة و ليلى في أيام بني أمية . و كانوا في عبادة الأصنام مختلفين فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى و يطلق عليها لفظة الشريك و من ذلك قولهم في التلبية لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك و منهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك و يجعلها وسائل و ذرائع إلى الخالق سبحانه و هم الذين قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اَللَّهِ زُلْفى‏ . و كان في العرب مشبهة و مجسمة منهم أمية بن أبي الصلت و هو القائل

من فوق عرش جالس قد حط
رجليه إلى كرسيه المنصوب

و كان جمهورهم عبدة الأصنام فكان ود لكلب بدومة الجندل و سواع لهذيل

[ 120 ]

و نسر لحمير و يغوث لهمدان و اللات لثقيف بالطائف و العزى لكنانة و قريش و بعض بني سليم و مناة لغسان و الأوس و الخزرج و كان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة و أساف و نائلة على الصفا و المروة و كان في العرب من يميل إلى اليهودية منهم جماعة من التبابعة و ملوك اليمن و منهم نصارى كبني تغلب و العباديين رهط عدي بن زيد و نصارى نجران و منهم من كان يميل إلى الصابئة و يقول بالنجوم و الأنواء . فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم و هم المتألهون أصحاب الورع و التحرج عن القبائح كعبد الله و عبد المطلب و ابنه أبي طالب و زيد بن عمرو بن نفيل و قس بن ساعدة الإيادي و عامر بن الظرب العدواني و جماعة غير هؤلاء . و غرضنا من هذا الفصل بيان قوله ع بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه إلى غير ذلك و قد ظهر بما شرحناه . ثم ذكر ع أن محمدا ص خلف في الأمة بعده كتاب الله تعالى طريقا واضحا و علما قائما و العلم المنار يهتدى به . ثم قسم ما بينه ع في الكتاب أقساما فمنها حلاله و حرامه فالحلال كالنكاح و الحرام كالزنا . و منها فضائله و فرائضه فالفضائل النوافل أي هي فضلة غير واجبة كركعتي الصبح و غيرهما و الفرائض كفريضة الصبح . و قال الراوندي الفضائل هاهنا جمع فضيلة و هي الدرجة الرفيعة و ليس بصحيح أ لا تراه كيف جعل الفرائض في مقابلتها و قسيما لها فدل ذلك على أنه أراد النوافل .

[ 121 ]

و منها ناسخه و منسوخه فالناسخ كقوله فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ و المنسوخ كقوله لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ . و منها رخصه و عزائمه فالرخص كقوله تعالى فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ و العزائم كقوله فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اَللَّهُ . و منها خاصه و عامه فالخاص كقوله تعالى وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ و العام كالألفاظ الدالة على الأحكام العامة لسائر المكلفين كقوله وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ و يمكن أن يراد بالخاص العمومات التي يراد بها الخصوص كقوله وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و بالعام ما ليس مخصوصا بل هو على عمومه كقوله تعالى وَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ . و منها عبره و أمثاله فالعبر كقصة أصحاب الفيل و كالآيات التي تتضمن النكال و العذاب النازل بأمم الأنبياء من قبل و الأمثال كقوله كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً . و منها مرسله و محدوده و هو عبارة عن المطلق و المقيد و سمي المقيد محدودا و هي لفظة فصيحة جدا كقوله تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ و قال في موضع آخر وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ و منها محكمه و متشابهه فمحكمه كقوله تعالى قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ و المتشابه كقوله إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ . ثم قسم ع الكتاب قسمة ثانية فقال إن منه ما لا يسع أحدا جهله

[ 122 ]

و منه ما يسع الناس جهله مثال الأول قوله اَللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ و مثال الثاني كهيعص حم عسق . ثم قال و منه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنة و ما حكمه مذكور في السنة منسوخ بالكتاب مثال الأول قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اَلْمَوْتُ نسخ بما سنه ع من رجم الزاني المحصن و مثال الثاني صوم يوم عاشوراء كان واجبا بالسنة ثم نسخه صوم شهر رمضان الواجب بنص الكتاب . ثم قال و بين واجب بوقته و زائل في مستقبله يريد الواجبات الموقتة كصلاة الجمعة فإنها تجب في وقت مخصوص و يسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت . ثم قال ع و مباين بين محارمه الواجب أن يكون و مباين بالرفع لا بالجر فإنه ليس معطوفا على ما قبله أ لا ترى أن جميع ما قبله يستدعي الشي‏ء و ضده أو الشي‏ء و نقيضه و قوله و مباين بين محارمه لا نقيض و لا ضد له لأنه ليس القرآن العزيز على قسمين أحدهما مباين بين محارمه و الآخر غير مباين فإن ذلك لا يجوز فوجب رفع مباين و أن يكون خبر مبتدأ محذوف ثم فسر ما معنى المباينة بين محارمه فقال إن محارمه تنقسم إلى كبيرة و صغيرة فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب و الصغيرة مغفورة و هذا نص مذهب المعتزلة في الوعيد . ثم عدل ع عن تقسيم المحارم المتباينة و رجع إلى تقسيم الكتاب فقال و بين مقبول في أدناه و موسع في أقصاه كقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ . فإن القليل من القرآن مقبول و الكثير منه موسع مرخص في تركه

[ 123 ]

وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ اَلْحَرَامِ اَلَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْأَنَامِ يَرِدُونَهُ وُرُودَ اَلْأَنْعَامِ وَ يَوْلَهُونَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلَهَ وُلُوهَ اَلْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اِخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ اَلْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ يُحْرِزُونَ اَلْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلاَمِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِينَ حَرَماً وَ فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ كَتَبَ عَلَيْهِ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعالَمِينَ الوله شدة الوجد حتى يكاد العقل يذهب وله الرجل يوله ولها و من روى يألهون إليه ولوه الحمام فسره بشي‏ء آخر و هو يعكفون عليه عكوف الحمام و أصل أله عبد و منه الإله أي المعبود و لما كان العكوف على الشي‏ء كالعبادة له لملازمته و الانقطاع إليه قيل أله فلان إلى كذا أي عكف عليه كأنه يعبده و لا يجوز أن يقال يألهون إليه في هذا الموضع بمعنى يولهون و أن أصل الهمزة الواو كما فسره الراوندي لأن فعولا لا يجوز أن يكون مصدرا من فعلت بالكسر و لو كان يألهون هو يولهون كان أصله أله بالكسر فلم يجز أن يقول ولوه الحمام و أما على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا لأن أله مفتوح فصار كقولك دخل دخولا و باقي الفصل غني عن التفسير

[ 124 ]