استطراد بذكر طائفة من الاستعارات

و اعلم أن أحسن الاستعارات ما تضمن مناسبة بين المستعار و المستعار منه كهذه الاستعارات فإن قوله ع شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة من هذا النوع و ذلك لأن الفتن قد تتضاعف و تترادف فحسن تشبيهها بأمواج البحر المضطربة و لما كانت السفن الحقيقية تنجي من أمواج البحر حسن أن يستعار لفظ السفن لما ينجي من الفتن و كذلك قوله و ضعوا تيجان المفاخرة لأن التاج لما كان مما يعظم به قدر الإنسان استعارة لما يتعظم به الإنسان من الافتخار و ذكر القديم و كذلك استعارة النهوض بالجناح لمن اعتزل الناس كأنه لما نفض يديه عنهم صار كالطائر الذي ينهض من الأرض بجناحيه . و في الاستعارات ما هو خارج عن هذا النوع و هو مستقبح و ذلك كقول أبي نواس

بح صوت المال مما
منك يبكي و ينوح

و كذلك قوله

ما لرجل المال أضحت
تشتكي منك الكلالا

[ 216 ]

و قول أبي تمام

و كم أحرزت منكم على قبح قدها
صروف النوى من مرهف حسن القد

و كقوله

بلوناك أما كعب عرضك في العلا
فعال و لكن خد مالك أسفل

فإنه لا مناسبة بين الرجل و المال و لا بين الصوت و المال و لا معنى لتصييره للنوى قدا و لا للعرض كعبا و لا للمال خدا . و قريب منه أيضا قوله

لا تسقني ماء الملام فإنني
صب قد استعذبت ماء بكائي

و يقال إن مخلدا الموصلي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام فقال لصاحبه قل له يبعث إلي بريشة من جناح الذل لأستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه . و هذا ظلم من أبي تمام المخلد و ما الأمران سوء لأن الطائر إذا أعيا و تعب ذل و خفض جناحيه و كذلك الإنسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلا و يده جناحه فذاك هو الذي حسن قوله تعالى وَ اِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ أ لا ترى أنه لو قال و اخفض لهما ساق الذل أو بطن الذل لم يكن مستحسنا . و من الاستعارة المستحسنة في الكلام المنثور ما اختاره قدامة بن جعفر في كتاب الخراج نحو قول أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة في جوابه لأبي الجيش خمارويه

[ 217 ]

بن أحمد بن طولون عن المعتضد بالله لما كتب بإنفاذ ابنته قطر الندى التي تزوجها المعتضد و ذلك قول ابن ثوابة هذا و أما الوديعة فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك عناية بها و حياطة لها و رعاية لمودتك فيها . و قال ابن ثوابة لما كتب هذا الكتاب لأبي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد و الله إن تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة . و ذكر أحمد بن يوسف الكاتب رجلا خلا بالمأمون فقال ما زال يفتله في الذروة و الغارب حتى لفته عن رأيه . و قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي النبيذ قيد الحديث . و ذكر بعضهم رجلا فذمه فقال هو أملس ليس فيه مستقر لخير و لا شر . و رضي بعض الرؤساء عن رجل من موجدة ثم أقبل يوبخه عليها فقال إن رأيت ألا تخدش وجه رضاك بالتوبيخ فافعل . و قال بعض الأعراب خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صورة الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان . و غزت حنيفة نميرا فأتبعتهم نمير فأتوا عليهم فقيل لرجل منهم كيف صنع قومك قال اتبعوهم و الله و قد أحقبوا كل جمالية خيفانة فما زالوا يخصفون آثار المطي بحوافر الخيل حتى لحقوهم فجعلوا المران أرشية الموت فاستقوا بها أرواحهم . و من كلام لعبد الله بن المعتز يصف القلم يخدم الإرادة و لا يمل الاستزادة

[ 218 ]

و يسكت واقفا و ينطق سائرا على أرض بياضها مظلم و سوادها مضي‏ء . فأما القطب الراوندي فقال قوله ع شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة معناه كونوا مع أهل البيت لأنهم سفن النجاة

لقوله ع مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق . و لقائل أن يقول لا شبهة أن أهل البيت سفن النجاة و لكنهم لم يرادوا هاهنا بهذه اللفظة لأنه لو كان ذلك هو المراد لكان قد أمر أبا سفيان و العباس بالكون مع أهل البيت و مراده الآن ينقض ذلك لأنه يأمر بالتقية و إظهار اتباع الذين عقد لهم الأمر و يرى أن الاستسلام هو المتعين فالذي ظنه الراوندي لا يحتمله الكلام و لا يناسبه . و قال أيضا التعريج على الشي‏ء الإقامة عليه يقال عرج فلان على المنزل إذا حبس نفسه عليه فالتقدير عرجوا على الاستقامة منصرفين عن المنافرة . و لقائل أن يقال التعريج يعدى تارة بعن و تارة بعلى فإذا عديته بعن أردت التجنب و الرفض و إذا عديته بعلى أردت المقام و الوقوف و كلامه ع معدى بعن قال و عرجوا عن طريق المنافرة . و قال أيضا آنس بالموت أي أسر به و ليس بتفسير صحيح بل هو من الأنس ضد الوحشة