22 ـ و من خطبة له ع

أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَرَ ذَمَّرَ حِزْبَهُ وَ اِسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ لِيَعُودَ اَلْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ يَرْجِعَ اَلْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا اَلتَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ يَا خَيْبَةَ اَلدَّاعِي مَنْ دَعَا وَ إِلاَمَ أُجِيبَ وَ إِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ اَلسَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ نَاصِراً لِلْحَقِّ وَ مِنَ اَلْعَجَبِ بَعْثُهُمْ بَعْثَتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلاَدِ هَبِلَتْهُمُ اَلْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وَ إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي

[ 304 ]

يروى ذمر بالتخفيف و ذمر بالتشديد و أصله الحض و الحث و التشديد دليل على التكثير . و استجلب جلبه الجلب بفتح اللام ما يجلب كما يقال جمع جمعه و يروى جلبه و جلبه و هما بمعنى و هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه أي جمع قوما كالجهام الذي لا نفع فيه و روي ليعود الجور إلى قطابه و القطاب مزاج الخمر بالماء أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان و يجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب و هو مدخل الرأس فيه أي ليعود الجور إلى لباسه و ثوبه . و قال الراوندي قطابه أصله و ليس ذلك بمعروف في اللغة . و روي الباطل بالنصب على أن يكون يرجع متعديا تقول رجعت زيدا إلى كذا و المعنى و يرد الجور الباطل إلى أوطانه . و قال الراوندي يعود أيضا مثل يرجع يكون لازما و متعديا و أجاز نصب الجور به و هذا غير صحيح لأن عاد لم يأت متعديا و إنما يعدى بالهمزة . و النصف الذي ينصف . و قال الراوندي النصف النصفة و المعنى لا يحتمله لأنه لا معنى لقوله و لا جعلوا بيني و بينهم إنصافا بل المعنى لم يجعلوا ذا انصاف بيني و بينهم . يرتضعون أما قد فطمت يقول يطلبون الشي‏ء بعد فواته لأن الأم إذا فطمت ولدها فقد انقضى إرضاعها . و قوله يا خيبة الداعي هاهنا كالنداء في قوله تعالى يا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبادِ و قوله يا حَسْرَتَنا عَلى‏ ما فَرَّطْنا فِيها أي يا خيبة احضري فهذا أوانك .

[ 305 ]

و كلامه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل و الداعي هو أحد الثلاثة الرجلان و المرأة . ثم قال على سبيل الاستصغار لهم و الاستحقار من دعا و إلى ما ذا أجيب أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي و أقبح بالأمر الذي أجابوه إليه فما أفحشه و أرذله . و قال الراوندي يا خيبة الداعي تقديره يا هؤلاء فحذف المنادى ثم قال خيبة الداعي أي خاب الداعي خيبة و هذا ارتكاب ضرورة لا حاجة إليها و إنما يحذف المنادى في المواضع التي دل الدليل فيها على الحذف كقوله

يا فانظر أيمن الوادي على إضم

و أيضا فإن المصدر الذي لا عامل فيه غير جائز حذف عامله و تقدير حذفه تقدير ما لا دليل عليه . و هبلته أمه بكسر الباء ثكلته . و قوله لقد كنت و ما أهدد بالحرب معناه ما زلت لا أهدد بالحرب و الواو زائدة و هذه كلمة فصيحة كثيرا ما تستعملها العرب و قد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله وَ كانَ اَللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً و نحو ذلك من الآي معنى ذلك لم يزل الله عليما حكيما و الذي تأوله المرتضى رحمه الله تعالى في تكملة الغرر و الدرر كلام متكلف و الوجه الصحيح ما ذكرناه . و هذه الخطبة ليست من خطب صفين كما ذكره الراوندي بل من خطب الجمل و قد ذكر كثيرا منها أبو مخنف رحمه الله تعالى

قال حدثنا مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس .

[ 306 ]

قال لما رجعت رسل علي ع من عند طلحة و الزبير و عائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ص ثم قال أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا و وبختهم بنكثهم و عرفتهم بغيهم فلم يستحيوا و قد بعثوا إلي أن أبرز للطعان و أصبر للجلاد و إنما تمنيك نفسك أماني الباطل و تعدك الغرور ألا هبلتهم الهبول لقد كنت و ما أهدد بالحرب و لا أرهب بالضرب و لقد أنصف القارة من راماها فليرعدوا و ليبرقوا فقد رأوني قديما و عرفوا نكايتي فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين و فرقت جماعتهم و بذلك القلب ألقى عدوي اليوم و إني لعلى ما وعدني ربي من النصر و التأييد و على يقين من أمري و في غير شبهة من ديني أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم و لا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد و لا محيص من لم يقتل مات إن أفضل الموت القتل و الذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش اللهم إن طلحة نكث بيعتي و ألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به و رماني اللهم فلا تمهله اللهم إن الزبير قطع رحمي و نكث بيعتي و ظاهر على عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت ثم نزل

[ 307 ]