نسب معاوية بن أبي سفيان و ذكر بعض أخباره

و معاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي . و أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي و هي أم أخيه عتبة بن أبي سفيان فأما يزيد بن أبي سفيان و محمد بن أبي سفيان و عنبسة بن أبي سفيان و حنظلة بن أبي سفيان و عمرو بن أبي سفيان فمن أمهات شتى . و أبو سفيان هو الذي قاد قريشا في حروبها إلى النبي ص و هو رئيس بني عبد شمس بعد قتل عتبة بن ربيعة ببدر ذاك صاحب العير و هذا صاحب النفير و بهما يضرب المثل فيقال للخامل لا في العير و لا في النفير . و روى الزبير بن بكار أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك فقال لقد هممت اليوم يا أخي أن أفتك بالوليد بن عبد الملك قال بئسما هممت به في ابن أمير المؤمنين و ولي عهد المسلمين فما ذاك قال إن خيلي مرت به فعبث بها و أصغرني فقال خالد أنا أكفيك فدخل على عبد الملك و الوليد عنده فقال يا أمير المؤمنين إن الوليد مرت به خيل ابن عمه عبد الله فعبث بها و أصغره و كان عبد الملك مطرقا فرفع رأسه و قال إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ فقال خالد وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً فقال عبد الملك أ في عبد الله تكلمني و الله لقد دخل أمس علي فما أقام لسانه لحنا قال

[ 335 ]

خالد أ فعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين قال عبد الملك إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا فقال خالد و إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالدا لا فالتفت الوليد إلى خالد و قال له اسكت ويحك فو الله ما تعد في العير و لا في النفير فقال اسمع يا أمير المؤمنين ثم التفت إلى الوليد فقال له ويحك فمن صاحب العير و النفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير و جدي عتبة صاحب النفير و لكن لو قلت غنيمات و حبيلات و الطائف و رحم الله عثمان لقلنا صدقت . و هذا من الكلام المستحسن و الألفاظ الفصيحة و الجوابات المسكتة و إنما كان أبو سفيان صاحب العير لأنه هو الذي قدم بالعير التي رام رسول الله ص و أصحابه أن يعترضوها و كانت قادمة من الشام إلى مكة تحمل العطر و البر فنذر بهم أبو سفيان فضرب وجوه العير إلى البحر فساحل بها حتى أنقذها منهم و كانت وقعة بدر العظمى لأجلها لأن قريشا أتاهم النذير بحالها و بخروج النبي ص بأصحابه من المدينة في طلبها لينفروا و كان رئيس الجيش النافر لحمايتها عتبة بن ربيعة بن شمس جد معاوية لأمه . و أما غنيمات و حبيلات إلى آخر الكلام فإن رسول الله ص لما طرد الحكم بن أبي العاص إلى الطائف لأمور نقمها عليه أقام بالطائف في حبلة ابتاعها و هي الكرمة و كان يرعى غنيمات اتخذها يشرب من لبنها فلما ولي أبو بكر شفع إليه عثمان في أن يرده فلم يفعل فلما ولي عمر شفع إليه أيضا فلم يفعل فلما ولي هو الأمر رده و الحكم جد عبد الملك فعيرهم خالد بن يزيد به . و بنو أمية صنفان الأعياص و العنابس فالأعياص العاص و أبو العاص

[ 336 ]

و العيص و أبو العيص و العنابس حرب و أبو حرب و سفيان و أبو سفيان فبنو مروان و عثمان من الأعياص و معاوية و ابنة من العنابس و لكل واحد من الصنفين المذكورين و شيعتهم كلام طويل و اختلاف شديد في تفضيل بعضهم على بعض . و كانت هند تذكر في مكة بفجور و عهر . و قال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو و إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة و إلى العباس بن عبد المطلب و إلى الصباح مغن كان لعمارة بن الوليد قال و قد كان أبو سفيان دميما قصيرا و كان الصباح عسيفا لأبي سفيان شابا وسيما فدعته هند إلى نفسها فغشيها . و قالوا إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا و قالوا إنها كرهت أن تدعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك و في هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين و المشركين في حياة رسول الله ص قبل عام الفتح

لمن الصبي بجانب البطحا
في الترب ملقى غير ذي مهد
نجلت به بيضاء آنسة
من عبد شمس صلتة الخد

و الذين نزهوا هندا عن هذا القذف رووا غير هذا فروى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن هندا كانت تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي و كان له بيت ضيافة يغشاه الناس فيدخلونه من غير إذن فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع فيه الفاكه و هند ثم قام الفاكه و ترك هندا في البيت لأمر عرض له ثم عاد إلى البيت فإذا رجل قد خرج من البيت فأقبل إلى هند فركلها برجله و قال من الذي كان عندك فقالت لم يكن عندي

[ 337 ]

أحد و إنما كنت نائمة فقال الحقي بأهلك فقامت من فورها إلى أهلها فتكلم الناس في ذلك فقال لها عتبة أبوها يا بنية إن الناس قد أكثروا في أمرك فأخبريني بقصتك على الصحة فإن كان لك ذنب دسست إلى الفاكه من يقتله فتنقطع عنك القالة فحلفت أنها لا تعرف لنفسها جرما و إنه لكاذب عليها فقال عتبة للفاكه إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فهل لك أن تحاكمني إلى بعض الكهنة فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم و خرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف و أخرج معه هندا و نسوة معها فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيرت حال هند و تنكر أمرها و اختطف لونها فرأى ذلك أبوها فقال لها إني أرى ما بك و ما ذاك إلا لمكروه عندك فهلا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا قالت يا أبت إن الذي رأيت مني ليس لمكروه عندي و لكني أعلم أنكم تأتون بشرا يخطئ و يصيب و لا آمن أن يسمني ميسما يكون علي عارا عند نساء مكة قال لها فإني سأمتحنه قبل المسألة بأمر ثم صفر بفرس له فأدلى ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليله و شده بسير و تركه حتى إذا وردوا على الكاهن أكرمهم و نحر لهم فقال عتبة إنا قد جئناك لأمر و قد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو فقال ثمرة في كمرة فقال أبين من هذا قال حبة بر في إحليل مهر قال صدقت انظر الآن في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من واحدة واحدة منهن و يقول انهضي حتى صار إلى هند فضرب على كتفها و قال انهضي غير رقحاء و لا زانية و لتلدن ملكا يقال له معاوية فوثب إليها الفاكه فأخذها بيده و قال قومي إلى بيتك فجذبت يدها من يده و قالت إليك عني فو الله لا كان منك و لا كان إلا من غيرك فتزوجها أبو سفيان بن حرب . الرقحاء البغي التي تكتسب بالفجور و الرقاحة التجارة .

[ 338 ]

و ولي معاوية اثنتين و أربعين سنة منها اثنتان و عشرون سنة ولي فيها إمارة الشام منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان بعد خمس سنين من خلافة عمر إلى أن قتل أمير المؤمنين علي ع في سنة أربعين و منها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستين . و مر به إنسان و هو غلام يلعب مع الغلمان فقال إني أظن هذا الغلام سيسود قومه فقالت هند ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه . و لم يزل معاوية ذا همة عالية يطلب معالي الأمور و يرشح نفسه للرئاسة و كان أحد كتاب رسول الله ص و اختلف في كتابته له كيف كانت فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحي كان يكتبه علي ع و زيد بن ثابت و زيد بن أرقم و أن حنظلة بن الربيع التيمي و معاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك و إلى رؤساء القبائل و يكتبان حوائجه بين يديه و يكتبان ما يجبى من أموال الصدقات و ما يقسم في أربابها . و كان معاوية على أس الدهر مبغضا لعلي ع شديد الانحراف عنه و كيف لا يبغضه و قد قتل أخاه حنظلة يوم بدر و خاله الوليد بن عتبة و شرك عمه في جده و هو عتبة أو في عمه و هو شيبة على اختلاف الرواية و قتل من بني عمه عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم و أماثلهم ثم جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه و انضواء كثير من قتلته إليه ع فتأكدت البغضة و ثارت الأحقاد و تذكرت تلك الترات الأولى حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى إليه . و قد كان معاوية مع عظم قدر علي ع في النفوس و اعتراف العرب بشجاعته و أنه البطل الذي لا يقام له يتهدده و عثمان بعد حي بالحرب و المنابذة و يراسله من الشام رسائل خشنة حتى قال له في وجهه ما رواه أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل قال

[ 339 ]

قدم معاوية المدينة قدمة أيام عثمان في أواخر خلافته فجلس عثمان يوما للناس فاعتذر من أمور نقمت عليه فقال إن رسول الله ص قبل توبة الكافر و إني رددت الحكم عمي لأنه تاب فقبلت توبته و لو كان بينه و بين أبي بكر و عمر من الرحم ما بيني و بينه لآوياه فأما ما نقمتم علي أني أعطيت من مال الله فإن الأمر إلي أحكم في هذا المال بما أراه صلاحا للأمة و إلا فلما ذا كنت خليفة فقطع عليه الكلام معاوية و قال للمسلمين الحاضرين عنده أيها المهاجرون قد علمتم أنه ليس منكم رجل إلا و قد كان قبل الإسلام مغمورا في قومه تقطع الأمور من دونه حتى بعث الله رسوله فسبقتم إليه و أبطأ عنه أهل الشرف و الرئاسة فسدتم بالسبق لا بغيره حتى إنه ليقال اليوم رهط فلان و آل فلان و لم يكونوا قبل شيئا مذكورا و سيدوم لكم هذا الأمر ما استقمتم فإن تركتم شيخنا هذا يموت على فراشه و إلا خرج منكم و لا ينفعكم سبقكم و هجرتكم . فقال له علي ع ما أنت و هذا يا ابن اللخناء فقال معاوية مهلا يا أبا الحسن عن ذكر أمي فما كانت بأخس نسائكم و لقد صافحها رسول الله ص يوم أسلمت و لم يصافح امرأة غيرها أما لو قالها غيرك فنهض علي ع ليخرج مغضبا فقال عثمان اجلس فقال له لا أجلس فقال عزمت عليك لتجلسن فأبى و ولى فأخذ عثمان طرف ردائه فترك الرداء في يده و خرج فأتبعه عثمان بصره فقال و الله لا تصل إليك و لا إلى أحد من ولدك . قال أسامة بن زيد كنت حاضرا هذا المجلس فعجبت في نفسي من تألي عثمان فذكرته لسعد بن أبي وقاص فقال لا تعجب فإني

سمعت رسول الله ص يقول لا ينالها علي و لا ولده . قال أسامة فإني في الغد لفي المسجد و علي و طلحة و الزبير و جماعة من المهاجرين جلوس إذ جاء معاوية فتآمروا بينهم ألا يوسعوا له فجاء حتى جلس بين أيديهم

[ 340 ]

فقال أ تدرون لما ذا جئت قالوا لا قال إني أقسم بالله إن لم تتركوا شيخكم يموت على فراشه لا أعطيكم إلا هذا السيف ثم قام فخرج . فقال علي ع لقد كنت أحسب أن عند هذا شيئا فقال له طلحة و أي شي‏ء يكون عنده أعظم مما قال قاتله الله لقد رمى الغرض فأصاب و الله ما سمعت يا أبا الحسن كلمة هي أملأ لصدرك منها . و معاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله يرمى بالزندقة و قد ذكرنا في نقض السفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الإلحاد و التعرض لرسول الله ص و ما تظاهر به من الجبر و الإرجاء و لو لم يكن شي‏ء من ذلك لكان في محاربته الإمام ما يكفي في فساد حاله لا سيما على قواعد أصحابنا و كونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار و الخلود فيها إن لم تكفرها التوبة