أهل العراق و خطب الحجاج فيهم

و قال أبو عثمان الجاحظ العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء و طاعة أهل الشام أن أهل العراق أهل نظر و ذوو فطن ثاقبة و مع الفطنة و النظر يكون التنقيب و البحث و مع التنقيب و البحث يكون الطعن و القدح و الترجيح بين الرجال و التمييز بين الرؤساء و إظهار عيوب الأمراء و أهل الشام ذوو بلادة و تقليد و جمود على رأي واحد لا يرون النظر و لا يسألون عن مغيب الأحوال . و ما زال العراق موصوفا أهله بقلة الطاعة و بالشقاق على أولي الرئاسة . و من كلام الحجاج يا أهل العراق يا أهل الشقاق و النفاق و مساوئ الأخلاق أما و الله لألحونكم لحو العصا و لأعصبنكم عصب السلم و لأضربنكم ضرب غرائب الإبل إني أسمع لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب و لكنه تكبير الترهيب ألا إنها عجاجة تحتها قصف يا بني اللكيعة و عبيد العصا و أبناء الإماء إنما مثلي و مثلكم كما قال ابن براقة

و كنت إذا قوم غزوني غزوتهم
فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

[ 344 ]

متى تجمع القلب الذكي و صارما
و أنفا حميا تجتنبك المظالم

و الله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذاهب . و كانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة فأشفق من الفتنة . و مما خطب به في ذم أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم . يا أهل العراق يا أهل الشقاق و النفاق إن الشيطان استبطنكم فخالط اللحم و الدم و العصب و المسامع و الأطراف و الأعضاء و الشغاف ثم أفضى إلى الأمخاخ و الأصماخ ثم ارتفع فعشش ثم باض ففرخ فحشاكم نفاقا و شقاقا و ملأكم غدرا و خلافا اتخذتموه دليلا تتبعونه و قائدا تطيعونه و مؤامرا تستشيرونه فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم واقعة أو يحجزكم إسلام أو يعصمكم ميثاق أ لستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر و سعيتم بالغدر و ظننتم أن الله يخذل دينه و خلافته و أنا أرميكم بطرفي و أنتم تتسللون لواذا و تنهزمون سراعا ثم يوم الزاوية و ما يوم الزاوية بها كان فشلكم و كسلكم و تخاذلكم و تنازعكم و براءة الله منكم و نكول وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها لا يسأل المرء عن أخيه و لا يلوي الأب على بنيه لما عضكم السلاح و قصمتكم الرماح ثم يوم دير الجماجم و ما يوم دير الجماجم

[ 345 ]

بها كانت المعارك و الملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله و يذهل الخليل عن خليله . يا أهل العراق يا أهل الشقاق و النفاق الكفرات بعد الفجرات و الغدرات بعد الخترات و النزوة بعد النزوات إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم و خنتم و إن أمنتم أرجفتم و إن خفتم نافقتم لا تذكرون حسنة و لا تشكرون نعمة . هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو أو استفزكم عاص أو استنصركم ظالم أو استعضدكم خالع إلا اتبعتموه و آويتموه و نصرتموه و زكيتموه . يا أهل العراق هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو زفر كاذب إلا كنتم أشياعه و أتباعه و حماته و أنصاره . يا أهل العراق أ لم تزجركم المواعظ أ لم تنبهكم الوقائع أ لم تردعكم الحوادث . ثم التفت إلى أهل الشام و هم حول المنبر فقال يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر و يباعد عنها الحجر و يكنها من المطر و يحميها من الضباب و يحرسها من الذئاب . يا أهل الشام أنتم الجنة و الرداء و أنتم العدة و الحذاء . ثم نزل .

[ 346 ]

و من خطبة له في هذا المعنى و قد أراد الحج يا أهل الكوفة إني أريد الحج و قد استخلفت عليكم ابني محمدا و أوصيته بخلاف وصية رسول الله ص في الأنصار فإنه أمر أن يقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم و إني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم و لا يتجاوز عن مسيئكم ألا و إنكم ستقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة ألا و إني معجل لكم الجواب لا أحسن الله لكم الخلافة . و من خطبة له في هذا المعنى يا أهل الكوفة إن الفتنة تلقح بالنجوى و تنتج بالشكوى و تحصد بالسيف أما و الله إن أبغضتموني لا تضروني و إن أحببتموني لا تنفعوني و ما أنا بالمستوحش لعداوتكم و لا المستريح إلى مودتكم زعمتم أني ساحر و قد قال الله تعالى وَ لا يُفْلِحُ اَلسَّاحِرُ و قد أفلحت و زعمتم أني أعلم الاسم الأكبر فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون . ثم التفت إلى أهل الشام فقال لأزواجكم أطيب من المسك و لأبناؤكم آنس بالقلب من الولد و ما أنتم إلا كما قال أخو ذبيان

إذا حاولت في أسد فجورا
فإني لست منك و لست مني
هم درعي التي استلأمت فيها
إلى يوم النسار و هم مجني

[ 347 ]

ثم قال بل أنتم يا أهل الشام كما قال الله سبحانه وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ اَلْغالِبُونَ . و خطب مرة بعد موت أخيه و ابنه قال بلغني أنكم تقولون يموت الحجاج و مات الحجاج فمه و ما كان ما ذا و الله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت و ما رضي الله البقاء إلا لأهون المخلوقين عليه إبليس قالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ ثم قال يا أهل العراق أتيتكم و أنا ذو لمة وافرة أرفل فيها فما زال بي شقاقكم و عصيانكم حتى حص شعري ثم كشف رأسه و هو أصلع و قال

من يك ذا لمة يكشفها
فإنني غير ضائري زعري
لا يمنع المرء أن يسود و أن
يضرب بالسيف قلة الشعر

فأما قوله ع اللهم أبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني و لا خير فيهم و لا شر فيه ع فإن أفعل هاهنا بمنزلته في قوله تعالى أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي اَلنَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ اَلْقِيامَةِ و بمنزلته في قوله قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ .

[ 348 ]

و يحتمل أن يكون الذي تمناه ع من إبداله بهم خيرا منهم قوما صالحين ينصرونه و يوفقون لطاعته . و يحتمل أن يريد بذلك ما بعد الموت من مرافقة النبي ص . و قال القطب الراوندي بنو فراس بن غنم هم الروم و ليس بجيد و الصحيح ما ذكرناه . و البيت المتمثل به أخيرا لأبي جندب الهذلي و أول الأبيات

ألا يا أم زنباع أقيمي
صدور العيس نحو بني تميم

و هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين ع بعد فراغه من صفين و انقضاء أمر الحكمين و الخوارج و هي من أواخر خطبه ع . تم الجزء الأول من شرح نهج البلاغة بحمد الله و منه و الحمد لله وحده العزيز و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين